Ar-RaziAn‑Nisa · 4:77–79

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:77–79

4:77Page 90

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٧٧

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting]1 and establish prayer and give zakāh"? But then when battle was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allāh or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, "The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allāh. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوِ المُنافِقِينَ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ، قالَ الكَلْبِيُّ: «نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ والمِقْدادِ وقُدامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، كانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أنْ يُهاجِرُوا إلى المَدِينَةِ، ويَلْقَوْنَ مِنَ المُشْرِكِينَ أذًى شَدِيدًا فَيَشْكُونَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَقُولُونَ: ائْذَنْ لَنا في قِتالِهِمْ ويَقُولُ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُفُّوا أيْدِيَكم فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِقِتالِهِمْ، واشْتَغِلُوا بِإقامَةِ دِينِكم مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ وأُمِرُوا بِقِتالِهِمْ في وقْعَةِ بَدْرٍ كَرِهَهُ بَعْضُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى هَذا القَوْلِ بِأنَّ الَّذِينَ يَحْتاجُ الرَّسُولُ أنْ يَقُولَ لَهم: كُفُّوا عَنِ القِتالِ هُمُ الرّاغِبُونَ في القِتالِ، والرّاغِبُونَ في القِتالِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ. ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْهُ بِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنّا مُؤْمِنُونَ وأنّا نُرِيدُ قِتالَ الكُفّارِ ومُحارَبَتَهم، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ بِقِتالِهِمُ الكُفّارَ أحْجَمَ المُنافِقُونَ عَنْهُ وظَهَرَ مِنهم خِلافُ ما كانُوا يَقُولُونَهُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في حَقِّ المُنافِقِينَ، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى هَذا القَوْلِ بِأنَّ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى

صفحة ١٤٨

أُمُورٍ تَدُلُّ عَلى أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالمُنافِقِينَ:

فالأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِهِمْ: ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الوَصْفَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُنافِقِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَوْفُهُ مِنَ النّاسِ أزْيَدَ مِن خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ، والِاعْتِراضُ عَلى اللَّهِ لَيْسَ إلّا مِن صِفَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ لِلرَّسُولِ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ وهَذا الكَلامُ يُذْكَرُ مَعَ مَن كانَتْ رَغْبَتُهُ في الدُّنْيا أكْثَرَ مِن رَغْبَتِهِ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ.

وأجابَ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ بِحَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ حُبَّ الحَياةِ والنُّفْرَةَ عَنِ القَتْلِ مِن لَوازِمِ الطِّباعِ، فالخَشْيَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ مَحْمُولَةٌ عَلى هَذا المَعْنى، وقَوْلُهم: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى التَّمَنِّي لِتَخْفِيفِ التَّكْلِيفِ لا عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِإيجابِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ مَذْكُورٌ لا لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ، بَلْ لِأجْلِ إسْماعِ اللَّهِ لَهم هَذا الكَلامَ مِمّا يُهَوِّنُ عَلى القَلْبِ أمْرَ هَذِهِ الحَياةِ، فَحِينَئِذٍ يَزُولُ مِن قَلْبِهِمْ نُفْرَةُ القِتالِ وحُبُّ الحَياةِ ويُقْدِمُونَ عَلى الجِهادِ بِقَلْبٍ قَوِيٍّ، فَهَذا ما في تَقْرِيرِ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ واللَّهُ أعْلَمُ، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى المُنافِقِينَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن كَلامِ المُنافِقِينَ، فَإذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعْطُوفَةً عَلى الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها ثُمَّ المَعْطُوفُ في المُنافِقِينَ وجَبَ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِمْ فِيهِمْ أيْضًا.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ إيجابَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ كانَ مُقَدَّمًا عَلى إيجابِ الجِهادِ، وهَذا هو التَّرْتِيبُ المُطابِقُ لِما في العُقُولِ، لِأنَّ الصَّلاةَ عِبارَةٌ عَنِ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ، والزَّكاةَ عِبارَةٌ عَنِ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّهُما مُقَدَّمانِ عَلى الجِهادِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ يُوهِمُ الشَّكَّ، وذَلِكَ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ مُحالٌ. وفِيهِ وُجُوهٌ مِنَ التَّأْوِيلِ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ الإبْهامُ عَلى المُخاطَبِ، بِمَعْنى أنَّهم عَلى إحْدى الصِّفَتَيْنِ مِنَ المُساواةِ والشِّدَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ خَوْفَيْنِ فَأحَدُهُما بِالنِّسْبَةِ إلى الآخَرِ إمّا أنْ يَكُونَ أنْقَصَ أوْ مُساوِيًا أوْ أزْيَدَ فَبَيَّنَ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ خَوْفَهم مِنَ النّاسِ لَيْسَ أنْقَصَ مِن خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ، بَلْ بَقِيَ إمّا أنْ يَكُونَ مُساوِيًا أوْ أزْيَدَ، فَهَذا لا يُوجِبُ كَوْنَهُ تَعالى شاكًّا فِيهِ، بَلْ يُوجِبُ إبْقاءَ الإبْهامِ في هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ عَلى المُخاطَبِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ ”أوْ“ بِمَعْنى الواوِ، والتَّقْدِيرُ: يَخْشَوْنَهم كَخَشْيَةِ اللَّهِ وأشَدَّ خَشْيَةً، ولَيْسَ بَيْنَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ مُنافاةٌ، لِأنَّ مَن هو أشَدُّ خَشْيَةً فَمَعَهُ مِنَ الخَشْيَةِ مِثْلُ خَشْيَتِهِ مِنَ اللَّهِ وزِيادَةٌ.

الثّالِثُ: أنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] يَعْنِي أنَّ مَن يُبْصِرُهم يَقُولُ هَذا الكَلامَ، فَكَذا هَهُنا واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فَهم إنَّما قالُوا ذَلِكَ لا اعْتِراضًا عَلى اللَّهِ، لَكِنْ جَزَعًا مِنَ المَوْتِ وحُبًّا لِلْحَياةِ، وإنْ كانُوا مُنافِقِينَ فَمَعْلُومٌ أنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِكَوْنِ الرَّبِّ تَعالى كاتِبًا لِلْقِتالِ عَلَيْهِمْ،

صفحة ١٤٩

فَقالُوا ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى كَتَبَ القِتالَ عَلَيْهِمْ في زَعْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفي دَعْواهُ، ثُمَّ قالُوا: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهَذا كالعِلَّةِ لِكَراهَتِهِمْ لِإيجابِ القِتالِ عَلَيْهِمْ، أيْ هَلّا تَرَكْتَنا حَتّى نَمُوتَ بِآجالِنا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ شُبْهَتِهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ نِعَمَ الدُّنْيا قَلِيلَةٌ، ونِعَمَ الآخِرَةِ كَثِيرَةٌ.

والثّانِي: أنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مُنْقَطِعَةٌ ونِعَمَ الآخِرَةِ مُؤَبَّدَةٌ.

والثّالِثُ: أنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مَشُوبَةٌ بِالهُمُومِ والغُمُومِ والمَكارِهِ، ونِعَمَ الآخِرَةِ صافِيَةٌ عَنِ الكُدُراتِ.

والرّابِعُ: أنَّ نِعَمَ الدُّنْيا مَشْكُوكَةٌ فَإنَّ أعْظَمَ النّاسِ تَنَعُّمًا لا يَعْرِفُ أنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ عاقِبَتُهُ في اليَوْمِ الثّانِي، ونِعَمَ الآخِرَةِ يَقِينِيَّةٌ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ تُوجِبُ رُجْحانَ الآخِرَةِ عَلى الدُّنْيا، إلّا أنَّ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ، فَلِهَذا المَعْنى ذَكَرَ تَعالى هَذا الشَّرْطَ وهو قَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» “ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (يُظْلَمُونَ) بِالياءِ عَلى أنَّهُ راجِعٌ إلى المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ﴾ والباقُونَ بِالتّاءِ عَلى سَبِيلِ الخِطابِ، ويُؤَيِّدُ التّاءَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ فَإنَّ قَوْلَهُ: (قُلْ) يُفِيدُ الخِطابَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم يَسْتَحِقُّونَ عَلى طاعَتِهِمُ الثَّوابَ، وإلّا لَما تَحَقَّقَ نَفْيُ الظُّلْمِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَصِحُّ مِنهُ الظُّلْمُ وإنْ كُنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُ، وإلّا لَما صَحَّ التَّمَدُّحُ بِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ”ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا“ أيْ لا يُنْقَصُونَ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ مِثْلَ فَتِيلِ النَّواةِ وهو ما تَفْتِلُهُ بِيَدِكَ ثُمَّ تُلْقِيهِ احْتِقارًا. وقَدْ مَضى الكَلامُ فِيهِ.

4:78Page 90

أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ وَإِن تُصِبۡهُمۡ حَسَنَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا ٧٨

Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allāh"; and if evil befalls them, they say,1 "This is from you." Say, "All [things] are from Allāh." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَبْكِيتُ مَن حَكى عَنْهم أنَّهم عِنْدَ فَرْضِ القِتالِ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ، فَقالَ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا خَلاصَ لَهم مِنَ المَوْتِ، والجِهادُ مَوْتٌ مُسْتَعْقِبٌ لِسَعادَةِ الآخِرَةِ، فَإذا كانَ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، فَبِأنْ يَقَعَ عَلى وجْهٍ يَكُونُ مُسْتَعْقِبًا لِلسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ كانَ أوْلى مِن أنْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦] والبُرُوجُ في كَلامِ العَرَبِ هي القُصُورُ والحُصُونُ، وأصْلُها في اللُّغَةِ مِنَ الظُّهُورِ، يُقالُ: تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ، إذا أظْهَرَتْ مَحاسِنَها، والمُشَيَّدَةُ المُرْتَفِعَةُ، وقُرِئَ (مَشِيدَةٍ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مِن شادَ إذا رَفَعَهُ أوْ طَلاهُ بِالشَّيْدِ وهو الجَصُّ، وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ بِكَسْرِ الياءِ وصْفًا لَها بِفِعْلِ فاعِلِها مَجازًا، كَما قالُوا: قَصِيدَةٌ شاعِرَةٌ، وإنَّما الشّاعِرُ قائِلُها.

صفحة ١٥٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُنافِقِينَ كَوْنَهم مُتَثاقِلِينَ عَنِ الجِهادِ خائِفِينَ مِنَ المَوْتِ غَيْرَ راغِبِينَ في سَعادَةِ الآخِرَةِ حَكى عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ خَصْلَةً أُخْرى قَبِيحَةً أقْبَحَ مِنَ الأُولى، وفي النَّظْمِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ هَؤُلاءِ الخائِفِينَ مِنَ المَوْتِ المُتَثاقِلِينَ في الجِهادِ مِن عادَتِهِمْ أنَّهم إذا جاهَدُوا وقاتَلُوا فَإنْ أصابُوا راحَةً وغَنِيمَةً قالُوا: هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإنْ أصابَهم مَكْرُوهٌ قالُوا: هَذا مِن شُؤْمِ مُصاحَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا يَدُلُّ عَلى غايَةِ حُمْقِهِمْ وجَهْلِهِمْ وشِدَّةِ عِنادِهِمْ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ المَدِينَةُ مَمْلُوءَةً مِنَ النِّعَمِ وقْتَ مَقْدَمِ الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمّا ظَهَرَ عِنادُ اليَهُودِ ونِفاقُ المُنافِقِينَ أمْسَكَ اللَّهُ عَنْهم بَعْضَ الإمْساكِ كَما جَرَتْ عادَتُهُ في جَمِيعِ الأُمَمِ، قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [الأعراف: ٩٤] فَعِنْدَ هَذا قالَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ: ما رَأيْنا أعْظَمَ شُؤْمًا مِن هَذا الرَّجُلِ، نَقَصَتْ ثِمارُنا وغَلَتْ أسْعارُنا مُنْذُ قَدِمَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ يَعْنِي الخَصْبَ ورُخْصَ السِّعْرِ وتَتابُعَ الأمْطارِ قالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ جَدْبٌ وغَلاءُ سِعْرٍ قالُوا هَذا مِن شُؤْمِ مُحَمَّدٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وعَنْ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧] .

القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ مِنَ الحَسَنَةِ النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ والغَنِيمَةُ، ومِنَ السَّيِّئَةِ القَتْلُ والهَزِيمَةُ قالَ القاضِي: والقَوْلُ الأوَّلُ هو المُعْتَبَرُ لِأنَّ إضافَةَ الخَصْبِ والغَلاءِ إلى اللَّهِ وكَثْرَةِ النِّعَمِ وقِلَّتِها إلى اللَّهِ جائِزَةٌ، أمّا إضافَةُ النَّصْرِ والهَزِيمَةِ إلى اللَّهِ فَغَيْرُ جائِزَةٍ، لِأنَّ السَّيِّئَةَ إذا كانَتْ بِمَعْنى الهَزِيمَةِ والقَتْلِ لَمْ يَجُزْ إضافَتُها إلى اللَّهِ، وأقُولُ: القَوْلُ كَما قالَ عَلى مَذْهَبِهِ، أمّا عَلى مَذْهَبِنا فالكُلُّ داخِلٌ في قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ السَّيِّئَةَ تَقَعُ عَلى البَلِيَّةِ والمَعْصِيَةِ، والحَسَنَةَ عَلى النِّعْمَةِ والطّاعَةَ قالَ تَعالى: ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] وقالَ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ في كُلِّ الحَسَناتِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ في كُلِّ السَّيِّئاتِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ جَمِيعَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ اللَّهِ، ولَمّا ثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الطّاعاتِ والمَعاصِيَ داخِلَتانِ تَحْتَ اسْمِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ كانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ جَمِيعَ الطّاعاتِ والمَعاصِي مِنَ اللَّهِ وهو المَطْلُوبُ.

فَإنْ قِيلَ: المُرادُ هَهُنا بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ لَيْسَ هو الطّاعَةَ والمَعْصِيَةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: اتِّفاقُ الكُلِّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نازِلَةٌ في مَعْنى الخَصْبِ والجَدْبِ فَكانَتْ مُخْتَصَّةً بِهِما.

الثّانِي: أنَّ الحَسَنَةَ الَّتِي يُرادُ بِها الخَيْرُ والطّاعَةُ لا يُقالُ فِيها أصابَتْنِي، إنَّما يُقالُ أصَبْتُها، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ أصابَتْ فُلانًا حَسَنَةٌ بِمَعْنى عَمِلَ خَيْرًا، أوْ أصابَتْهُ سَيِّئَةٌ بِمَعْنى عَمِلَ مَعْصِيَةً، فَعَلى هَذا لَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرْتُمْ لَقالَ إنْ أصَبْتُمْ حَسَنَةً.

الثّالِثُ: لَفْظُ الحَسَنَةِ واقِعٌ بِالِاشْتِراكِ عَلى الطّاعَةِ وعَلى المَنفَعَةِ، وهَهُنا أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المَنفَعَةَ

صفحة ١٥١

مُرادَةٌ، فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ الطّاعَةِ مُرادَةً، ضَرُورَةُ أنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ في مَفْهُومَيْهِ مَعًا.

فالجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّكم تُسَلِّمُونَ أنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ.

والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: أصابَنِي تَوْفِيقٌ مِنَ اللَّهِ وعَوْنٌ مِنَ اللَّهِ، وأصابَهُ خِذْلانٌ مِنَ اللَّهِ، ويَكُونُ مُرادُهُ مِن ذَلِكَ التَّوْفِيقَ والعَوْنَ تِلْكَ الطّاعَةَ، ومِنَ الخُذْلانِ تِلْكَ المَعْصِيَةَ.

والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّ كُلَّ ما كانَ مُنْتَفَعًا بِهِ فَهو حَسَنَةٌ، فَإنْ كانَ مُنْتَفَعًا بِهِ في الآخِرَةِ فَهو الطّاعَةُ، وإنْ كانَ مُنْتَفَعًا بِهِ في الدُّنْيا فَهو السَّعادَةُ الحاضِرَةُ، فاسْمُ الحَسَنَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ مُتَواطِئُ الِاشْتِراكِ، فَزالَ السُّؤالُ. فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ لَيْسَ إلّا ذاكَ ما ثَبَتَ في بَدائِهِ العُقُولِ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ فَهو إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ، وإمّا مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والواجِبُ لِذاتِهِ واحِدٌ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ كُلُّ ما سِواهُ، فالمُمْكِنُ لِذاتِهِ إنِ اسْتَغْنى عَنِ المُؤَثِّرِ فَسَدَ الِاسْتِدْلالُ بِجَوازِ العالَمِ وحُدُوثِهِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنْ كانَ المُمْكِنُ لِذاتِهِ مُحْتاجًا إلى المُؤَثِّرِ، فَإذا كانَ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ مُمْكِنًا كانَ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ مُسْتَنِدًا إلى اللَّهِ، وهَذا الحُكْمُ لا يَخْتَلِفُ بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُمْكِنُ مَلَكًا أوْ جَمادًا أوْ فِعْلًا لِلْحَيَوانِ أوْ صِفَةً لِلنَّباتِ، فَإنَّ الحُكْمَ لِاسْتِنادِ المُمْكِنِ لِذاتِهِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ لِما بَيَّنّا مِن كَوْنِهِ مُمْكِنًا كانَ الكُلُّ فِيهِ عَلى السَّوِيَّةِ، وهَذا بُرْهانٌ أوْضَحُ وأبْيَنُ مِن قُرْصِ الشَّمْسِ عَلى أنَّ الحَقَّ ما ذَكَرَهُ تَعالى، وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ لَمّا كانَ البُرْهانُ الدّالُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ مُسْتَنِدًا إلى اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي لَخَّصْناهُ في غايَةِ الظُّهُورِ والجَلاءِ، قالَ تَعالى: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ وهَذا يَجْرِي مَجْرى التَّعَجُّبِ مِن عَدَمِ وُقُوفِهِمْ عَلى صِحَّةِ هَذا الكَلامِ مَعَ ظُهُورِهِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: بَلْ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا، لِأنَّهُ لَوْ كانَ حُصُولُ الفَهْمِ والمَعْرِفَةِ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَبْقَ لِهَذا التَّعَجُّبِ مَعْنًى البَتَّةَ، لِأنَّ السَّبَبَ في عَدَمِ حُصُولِ هَذِهِ المَعْرِفَةِ هو أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَها وما أوْجَدَها، وذَلِكَ يُبْطِلُ هَذا التَّعَجُّبَ، فَحُصُولُ هَذا التَّعَجُّبِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما تَحْصُلُ بِإيجادِ العَبْدِ لا بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ لَيْسَ إلّا التَّمَسُّكَ بِطَرِيقَةِ المَدْحِ والذَّمِّ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّها مُعارَضَةٌ بِالعِلْمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أنَّهم لا يَفْقَهُونَ هَذِهِ الآيَةَ المَذْكُورَةَ في هَذا المَوْضِعِ، وهَذا يَقْتَضِي وصْفَ القُرْآنِ بِأنَّهُ حَدِيثٌ، والحَدِيثُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَيَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُحْدَثًا.

والجَوابُ: مُرادُكم بِالقُرْآنِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ العِباراتُ، ونَحْنُ لا نُنازِعُ في كَوْنِها مُحْدَثَةً.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الفِقْهُ: الفَهْمُ، يُقالُ أُوتِيَ فُلانٌ فِقْهًا، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ لِابْنِ عَبّاسٍ: ”«فَقِّهْهُ في التَّأْوِيلِ» “ أيْ فَهِّمْهُ.

4:79Page 90

مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا ٧٩

What comes to you of good is from Allāh, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself.1 And We have sent you, [O Muḥammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allāh as Witness.2

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .

قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: قَدْ ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ السَّيِّئَةِ تارَةً يَقَعُ عَلى البَلِيَّةِ والمِحْنَةِ، وتارَةً يَقَعُ عَلى الذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ السَّيِّئَةَ إلى نَفْسِهِ في الآيَةِ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وأضافَها في هَذِهِ الآيَةِ إلى العَبْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ فَلا بُدَّ مِنَ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وإزالَةِ التَّناقُضِ عَنْهُما، ولَمّا كانَتِ السَّيِّئَةُ بِمَعْنى البَلاءِ والشِّدَّةِ مُضافَةً إلى اللَّهِ وجَبَ أنْ تَكُونَ السَّيِّئَةُ بِمَعْنى المَعْصِيَةِ مُضافَةً إلى العَبْدِ حَتّى يَزُولَ التَّناقُضُ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ المُتَجاوِرَتَيْنِ، قالَ: وقَدْ حَمَلَ المُخالِفُونَ أنْفُسَهم عَلى تَغْيِيرِ الآيَةِ وقَرَؤُوا: (فَمِن تَعْسِكَ) فَغَيَّرُوا القُرْآنَ وسَلَكُوا مِثْلَ طَرِيقَةِ الرّافِضَةِ مِنَ ادِّعاءِ التَّغْيِيرِ في القُرْآنِ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِماذا فَصَلَ تَعالى بَيْنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ في هَذِهِ الآيَةِ فَأضافَ الحَسَنَةَ الَّتِي هي الطّاعَةُ إلى نَفْسِهِ دُونَ السَّيِّئَةِ وكِلاهُما فِعْلُ العَبْدِ عِنْدَكم ؟

قُلْنا: لِأنَّ الحَسَنَةَ وإنْ كانَتْ مِن فِعْلِ العَبْدِ فَإنَّما وصَلَ إلَيْها بِتَسْهِيلِهِ تَعالى وألْطافِهِ فَصَحَّتِ الإضافَةُ إلَيْهِ، وأمّا السَّيِّئَةُ الَّتِي هي مِن فِعْلِ العَبْدِ فَهي غَيْرُ مُضافَةٍ إلى اللَّهِ تَعالى لا بِأنَّهُ تَعالى فَعَلَها ولا بِأنَّهُ أرادَها، ولا بِأنَّهُ أمَرَ بِها، ولا بِأنَّهُ رَغِبَ فِيها، فَلا جَرَمَ انْقَطَعَتْ إضافَةُ هَذِهِ السَّيِّئَةِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ إلى اللَّهِ تَعالى. هَذا مُنْتَهى كَلامِ الرَّجُلِ في هَذا المَوْضِعِ.

ونَحْنُ نَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، والقَوْمُ لا يَقُولُونَ بِهِ فَصارُوا مَحْجُوجِينَ بِالآيَةِ.

إنَّما قُلْنا: إنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ حَسَنَةٌ، وكُلُّ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ.

إنَّما قُلْنا: إنَّ الإيمانَ حَسَنَةٌ، لِأنَّ الحَسَنَةَ هي الغِبْطَةُ الخالِيَةُ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ القُبْحِ، ولا شَكَّ أنَّ الإيمانَ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَسَنَةً لِأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٢] المُرادُ بِهِ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ، وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠] قِيلَ: هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَثَبَتَ أنَّ الإيمانَ حَسَنَةٌ، وإنَّما قُلْنا إنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ مِنَ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ في جَمِيعِ الحَسَناتِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى كُلِّها بِأنَّها مِنَ اللَّهِ، فَيَلْزَمُ مِن هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ، أعْنِي أنَّ الإيمانَ حَسَنَةٌ، وكُلُّ حَسَنَةٍ مِنَ اللَّهِ، القَطْعُ بِأنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِ الإيمانِ مِنَ اللَّهِ هو أنَّ اللَّهَ أقْدَرَهُ عَلَيْهِ وهَداهُ إلى مَعْرِفَةِ حَسَنِهِ، وإلى مَعْرِفَةِ قُبْحِ ضِدِّهِ الَّذِي هو الكُفْرُ ؟

قُلْنا: جَمِيعُ الشَّرائِعِ مُشْتَرِكَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الإيمانِ والكُفْرِ عِنْدَكم، ثُمَّ إنَّ العَبْدَ بِاخْتِيارِ نَفْسِهِ أوْجَدَ الإيمانَ، ولا مَدْخَلَ لِقُدْرَةِ اللَّهِ وإعانَتِهِ في نَفْسِ الإيمانِ، فَكانَ الإيمانُ مُنْقَطِعًا عَنِ اللَّهِ في كُلِّ الوُجُوهِ، فَكانَ هَذا مُناقِضًا لِقَوْلِهِ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فَثَبَتَ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ، والخُصُومُ لا

صفحة ١٥٣

يَقُولُونَ بِهِ، فَصارُوا مَحْجُوجِينَ في هَذِهِ المَسْألَةِ.

ثُمَّ إذا أرَدْنا أنْ نُبَيِّنَ أنَّ الكُفْرَ أيْضًا مِنَ اللَّهِ، قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ مَن قالَ: الإيمانُ مِنَ اللَّهِ قالَ: الكُفْرُ مِنَ اللَّهِ، فالقَوْلُ بِأنَّ أحَدَهُما مِنَ اللَّهِ دُونَ الآخَرِ مُخالِفٌ لِإجْماعِ الأُمَّةِ.

الثّانِي: أنَّ العَبْدَ لَوْ قَدَرَ عَلى تَحْصِيلِ الكُفْرِ فالقُدْرَةُ الصّالِحَةُ لِإيجادِ الكُفْرِ إمّا أنْ تَكُونَ صالِحَةً لِإيجادِ الإيمانِ أوْ لا تَكُونَ، فَإنْ كانَتْ صالِحَةً لِإيجادِ الإيمانِ فَحِينَئِذٍ يَعُودُ القَوْلُ في أنَّ إيمانَ العَبْدِ مِنهُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لِإيجادِ الإيمانِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ القادِرُ عَلى الشَّيْءِ غَيْرَ قادِرٍ عَلى ضِدِّهِ، وذَلِكَ عِنْدَهم مُحالٌ، ولِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ القُدْرَةُ مُوجِبَةً لِلْمَقْدُورِ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ قادِرًا عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنِ الإيمانُ مِنهُ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ الكُفْرُ مِنهُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنِ العَبْدُ مُوجِدًا لِلْإيمانِ فَبِأنْ لا يَكُونَ مُوجِدًا لِلْكُفْرِ أوْلى، وذَلِكَ لِأنَّ المُسْتَقِلَّ بِإيجادِ الشَّيْءِ هو الَّذِي يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُ مُرادِهِ، ولا نَرى في الدُّنْيا عاقِلًا إلّا ويُرِيدُ أنْ يَكُونَ الحاصِلُ في قَلْبِهِ هو الإيمانَ والمَعْرِفَةَ والحَقَّ، وإنَّ أحَدًا مِنَ العُقَلاءِ لا يُرِيدُ أنْ يَكُونَ الحاصِلُ في قَلْبِهِ هو الجَهْلَ والضَّلالَ والِاعْتِقادَ الخَطَأ، فَإذا كانَ العَبْدُ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ وهو لا يَقْصِدُ إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ الحَقِّ المُطابِقِ، وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ في قَلْبِهِ إلّا الحَقُّ، فَإذا كانَ الإيمانُ الَّذِي هو مَقْصُودُهُ ومَطْلُوبُهُ ومُرادُهُ لَمْ يُقْطَعْ بِإيجادِهِ، فَبِأنْ يَكُونَ الجَهْلُ الَّذِي ما أرادَهُ وما قَصَدَ تَحْصِيلَهُ وكانَ في غايَةِ النُّفْرَةِ عَنْهُ والفِرارِ مِنهُ غَيْرَ واقِعٍ بِإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ كانَ ذَلِكَ أوْلى. والحاصِلُ أنَّ الشُّبْهَةَ في أنَّ الإيمانَ واقِعٌ بِقُدْرَةِ العَبْدِ أشَدُّ مِنَ الشُّبْهَةِ في وُقُوعِ الكُفْرِ بِقُدْرَتِهِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى في الإيمانِ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَرَكَ ذِكْرَ الكُفْرِ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في بَيانِ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى مَذْهَبِ إمامِنا.

* * *

أمّا ما احْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِهِ عَلى مَذْهَبِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ .

فالجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] أضافَ المَرَضَ إلى نَفْسِهِ والشِّفاءَ إلى اللَّهِ، فَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ في كَوْنِهِ تَعالى خالِقًا لِلْمَرَضِ والشِّفاءِ، بَلْ إنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما رِعايَةَ الأدَبِ، فَكَذا هَهُنا، فَإنَّهُ يُقالُ: يا مُدَبِّرَ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا يُقالُ يا مُدَبِّرَ القُمَّلِ والصَّيْبانِ والخَنافِسِ، فَكَذا هَهُنا.

الثّانِي: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِ إبْراهِيمَ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ أنَّهُ ذَكَرَ هَذا اسْتِفْهامًا عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، كَأنَّهُ قالَ: أهَذا رَبِّي ؟ فَكَذا هَهُنا، كَأنَّهُ قِيلَ: الإيمانُ الَّذِي وقَعَ عَلى وفْقِ قَصْدِهِ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لَيْسَ واقِعًا مِنهُ، بَلْ مِنَ اللَّهِ، فَهَذا الكُفْرُ ما قَصَدَهُ وما أرادَهُ وما رَضِيَ بِهِ البَتَّةَ، أفَيَدْخُلُ في العَقْلِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وقَعَ بِهِ ؟ فَإنّا بَيَّنّا أنَّ الحَسَنَةَ في هَذِهِ الآيَةِ يَدْخُلُ فِيها الإيمانُ، والسَّيِّئَةَ يَدْخُلُ فِيها الكُفْرُ، أمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ (فَمِن تَعْسِكَ) فَنَقُولُ: إنْ صَحَّ أنَّهُ قَرَأ بِهَذِهِ الآيَةِ واحِدٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ فَلا طَعْنَ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ فالمُرادُ أنَّ مَن حَمَلَ الآيَةَ عَلى أنَّها ورَدَتْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ عَلى وجْهِ الإنْكارِ ذَكَرَ في تَفْسِيرِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ هَذا الكَلامَ، لِأنَّهُ لَمّا أضافَ السَّيِّئَةَ إلَيْهِمْ في مَعْرِضِ الِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ كانَ المُرادُ أنَّها غَيْرُ مُضافَةٍ إلَيْهِمْ، فَذَكَرَ هَذا القائِلُ قَوْلَهُ: (فَمِن تَعْسِكَ) لا عَلى اعْتِقادِ أنَّهُ مِنَ القُرْآنِ، بَلْ لِأجْلِ أنَّهُ يَجْرِي مَجْرى التَّفْسِيرِ لِقَوْلِنا: إنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، ومِمّا يَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآياتِ إسْنادُ جَمِيعِ الأُمُورِ إلى اللَّهِ تَعالى، قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ يَعْنِي لَيْسَ لَكَ إلّا الرِّسالَةُ والتَّبْلِيغُ، وقَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ وما قَصَّرْتَ ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾

صفحة ١٥٤

(شَهِيدًا) عَلى جِدِّكَ وعَدَمِ تَقْصِيرِكَ في أداءِ الرِّسالَةِ وتَبْلِيغِ الوَحْيِ، فَأمّا حُصُولُ الهِدايَةِ فَلَيْسَ إلَيْكَ بَلْ إلى اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] فَهَذا جُمْلَةُ ما خَطَرَ بِالبالِ في هَذِهِ الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا الَّذِي قُلْناهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском