Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:92–93, continued
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ المُسْلِمُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا حالَ المُسْلِمِ القاتِلِ خَطَأً ثُمَّ ذَكَرَ حالَ المُسْلِمِ المَقْتُولِ خَطَأً إذا كانَ فِيما بَيْنَ أهْلِ الحَرْبِ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ المُسْلِمِ المَقْتُولِ خَطَأً إذا كانَ فِيما بَيْنَ أهْلِ العَهْدِ وأهْلِ الذِّمَّةِ ولا شَكَّ أنَّ هَذا تَرْتِيبٌ حَسَنٌ فَكانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ جائِزًا، والَّذِي يُؤَكِّدُ صِحَّةَ هَذا القَوْلِ أنَّ قَوْلَهُ ﴿وإنْ كانَ﴾ لا بُدَّ مِن إسْنادِهِ إلى شَيْءٍ جَرى ذِكْرُهُ فِيما تَقَدَّمَ، والَّذِي جَرى ذِكْرُهُ فِيما تَقَدَّمَ هو المُؤْمِنُ المَقْتُولُ خَطَأً. فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ الذِّمِّيُّ، والتَّقْدِيرُ: وإنْ كانَ المَقْتُولُ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ومَعْنى كَوْنِ المَقْتُولِ مِنهم أنَّهُ عَلى دِينِهِمْ ومَذْهَبِهِمْ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ طَعَنُوا في القَوْلِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُسْلِمَ المَقْتُولَ خَطَأً سَواءٌ كانَ مِن أهْلِ الحَرْبِ أوْ كانَ مِن أهْلِ الذِّمَّةِ فَهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ فَلَوْ كانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ هو المُؤْمِنُ لَكانَ هَذا عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، بِخِلافِ ما إذا كانَ المُؤْمِنُ المَقْتُولُ خَطَأً مِن سُكّانِ دارِ الحَرْبِ، فَإنَّهُ تَعالى إنَّما أعادَهُ لِبَيانِ أنَّهُ لا تَجِبُ الدِّيَةُ في قَتْلِهِ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَقَدْ أوْجَبَ الدِّيَةَ والكَفّارَةَ، فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ هو المُؤْمِنُ لَكانَ هَذا إعادَةً وتَكْرارًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ وإنَّهُ لا يَجُوزُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ ما ذَكَرْتُمْ لَما كانَتِ الدِّيَةُ مُسَلَّمَةً إلى أهْلِهِ لِأنَّ أهْلَهُ كُفّارٌ لا يَرِثُونَهُ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا مِن ذَلِكَ القَوْمِ في الوَصْفِ الَّذِي وقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ وهو حُصُولُ المِيثاقِ بَيْنَهُما، فَإنَّ كَوْنَهُ مِنهم مُجْمَلٌ لا يَدْرِي أنَّهُ مِنهم في أيِّ الأُمُورِ، وإذا حَمَلْناهُ عَلى كَوْنِهِ مِنهم في ذَلِكَ الوَصْفِ زالَ الإجْمالُ فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، وإذا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ مِنهم في كَوْنِهِ مُعاهَدًا وجَبَ أنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا أوْ مُعاهَدًا مِثْلَهم ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ:
أمّا الأوَّلُ: فَجَوابُهُ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ حُكْمَ المُؤْمِنِ المَقْتُولِ عَلى سَبِيلِ الخَطَأِ، ثُمَّ ذَكَرَ أحَدَ قِسْمَيْهِ وهو المُؤْمِنُ المَقْتُولُ خَطَأً الَّذِي يَكُونُ مِن سُكّانِ دارِ الحَرْبِ، فَبَيَّنَ أنَّ الدِّيَةَ لا تَجِبُ في قَتْلِهِ، وذَكَرَ القِسْمَ الثّانِيَ وهو المُؤْمِنُ المَقْتُولُ خَطَأً الَّذِي يَكُونُ مِن سُكّانِ مَواضِعِ أهْلِ الذِّمَّةِ، وبَيَّنَ وُجُوبَ الدِّيَةِ والكَفّارَةِ في قَتْلِهِ، والغَرَضُ مِنهُ إظْهارُ الفَرْقِ بَيْنَ هَذا القِسْمِ وبَيْنَ ما قَبْلَهُ.
وأمّا الثّانِي: فَجَوابُهُ أنَّ أهْلَهُ هُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ تُصْرَفُ دِيَتُهُ إلَيْهِمْ.
وأمّا الثّالِثُ: فَجَوابُهُ أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ صارَتْ مُفَسَّرَةً في الآيَةِ السّابِقَةِ بِكَلِمَةِ ”في“ يَعْنِي في قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم، فَكَذا هَهُنا يَجِبُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ذَلِكَ لا غَيْرَ.
واعْلَمْ أنَّ فائِدَةَ هَذا البَحْثِ تَظْهَرُ في مَسْألَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وهي أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ مِثْلَ دِيَةِ المُسْلِمِ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: دِيَةُ اليَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ ثُلُثُ دِيَةِ المَجُوسِيِّ، ودِيَةُ المَجُوسِيِّ ثُلُثا عُشْرِ دِيَةِ المُسْلِمِ. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ عَلى قَوْلِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ المُرادُ بِهِ الذِّمِّيُّ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ فَأوْجَبَ تَعالى فِيهِمْ تَمامَ الدِّيَةِ، ونَحْنُ نَقُولُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ
صفحة ١٨٨
فِي حَقِّ المُؤْمِنِينَ لا في حَقِّ أهْلِ الذِّمَّةِ فَسَقَطَ الِاسْتِدْلالُ، وأيْضًا بِتَقْدِيرِ أنْ يَثْبُتَ لَهم أنَّها نازِلَةٌ في أهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ تَدُلَّ عَلى مَقْصُودِهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ في هَذِهِ الآيَةِ دِيَةً مُسَلَّمَةً، فَهَذا يَقْتَضِي إيجابَ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُسَمّى دِيَةً، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ الدِّيَةَ الَّتِي أوْجَبَها في حَقِّ الذِّمِّيِّ هي الدِّيَةُ الَّتِي أوْجَبَها في حَقِّ المُسْلِمِ ؟ ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ دِيَةُ المُسْلِمِ مِقْدارًا مُعَيَّنًا. ودِيَةُ الذِّمِّيِّ مِقْدارًا آخَرَ ؟ فَإنَّ الدِّيَةَ لا مَعْنى لَها إلّا المالُ الَّذِي يُؤَدّى في مُقابَلَةِ النَّفْسِ، فَإنِ ادَّعَيْتُمْ أنَّ مِقْدارَ الدِّيَةِ في حَقِّ المُسْلِمِ وفي حَقِّ الذِّمِّيِّ واحِدٌ فَهو مَمْنُوعٌ، والنِّزاعُ ما وقَعَ إلّا فِيهِ، فَسَقَطَ هَذا الِاحْتِجاجُ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ قَدَّمَ تَحْرِيرَ الرَّقَبَةِ عَلى الدِّيَةِ في الآيَةِ الأُولى وهَهُنا عَكْسُ هَذا التَّرْتِيبِ، إذْ لَوْ أفادَهُ لَتَوَجَّهَ الطَّعْنُ في إحْدى الآيَتَيْنِ فَصارَ هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] وفي آيَةٍ أُخْرى ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ﴾ [الأعراف: ١٦١] واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَيْنَنا وبَيْنَهم مِيثاقٌ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هم أهْلُ الذِّمَّةِ مِن أهْلِ الكِتابِ.
الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: هُمُ المُعاهَدُونَ مِنَ الكُفّارِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ ذَلِكَ بَدَلًا عَنِ الرَّقَبَةِ إذا كانَ فَقِيرًا، وقالَ مَسْرُوقٌ إنَّهُ بَدَلٌ عَنْ مَجْمُوعِ الكَفّارَةِ والدِّيَةِ، والتَّتابُعُ واجِبٌ حَتّى لَوْ أفْطَرَ يَوْمًا وجَبَ الِاسْتِئْنافُ إلّا أنْ يَكُونَ الفِطْرُ بِحَيْضٍ أوْ نِفاسٍ، وقَوْلُهُ: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ انْتَصَبَ بِمَعْنى صِيامِ ما تَقَدَّمَ، كَأنَّهُ قِيلَ: اعْمَلُوا بِما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْكم لِأجْلِ التَّوْبَةِ مِنَ اللَّهِ، أيْ لِيَقْبَلَ اللَّهُ تَوْبَتَكم، وهو كَما يُقالُ: فَعَلْتُ كَذا حَذَرَ الشَّرِّ.
فَإنْ قِيلَ: قَتْلُ الخَطَأِ لا يَكُونُ مَعْصِيَةً، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ؟ .
قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ نَوْعَيْنِ مِنَ التَّقْصِيرِ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لَوْ بالَغَ في الِاحْتِياطِ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَلِكَ الفِعْلُ، ألا تَرى أنَّ مَن قَتَلَ مُسْلِمًا عَلى ظَنِّ أنَّهُ كافِرٌ حَرْبِيٌّ، فَلَوْ أنَّهُ بالَغَ في الِاحْتِياطِ والِاسْتِكْشافِ فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَقَعُ فِيهِ، ومَن رَمى إلى صَيْدٍ فَأخْطَأ وأصابَ إنْسانًا فَلَوِ احْتاطَ فَلا يَرْمِي إلّا في مَوْضِعٍ يَقْطَعُ بِأنَّهُ لَيْسَ هُناكَ إنْسانٌ فَإنَّهُ لا يَقَعُ في تِلْكَ الواقِعَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ كانَ مُقَصِّرًا في تَرْكِ الِاحْتِياطِ.
الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ راجِعٌ إلى أنَّهُ تَعالى أذِنَ لَهُ في إقامَةِ الصَّوْمِ مَقامَ الإعْتاقِ عِنْدَ العَجْزِ عَنْهُ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى إذا تابَ عَلى المُذْنِبِ فَقَدْ خَفَّفَ عَنْهُ، فَلَمّا كانَ التَّخْفِيفُ مِن لَوازِمِ التَّوْبَةِ أطْلَقَ لَفْظَ التَّوْبَةِ لِإرادَةِ التَّخْفِيفِ إطْلاقًا لِاسْمِ المَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ المُؤْمِنَ إذا اتَّفَقَ لَهُ مِثْلُ هَذا الخَطَأِ فَإنَّهُ يَنْدَمُ ويَتَمَنّى أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ مِمّا وقَعَ فَسَمّى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ النَّدَمَ وذَلِكَ التَّمَنِّيَ تَوْبَةً.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى عَلِيمٌ بِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ ولَمْ يَتَعَمَّدْ، حَكِيمٌ في أنَّهُ ما يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ الخَطَأِ، فَإنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي أنْ لا يُؤاخَذَ الإنْسانُ إلّا بِما يَخْتارُ ويَتَعَمَّدُ.
واعْلَمْ أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ لَمّا اعْتَقَدُوا أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِرِعايَةِ المَصالِحِ قالُوا: مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى
صفحة ١٨٩
حَكِيمًا كَوْنُهُ عالِمًا بِعَواقِبِ الأُمُورِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ هَذا القَوْلَ لِأنَّهُ تَعالى عَطَفَ الحَكِيمَ عَلى العَلِيمِ، فَلَوْ كانَ الحَكِيمُ هو العَلِيمُ لَكانَ هَذا عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ وهو مُحالٌ.
والجَوابُ: أنَّ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ ورَدَ فِيهِ لَفْظُ الحَكِيمِ مَعْطُوفًا عَلى العَلِيمِ كانَ المُرادُ مِنَ الحَكِيمِ كَوْنَهُ مُحْكِمًا في أفْعالِهِ، فالإحْكامُ والإعْلامُ عائِدانِ إلى كَيْفِيَّةِ الفِعْلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
4:93Page 93
وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ٩٣
But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allāh has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُكْمَ القَتْلِ الخَطَأِ ذَكَرَ بَعْدَهُ بَيانَ حُكْمِ القَتْلِ العَمْدِ، ولَهُ أحْكامٌ مِثْلُ وُجُوبِ القِصاصِ والدِّيَةِ، وقَدْ ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨] فَلا جَرَمَ هَهُنا اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ ما فِيهِ مِنَ الإثْمِ والوَعِيدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اسْتَدَلَّتِ الوَعِيدِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ.
والثّانِي: عَلى خُلُودِهِمْ في النّارِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا في تَقْرِيرِ كَلامِهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] وبالَغْنا في الجَوابِ عَنْها، وزَعَمَ الواحِدِيُّ أنَّ الأصْحابَ سَلَكُوا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ طُرُقًا كَثِيرَةً. قالَ: وأنا لا أرْتَضِي شَيْئًا مِنها لِأنَّ الَّتِي ذَكَرُوها إمّا تَخْصِيصٌ، وإمّا مُعارَضَةٌ، وإمّا إضْمارٌ، واللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قالَ: والَّذِي اعْتَمَدَهُ وجْهانِ:
الأوَّلُ: إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في كافِرٍ قَتَلَ مُؤْمِنًا ثُمَّ ذَكَرَ تِلْكَ القِصَّةَ.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ مَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ أيْ أنَّهُ سَيُجْزى بِجَهَنَّمَ، وهَذا وعِيدٌ، قالَ: وخُلْفُ الوَعِيدِ كَرَمٌ، وعِنْدَنا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعِيدَ المُؤْمِنِينَ، فَهَذا حاصِلُ كَلامِهِ الَّذِي زَعَمَ أنَّهُ خَيْرٌ مِمّا قالَهُ غَيْرُهُ.
وأقُولُ: أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الِاسْتِغْراقِ حاصِلٌ، فَنُزُولُهُ في حَقِّ الكُفّارِ لا يَقْدَحُ في ذَلِكَ العُمُومِ، فَيَسْقُطُ هَذا الكَلامُ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ نَقُولُ: كَما أنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ عامًّا في كُلِّ قاتِلٍ مَوْصُوفٍ بِالصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، فَكَذا هَهُنا وجْهٌ آخَرُ يَمْنَعُ مِن تَخْصِيصِ هَذِهِ الآيَةِ بِالكافِرِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالمُجاهَدَةِ مَعَ الكُفّارِ ثُمَّ عَلَّمَهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ عِنْدَ اشْتِغالِهِمْ بِالجِهادِ، فابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَ كَفّاراتٍ: كَفّارَةُ قَتْلِ المُسْلِمِ في دارِ الإسْلامِ، وكَفّارَةُ قَتْلِ المُسْلِمِ عِنْدَ سُكُونِهِ مَعَ أهْلِ الحَرْبِ، وكَفّارَةُ قَتْلِ المُسْلِمِ عِنْدَ سُكُونِهِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ وأهْلِ العَهْدِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ حُكْمَ قَتْلِ العَمْدِ مَقْرُونًا بِالوَعِيدِ، فَلَمّا كانَ بَيانُ حُكْمِ قَتْلِ الخَطَأِ بَيانًا لِحُكْمٍ اخْتَصَّ بِالمُسْلِمِينَ كانَ بَيانُ حُكْمِ القَتْلِ العَمْدِ الَّذِي هو كالضِّدِّ لِقَتْلِ الخَطَأِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ أيْضًا مُخْتَصًّا بِالمُؤْمِنِينَ، فَإنْ لَمْ
صفحة ١٩٠
يَخْتَصَّ بِهِمْ فَلا أقَلَّ مِن دُخُولِهِمْ فِيهِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآياتِ إنَّما نَزَلَتْ في حَقِّ جَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَقَوْا قَوْمًا فَأسْلَمُوا فَقَتَلُوهم وزَعَمُوا أنَّهم إنَّما أسْلَمُوا مِنَ الخَوْفِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَهَذِهِ الآيَةُ ورَدَتْ في نَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ قَتْلِ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ؛ وهَذا أيْضًا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ نازِلًا في نَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ قَتْلِ المُؤْمِنِينَ حَتّى يَحْصُلَ التَّناسُبُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَمْنَعُ مِن كَوْنِها مَخْصُوصَةً بِالكُفّارِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ لَهُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحُكْمِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ عَرَفْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨] وقَوْلَهُ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما﴾ [النور: ٢] المُوجِبَ لِلْقَطْعِ هو السَّرِقَةُ، والمُوجِبَ لِلْجَلْدِ هو الزِّنا، فَكَذا هَهُنا وجَبَ أنْ يَكُونَ المُوجِبُ لِهَذا الوَعِيدِ هو هَذا القَتْلُ العَمْدُ، لِأنَّ هَذا الوَصْفَ مُناسِبٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ، فَلَزِمَ كَوْنُ ذَلِكَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يُقالَ: أيْنَما ثَبَتَ هَذا المَعْنى فَإنَّهُ يَحْصُلُ هَذا الحُكْمُ، وبِهَذا الوَجْهِ لا يَبْقى لِقَوْلِهِ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالكافِرِ وجْهٌ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ المَنشَأ لِاسْتِحْقاقِ هَذا الوَعِيدِ إمّا أنْ يَكُونَ هو الكُفْرُ أوْ هَذا القَتْلُ المَخْصُوصُ، فَإنْ كانَ مَنشَأُ هَذا الوَعِيدِ هو الكُفْرَ كانَ الكُفْرُ حاصِلًا قَبْلَ هَذا القَتْلِ، فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِهَذا القَتْلِ أثَرٌ البَتَّةَ في هَذا الوَعِيدِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ جارِيَةً مَجْرى ما يُقالُ: إنَّ مَن يَتَعَمَّدُ قَتْلَ نَفْسٍ فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، لِأنَّ القَتْلَ العَمْدَ لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِيرٌ في هَذا الوَعِيدِ جَرى مَجْرى النَّفْسِ ومَجْرى سائِرِ الأُمُورِ الَّتِي لا أثَرَ لَها في هَذا الوَعِيدِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، وإنْ كانَ مَنشَأُ هَذا الوَعِيدِ هو كَوْنُهُ قَتْلًا عَمْدًا فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ: أيْنَما حَصَلَ القَتْلُ يَحْصُلُ هَذا الوَعِيدُ، وحِينَئِذٍ يَسْقُطُ هَذا السُّؤالُ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذا الوَجْهَ الَّذِي ارْتَضاهُ الواحِدِيُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي مِنَ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ اخْتارَهُما فَهو في غايَةِ الفَسادِ لِأنَّ الوَعِيدَ قِسْمٌ مِن أقْسامِ الخَبَرِ، فَإذا جَوَّزَ عَلى اللَّهِ الخُلْفَ فِيهِ فَقَدْ جَوَّزَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وهَذا خَطَأٌ عَظِيمٌ، بَلْ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ كُفْرًا، فَإنَّ العُقَلاءَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الكَذِبِ، ولِأنَّهُ إذا جَوَّزَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ في الوَعِيدِ لِأجْلِ ما قالَ: إنَّ الخُلْفَ في الوَعِيدِ كَرَمٌ، فَلِمَ لا يَجُوزُ الخُلْفُ في القَصَصِ والأخْبارِ لِغَرَضِ المَصْلَحَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ فَتْحَ هَذا البابِ يُفْضِي إلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ وكُلِّ الشَّرِيعَةِ فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وحَكى القَفّالُ في تَفْسِيرِهِ وجْهًا آخَرَ، هو الجَوابُ وقالَ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ جَزاءَ القَتْلِ العَمْدِ هو ما ذُكِرَ، لَكِنْ لَيْسَ فِيها أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ هَذا الجَزاءَ إلَيْهِ أمْ لا، وقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ: جَزاؤُكَ أنْ أفْعَلَ بِكَ كَذا وكَذا، إلّا أنِّي لا أفْعَلُهُ، وهَذا الجَوابُ أيْضًا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ جَزاءَ القَتْلِ العَمْدِ هو ما ذُكِرَ، وثَبَتَ بِسائِرِ الآياتِ أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ الجَزاءَ إلى المُسْتَحِقِّينَ. قالَ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وقالَ: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وقالَ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] بَلْ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُوصِلُ إلَيْهِمْ هَذا الجَزاءَ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾
صفحة ١٩١
فَإنَّ بَيانَ أنَّ هَذا جَزاؤُهُ حَصَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ إخْبارًا عَنِ الِاسْتِحْقاقِ كانَ تَكْرارًا، فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى الإخْبارِ عَنْ أنَّهُ تَعالى سَيَفْعَلُ لَمْ يَلْزَمِ التَّكْرارُ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى.
واعْلَمْ أنّا نَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ في مَوْضِعَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ القَتْلُ العَمْدُ غَيْرَ عُدْوانٍ كَما في القِصاصِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ فِيهِ هَذا الوَعِيدُ البَتَّةَ.
والثّانِي: القَتْلُ العَمْدُ العُدْوانُ إذا تابَ عَنْهُ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ فِيهِ الوَعِيدُ، وإذا ثَبَتَ دُخُولُ التَّخْصِيصِ فِيهِ في هاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَنَحْنُ نُخَصِّصُ هَذا العُمُومَ فِيما إذا حَصَلَ العَفْوُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وأيْضًا فَهَذِهِ الآيَةُ إحْدى عُمُوماتِ الوَعِيدِ، وعُمُوماتُ الوَعْدِ أكْثَرُ مِن عُمُوماتِ الوَعِيدِ، وما ذَكَرَهُ في تَرْجِيحِ عُمُوماتِ الوَعِيدِ قَدْ أجَبْنا عَنْهُ وبَيَّنّا أنَّ عُمُوماتِ الوَعْدِ راجِحَةٌ، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: تَوْبَةُ مَن أقْدَمَ عَلى القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: إنَّها مَقْبُولَةٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ الكُفْرَ أعْظَمُ مِن هَذا القَتْلِ فَإذا قُبِلَتِ التَّوْبَةُ عَنِ الكُفْرِ فالتَّوْبَةُ مِن هَذا القَتْلِ أوْلى بِالقَبُولِ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الفُرْقانِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩، ٧٠] وإذا كانَتْ تَوْبَةُ الآتِي بِالقَتْلِ العَمْدِ مَعَ سائِرِ الكَبائِرِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ مَقْبُولَةً: فَبِأنْ تَكُونَ تَوْبَةُ الآتِي بِالقَتْلِ العَمْدِ وحْدَهُ مَقْبُولَةً كانَ أوْلى.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ وعْدٌ بِالعَفْوِ عَنْ كُلِّ ما سِوى الكُفْرِ، فَبِأنْ يَعْفُوَ عَنْهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences