Ar-RaziAn‑Nisa · 4:64–65

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:64–65

4:64Page 88

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا ٦٤

And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allāh. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muḥammad], and asked forgiveness of Allāh and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allāh Accepting of Repentance and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِطاعَةِ الرَّسُولِ في قَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ ثُمَّ حَكى أنَّ بَعْضَهم تَحاكَمَ إلى الطّاغُوتِ ولَمْ يَتَحاكَمْ إلى الرَّسُولِ، وبَيَّنَ قُبْحَ طَرِيقِهِ وفَسادَ مَنهَجِهِ، رَغَّبَ في هَذِهِ الآيَةِ مَرَّةً أُخْرى في طاعَةِ الرَّسُولِ فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: كَلِمَةُ ”مِن“ هَهُنا صِلَةٌ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا رَسُولًا، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا مِن هَذا الجِنْسِ أحَدًا إلّا كَذا وكَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ المُبالَغَةُ أتَمَّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: وما أرْسَلْتُ مِن رَسُولٍ إلّا وأنا مُرِيدٌ أنْ يُطاعَ ويُصَدَّقَ ولَمْ أُرْسِلْهُ لِيُعْصى. قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ لِأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى أرْسَلَ رُسُلًا لِتُعْصى، والعاصِي مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ يَبْقى عَلى الكُفْرِ، وقَدْ نَصَّ اللَّهُ عَلى كَذِبِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ إلّا هَذِهِ الآيَةُ لَكَفى، وكانَ يَجِبُ عَلى قَوْلِهِمْ أنْ يَكُونَ قَدْ أرْسَلَ الرُّسُلَ لِيُطاعُوا ولِيُعْصَوْا جَمِيعًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَعْصِيَتَهم لِلرُّسُلِ غَيْرُ مُرادَةٍ لِلَّهِ، وأنَّهُ تَعالى ما أرادَ إلّا أنْ يُطاعَ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ في غايَةِ الضَّعْفِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (إلّا لِيُطاعَ) يَكْفِي في تَحْقِيقِ مَفْهُومِهِ أنْ يُطِيعَهُ مُطِيعٌ واحِدٌ في وقْتٍ واحِدٍ، ولَيْسَ مِن شَرْطِ تَحَقُّقِ مَفْهُومِهِ أنْ يُطِيعَهُ جَمِيعُ النّاسِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ: وهو أنَّ كُلَّ مَن أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَقَدْ أطاعَهُ بَعْضُ النّاسِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: تَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ، إلّا أنَّ الجُبّائِيَّ لا يَقُولُ بِذَلِكَ، فَسَقَطَ هَذا الإشْكالُ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ.

الثّانِي: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ أنَّ كُلَّ كافِرٍ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُقِرَّ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] أوْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى إيمانِ الكُلِّ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الوَصْفَ في جانِبِ الثُّبُوتِ

صفحة ١٢٩

يَكْفِي في حُصُولِ مُسَمّاهُ ثُبُوتُهُ في بَعْضِ الصُّوَرِ وفي بَعْضِ الأحْوالِ.

الثّالِثُ: أنَّ العِلْمَ بِعَدَمِ الطّاعَةِ مَعَ وُجُودِ الطّاعَةِ مُتَضادّانِ، والضِّدّانِ لا يَجْتَمِعانِ، وذَلِكَ العِلْمُ مُمْتَنِعُ العَدَمِ، فَكانَتِ الطّاعَةُ مُمْتَنِعَةَ الوُجُودِ، واللَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَكانَ عالِمًا بِكَوْنِ الطّاعَةِ مُمْتَنِعَةَ الوُجُودِ، والعالِمُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ مُمْتَنِعَ الوُجُودِ لا يَكُونُ مُرِيدًا لَهُ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ القاطِعِ أنْ يَسْتَحِيلَ أنْ يُرِيدَ اللَّهُ مِنَ الكافِرِ كَوْنَهُ مُطِيعًا، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكَلامِ لَيْسَ الإرادَةَ بَلِ الأمْرَ.

والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُؤْمَرُ النّاسُ بِطاعَتِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ سَقَطَ الإشْكالُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُنا: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والكُفْرِ والإيمانِ والطّاعَةِ والعِصْيانِ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الإذْنِ الأمْرَ والتَّكْلِيفَ، لِأنَّهُ لا مَعْنى لِكَوْنِهِ رَسُولًا إلّا أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِطاعَتِهِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الإذْنِ هو هَذا لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: وما أذِنّا في طاعَةِ مَن أرْسَلْناهُ إلّا بِإذْنِنا وهو تَكْرارٌ قَبِيحٌ، فَوَجَبَ حَمْلُ الإذْنِ عَلى التَّوْفِيقِ والإعانَةِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِتَوْفِيقِنا وإعانَتِنا، وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ ما أرادَ مِنَ الكُلِّ طاعَةَ الرَّسُولِ، بَلْ لا يُرِيدُ ذَلِكَ إلّا مِنَ الَّذِي وفَّقَهُ اللَّهُ لِذَلِكَ وأعانَهُ عَلَيْهِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. وأمّا المَحْرُومُونَ مِنَ التَّوْفِيقِ والإعانَةِ فاللَّهُ تَعالى ما أرادَ ذَلِكَ مِنهم، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى مَذْهَبِنا.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا رَسُولَ إلّا ومَعَهُ شَرِيعَةٌ لِيَكُونَ مُطاعًا في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ ومَتْبُوعًا فِيها، إذْ لَوْ كانَ لا يَدْعُو إلّا إلى شَرْعِ مَن كانَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ هو في الحَقِيقَةِ مُطاعًا، بَلْ كانَ المُطاعُ هو الرَّسُولُ المُتَقَدِّمُ الَّذِي هو الواضِعُ لِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ، واللَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى كُلِّ رَسُولٍ بِأنَّهُ مُطاعٌ.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ عَنِ المَعاصِي والذُّنُوبِ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ طاعَتِهِمْ مُطْلَقًا، فَلَوْ أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ لَوَجَبَ عَلَيْنا الِاقْتِداءُ بِهِمْ في تِلْكَ المَعْصِيَةِ فَتَصِيرُ تِلْكَ المَعْصِيَةُ واجِبَةً عَلَيْنا، وكَوْنُها مَعْصِيَةً يُوجِبُ كَوْنَها مُحَرَّمَةً عَلَيْنا، فَيَلْزَمُ تَوارُدُ الإيجابِ والتَّحْرِيمِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ وإنَّهُ مُحالٌ.

فَإنْ قِيلَ: ألَسْتُمْ في الِاعْتِراضِ عَلى كَلامِ الجُبّائِيِّ ذَكَرْتُمْ أنَّ قَوْلَهُ: (إلّا لِيُطاعَ) لا يُفِيدُ العُمُومَ، فَكَيْفَ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ مَعَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ القَوْلِ بِأنَّها تُفِيدُ العُمُومَ ؟ .

قُلْنا: ظاهِرُ اللَّفْظِ يُوهِمُ العُمُومَ، وإنَّما تَرَكْنا العُمُومَ في تِلْكَ المَسْألَةِ لِلدَّلِيلِ العَقْلِيِّ القاطِعِ الَّذِي ذَكَرْناهُ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِيلُ مِنهُ تَعالى أنْ يُرِيدَ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ المُعارِضِ القاطِعِ صَرَفْنا الظّاهِرَ عَنِ العُمُومِ، ولَيْسَ في هَذِهِ المَسْألَةِ بُرْهانٌ قاطِعٌ عَقْلِيٌّ يُوجِبُ القَدْحَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ فَظَهَرَ الفَرْقُ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ .

صفحة ١٣٠

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المُنافِقِينَ، يَعْنِي لَوْ أنَّهم عِنْدَما ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالتَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ والفِرارِ مِنَ التَّحاكُمِ إلى الرَّسُولِ جاءُوا الرَّسُولَ وأظْهَرُوا النَّدَمَ عَلى ما فَعَلُوهُ وتابُوا عَنْهُ واسْتَغْفَرُوا مِنهُ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ بِأنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يَغْفِرَها لَهم عِنْدَ تَوْبَتِهِمْ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا.

الثّانِي: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: «أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ اصْطَلَحُوا عَلى كَيْدٍ في حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ دَخَلُوا عَلَيْهِ لِأجْلِ ذَلِكَ الغَرَضِ فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرَهُ بِهِ، فَقالَ ﷺ: إنَّ قَوْمًا دَخَلُوا يُرِيدُونَ أمْرًا لا يَنالُونَهُ، فَلْيَقُومُوا ولْيَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ حَتّى أسْتَغْفِرَ لَهم فَلَمْ يَقُومُوا، فَقالَ: ألا تَقُومُونَ، فَلَمْ يَفْعَلُوا فَقالَ ﷺ: قُمْ يا فُلانُ قُمْ يا فُلانُ حَتّى عَدَّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنهم، فَقامُوا وقالُوا: كُنّا عَزَمْنا عَلى ما قُلْتَ، ونَحْنُ نَتُوبُ إلى اللَّهِ مِن ظُلْمِنا أنْفُسَنا فاسْتَغْفِرْ لَنا، فَقالَ: الآنَ اخْرُجُوا أنا كُنْتُ في بَدْءِ الأمْرِ أقْرَبَ إلى الِاسْتِغْفارِ: وكانَ اللَّهُ أقْرَبَ إلى الإجابَةِ اخْرُجُوا عَنِّي» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ألَيْسَ لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وتابُوا عَلى وجْهٍ صَحِيحٍ لَكانَتْ تَوْبَتُهم مَقْبُولَةً، فَما الفائِدَةُ في ضَمِّ اسْتِغْفارِ الرَّسُولِ إلى اسْتِغْفارِهِمْ ؟

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ كانَ مُخالَفَةً لِحُكْمِ اللَّهِ، وكانَ أيْضًا إساءَةً إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإدْخالًا لِلْغَمِّ في قَلْبِهِ، ومَن كانَ ذَنْبُهُ كَذَلِكَ وجَبَ عَلَيْهِ الِاعْتِذارُ عَنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ لِغَيْرِهِ، فَلِهَذا المَعْنى وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَطْلُبُوا مِنَ الرَّسُولِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم.

الثّانِي: أنَّ القَوْمَ لَمّا لَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِ الرَّسُولِ ظَهَرَ مِنهم ذَلِكَ التَّمَرُّدُ، فَإذا تابُوا وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَفْعَلُوا ما يُزِيلُ عَنْهم ذَلِكَ التَّمَرُّدَ، وما ذاكَ إلّا بِأنْ يَذْهَبُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ ويَطْلُبُوا مِنهُ الِاسْتِغْفارَ.

الثّالِثُ: لَعَلَّهم إذا أتَوْا بِالتَّوْبَةِ أتَوْا بِها عَلى وجْهِ الخَلَلِ، فَإذا انْضَمَّ إلَيْها اسْتِغْفارُ الرَّسُولِ صارَتْ مُسْتَحِقَّةً لِلْقَبُولِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ: ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ ولَمْ يَقُلْ واسْتَغْفَرْتَ لَهم إجْلالًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهم إذا جاءُوهُ فَقَدْ جاءُوا مَن خَصَّهُ اللَّهُ بِرِسالَتِهِ وأكْرَمَهُ بِوَحْيِهِ وجَعَلَهُ سَفِيرًا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ لا يَرُدُّ شَفاعَتَهُ، فَكانَتِ الفائِدَةُ في العُدُولِ عَنْ لَفْظِ الخِطابِ إلى لَفْظِ المُغايَبَةِ ما ذَكَرْناهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى الجَزْمِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْبَلُ تَوْبَةَ التّائِبِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَنْهُمُ الِاسْتِغْفارَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ وهَذا الجَوابُ إنَّما يَنْطَلِقُ عَلى ذَلِكَ الكَلامِ إذا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَوّابًا رَحِيمًا﴾ هو أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهم ويَرْحَمَ تَضَرُّعَهم ولا يَرُدَّ اسْتِغْفارَهم.

﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .

4:65Page 88

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥

But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muḥammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .

صفحة ١٣١

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: وهو قَوْلُ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نازِلَةٌ في قِصَّةِ اليَهُودِيِّ والمُنافِقِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ عِنْدِي.

والثّانِي: أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ نازِلَةٌ في قِصَّةٍ أُخْرى، وهو ما رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ خاصَمَ الزُّبَيْرَ في ماءٍ يَسْقِي بِهِ النَّخْلَ، فَقالَ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: ”اسْقِ أرْضَكَ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى أرْضِ جارِكَ“ فَقالَ الأنْصارِيُّ: لِأجْلِ أنَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ لِلزُّبَيْرِ: ”اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجُدُرَ» “ .

واعْلَمْ أنَّ الحُكْمَ في هَذا أنَّ مَن كانَتْ أرْضُهُ أقْرَبَ إلى فَمِ الوادِي فَهو أوْلى بِأوَّلِ الماءِ وحَقُّهُ تَمامُ السَّقْيِ، فالرَّسُولُ ﷺ أذِنَ لِلزُّبَيْرِ في السَّقْيِ عَلى وجْهِ المُسامَحَةِ، فَلَمّا أساءَ خَصْمُهُ الأدَبَ ولَمْ يَعْرِفْ حَقَّ ما أمَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ المُسامَحَةِ لِأجْلِهِ أمَرَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاسْتِيفاءِ حَقِّهِ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ، وحَمْلِ خَصْمِهِ عَلى مُرِّ الحَقِّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”لا“ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا ورَبِّكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ فَوَرَبِّكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] و”لا“ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ، كَما زِيدَتْ في (لِئَلّا يَعْلَمَ) لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ العِلْمِ و(لا يُؤْمِنُونَ) جَوابُ القَسَمِ.

والثّانِي: أنَّها مُفِيدَةٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرَ الواحِدِيُّ فِيهِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ يُفِيدُ نَفْيَ أمْرٍ سَبَقَ، والتَّقْدِيرُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا وهم يُخالِفُونَ حُكْمَكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾ .

والثّانِي: أنَّها لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي جاءَ فِيما بَعْدُ، لِأنَّهُ إذا ذُكِرَ في أوَّلِ الكَلامِ وفي آخِرِهِ كانَ أوْكَدَ وأحْسَنَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُقالُ شَجَرَ يَشْجُرُ شُجُورًا وشَجَرًا إذا اخْتَلَفَ واخْتَلَطَ، وشاجَرَهُ إذا نازَعَهُ وذَلِكَ لِتَداخُلِ كَلامِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ عِنْدِ المُنازَعَةِ، ومِنهُ يُقالُ لِخَشَباتِ الهَوْدَجِ شِجارٌ، لِتَداخُلِ بَعْضِها في بَعْضٍ. قالَ أبُو مُسْلِمٍالأصْفَهانِيُّ: وهو مَأْخُوذٌ عِنْدِي مِنَ التِفافِ الشَّجَرِ، فَإنَّ الشَّجَرَ يَتَداخَلُ بَعْضُ أغْصانِهِ في بَعْضٍ، وأمّا الحَرَجُ فَهو الضِّيقُ. قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ لِلشَّجَرِ المُلْتَفِّ الَّذِي لا يَكادُ يُوصَلُ إلَيْهِ: حَرَجٌ، وجَمْعُهُ حَراجٌ، وأمّا التَّسْلِيمُ فَهو تَفْعِيلٌ يُقالُ: سَلِمَ فُلانٌ أيْ عُوفِيَ ولَمْ يَنْشَبْ بِهِ نائِبَةٌ، وسَلِمَ هَذا الشَّيْءُ لِفُلانٍ، أيْ خَلُصَ لَهُ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ، فَإذا ثَقَّلْتَهُ بِالتَّشْدِيدِ فَقُلْتَ: سَلَّمَ لَهُ فَمَعْناهُ أنَّهُ سَلَّمَهُ لَهُ وخَلَّصَهُ لَهُ، هَذا هو الأصْلُ في اللُّغَةِ، وجَمِيعُ اسْتِعْمالاتِ التَّسْلِيمِ راجِعٌ إلى الأصْلِ فَقَوْلُهم: سَلَّمَ عَلَيْهِ، أيْ دَعا لَهُ بِأنْ يَسْلَمَ، وسَلَّمَ إلَيْهِ الوَدِيعَةَ، أيْ دَفَعَها إلَيْهِ بِلا مُنازَعَةٍ، وسَلَّمَ إلَيْهِ أيْ رَضِيَ بِحُكْمِهِ، وسَلَّمَ إلى فُلانٍ في كَذا، أيْ تَرَكَ مُنازَعَتَهُ فِيهِ، وسَلَّمَ إلى اللَّهِ أمْرَهُ أيْ فَوَّضَ إلَيْهِ حُكْمَ نَفْسِهِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمْ يَرَ لِنَفْسِهِ في أمْرِهِ أثَرًا ولا شَرِكَةً، وعَلِمَ أنَّ المُؤَثِّرَ الصّانِعَ هو اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهم لا يَصِيرُونَ مَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ الإيمانِ إلّا عِنْدَ حُصُولِ شَرائِطَ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ الرَّسُولِ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا.

واعْلَمْ أنَّ مَن يَتَمَسَّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِإرْشادِ النَّبِيِّ المَعْصُومِ قالَ:

صفحة ١٣٢

لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُمُ الإيمانُ إلّا بِأنْ يَسْتَعِينُوا بِحُكْمِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كُلِّ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ، ونَرى أهْلَ العِلْمِ مُخْتَلِفِينَ في صِفاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَمِن مُعَطِّلٍ ومِن مُشَبِّهٍ، ومِن قَدَرِيٍّ ومِن جَبْرِيٍّ، فَلَزِمَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَحْصُلُ الإيمانُ إلّا بِحُكْمِهِ وإرْشادِهِ وهِدايَتِهِ، وحَقَّقُوا ذَلِكَ بِأنَّ عُقُولَ أكْثَرِ الخَلْقِ ناقِصَةٌ وغَيْرُ وافِيَةٍ بِإدْراكِ هَذِهِ الحَقائِقِ ؟ وعَقْلُ النَّبِيِّ المَعْصُومِ كامِلٌ مُشْرِقٌ، فَإذا اتَّصَلَ إشْراقُ نُورِهِ بِعُقُولِ الأُمَّةِ قَوِيَتْ عُقُولُهم وانْقَلَبَتْ مِنَ النَّقْصِ إلى الكَمالِ، ومِنَ الضَّعْفِ إلى القُوَّةِ، فَقَدَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ عَلى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ. والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ كانُوا جازِمِينَ مُتَيَقِّنِينَ كامِلِي الإيمانِ والمَعْرِفَةِ، والَّذِينَ بَعُدُوا عَنْهُ اضْطَرَبُوا أوِ اخْتَلَفُوا، وهَذِهِ المَذاهِبُ ما تَوَلَّدَتْ إلّا بَعْدَ زَمانِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْنا، والتَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الآيَةِ رَأيْتُهُ في كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الكَرِيمِ الشَّهْرَسْتانِيِّ، فَيُقالُ لَهُ: فَهَذا الِاسْتِقْلالُ الَّذِي ذَكَرْتَهُ إنَّما اسْتَخْرَجْتَهُ مِن عَقْلِكَ، فَإذا كانَ عُقُولُ الأكْثَرِينَ ناقِصَةً فَلَعَلَّكَ ذَكَرْتَ هَذا الِاسْتِدْلالَ لِنُقْصانِ عَقْلِكَ، وإذا كانَ هَذا الِاحْتِمالُ قائِمًا وجَبَ أنْ يُشَكَّ في صِحَّةِ مَذْهَبِكَ وصِحَّةِ هَذا الدَّلِيلِ الَّذِي تَمَسَّكْتَ بِهِ، ولِأنَّ مَعْرِفَةَ النُّبُوَّةِ مَوْقُوفَةٌ عَلى مَعْرِفَةِ الإلَهِ، فَلَوْ تَوَقَّفَتْ مَعْرِفَةُ الإلَهِ عَلى مَعْرِفَةِ النُّبُوَّةِ لَزِمَ الدَّوْرُ، وهو مُحالٌ.

الشَّرْطُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا تَضِيقُ صُدُورُهم مِن أقْضِيَتِكَ.

واعْلَمْ أنَّ الرّاضِيَ بِحُكْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ يَكُونُ راضِيًا بِهِ في الظّاهِرِ دُونَ القَلْبِ فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ الرِّضا بِهِ في القَلْبِ، واعْلَمْ أنَّ مَيْلَ القَلْبِ ونُفْرَتَهُ شَيْءٌ خارِجٌ عَنْ وُسْعِ البَشَرِ، فَلَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ذَلِكَ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَحْصُلَ الجَزْمُ واليَقِينُ في القَلْبِ بِأنَّ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ الرَّسُولُ هو الحَقُّ والصِّدْقُ.

الشَّرْطُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ واعْلَمْ أنَّ مَن عَرَفَ بِقَلْبِهِ كَوْنَ ذَلِكَ الحُكْمِ حَقًّا وصِدْقًا قَدْ يَتَمَرَّدُ عَنْ قَبُولِهِ عَلى سَبِيلِ العِنادِ أوْ يَتَوَقَّفُ في ذَلِكَ القَبُولِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَما لا بُدَّ في الإيمانِ مِن حُصُولِ ذَلِكَ اليَقِينِ في القَلْبِ. فَلا بُدَّ أيْضًا مِنَ التَّسْلِيمِ مَعَهُ في الظّاهِرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ المُرادُ بِهِ الِانْقِيادُ في الباطِنِ، وقَوْلُهُ: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ المُرادُ مِنهُ الِانْقِيادُ في الظّاهِرِ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعْصُومُونَ عَنِ الخَطَأِ في الفَتْوى وفي الأحْكامِ، لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ الِانْقِيادَ لِحُكْمِهِمْ وبالَغَ في ذَلِكَ الإيجابِ وبَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن حُصُولِ ذَلِكَ الِانْقِيادِ في الظّاهِرِ وفي القَلْبِ، وذَلِكَ يَنْفِي صُدُورَ الخَطَأِ عَنْهم، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وأنَّ فَتْواهُ في أُسارى بَدْرٍ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ [عبس: ١] كُلُّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي لَخَّصْناها في هَذا الكِتابِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: مِنَ الفُقَهاءِ مَن تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ القَضاءَ هو الإلْزامُ، ولا نِزاعَ في أنَّهُ لِلْوُجُوبِ.

* * *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ

صفحة ١٣٣

مُتابَعَةُ قَوْلِهِ وحُكْمِهِ عَلى الإطْلاقِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، ومِثْلُ هَذِهِ المُبالَغَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَلَّما يُوجَدُ في شَيْءٍ مِنَ التَّكالِيفِ، وذَلِكَ يُوجِبُ تَقْدِيمَ عُمُومِ القُرْآنِ والخَبَرِ عَلى حُكْمِ القِياسِ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ مُشْعِرٌ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَتى خَطَرَ بِبالِهِ قِياسٌ يُفْضِي إلى نَقِيضِ مَدْلُولِ النَّصِّ فَهُناكَ يَحْصُلُ الحَرَجُ في النَّفْسِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا يَكْمُلُ إيمانُهُ إلّا بَعْدَ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلى ذَلِكَ الحَرَجِ، ويُسَلِّمَ النَّصَّ تَسْلِيمًا كُلِّيًّا، وهَذا الكَلامُ قَوِيٌّ حَسَنٌ لِمَن أنْصَفَ.

* * *

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَتِ الطّاعاتُ والمَعاصِي بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى لَزِمَ التَّناقُضُ، وذَلِكَ لَأنَّ الرَّسُولَ إذا قَضى عَلى إنْسانٍ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ الفِعْلَ الفُلانِيَّ وجَبَ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ الرِّضا بِذَلِكَ لِأنَّهُ قَضاءُ الرَّسُولِ، والرِّضا بِقَضاءِ الرَّسُولِ واجِبٌ لِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ لَوْ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ عَلى خِلافِ فَتْوى الرَّسُولِ، فَلَوْ كانَتِ المَعاصِي بِقَضاءِ اللَّهِ لَكانَ ذَلِكَ الفِعْلُ بِقَضاءِ اللَّهِ، والرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ واجِبٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَجِبَ عَلى المُكَلَّفِينَ الرِّضا بِذَلِكَ الفِعْلِ، لِأنَّهُ قَضاءُ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَلْزَمَهُمُ الرِّضا بِالفِعْلِ والتَّرْكِ مَعًا، وذَلِكَ مُحالٌ.

والجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِن قَضاءِ الرَّسُولِ الفَتْوى المَشْرُوعَةُ، والمُرادُ مِن قَضاءِ اللَّهِ التَّكْوِينُ والإيجادُ، وهُما مَفْهُومانِ مُتَغايِرانِ، فالجَمْعُ بَيْنَهُما لا يُفْضِي إلى التَّناقُضِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском