Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:87–90
4:87Page 92
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧
Allāh - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allāh in statement.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ أنْ لا يَصِيرَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ مَقْتُولًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ ثُمَّ بالَغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ الوَعِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ التَّوْحِيدَ والعَدْلَ مُتَلازِمانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ إشارَةٌ إلى العَدْلِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] وكَقَوْلِهِ في طه: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وهو إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وهو إشارَةٌ إلى العَدْلِ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ في حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ أنْ يَجْمَعَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في عَرَصَةِ القِيامَةِ فَيَنْتَصِفَ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، ولا شَكَّ أنَّهُ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ.
الثّانِي: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَن سَلَّمَ عَلَيْكم وحَيّاكم فاقْبَلُوا سَلامَهُ وأكْرِمُوهُ وعامِلُوهُ بِناءً عَلى الظّاهِرِ، فَإنَّ البَواطِنَ إنَّما يَعْرِفُها اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، إنَّما تَنْكَشِفُ بَواطِنُ الخَلْقِ لِلْخَلْقِ في يَوْمِ القِيامَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ إمّا خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ، وإمّا اعْتِراضٌ والخَبَرُ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ واللّامُ لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: لَيَجْمَعَنَّكم في يَوْمِ القِيامَةِ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: المُرادُ لَيَجْمَعَنَّكم في المَوْتِ أوِ القُبُورِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
الثّانِي: التَّقْدِيرُ:
صفحة ١٧٣
لَيَضُمَّنَّكم إلى ذَلِكَ اليَوْمِ ويَجْمَعُ بَيْنَكم وبَيْنَهُ بِأنْ يَجْمَعَكم فِيهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ سُمِّيَتِ القِيامَةُ قِيامَةً لِأنَّ النّاسَ يَقُومُونَ مِن قُبُورِهِمْ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ: سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّ النّاسَ يَقُومُونَ لِلْحِسابِ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القِيامُ القِيامَةُ، كالطِّلابِ والطِّلابَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ أنَّ القِيامَةَ سَتُوجَدُ لا مَحالَةَ، وجَعَلَ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ مُجَرَّدَ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ، وهَذا حَقٌّ، وذَلِكَ لِأنَّ المَسائِلَ الأُصُولِيَّةَ عَلى قِسْمَيْنِ مِنها ما العِلْمُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ يَكُونُ مُحْتاجًا إلى العِلْمِ بِصِحَّتِهِ، ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ:
والأوَّلُ مِثْلُ عِلْمِنا بِافْتِقارِ العالَمِ إلى صانِعٍ عالِمٍ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ قادِرٍ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَإنّا ما لَمْ نَعْلَمْ ذَلِكَ لا يُمْكِنُنا العِلْمُ بِصِدْقِ الأنْبِياءِ، فَكُلُّ مَسْألَةٍ هَذا شَأْنُها فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ إثْباتُها بِالقُرْآنِ وإخْبارِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإلّا وقَعَ الدَّوْرُ.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: وهو جُمْلَةُ المَسائِلَ الَّتِي لا يَتَوَقَّفُ العِلْمُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ عَلى العِلْمِ بِصِحَّتِها فَكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُمْكِنُ إثْباتُهُ بِكَلامِ اللَّهِ وإخْبارِهِ ومَعْلُومٌ أنَّ قِيامَ القِيامَةِ كَذَلِكَ، فَلا جَرَمَ أمْكَنَ إثْباتُهُ بِالقُرْآنِ وبِكَلامِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى قِيامِ القِيامَةِ بِإخْبارِ اللَّهِ عَنْهُ اسْتِدْلالٌ صَحِيحٌ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، والمَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ يَجِبُ كَوْنُهُ تَعالى صادِقًا وأنَّ الكَذِبَ والخُلْفَ في قَوْلِهِ مُحالٌ. وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ بَنَوْا ذَلِكَ عَلى أصْلِهِمْ، وهو أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكَوْنِ الكَذِبِ قَبِيحًا، وعالَمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكْذِبَ. إنَّما قُلْنا: إنَّهُ عالِمٌ بِقُبْحِ الكَذِبِ، وعالِمٌ بِكَوْنِهِ غَنِيًّا عَنْهُ لِأنَّ الكَذِبَ قَبِيحٌ لِكَوْنِهِ كَذِبًا، واللَّهُ تَعالى غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ أصْلًا، وثَبَتَ أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَوَجَبَ القَطْعُ بِكَوْنِهِ عالِمًا بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ، وأمّا أنَّ كُلَّ مَن كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكْذِبَ فَهو ظاهِرٌ لِأنَّ الكَذِبَ جِهَةُ صَرْفٍ لا جِهَةَ دُعاءٍ، فَإذا خَلا عَنْ مُعارِضِ الحاجَةِ بَقِيَ ضارًّا مَحْضًا فَيَمْتَنِعُ صُدُورُ الكَذِبِ عَنْهُ، وأمّا أصْحابُنا فَدَلِيلُهم أنَّهُ لَوْ كانَ كاذِبًا لَكانَ كَذِبُهُ قَدِيمًا، ولَوْ كانَ كَذِبُهُ قَدِيمًا لامْتَنَعَ زَوالُ كَذِبِهِ لِامْتِناعِ العَدَمِ عَلى القَدِيمِ، ولَوِ امْتَنَعَ زَوالُ كَذِبِهِ قَدِيمًا لامْتَنَعَ كَوْنُهُ صادِقًا، لِأنَّ وُجُودَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يَمْنَعُ وُجُودَ الضِّدِّ الآخَرِ، فَلَوْ كانَ كاذِبًا لامْتَنَعَ أنْ يَصْدُقَ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، لِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ كُلَّ مَن عَلِمَ شَيْئًا فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ مُطابِقٍ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، والعِلْمُ بِهَذِهِ الصِّحَّةِ ضَرُورِيٌّ، فَإذا كانَ إمْكانُ الصِّدْقِ قائِمًا كانَ امْتِناعُ الكَذِبِ حاصِلًا لا مَحالَةَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القَطْعِ بِكَوْنِهِ تَعالى صادِقًا.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى مُحْدَثٌ، قالُوا لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ حَدِيثًا في هَذِهِ الآيَةِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] والحَدِيثُ هو الحادِثُ أوِ المُحْدَثُ، وجَوابُنا عَنْهُ: إنَّكُما إنَّما تَحْكُمُونَ بِحُدُوثِ الكَلامِ الَّذِي هو الحَرْفُ والصَّوْتُ ونَحْنُ لا نُنازِعُ في حُدُوثِهِ، إنَّما الَّذِي نَدَّعِي قِدَمَهُ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى حُدُوثِ ذَلِكَ الشَّيْءِ البَتَّةَ بِالِاتِّفاقِ مِنّا ومِنكم، فَأمّا مِنّا فَظاهِرٌ، وأمّا مِنكم فَإنَّكم تُنْكِرُونَ وُجُودَ كَلامٍ سِوى هَذِهِ الحُرُوفِ والأصْواتِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُكم أنْ تَقُولُوا بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى حُدُوثِهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
4:88Page 92
۞ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ٨٨
What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites,1 while Allāh has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned.2 Do you wish to guide those whom Allāh has sent astray? And he whom Allāh sends astray - never will you find for him a way [of guidance].3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، وهَهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ وآلِهِ مُسْلِمِينَ فَأقامُوا بِالمَدِينَةِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ: نُرِيدُ أنْ نَخْرُجَ إلى الصَّحْراءِ فائْذَنْ لَنا فِيهِ، فَأذِنَ لَهم، فَلَمّا خَرَجُوا لَمْ يَزالُوا يَرْحَلُونَ مَرْحَلَةً مَرْحَلَةً حَتّى لَحِقُوا بِالمُشْرِكِينَ فَتَكَلَّمَ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ، فَقالَ بَعْضُهم: لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ مِثْلَنا لَبَقَوْا مَعَنا وصَبَرُوا كَما صَبَرْنا، وقالَ قَوْمٌ: هم مُسْلِمُونَ، ولَيْسَ لَنا أنْ نَنْسِبَهم إلى الكُفْرِ إلى أنْ يَظْهَرَ أمْرُهم، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى نِفاقَهم في هَذِهِ الآيَةِ.
الثّانِي: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ بِمَكَّةَ، وكانُوا يُعِينُونَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ. فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ فِيهِمْ وتَشاجَرُوا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.
الثّالِثُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الَّذِينَ تَخَلَّفُوا يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، فاخْتَلَفَ أصْحابُ الرَّسُولِ ﷺ فِيهِمْ، فَمِنهم فِرْقَةٌ يَقُولُونَ: كَفَرُوا، وآخَرُونَ قالُوا: لَمْ يَكْفُرُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، ومِنهم مَن طَعَنَ في هَذا الوَجْهِ وقالَ: في نَسَقِ الآيَةِ ما يَقْدَحُ فِيهِ، وإنَّهم مِن أهْلِ مَكَّةَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
الرّابِعُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ ضَلُّوا وأخَذُوا أمْوالَ المُسْلِمِينَ وانْطَلَقُوا بِها إلى اليَمامَةِ فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ فِيهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ: وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
الخامِسُ: هُمُ العُرَنِيُّونَ الَّذِينَ أغارُوا وقَتَلُوا يَسارًا مَوْلى الرَّسُولِ ﷺ .
السّادِسُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في أهْلِ الإفْكِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مَعْنى الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ ”فِئَتَيْنِ“ نُصِبَ عَلى الحالِ: كَقَوْلِكَ: ما لَكَ قائِمًا، أيْ ما لَكَ في حالِ القِيامِ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.
الثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى خَبَرِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: ما لَكم صِرْتُمْ في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، أيْ لِمَ تَخْتَلِفُونَ في كُفْرِهِمْ مَعَ أنَّ دَلائِلَ كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، فَلَيْسَ لَكم أنْ تَخْتَلِفُوا فِيهِ بَلْ يَجِبُ أنْ تَقْطَعُوا بِكُفْرِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الحَسَنُ: إنَّما سَمّاهم مُنافِقِينَ وإنْ أظْهَرُوا الكُفْرَ لِأنَّهم وُصِفُوا بِالصِّفَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها مِن قَبْلُ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ ما بَيَّنّا أنَّ فِرْقَةً مِنهم كانَتْ تَمِيلُ إلَيْهِمْ وتَذُبُّ عَنْهم وتُوالِيهِمْ، وفِرْقَةً مِنهم تُبايِنُهم وتُعادِيهِمْ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وأُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في التَّبايُنِ والتَّبَرِّي والتَّكْفِيرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ كُفْرِهِمْ: ﴿واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الرَّكْسُ: رَدُّ الشَّيْءِ مِن آخِرِهِ إلى أوَّلِهِ، فالرَّكْسُ والنَّكْسُ والمَرْكُوسُ والمَنكُوسُ واحِدٌ، ومِنهُ يُقالُ لِلرَّوَثِ الرَّكْسُ لِأنَّهُ رُدَّ إلى حالَةٍ خَسِيسَةٍ، وهي حالَةُ النَّجاسَةِ، ويُسَمّى رَجِيعًا لِهَذا المَعْنى
صفحة ١٧٥
أيْضًا، وفِيهِ لُغَتانِ: رَكَسَهم وأرْكَسَهم فارْتَكَسُوا، أيِ ارْتَدُّوا. وقالَ أُمَيَّةُ.
فَأُرْكِسُوا في حَمِيمِ النّارِ إنَّهم كانُوا عُصاةً وقالُوا الإفْكَ والزُّورا
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ رَدَّهم إلى أحْكامِ الكُفّارِ مِنَ الذُّلِّ والصَّغارِ والسَّبْيِ والقَتْلِ بِما كَسَبُوا، أيْ بِما أظْهَرُوا مِنَ الِارْتِدادِ بَعْدَما كانُوا عَلى النِّفاقِ، وذَلِكَ أنَّ المُنافِقَ ما دامَ يَكُونُ مُتَمَسِّكًا في الظّاهِرِ بِالشَّهادَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَنا سَبِيلٌ إلى قَتْلِهِ، فَإذا أظْهَرَ الكُفْرَ فَحِينَئِذٍ يُجْرِي اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ أحْكامَ الكُفّارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ أرْكَسَ ورَكَسَ لُغَتانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ اللَّهُ﴾ لَيْسَ أنَّهُ هو خَلَقَ الضَّلالَ فِيهِ لِلْوُجُوهِ المَشْهُورَةِ، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما رَدَّهم وطَرَدَهم بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ وفِعْلِهِمْ، وذَلِكَ يَنْفِي القَوْلَ بِأنَّ إضْلالَهم حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ وعِنْدَ هَذا حَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِضَلالِهِمْ وكُفْرِهِمْ كَما يُقالُ فُلانٌ يُكَفِّرُ فُلانًا ويُضِلُّهُ: بِمَعْنى أنَّهُ حَكَمَ بِهِ وأخْبَرَ عَنْهُ.
الثّانِي: أنَّ المَعْنى أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا إلى الجَنَّةِ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى يُضِلُّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنِ الِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ هَذا الإضْلالُ مُفَسَّرًا بِمَنعِ الألْطافِ:
واعْلَمْ أنّا قَدْ ذَكَرْنا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ ضَعْفَ هَذِهِ الوُجُوهِ، ثُمَّ نَقُولُ: هَبْ أنَّها صَحِيحَةٌ، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ، وأنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَقَدْ تَوَجَّهَ الإشْكالُ لِأنَّ انْقِلابَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى جَهْلًا مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أضَلَّهم عَنِ الدِّينِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ فالمُؤْمِنُونَ في الدُّنْيا إنَّما كانُوا يُرِيدُونَ مِنَ المُنافِقِينَ الإيمانَ ويَحْتالُونَ في إدْخالِهِمْ فِيهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أضَلَّهم عَنِ الإيمانِ امْتَنَعَ أنْ يَجِدَ المَخْلُوقُ سَبِيلًا إلى إدْخالِهِ في الإيمانِ، وهَذا ظاهِرٌ.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٨] وكانَ ذَلِكَ اسْتِفْهامًا عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ قَرَّرَ ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ بِأنْ قالَ: إنَّهم بَلَغُوا في الكُفْرِ إلى أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ أنْ تَصِيرُوا أيُّها المُسْلِمُونَ كُفّارًا، فَلَمّا بَلَغُوا في تَعَصُّبِهِمْ في الكُفْرِ إلى هَذا الحَدِّ فَكَيْفَ تَطْمَعُونَ في إيمانِهِمْ.
4:89Page 92
وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرًا ٨٩
They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allāh. But if they turn away [i.e., refuse], then seize them and kill them [for their betrayal] wherever you find them and take not from among them any ally or helper,
صفحة ١٧٦
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ رُفِعَ بِالنَّسَقِ عَلى ﴿تَكْفُرُونَ﴾ والمَعْنى: ودُّوا لَوْ تَكُونُونَ، والفاءُ عاطِفَةٌ ولا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ جَوابَ التَّمَنِّي، ولَوْ أرادَ ذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِ إذا كَفَرُوا اسْتَوَوْا لَكانَ نَصْبًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ولَوْ قِيلَ: ”فَيُدْهِنُوا“ عَلى الجَوابِ لَكانَ ذَلِكَ جائِزًا في الإعْرابِ، ومِثْلُهُ: ﴿ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ أيْ في الكُفْرِ، والمُرادُ فَتَكُونُونَ أنْتُمْ وهم سَواءٌ إلّا أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ المُخاطَبِينَ عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهِمْ لِوُضُوحِ المَعْنى بِسَبَبِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ لِلْمُؤْمِنِينَ كُفْرَهم وشِدَّةَ غُلُوِّهم في ذَلِكَ الكُفْرِ.
* * *
فَبَعْدَ ذَلِكَ شَرَحَ لِلْمُؤْمِنِينَ كَيْفِيَّةَ المُخالَطَةِ مَعَهم فَقالَ: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مُوالاةُ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ والمُشْتَهِرِينَ بِالزَّنْدَقَةِ والإلْحادِ، وهَذا مُتَأكِّدٌ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أعَزَّ الأشْياءِ وأعْظَمَها عِنْدَ جَمِيعِ الخَلْقِ هو الدِّينُ، لِأنَّ ذَلِكَ هو الأمْرُ الَّذِي بِهِ يُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى، ويُتَوَسَّلُ بِهِ إلى طَلَبِ السَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ العَداوَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِهِ أعْظَمَ أنْواعِ العَداوَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ طَلَبُ المَحَبَّةِ والوِلايَةِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ أعْظَمُ مُوجِباتِ العَداوَةِ حاصِلًا فِيهِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: التَّقْدِيرُ حَتّى يُسْلِمُوا ويُهاجِرُوا، لِأنَّ الهِجْرَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الإسْلامِ، فَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى إيجابِ الهِجْرَةِ بَعْدَ الإسْلامِ، وأنَّهم وإنْ أسْلَمُوا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنا وبَيْنَهم مُوالاةٌ إلّا بَعْدَ الهِجْرَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] .
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ إنَّما كانَ لازِمًا حالَ ما كانَتِ الهِجْرَةُ مَفْرُوضَةً قالَ ﷺ: ”«أنا بَرِيءٌ مِن كُلِّ مُسْلِمٍ أقامَ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينَ وأنا بَرِيءٌ مَن كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ» “ فَكانَتِ الهِجْرَةُ واجِبَةً إلى أنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ، ثُمَّ نُسِخَ فَرْضُ الهِجْرَةِ. عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ”«لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ» “ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ حُكْمَ الآيَةِ ثابِتٌ في كُلِّ مَن أقامَ في دارِ الحَرْبِ فَرَأى فَرْضَ الهِجْرَةِ إلى دارِ الإسْلامِ قائِمًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الهِجْرَةَ تارَةً تَحْصُلُ بِالِانْتِقالِ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإيمانِ، وأُخْرى تَحْصُلُ بِالِانْتِقالِ عَنْ أعْمالِ الكُفّارِ إلى أعْمالِ المُسْلِمِينَ، قالَ ﷺ: ”«المُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ» “ وقالَ المُحَقِّقُونَ: الهِجْرَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ الهِجْرَةِ عَنْ تَرْكِ مَأْمُوراتِهِ وفِعْلِ مَنهِيّاتِهِ، ولَمّا كانَ كُلُّ هَذِهِ الأُمُورِ مُعْتَبَرًا لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى لَفْظًا عامًّا يَتَناوَلُ الكُلَّ فَقالَ: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: حَتّى يُهاجِرُوا عَنِ الكُفْرِ، بَلْ قالَ: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ مُهاجِرَةُ دارِ الكُفْرِ ومُهاجِرَةُ شِعارِ الكُفْرِ، ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ تَعالى عَلى ذِكْرِ الهِجْرَةِ، بَلْ قَيَّدَهُ بِكَوْنِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَإنَّهُ رُبَّما كانَتِ الهِجْرَةُ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإسْلامِ، ومِن شِعارِ الكُفْرِ إلى شِعارِ الإسْلامِ لِغَرَضٍ مِن أغْراضِ الدُّنْيا، إنَّما المُعْتَبَرُ وُقُوعُ تِلْكَ الهِجْرَةِ لِأجْلِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
4:90Page 92
إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا ٩٠
Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allāh had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allāh has not made for you a cause [for fighting] against them.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ . والمَعْنى فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الهِجْرَةِ ولَزِمُوا مَواضِعَهم خارِجًا عَنِ المَدِينَةِ فَخُذُوهم إذا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِمْ، واقْتُلُوهم أيْنَما وجَدْتُمُوهم في الحِلِّ والحَرَمِ، ولا تَتَّخِذُوا مِنهم في هَذِهِ الحالَةِ ولِيًّا يَتَوَلّى شَيْئًا مِن مُهِمّاتِكم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُكم عَلى أعْدائِكم.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِقَتْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ اسْتَثْنى مِنهُ مَوْضِعَيْنِ.
﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿يَصِلُونَ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: يَنْتَهُونَ إلَيْهِمْ ويَتَّصِلُونَ بِهِمْ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ في عَهْدِ مَن كانَ داخِلًا في عَهْدِكم فَهم أيْضًا داخِلُونَ في عَهْدِكم. قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ يَدْخُلُ في الآيَةِ أنْ يَقْصِدَ قَوْمٌ حَضْرَةَ الرَّسُولِ ﷺ فَيَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ المَطْلُوبُ فَيَلْجَأُوا إلى قَوْمٍ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ عَهْدٌ إلى أنْ يَجِدُوا السَّبِيلَ إلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَصِلُونَ﴾ مَعْناهُ يَنْتَسِبُونَ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ أكْثَرُهم كانُوا مُتَّصِلِينَ بِالرَّسُولِ مِن جِهَةِ النَّسَبِ مَعَ أنَّهُ ﷺ كانَ قَدْ أباحَ دَمَ الكُفّارِ مِنهم.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ عَهْدٌ مَن هم ؟ قالَ بَعْضُهم هُمُ الأسْلَمِيُّونَ فَإنَّهُ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وادَعَ وقْتَ خُرُوجِهِ إلى مَكَّةَ هِلالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيَّ عَلى أنْ لا يَعْصِيَهُ ولا يُعِينَ عَلَيْهِ، وعَلى أنَّ كُلَّ مَن وصَلَ إلى هِلالٍ ولَجَأ إلَيْهِ فَلَهُ مِنَ الجِوارِ مِثْلُ ما لِهِلالٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدِ مَناةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: هم خُزاعَةُ وخُزَيْمَةُ بْنُ عَبْدِ مَناةَ.
واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ بِشارَةً عَظِيمَةً لِأهْلِ الإيمانِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا رَفَعَ السَّيْفَ عَمَّنِ التَجَأ إلى مَنِ التَجَأ إلى المُسْلِمِينَ، فَبِأنْ يَرْفَعَ العَذابَ في الآخِرَةِ عَمَّنِ التَجَأ إلى مَحَبَّةِ اللَّهِ ومَحَبَّةِ رَسُولِهِ كانَ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
* المَوْضِعُ الثّانِي في الِاسْتِثْناءِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكم فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ١٧٨
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ جاءُوكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى صِلَةِ ”الَّذِينَ“ والتَّقْدِيرُ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ بِالمُعاهَدِينَ أوِ الَّذِينَ حَصِرَتْ صُدُورُهم فَلا يُقاتِلُونَكم، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى صِفَةِ ”قَوْمٍ“ والتَّقْدِيرُ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ، أوْ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ حَصِرَتْ صُدُورُهم فَلا يُقاتِلُونَكم، والأوَّلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ وإنَّما ذَكَرَ هَذا بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّبَبَ المُوجِبَ لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهم هو تَرْكُهم لِلْقِتالِ، وهَذا إنَّما يَتَمَشّى عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ، وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي فالسَّبَبُ المُوجِبُ لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ لَهم هو الِاتِّصالُ بِمَن تَرَكَ القِتالَ.
الثّانِي: أنَّ جَعْلَ تَرْكِ القِتالِ مُوجِبًا لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ أوْلى مِن جَعْلِ الِاتِّصالِ بِمَن تَرَكَ القِتالَ سَبَبًا قَرِيبًا لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ، لِأنَّ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ تَرْكُ القِتالِ سَبَبًا قَرِيبًا لِتَرْكِ التَّعَرُّضِ، وعَلى السَّبَبِ الثّانِي يَصِيرُ سَبَبًا بَعِيدًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ مَعْناهُ ضاقَتْ صُدُورُهم عَنِ المُقاتَلَةِ فَلا يُرِيدُونَ قِتالَكم لِأنَّكم مُسْلِمُونَ، ولا يُرِيدُونَ قِتالَهم لِأنَّهم أقارِبُهم. واخْتَلَفُوا في مَوْضِعِ قَوْلِهِ: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ وذَكَرُوا وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ بِإضْمارِ ”قَدْ“ وذَلِكَ لِأنَّ ”قَدْ“ تُقَرِّبُ الماضِيَ مِنَ الحالِ، ألا تَراهم يَقُولُونَ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، ويُقالُ أتانِي فُلانٌ ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ أتانِي فُلانٌ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ: وتَقْدِيرُ الآيَةِ: أوْ جاءُوكم حالَ ما حَصِرَتْ صُدُورُهم.
الثّانِي: أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، كَأنَّهُ قالَ: أوْ جاءُوكم؛ ثُمَّ أخْبَرَ بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ بَدَلًا مِن ﴿جاءُوكُمْ﴾ .
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: جاءُوكم قَوْمًا حَصِرَتْ صُدُورُهم أوْ جاءُوكم رِجالًا حَصِرَتْ صُدُورُهم، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ نُصِبَ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَنصُوبٍ عَلى الحالِ، إلّا أنَّهُ حَذَفَ المَوْصُوفَ المُنْتَصِبَ عَلى الحالِ، وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ مَعْناهُ ضاقَتْ قُلُوبُهم عَنْ قِتالِكم وعَنْ قِتالِ قَوْمِهِمْ فَهم لا عَلَيْكم ولا لَكم.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ تَعالى أهم مِنَ الكُفّارِ أوْ مِنَ المُؤْمِنِينَ ؟ فَقالَ الجُمْهُورُ: هم مِنَ الكُفّارِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ قَتْلَ الكافِرِ إلّا إذا كانَ مُعاهِدًا أوْ تارِكًا لِلْقِتالِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ قَتْلُهم، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالقَوْلُ بِالنَّسْخِ لازِمٌ لِأنَّ الكافِرَ وإنْ تَرَكَ القِتالَ فَإنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ الهِجْرَةَ عَلى كُلِّ مَن أسْلَمَ اسْتَثْنى مَن لَهُ عُذْرٌ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ وهم قَوْمٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَصَدُوا الرَّسُولَ لِلْهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ، إلّا أنَّهم كانَ في طَرِيقِهِمْ مِنَ الكُفّارِ ما لَمْ يَجِدُوا طَرِيقًا إلَيْهِ خَوْفًا مِن أُولَئِكَ الكُفّارِ، فَصارُوا إلى قَوْمٍ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَهم عَهْدٌ وأقامُوا عِنْدَهم إلى أنْ يُمْكِنَهُمُ الخَلاصَ، واسْتَثْنى بَعْدَ ذَلِكَ مَن صارَ إلى الرَّسُولِ ولا يُقاتِلُ الرَّسُولَ ولا أصْحابَهُ، لِأنَّهُ يَخافُ اللَّهَ تَعالى فِيهِ، ولا يُقاتِلُ الكُفّارَ أيْضًا لِأنَّهم أقارِبُهُ، أوْ لِأنَّهُ أبْقى أوْلادَهُ وأزْواجَهُ بَيْنَهم، فَيَخافُ لَوْ قاتَلَهم أنْ يَقْتُلُوا أوْلادَهُ وأصْحابَهُ، فَهَذانِ الفَرِيقانِ مِنَ المُسْلِمِينَ لا يَحِلُّ قِتالُهم وإنْ كانَ لَمْ يُوجَدْ مِنهُمُ الهِجْرَةُ ولا مُقاتَلَةُ الكُفّارِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ﴾ التَّسْلِيطُ في اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلاطَةِ وهي الحِدَّةُ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَّ عَلى المُسْلِمِينَ بِكَفِّ بَأْسِ المُعاهَدِينَ، والمَعْنى: أنَّ ضِيقَ صُدُورِهِمْ عَنْ قِتالِكم إنَّما هو لِأنَّ اللَّهَ قَذَفَ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، ولَوْ أنَّهُ تَعالى قَوّى قُلُوبَهم عَلى قِتالِ المُسْلِمِينَ لَتَسَلَّطُوا عَلَيْهِمْ. قالَ أصْحابُنا: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَقْبُحُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَسْلِيطُ الكافِرِ عَلى المُؤْمِنِ وتَقْوِيَتُهُ عَلَيْهِ،
صفحة ١٧٩
وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ الجُبّائِيُّ قَدْ بَيَّنّا أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ اسْتَثْناهُمُ اللَّهُ تَعالى قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ لا كافِرُونَ، وعَلى هَذا فَمَعْنى الآيَةِ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ لِيَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ أنْ أقْدَمْتُمْ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ عَلى سَبِيلِ الظُّلْمِ.
والثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَفَعَلَ، وهَذا لا يُفِيدُ إلّا أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الظُّلْمِ، وهَذا مَذْهَبُنا إلّا أنّا نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ الظُّلْمَ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ شاءَ ذَلِكَ وأرادَهُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ جَوابٌ ”لِلَوْ“ عَلى التَّكْرِيرِ أوِ البَدَلِ، عَلى تَأْوِيلِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَقاتَلُوكم. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وقُرِئَ ”فَلَقَتَّلُوكم“ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ أيْ فَإنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ، أيِ الِانْقِيادَ والِاسْتِسْلامَ، وقُرِئَ بِسُكُونِ اللّامِ مَعَ فَتْحِ السِّينِ ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ فَما أذِنَ لَكم في أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فَقالَ بَعْضُهم: الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وقالَ قَوْمٌ: إنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، أمّا الَّذِينَ حَمَلُوا الِاسْتِثْناءَ عَلى المُسْلِمِينَ فَذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى قَوْلِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوا الِاسْتِثْناءَ عَلى الكافِرِينَ فَقالَ الأصَمُّ: إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى المُعاهَدِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّها مَنسُوخَةٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences