Ar-RaziAn‑Nisa · 4:83–84

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:83–84

4:83Page 91

وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٣

And when there comes to them something [i.e., information] about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ المُنافِقِينَ في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الأعْمالِ الفاسِدَةِ، وهو أنَّهُ إذا جاءَهُمُ الخَبَرُ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الأمْرُ مِن بابِ الأمْنِ أوْ مِن بابِ الخَوْفِ أذاعُوهُ وأفْشُوهُ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ الضَّرَرِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الإرْجافاتِ لا تَنْفَكُّ عَنِ الكَذِبِ الكَثِيرِ.

والثّانِي: أنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الخَبَرُ في جانِبِ الأمْنِ زادُوا فِيهِ زِياداتٍ كَثِيرَةً، فَإذا لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ الزِّياداتُ أوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً لِلضُّعَفاءِ في صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَرْوُونَ تِلْكَ الإرْجافاتِ عَنِ الرَّسُولِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ في جانِبِ الخَوْفِ تُشُوِّشَ الأمْرُ بِسَبَبِهِ عَلى ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ، ووَقَعُوا عِنْدَهُ في الحَيْرَةِ والِاضْطِرابِ، فَكانَتْ تِلْكَ الإرْجافاتُ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ مِن هَذا الوَجْهِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ الإرْجافَ سَبَبٌ لِتَوْفِيرِ الدَّواعِي عَلى البَحْثِ الشَّدِيدِ والِاسْتِقْصاءِ التّامِّ، وذَلِكَ سَبَبٌ لِظُهُورِ الأسْرارِ، وذَلِكَ مِمّا لا يُوافِقُ مَصْلَحَةَ المَدِينَةِ.

الرّابِعُ: أنَّ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ كانَتْ قائِمَةً بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ الكُفّارِ، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في إعْدادِ آلاتِ الحَرْبِ وفي انْتِهازِ الفُرْصَةِ فِيهِ، فَكُلُّ ما كانَ أمْنًا لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ كانَ خَوْفًا لِلْفَرِيقِ الثّانِي، فَإنْ وقَعَ خَبَرُ الأمْنِ لِلْمُسْلِمِينَ وحُصُولُ العَسْكَرِ وآلاتِ الحَرْبِ لَهم أرْجَفَ المُنافِقُونَ بِذَلِكَ فَوَصَلَ الخَبَرُ في أسْرَعِ مُدَّةٍ إلى الكُفّارِ، فَأخَذُوا في التَّحَصُّنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وفي الِاحْتِرازِ عَنِ اسْتِيلائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وإنْ وقَعَ خَبَرُ الخَوْفِ لِلْمُسْلِمِينَ بالَغُوا في ذَلِكَ، وزادُوا فِيهِ وألْقَوُا الرُّعْبَ في قُلُوبِ الضَّعَفَةِ والمَساكِينِ، فَظَهَرَ مِن هَذا أنَّ ذَلِكَ الإرْجافَ كانَ مَنشَأً لِلْفِتَنِ والآفاتِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ذَمَّ اللَّهُ تِلْكَ الإذاعَةَ وذَلِكَ التَّشْهِيرَ، ومَنَعَهم مِنهُ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: أذاعَهُ وأذاعَ بِهِ لُغَتانِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ .

صفحة ١٥٩

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في ﴿أُولِي الأمْرِ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: إلى ذَوِي العِلْمِ والرَّأْيِ مِنهم.

والثّانِي: إلى أُمَراءِ السَّرايا، وهَؤُلاءِ رَجَّحُوا هَذا القَوْلَ عَلى الأوَّلِ، قالُوا لِأنَّ أُولِي الأمْرِ الَّذِينَ لَهم أمْرٌ عَلى النّاسِ، وأهْلُ العِلْمِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وإنَّما الأُمَراءُ هُمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّ لَهم أمْرًا عَلى النّاسِ.

وأُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّ العُلَماءَ إذا كانُوا عالِمِينَ بِأوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ، وكانَ يَجِبُ عَلى غَيْرِهِمْ قَبُولُ قَوْلِهِمْ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُسَمَّوْا أُولِي الأمْرِ مِن هَذا الوَجْهِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَأوْجَبَ الحَذَرَ بِإنْذارِهِمْ وألْزَمَ المُنْذَرِينَ قَبُولَ قَوْلِهِمْ، فَجازَ لِهَذا المَعْنى إطْلاقُ اسْمِ أُولِي الأمْرِ عَلَيْهِمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِاسْتِنْباطُ في اللُّغَةِ الِاسْتِخْراجُ؛ يُقالُ: اسْتَنْبَطَ الفَقِيهُ إذا اسْتَخْرَجَ الفِقْهَ الباطِنَ بِاجْتِهادِهِ وفَهْمِهِ، وأصْلُهُ مِنَ النَّبْطِ وهو الماءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما تُحْفَرُ، والنَّبَطُ إنَّما سُمُّوا نَبَطًا لِاسْتِنْباطِهِمُ الماءَ مِنَ الأرْضِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهم هم أُولَئِكَ المُنافِقُونَ المُذِيعُونَ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ المُذِيعِينَ رَدُّوا الأمْنَ والخَوْفَ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ، وطَلَبُوا مَعْرِفَةَ الحالِ فِيهِ مِن جِهَتِهِمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم، وهم هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ المُذِيعُونَ مِنهم، أيْ مِن جانِبِ الرَّسُولِ ومِن جانِبِ أُولِي الأمْرِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم طائِفَةٌ مِن أُولِي الأمْرِ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ أنَّ المُنافِقِينَ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ لَكانَ عِلْمُهُ حاصِلًا عِنْدَ مَن يَسْتَنْبِطُ هَذِهِ الوَقائِعَ مِن أُولِي الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ أُولِي الأمْرِ فَرِيقانِ، بَعْضُهم مَن يَكُونُ مُسْتَنْبِطًا، وبَعْضُهم مَن لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِنهُمْ﴾ يَعْنِي لِعِلْمِهِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ المَخْفِيّاتِ مِن طَوائِفِ أُولِي الأمْرِ.

فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الَّذِينَ أمَرَهُمُ اللَّهُ بَرَدِّ هَذِهِ الأخْبارِ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ هُمُ المُنافِقُونَ، فَكَيْفَ جَعَلَ أُولِي الأمْرِ مِنهم في قَوْلِهِ: ﴿وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ ؟ .

قُلْنا: إنَّما جَعَلَ أُولِي الأمْرِ مِنهم عَلى حَسَبِ الظّاهِرِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ يُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهم يُؤْمِنُونَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦٦ ] واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ في الشَّرْعِ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ صِفَةٌ لِأُولِي الأمْرِ، وقَدْ أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى الَّذِينَ يَجِيئُهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أنْ يَرْجِعُوا في مَعْرِفَتِهِ إلَيْهِمْ، ولا يَخْلُوا إمّا أنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِمْ في مَعْرِفَةِ هَذِهِ الوَقائِعِ مَعَ حُصُولِ النَّصِّ فِيها، أوْ لا مَعَ حُصُولِ النَّصِّ فِيها، والأوَّلُ باطِلٌ، لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَبْقى الِاسْتِنْباطُ لِأنَّ مَن رَوى النَّصَّ في واقِعَةٍ لا يُقالُ: أنَّهُ اسْتَنْبَطَ الحُكْمَ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ أمَرَ المُكَلَّفَ بِرَدِّ الواقِعَةِ إلى مَن يَسْتَنْبِطُ الحُكْمَ فِيها، ولَوْلا أنَّ الِاسْتِنْباطَ حُجَّةٌ لَما أمَرَ المُكَلَّفَ بِذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِنْباطَ حُجَّةٌ، والقِياسُ إمّا اسْتِنْباطٌ أوْ داخِلٌ فِيهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حُجَّةً. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أُمُورٍ:

أحَدُها: أنَّ في أحْكامِ الحَوادِثِ ما لا يُعْرَفُ بِالنَّصِّ بَلْ بِالِاسْتِنْباطِ.

وثانِيها: أنَّ الِاسْتِنْباطَ حُجَّةٌ.

وثالِثُها: أنَّ العامِّيَّ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ العُلَماءِ في أحْكامِ الحَوادِثِ.

ورابِعُها: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مُكَلَّفًا بِاسْتِنْباطِ الأحْكامِ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالرَّدِّ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ.

صفحة ١٦٠

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ ولَمْ يُخَصِّصْ أُولِي الأمْرِ بِذَلِكَ دُونَ الرَّسُولِ وذَلِكَ يُوجِبُ أنَّ الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ كُلُّهم مُكَلَّفُونَ بِالِاسْتِنْباطِ.

فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ أُولُو الأمْرِ، بَلِ المُرادُ مِنهُمُ المُنافِقُونَ المُذِيعُونَ عَلى ما رَوَيْتُمْ هَذا القَوْلَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم أُولُو الأمْرِ لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في شَأْنِ الوَقائِعِ المُتَعَلِّقَةِ بِالحُرُوبِ والجِهادِ، فَهَبْ أنَّ الرُّجُوعَ إلى الِاسْتِنْباطِ جائِزٌ فِيها، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ يَلْزَمُ جَوازُهُ في الوَقائِعِ الشَّرْعِيَّةِ ؟ فَإنْ قِيسَ أحَدُ البابَيْنِ عَلى الآخَرِ كانَ ذَلِكَ إثْباتًا لِلْقِياسِ الشَّرْعِيِّ بِالقِياسِ الشَّرْعِيِّ وإنَّهُ لا يَجُوزُ، سَلَّمْنا أنَّ الِاسْتِنْباطَ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ داخِلٌ تَحْتَ الآيَةِ. فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ القِياسُ حُجَّةً ؟ بَيانُهُ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الِاسْتِنْباطِ اسْتِخْراجَ الأحْكامِ مِنَ النُّصُوصِ الخَفِيَّةِ أوْ مِن تَرْكِيباتِ النُّصُوصِ، أوِ المُرادُ مِنِ اسْتِخْراجِ الأحْكامِ مِنَ البَراءَةِ الأصْلِيَّةِ، أوْ مِمّا ثَبَتَ بِحُكْمِ العَقْلِ كَما يَقُولُ الأكْثَرُونَ: إنَّ الأصْلَ في المَنافِعِ الإباحَةُ، وفي المَضارِّ الحُرْمَةُ، سَلَّمْنا أنَّ القِياسَ مِنَ الشَّرْعِيِّ داخِلٌ في الآيَةِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ القِياسُ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ فَأخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَحْصُلُ العِلْمُ مِن هَذا الِاسْتِنْباطِ، ولا نِزاعَ في مِثْلِ هَذا القِياسِ، إنَّما النِّزاعُ في أنَّ القِياسَ الَّذِي يُفِيدُ الظَّنَّ هَلْ هو حُجَّةٌ في الشَّرْعِ أمْ لا ؟ والجَوابُ:

أمّا السُّؤالُ الأوَّلُ: فَمَدْفُوعٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ بِالَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ المُنافِقِينَ لَكانَ أوْلى أنْ يُقالَ: ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمُوهُ، لِأنَّ عَطْفَ المُظْهَرِ عَلى المُضْمَرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ﴾ قَبِيحٌ مُسْتَكْرَهٌ.

وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: فَمَدْفُوعٌ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ عامٌّ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالحُرُوبِ وفِيما يَتَعَلَّقُ بِسائِرِ الوَقائِعِ الشَّرْعِيَّةِ، لِأنَّ الأمْنَ والخَوْفَ حاصِلٌ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِبابِ التَّكْلِيفِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يُوجِبُ تَخْصِيصَها بِأمْرِ الحُرُوبِ.

الثّانِي: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُمْ لَكِنْ تُعْرَفُ أحْكامُ الحُرُوبِ بِالقِياسِ الشَّرْعِيِّ، ولَمّا ثَبَتَ جَوازُهُ وجَبَ أنْ يَجُوزَ التَّمَسُّكُ بِالقِياسِ الشَّرْعِيِّ في سائِرِ الوَقائِعِ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، ألا تَرى أنَّ مَن قالَ: القِياسُ حُجَّةٌ في بابِ البَيْعِ لا في بابِ النِّكاحِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا.

وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: وهو حَمْلُ الِاسْتِنْباطِ عَلى النُّصُوصِ الخَفِيَّةِ أوْ عَلى تَرْكِيباتِ النُّصُوصِ فَجَوابُهُ: أنَّ كُلَّ ذَلِكَ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَنصُوصًا، والتَّمَسُّكُ بِالنَّصِّ لا يُسَمّى اسْتِنْباطًا. قَوْلُهُ: لِمَ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى التَّمَسُّكِ بِالبَراءَةِ الأصْلِيَّةِ ؟ قُلْنا لَيْسَ هَذا اسْتِنْباطًا بَلْ هو إبْقاءٌ لِما كانَ عَلى ما كانَ، ومِثْلُ هَذا لا يُسَمّى اسْتِنْباطًا البَتَّةَ.

وأمّا السُّؤالُ الرّابِعُ: وهو قَوْلُهُ إنَّ هَذا الِاسْتِنْباطَ إنَّما يَجُوزُ عِنْدَ حُصُولِ العِلْمِ، والقِياسُ الشَّرْعِيُّ لا يُفِيدُ العِلْمَ.

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ القِياسَ الشَّرْعِيَّ عِنْدَنا يُفِيدُ العِلْمَ، وذَلِكَ لِأنَّ بَعْدَ ثُبُوتِ أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ نَقْطَعُ بِأنَّهُ مَهْما غَلَبَ عَلى الظَّنِّ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ في الأصْلِ مُعَلَّلٌ بِكَذا، ثُمَّ غَلَبَ عَلى الظَّنِّ أنَّ ذَلِكَ المَعْنى قائِمٌ في الفَرْعِ، فَهَهُنا يَحْصُلُ ظَنٌّ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ في الفَرْعِ مُساوٍ لِحُكْمِهِ في الأصْلِ، وعِنْدَ هَذا

صفحة ١٦١

الظَّنِّ نَقْطَعُ بِأنَّهُ مُكَلَّفٌ بِأنْ يَعْمَلَ عَلى وفْقِ هَذا الظَّنِّ، فالحاصِلُ أنَّ الظَّنَّ واقِعٌ في طَرِيقِ الحُكْمِ، وأمّا الحُكْمُ فَمَقْطُوعٌ بِهِ، وهو يَجْرِي مَجْرى ما إذا قالَ اللَّهُ: مَهْما غَلَبَ عَلى ظَنِّكَ كَذا فاعْلَمْ أنَّ في الواقِعَةِ الفُلانِيَّةِ حُكْمِي كَذا، فَإذا حَصَلَ الظَّنُّ قَطَعْنا بِثُبُوتِ ذَلِكَ الحُكْمِ.

والثّانِي: وهو أنَّ العِلْمَ قَدْ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ الظَّنُّ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ» “ شَرَطَ العِلْمَ في جَوازِ الشَّهادَةِ، وأجْمَعْنا عَلى أنَّ عِنْدَ الظَّنِّ تَجُوزُ الشَّهادَةُ، فَثَبَتَ أنَّ الظَّنَّ قَدْ يُسَمّى بِالعِلْمِ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ ظاهِرَ هَذا الِاسْتِثْناءِ يُوهِمُ أنَّ ذَلِكَ القَلِيلَ وقَعَ لا بِفَضْلِ اللَّهِ ولا بِرَحْمَتِهِ ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ مُحالٌ. فَعِنْدَ هَذا اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ وذَكَرُوا وُجُوهًا، قالَ بَعْضُهم: هَذا الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿أذاعُوا﴾ وقالَ قَوْمٌ: راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ الوُجُوهَ لا يُمْكِنُ أنْ تَزِيدَ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ لِأنَّ الآيَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْإخْبارِ عَنْ هَذِهِ الأحْكامِ الثَّلاثَةِ، ويَصِحُّ صَرْفُ الِاسْتِثْناءِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنها، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأقْوالِ مُحْتَمَلٌ.

أمّا القَوْلُ الأوَّلُ: فالتَّقْدِيرُ: وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا، فَأخْرَجَ تَعالى بَعْضَ المُنافِقِينَ عَنِ الإذاعَةِ كَما أخْرَجَهم في قَوْلِهِ: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ .

والقَوْلُ الثّانِي: الِاسْتِثْناءُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ يَعْنِي لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم إلّا القَلِيلَ: قالَ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ: القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى لِأنَّ ما يُعْلَمُ بِالِاسْتِنْباطِ فالأقَلُّ يَعْلَمُهُ، والأكْثَرُ يَجْهَلُهُ، وصَرْفُ الِاسْتِثْناءِ إلى ما ذَكَرُوهُ يَقْتَضِي ضِدَّ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: هَذا غَلَطٌ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ شَيْئًا يَسْتَخْرِجُهُ بِنَظَرٍ دَقِيقٍ وفِكْرٍ غامِضٍ، إنَّما هو اسْتِنْباطُ خَبَرٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالأكْثَرُونَ يَعْرِفُونَهُ، إنَّما البالِغُ في البَلادَةِ والجَهالَةِ هو الَّذِي لا يَعْرِفُهُ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: كَلامُ الزَّجّاجِ إنَّما يَصِحُّ لَوْ حَمَلْنا الِاسْتِنْباطَ عَلى مُجَرَّدِ تَعَرُّفِ الأخْبارِ والأراجِيفِ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى الِاسْتِنْباطِ في جَمِيعِ الأحْكامِ كَما صَحَّحْنا ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ كانَ الحَقُّ كَما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ.

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ صَرْفَ الِاسْتِثْناءِ إلى ما يَلِيهِ ويَتَّصِلُ بِهِ أوْلى مِن صَرْفِهِ إلى الشَّيْءِ البَعِيدِ عَنْهُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَتَمَشّى إلّا إذا فَسَّرْنا الفَضْلَ والرَّحْمَةَ بِشَيْءٍ خاصٍّ، وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، أنَّ المُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ في هَذِهِ الآيَةِ إنْزالُ القُرْآنِ وبِعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا بِعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وإنْزالُ القُرْآنِ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ وكَفَرْتُمْ بِاللَّهِ إلّا قَلِيلًا مِنكم، فَإنَّ ذَلِكَ القَلِيلَ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَدَمِ إنْزالِ القُرْآنِ ما كانَ يَتَّبِعُ الشَّيْطانَ، وما كانَ يَكْفُرُ بِاللَّهِ، وهم مِثْلُ قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وهُمُ الَّذِينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ قَبْلَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

الوَجْهُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ، وهو أنَّ المُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ في هَذِهِ الآيَةِ هو نُصْرَتُهُ تَعالى ومَعُونَتُهُ اللَّذانِ عَناهُما المُنافِقُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَوْلا حُصُولُ النَّصْرِ

صفحة ١٦٢

والظَّفَرِ عَلى سَبِيلِ التَّتابُعِ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ وتَرَكْتُمُ الدِّينَ إلّا القَلِيلَ مِنكم، وهم أهْلُ البَصائِرِ النّاقِدَةِ والنِّيّاتِ القَوِيَّةِ والعَزائِمِ المُتَمَكِّنَةِ مِن أفاضِلِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ كَوْنِهِ حَقًّا حُصُولُ الدَّوْلَةِ في الدُّنْيا، فَلِأجْلِ تَواتُرِ الفَتْحِ والظَّفَرِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ حَقًّا، ولِأجْلِ تَواتُرِ الِانْهِزامِ والِانْكِسارِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ باطِلًا، بَلِ الأمْرُ في كَوْنِهِ حَقًّا وباطِلًا عَلى الدَّلِيلِ، وهَذا أصَحُّ الوُجُوهِ وأقْرَبُها إلى التَّحْقِيقِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الشَّيْطانَ فَقَدْ مَنَعَهُمُ اللَّهُ فَضْلَهُ ورَحْمَتَهُ، وإلّا ما كانَ يُتَّبَعُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ في أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ رِعايَةُ الأصْلَحِ في الدِّينِ. أجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّ فَضْلَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ عامّانِ في حَقِّ الكُلِّ، لَكِنَّ المُؤْمِنِينَ انْتَفَعُوا بِهِ، والكافِرِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، فَصَحَّ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لِلْكافِرِ مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ ورَحْمَةٌ في الدِّينِ.

والجَوابُ: أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى المَجازِ خِلافُ الأصْلِ.

4:84Page 91

فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا ٨٤

So fight, [O Muḥammad], in the cause of Allāh; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allāh will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allāh is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالجِهادِ ورَغَّبَ فِيهِ أشَدَّ التَّرْغِيبِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، وذَكَرَ في المُنافِقِينَ قِلَّةَ رَغْبَتِهِمْ في الجِهادِ، بَلْ ذَكَرَ عَنْهم شِدَّةَ سَعْيِهِمْ في تَثْبِيطِ المُسْلِمِينَ عَنِ الجِهادِ، عادَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الأمْرِ بِالجِهادِ فَقالَ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلْ﴾ بِماذا تَتَعَلَّقُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّها جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ [النساء: ٧٤] مِن طَرِيقِ المَعْنى لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى مَعْنى إنْ أرَدْتَ الفَوْزَ فَقاتِلْ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِمَعْنى ما ذَكَرَ مِن قَصَصِ المُنافِقِينَ، والمَعْنى أنَّ مِن أخْلاقِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كَذا وكَذا، فَلا تَعْتَدَّ بِهِمْ ولا تَلْتَفِتْ إلى أفْعالِهِمْ، بَلْ قاتِلْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِالجِهادِ ولَوْ وحْدَهُ قَبْلَ دُعاءِ النّاسِ في بَدْرٍ الصُّغْرى إلى الخُرُوجِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ واعَدَ الرَّسُولَ ﷺ اللِّقاءَ فِيها، فَكَرِهَ بَعْضُ النّاسِ أنْ يَخْرُجُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَخَرَجَ وما مَعَهُ إلّا سَبْعُونَ رَجُلًا ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى أحَدٍ، ولَوْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ لَخَرَجَ وحْدَهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ أشْجَعَ الخَلْقِ وأعْرَفَهم بِكَيْفِيَّةِ القِتالِ لِأنَّهُ تَعالى ما كانَ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ إلّا وهو ﷺ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، ولَقَدِ اقْتَدى بِهِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ حاوَلَ الخُرُوجَ وحْدَهُ إلى قِتالِ مانِعِي الزَّكاةِ، ومَن عَلِمَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ وأنَّهُ لا يَحْصُلُ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٦٣

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (لا تُكَلَّفْ) بِالجَزْمِ عَلى النَّهْيِ. و(لا نُكَلِّفُ) بِالنُّونِ وكَسْرِ اللّامِ، أيْ لا نُكَلِّفُ نَحْنُ إلّا نَفْسَكَ وحْدَها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: انْتِصابُ قَوْلِهِ: ﴿نَفْسَكَ﴾ عَلى مَفْعُولِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يُساعِدْهُ عَلى القِتالِ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّخَلُّفُ عَنِ الجِهادِ البَتَّةَ، والمَعْنى لا تُؤاخَذُ إلّا بِفِعْلِكَ دُونَ فِعْلِ غَيْرِكَ، فَإذا أدَّيْتَ فِعْلَكَ لا تُكَلَّفُ بِفَرْضِ غَيْرِكَ.

واعْلَمْ أنَّ الجِهادَ في حَقِّ غَيْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، فَما لَمْ يَغْلِبْ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ يُفِيدُ لَمْ يَجِبْ، بِخِلافِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ عَلى ثِقَةٍ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ هَهُنا: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و”عَسى“ مِنَ اللَّهِ جَزْمٌ، فَلَزِمَهُ الجِهادُ وإنْ كانَ وحْدَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ والمَعْنى أنَّ الواجِبَ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما هو الجِهادُ وتَحْرِيضُ النّاسِ في الجِهادِ، فَإنْ أتى بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ ولَيْسَ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ غَيْرِهِ تارِكًا لِلْجِهادِ شَيْءٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: عَسى: حَرْفٌ مِن حُرُوفِ المُقارَبَةِ وفِيهِ تَرَجٍّ وطَمَعٌ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.

والجَوابُ عَنْهُ أنْ ”عَسى“ مَعْناها الإطْماعُ، ولَيْسَ في الإطْماعِ أنَّهُ شَكٌّ أوْ يَقِينٌ، وقالَ بَعْضُهم: إطْماعُ الكَرِيمِ إيجابٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكَفُّ المَنعُ، والبَأْسُ أصْلُهُ المَكْرُوهُ، يُقالُ ما عَلَيْكَ مِن هَذا الأمْرِ بَأْسٌ أيْ مَكْرُوهٌ، ويُقالُ بِئْسَ الشَّيْءُ هَذا إذا وُصِفَ بِالرَّداءَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] أيْ مَكْرُوهٍ، والعَذابُ قَدْ يُسَمّى بَأْسًا لِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا، قالَ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩] ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ [الأنبياء: ١٢] ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٤] قالَ المُفَسِّرُونَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وقَدْ كَفَّ بِأسَهم، فَقَدْ بَدا لِأبِي سُفْيانَ وقالَ هَذا عامٌ مُجْدِبٌ وما كانَ مَعَهم زادٌ إلّا السَّوِيقُ، فَتَرَكَ الذَّهابَ إلى مُحارَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ يُقالُ: نَكَّلْتُ فُلانًا إذا عاقَبْتَهُ عُقُوبَةً تُنَكِّلُ غَيْرَهُ عَنِ ارْتِكابِ مِثْلِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: نَكَلَ الرَّجُلُ عَنِ الشَّيْءِ إذا جَبُنَ عَنْهُ وامْتَنَعَ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ [البقرة: ٦٦] وقالَ في السَّرِقَةِ: ﴿بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] ويُقالُ: نَكَلَ فُلانٌ عَنِ اليَمِينِ إذا خافَهُ ولَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ عَذابَ اللَّهِ وتَنْكِيلَهُ أشَدُّ مِن عَذابِ غَيْرِهِ ومِن تَنْكِيلِهِ، وأقْبَلُ الوُجُوهِ في بَيانِ هَذا التَّفاوُتِ أنَّ عَذابَ غَيْرِ اللَّهِ لا يَكُونُ دائِمًا، وعَذابَ اللَّهِ دائِمٌ في الآخِرَةِ، وعَذابَ غَيْرِ اللَّهِ قَدْ يُخَلِّصُ اللَّهُ مِنهُ، وعَذابَ اللَّهِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى التَّخَلُّصِ مِنهُ، وأيْضًا عَذابُ غَيْرِ اللَّهِ لا يَكُونُ إلّا مِن وجْهٍ واحِدٍ، وعَذابُ اللَّهِ قَدْ يَصِلُ إلى جَمِيعِ الأجْزاءِ والأبْعاضِ والرُّوحِ والبَدَنِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском