Ar-RaziAn‑Nisa · 4:97–100

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:97–100

4:97–99Page 94

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves1 - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." They [the angels] will say, "Was not the earth of Allāh spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا ٩٨

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way1 -

فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا ٩٩

For those it is expected that Allāh will pardon them, and Allāh is ever Pardoning1 and Forgiving.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ثَوابَ مَن أقْدَمَ عَلى الجِهادِ أتْبَعَهُ بِعِقابِ مَن قَعَدَ عَنْهُ ورَضِيَ بِالسُّكُونِ في دارِ الكُفْرِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (تَوَفّاهم) ماضِيًا، ولَمْ تَضُمَّ تاءً مَعَ التّاءِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البَقَرَةِ: ٧٠] . وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ إخْبارًا عَنْ حالِ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ انْقَرَضُوا ومَضَوْا، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مُسْتَقْبَلًا، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ الآيَةُ عامَّةً في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذا التَّوَفِّي قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مَعْناهُ تَقْبِضُ أرْواحَهم عِنْدَ المَوْتِ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزُّمَرِ: ٤٢] ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [المُلْكِ: ٢] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] . قُلْنا: خالِقُ المَوْتِ هو اللَّهُ تَعالى، والرَّئِيسُ المُفَوَّضُ إلَيْهِ هَذا العَمَلُ هو مَلَكُ المَوْتِ، وسائِرُ المَلائِكَةِ أعْوانُهُ.

القَوْلُ الثّانِي: تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ يَعْنِي: يَحْشُرُونَهم إلى النّارِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في خَبَرِ (إنَّ) وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ هو قَوْلُهُ: قالُوا لَهم فِيمَ كُنْتُمْ، فَحَذَفَ ”لَهُمْ“ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.

الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ فَيَكُونُ ”قالُوا لَهُمْ“ في مَوْضِعِ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ.

الثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ وهو هَلَكُوا، ثُمَّ فَسَّرَ الهَلاكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمَعْنى تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ في

صفحة ١١

حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، وهو وإنْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ إلّا أنَّهُ نَكِرَةٌ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى الِانْفِصالِ، كَأنَّهُ قِيلَ ظالِمِينَ أنْفُسَهم، إلّا أنَّهم حَذَفُوا النُّونَ؛ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ، واسْمُ الفاعِلِ سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ الحالُ، أوِ الِاسْتِقْبالُ فَقَدْ يَكُونُ مَفْصُولًا في المَعْنى وإنْ كانَ مَوْصُولًا في اللَّفْظِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ . [الأحْقافِ: ٢٤]، ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ . [المائِدَةِ: ٩٥]، ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ . [الحَجِّ: ٩] فالإضافَةُ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها لَفْظِيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الظُّلْمُ قَدْ يُرادُ بِهِ الكُفْرُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [ لُقْمانَ: ١٣] . وقَدْ يُرادُ بِهِ المَعْصِيَةُ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطِرٍ: ٣٢] . وفي المُرادِ بِالظُّلْمِ في هَذِهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ الَّذِينَ أسْلَمُوا في دارِ الكُفْرِ وبَقُوا هُناكَ، ولَمْ يُهاجِرُوا إلى دارِ الإسْلامِ.

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَوْفًا، فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ أظْهَرُوا لَهُمُ الكُفْرَ ولَمْ يُهاجِرُوا إلى المَدِينَةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهم ظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِنِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ وتَرْكِهِمُ الهِجْرَةَ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: فِيمَ كُنْتُمْ مِن أمْرِ دِينِكم.

وثانِيها: فِيمَ كُنْتُمْ في حَرْبِ مُحَمَّدٍ أوْ في حَرْبِ أعْدائِهِ.

وثالِثُها: لِمَ تَرَكْتُمُ الجِهادَ ولِمَ رَضِيتُمْ بِالسُّكُونِ في دِيارِ الكُفّارِ ؟ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ: (فِيمَ كُنْتُمْ) وكانَ حَقُّ الجَوابِ أنْ يَقُولُوا: كُنّا في كَذا، أوْ لَمْ نَكُنْ في شَيْءٍ.

وجَوابُهُ: أنَّ مَعْنى: (فِيمَ كُنْتُمْ) التَّوْبِيخُ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ حَيْثُ قَدَرُوا عَلى المُهاجَرَةِ ولَمْ يُهاجِرُوا، فَقالُوا: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ اعْتِذارًا عَمّا وُبِّخُوا بِهِ، واعْتِلالًا بِأنَّهم ما كانُوا قادِرِينَ عَلى المُهاجَرَةِ، ثُمَّ إنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يَقْبَلُوا مِنهم هَذا العُذْرَ، بَلْ رَدُّوهُ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ . أرادُوا أنَّكم كُنْتُمْ قادِرِينَ عَلى الخُرُوجِ مِن مَكَّةَ إلى بَعْضِ البِلادِ الَّتِي لا تُمْنَعُونَ فِيها مِن إظْهارِ دِينِكم، فَبَقِيتُمْ بَيْنَ الكُفّارِ لا لِلْعَجْزِ عَنْ مُفارَقَتِهِمْ، بَلْ مَعَ القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ المُفارَقَةِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى وعِيدَهم، فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ .

ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى فَقالَ: ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لا يَسْتَطِيعُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: لا يَقْدِرُونَ عَلى حِيلَةٍ ولا نَفَقَةٍ، أوْ كانَ بِهِمْ مَرَضٌ، أوْ كانُوا تَحْتَ قَهْرِ قاهِرٍ يَمْنَعُهم مِن تِلْكَ المُهاجَرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أيْ: لا يَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ، ولا يَجِدُونَ مَن يَدُلُّهم عَلى الطَّرِيقِ. رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى مُسْلِمِي مَكَّةَ، فَقالَ جُنْدَبُ بْنُ ضَمْرَةَ لِبَنِيهِ: احْمِلُونِي فَإنِّي لَسْتُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، ولا أنِّي لا أهْتَدِي الطَّرِيقَ، واللَّهِ لا أبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ. فَحَمَلُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَماتَ في الطَّرِيقِ» .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أدْخَلَ الوِلْدانِ في جُمْلَةِ المُسْتَثْنَيْنِ مِن أهْلِ الوَعِيدِ، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ إنَّما يَحْسُنُ لَوْ كانُوا

صفحة ١٢

مُسْتَحِقِّينَ لِلْوَعِيدِ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ ؟ .

قُلْنا: سُقُوطُ الوَعِيدِ إذا كانَ بِسَبَبِ العَجْزِ، والعَجْزُ تارَةً يَحْصُلُ بِسَبَبِ عَدَمِ الأُهْبَةِ وتارَةً بِسَبَبِ الصِّبا، فَلا جَرَمَ حَسُنَ هَذا إذا أُرِيدَ بِالوِلْدانِ الأطْفالُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ المُراهِقُونَ مِنهُمُ الَّذِينَ كَمُلَتْ عُقُولُهم لِتَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِمْ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، وإنْ أُرِيدَ العَبِيدُ والإماءُ البالِغُونَ فَلا سُؤالَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّ القَوْمَ لَمّا كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الهِجْرَةِ، والعاجِزُ عَنِ الشَّيْءِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ في تَرْكِهِ عُقُوبَةٌ، فَلِمَ قالَ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ والعَفْوُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا مَعَ الذَّنْبِ، وأيْضًا ”عَسى“ كَلِمَةُ الإطْماعِ، وهَذا يَقْتَضِي عَدَمَ القَطْعِ بِحُصُولِ العَفْوِ في حَقِّهِمْ ؟ .

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ المُسْتَضْعَفَ قَدْ يَكُونُ قادِرًا عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ المَشَقَّةِ، وتَمْيِيزُ الضَّعْفِ الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَهُ الرُّخْصَةُ عَنِ الحَدِّ الَّذِي لا يَحْصُلُ عِنْدَهُ الرُّخْصَةُ شاقٌّ ومُشْتَبَهٌ، فَرُبَّما ظَنَّ الإنْسانُ بِنَفْسِهِ أنَّهُ عاجِزٌ عَنِ المُهاجَرَةِ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ، ولا سِيَّما في الهِجْرَةِ عَنِ الوَطَنِ فَإنَّها شاقَّةٌ عَلى النَّفْسِ، وبِسَبَبِ شِدَّةِ النَّفْرَةِ قَدْ يَظُنُّ الإنْسانُ كَوْنَهُ عاجِزًا مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَلِهَذا المَعْنى كانَتِ الحاجَةُ إلى العَفْوِ شَدِيدَةً في هَذا المَقامِ.

وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: وهو قَوْلُهُ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ لَفْظَةِ ”عَسى“ هَهُنا ؟ فَنَقُولُ: الفائِدَةُ فِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ مُضَيَّقٌ لا تَوْسِعَةَ فِيهِ، حَتّى أنَّ المُضْطَرَّ البَيِّنَ الِاضْطِرارِ مِن حَقِّهِ أنْ يَقُولَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِّي، فَكَيْفَ الحالُ في غَيْرِهِ. هَذا هو الَّذِي ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ، إلّا أنَّ الأوْلى أنْ يَكُونَ الجَوابُ ما قَدَّمْناهُ، وهو أنَّ الإنْسانَ لِشِدَّةِ نَفْرَتِهِ عَنْ مُفارَقَةِ الوَطَنِ رُبَّما ظَنَّ نَفْسَهُ عاجِزًا عَنْها مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ، فَلِهَذا المَعْنى ذَكَرَ العَفْوَ بِكَلِمَةِ ”عَسى“ لا بِالكَلِمَةِ الدّالَّةِ عَلى القَطْعِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ . ذَكَرَ الزَّجّاجُ في ”كانَ“ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: كانَ قَبْلَ أنْ خَلَقَ الخَلْقَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ (كانَ) مَعَ أنَّ جَمِيعَ العِبادِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ هَذِهِ عادَةُ اللَّهِ تَعالى أجْراها في حَقِّ خَلْقِهِ.

الثّالِثُ: لَوْ قالَ: إنَّهُ تَعالى عَفُوٌّ غَفُورٌ كانَ هَذا إخْبارًا عَنْ كَوْنِهِ كَذَلِكَ فَقَطْ، ولَمّا قالَ: إنَّهُ كانَ كَذَلِكَ كانَ هَذا إخْبارًا وقَعَ مُخْبِرُهُ عَلى وفْقِهِ، فَكانَ ذَلِكَ أدَلَّ عَلى كَوْنِهِ صِدْقًا وحَقًّا ومُبَرَّأً عَنِ الخُلْفِ والكَذِبِ. واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ الذَّنْبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ هَهُنا شَيْءٌ مِنَ الذَّنْبِ لامْتَنَعَ حُصُولُ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ فِيهِ، فَلَمّا أخْبَرَ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ دَلَّ عَلى حُصُولِ الذَّنْبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وعَدَ بِالعَفْوِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِحالِ التَّوْبَةِ فَيَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ.

4:100Page 94

۞ وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٠

And whoever emigrates for the cause of Allāh will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allāh and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allāh. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

صفحة ١٣

واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ المانِعَ أمْرانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ لَهُ في وطَنِهِ نَوْعُ راحَةٍ ورَفاهِيَةٍ، فَيَقُولُ لَوْ فارَقْتُ الوَطَنَ وقَعْتُ في الشِّدَّةِ والمَشَقَّةِ وضِيقِ العَيْشِ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ يُقالُ: راغَمْتُ الرَّجُلَ إذا فَعَلْتَ ما يَكْرَهُهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الرَّغامِ وهو التُّرابُ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: رَغْمَ أنْفِهِ، يُرِيدُونَ بِهِ أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الأنْفَ عُضْوٌ في غايَةِ العِزَّةِ، والتُّرابُ في غايَةِ الذِّلَّةِ، فَجَعَلُوا قَوْلَهم: رَغْمَ أنْفِهِ كِنايَةً عَنِ الذُّلِّ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّ هَذِهِ المُراغَمَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ أنَّهم فارَقُوا وخَرَجُوا عَنْ دِيارِهِمْ.

وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ إلى بَلَدٍ آخَرَ يَجِدْ في أرْضِ ذَلِكَ البَلَدِ مِنَ الخَيْرِ والنِّعْمَةِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِرَغْمِ أنْفِ أعْدائِهِ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في بَلْدَتِهِ الأصْلِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن فارَقَ وذَهَبَ إلى بَلْدَةٍ أجْنَبِيَّةٍ فَإذِ اسْتَقامَ أمْرُهُ في تِلْكَ البَلْدَةِ الأجْنَبِيَّةِ، ووَصَلَ ذَلِكَ الخَبَرُ إلى أهْلِ بَلْدَتِهِ خَجِلُوا مِن سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَهُ، ورَغِمَتْ أُنُوفُهم بِسَبَبِ ذَلِكَ، وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا أقْرَبُ مِن حَمْلِهِ عَلى ما قالُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

والحاصِلُ كَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها الإنْسانُ، إنَّكَ كُنْتَ إنَّما تَكْرَهُ الهِجْرَةَ عَنْ وطَنِكَ؛ خَوْفًا مِن أنْ تَقَعَ في المَشَقَّةِ والمِحْنَةِ في السَّفَرِ، فَلا تَخَفْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيكَ مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ والمَراتِبِ العَظِيمَةِ في مُهاجَرَتِكَ ما يَصِيرُ سَبَبًا لِرَغْمِ أُنُوفِ أعْدائِكَ، ويَكُونُ سَبَبًا لِسَعَةِ عَيْشِكَ، وإنَّما قَدَّمَ في الآيَةِ ذِكْرَ رَغْمِ الأعْداءِ عَلى ذِكْرِ سَعَةِ العَيْشِ؛ لِأنَّ ابْتِهاجَ الإنْسانِ الَّذِي يُهاجِرُ عَنْ أهْلِهِ وبَلَدِهِ بِسَبَبِ شِدَّةِ ظُلْمِهِمْ عَلَيْهِ بِدَوْلَتِهِ مِن حَيْثُ إنَّها تَصِيرُ سَبَبًا لِرَغْمِ أُنُوفِ الأعْداءِ، أشَدُّ مِنَ ابْتِهاجِهِ بِتِلْكَ الدَّوْلَةِ مِن حَيْثُ إنَّها صارَتْ سَبَبًا لِسَعَةِ العَيْشِ عَلَيْهِ.

وأمّا المانِعُ الثّانِي مِنَ الإقْدامِ عَلى المُهاجَرَةِ فَهو أنَّ الإنْسانَ يَقُولُ: إنْ خَرَجْتُ عَنْ بَلَدِي في طَلَبِ هَذا الغَرَضِ، فَرُبَّما وصَلْتُ إلَيْهِ، ورُبَّما لَمْ أصِلْ إلَيْهِ، فالأوْلى أنْ لا أُضَيِّعَ الرَّفاهِيَةَ الحاضِرَةَ بِسَبَبِ طَلَبِ شَيْءٍ، ورُبَّما أصِلُ إلَيْهِ ورُبَّما لا أصِلُ إلَيْهِ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ مَن قَصَدَ طاعَةَ اللَّهِ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ إتْمامِها، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَوابَ تَمامِ تِلْكَ الطّاعَةِ؛ كالمَرِيضِ يَعْجِزُ عَمّا كانَ يَفْعَلُهُ في حالِ صِحَّتِهِ مِنَ الطّاعَةِ، فَيُكْتَبُ لَهُ ثَوابُ ذَلِكَ العَمَلِ. هَكَذا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ آخَرُونَ: ثَبَتَ لَهُ أجْرُ قَصْدِهِ وأجْرُ القَدْرِ الَّذِي أتى بِهِ مِن ذَلِكَ العَمَلِ، وأمّا أجْرُ تَمامِ العَمَلِ فَذَلِكَ مُحالٌ. واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ هَهُنا في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ في الجِهادِ، وهو أنَّ مَن خَرَجَ إلى السَّفَرِ لِأجْلِ الرَّغْبَةِ في الهِجْرَةِ، فَقَدْ وجَدَ ثَوابَ الهِجْرَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّرْغِيبَ إنَّما يَحْصُلُ بِهَذا المَعْنى، فَأمّا القَوْلُ بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ هو أنْ يَصِلَ إلَيْهِ ثَوابُ ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ العَمَلِ، فَلا يَصْلُحُ مُرَغِّبًا؛ لِأنَّهُ قَدْ عَرَفَ أنَّ كُلَّ مَن أتى بِعَمَلٍ فَإنَّهُ يَجِدُ الثَّوابَ المُرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ العَمَلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى» “ . وأيْضًا رُوِيَ في «صَلاةِ جُنْدَبِ بْنِ ضَمْرَةَ، أنَّهُ لَمّا قَرُبَ مَوْتُهُ أخَذَ يُصَفِّقُ بِيَمِينِهِ عَلى شِمالِهِ، ويَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذِهِ لَكَ، وهَذِهِ لِرَسُولِكَ، أُبايِعُكَ عَلى ما بايَعَكَ عَلَيْهِ رَسُولُكَ، ثُمَّ ماتَ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالُوا: لَوْ تُوُفِّيَ بِالمَدِينَةِ لَكانَ خَيْرًا لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ يُوجِبُ الثَّوابَ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ:

صفحة ١٤

﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ ذَكَرَ لَفْظَ الوُقُوعِ، وحَقِيقَةُ الوُجُوبِ هي الوُقُوعُ والسُّقُوطُ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ [الحَجِّ: ٣٦] أيْ: وقَعَتْ وسَقَطَتْ.

وثانِيها: أنَّهُ ذُكِرَ بِلَفْظِ الأجْرِ، والأجْرُ عِبارَةٌ عَنِ المَنفَعَةِ المُسْتَحَقَّةِ، فَأمّا الَّذِي لا يَكُونُ مُسْتَحَقًّا فَذاكَ لا يُسَمّى أجْرًا بَلْ هِبَةً.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: (عَلى اللَّهِ) وكَلِمَةُ ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ، قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٩٧] .

والجَوابُ: أنَّنا لا نُنازِعُ في الوُجُوبِ، لَكِنْ بِحُكْمِ الوَعْدِ والعِلْمِ والتَّفَضُّلِ والكَرَمِ، لا بِحُكْمِ الِاسْتِحْقاقِ الَّذِي لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَخَرَجَ عَنِ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ ذَكَرْنا دَلائِلَهُ فِيما تَقَدَّمَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الغازِيَ إذا ماتَ في الطَّرِيقِ وجَبَ سَهْمُهُ مِنَ الغَنِيمَةِ، كَما وجَبَ أجْرُهُ. وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ مَخْصُوصٌ بِالأجْرِ، وأيْضًا فاسْتِحْقاقُ السَّهْمِ مِنَ الغَنِيمَةِ مُتَعَلِّقٌ بِحِيازَتِها، إذْ لا تَكُونُ غَنِيمَةً إلّا بَعْدَ حِيازَتِها، قالَ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنْفالِ: ٤١]، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: يَغْفِرُ ما كانَ مِنهُ مِنَ القُعُودِ إلى أنْ خَرَجَ، ويَرْحَمُهُ بِإكْمالِ أجْرِ المُجاهَدَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском