Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:43–52
40:43–44Page 472
لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِ لَيۡسَ لَهُۥ دَعۡوَةٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَلَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٤٣
Assuredly, that to which you invite me has no [response to a] supplication in this world or in the Hereafter; and indeed, our return is to Allāh, and indeed, the transgressors will be companions of the Fire.
فَسَتَذۡكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمۡۚ وَأُفَوِّضُ أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٤٤
And you will remember what I [now] say to you, and I entrust my affair to Allāh. Indeed, Allāh is Seeing of [His] servants."
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ ياقَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ﴿ياقَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ ﴿تَدْعُونَنِي لِأكْفُرَ بِاللَّهِ وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وأنا أدْعُوكم إلى العَزِيزِ الغَفّارِ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الَّذِي آمَنَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وقَدْ كانَ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ بِمُوسى والتَّمَسُّكِ بِطَرِيقَتِهِ. واعْلَمْ أنَّهُ نادى في قَوْمِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ: في المَرَّةِ الأُولى دَعاهم إلى قَبُولِ ذَلِكَ الدِّينِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وفي المَرَّتَيْنِ الباقِيَتَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ.
أمّا الإجْمالُ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُونِ﴾ طَرِيقَةَ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ والهَدْيُ هو الدِّلالَةُ، ومِن بَيَّنَ الأدِلَّةَ لِلْغَيْرِ يُوصَفُ بِأنَّهُ هَداهُ، وسَبِيلُ الرَّشادِ هو سَبِيلُ الثَّوابِ والخَيْرِ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ؛ لِأنَّ الرَّشادَ نَقِيضُ الغَيِّ، وفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ ما عَلَيْهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ هو سَبِيلُ الغَيِّ.
وأمّا التَّفْصِيلُ فَهو أنَّهُ بَيَّنَ حَقارَةَ حالِ الدُّنْيا وكَمالَ حالِ الآخِرَةِ، أمّا حَقارَةُ الدُّنْيا فَهي قَوْلُهُ: ﴿ياقَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِهَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا في أيّامٍ قَلِيلَةٍ، ثُمَّ تَنْقَطِعُ وتَزُولُ، وأمّا الآخِرَةُ فَهي دارُ القَرارِ والبَقاءِ والدَّوامِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ الآخِرَةَ باقِيَةٌ دائِمَةٌ، والدُّنْيا مُنْقَضِيَةٌ مُنْقَرِضَةٌ، والدّائِمُ خَيْرٌ مِنَ المُنْقَضِي، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: لَوْ كانَتِ الدُّنْيا ذَهَبًا فانِيًا، والآخِرَةُ خَزَفًا باقِيًا، لَكانَتِ الآخِرَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيا، فَكَيْفَ والدُّنْيا خَزَفٌ فانٍ، والآخِرَةُ ذَهَبٌ باقٍ.
واعْلَمْ أنَّ الآخِرَةَ كَما أنَّ النَّعِيمَ فِيها دائِمٌ فَكَذَلِكَ العَذابُ فِيها دائِمٌ، وأنَّ التَّرْغِيبَ في النَّعِيمِ الدّائِمِ والتَّرْهِيبَ عَنِ العَذابِ الدّائِمِ مِن أقْوى وُجُوهِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ تَحْصُلُ المُجازاةُ في الآخِرَةِ، وأشارَ فِيهِ إلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ غالِبٌ عَلى جانِبِ العِقابِ فَقالَ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ والمُرادُ بِالمِثْلِ ما يُقابِلُها في الِاسْتِحْقاقِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا الكَلامُ، مَعَ أنَّ كُفْرَ ساعَةٍ يُوجِبُ عِقابَ الأبَدِ؟ قُلْنا: إنَّ الكافِرَ يَعْتَقِدُ في كُفْرِهِ كَوْنَهُ طاعَةً وإيمانًا؛ فَلِهَذا السَّبَبِ يَكُونُ الكافِرُ عَلى عَزْمٍ أنْ يَبْقى مُصِرًّا عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ أبَدًا، فَلا جَرَمَ كانَ عِقابُهُ مُؤَبَّدًا بِخِلافِ الفاسِقِ فَإنَّهُ يَعْتَقِدُ فِيهِ كَوْنَهُ خِيانَةً ومَعْصِيَةً فَيَكُونُ عَلى عَزْمٍ
صفحة ٦١
أنْ لا يَبْقى مُصِرًّا عَلَيْهِ، فَلا جَرَمَ قُلْنا أنَّ عِقابَ الفاسِقِ مُنْقَطِعٌ. أمّا الَّذِي يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ عِقابَهُ مُؤَبَّدٌ فَهو باطِلٌ؛ لِأنَّ مُدَّةَ تِلْكَ المَعْصِيَةِ مُنْقَطِعَةٌ والعَزْمُ عَلى الإتْيانِ بِها أيْضًا لَيْسَ دائِمًا بَلْ مُنْقَطِعًا، فَمُقابَلَتُهُ بِعِقابٍ دائِمٍ يَكُونُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْلٌ كَبِيرٌ في عُلُومِ الشَّرِيعَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأحْكامِ الجِناياتِ فَإنَّها تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المِثْلُ مَشْرُوعًا، وأنْ يَكُونَ الزّائِدُ عَلى المِثْلِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ، ثُمَّ نَقُولُ: لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ أنَّ تِلْكَ المُماثَلَةَ مُعْتَبَرَةٌ في أيِّ الأُمُورِ فَلَوْ حَمَلْناهُ عَلى رِعايَةِ المُماثَلَةِ في شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ المَعَيَّنَ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الآيَةِ صارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً، ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى رِعايَةِ المُماثَلَةِ في جَمِيعِ الأُمُورِ صارَتِ الآيَةُ عامًّا مَخْصُوصًا، وقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ التَّعارُضَ إذا وقَعَ بَيْنَ الإجْمالِ وبَيْنَ التَّخْصِيصِ كانَ دَفْعُ الإجْمالِ أوْلى فَوَجَبَ أنْ تُحْمَلَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رِعايَةِ المُماثَلَةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ إلّا في مَواضِعِ التَّخْصِيصِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالأحْكامُ الكَثِيرَةُ في بابِ الجِناياتِ عَلى النُّفُوسِ، وعَلى الأعْضاءِ، وعَلى الأمْوالِ يُمْكِنُ تَفْرِيعُها عَلى هَذِهِ الآيَةِ.
ثُمَّ نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ مَقْصُورٌ عَلى المِثْلِ بَيَّنَ أنَّ جَزاءَ الحَسَنَةِ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى المِثْلِ بَلْ هو خارِجٌ عَنِ الحِسابِ فَقالَ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: قَوْلُهُ ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ نَكِرَةٌ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ في جانِبِ الإثْباتِ فَجَرى مَجْرى أنْ يُقالَ: مَن ذَكَرَ كَلِمَةً أوْ مَن خَطا خَطْوَةً فَلَهُ كَذا، فَإنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَن أتى بِتِلْكَ الكَلِمَةِ أوْ بِتِلْكَ الخَطْوَةِ مَرَّةً واحِدَةً، فَكَذَلِكَ هاهُنا وجَبَ أنْ يُقالَ: كُلُّ مَن عَمِلَ صالِحًا واحِدًا مِنَ الصّالِحاتِ فَإنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ ويُرْزَقُ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ، والآتِي بِالإيمانِ والمُواظِبُ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّقْدِيسِ مُدَّةَ ثَمانِينَ سَنَةً قَدْ أتى بِأعْظَمِ الصّالِحاتِ وبِأحْسَنِ الطّاعاتِ، فَوَجَبَ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، والخَصْمُ يَقُولُ: إنَّهُ يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ أبَدَ الآبادِ فَكانَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ هَذا النَّصِّ الصَّرِيحِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى شَرَطَ فِيهِ كَوْنَهُ مُؤْمِنًا وصاحِبُ الكَبِيرَةِ عِنْدَنا لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَلا يَدْخُلُ في هَذا الوَعْدِ. والجَوابُ: أنّا بَيَّنّا في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ فَسَقَطَ هَذا الكَلامُ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فَمِنهم مَن قالَ: لَمّا كانَ لا نِهايَةَ لِذَلِكَ الثَّوابِ قِيلَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وقالَ الآخَرُونَ: لِأنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِمْ ثَوابَ أعْمالِهِمْ ويَضُمُّ إلى ذَلِكَ الثَّوابِ مِن أقْسامِ التَّفَضُّلِ ما يَخْرُجُ عَنِ الحِسابِ وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ واقِعٌ في مُقابَلَةِ ﴿إلّا مِثْلَها﴾ يَعْنِي أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ لَهُ حِسابٌ وتَقْدِيرٌ؛ لِئَلّا يَزِيدَ عَلى الِاسْتِحْقاقِ، فَأمّا جَزاءُ العَمَلِ الصّالِحِ فَبِغَيْرِ تَقْدِيرٍ وحِسابٍ بَلْ ما شِئْتَ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى الحَقِّ والكَثْرَةِ والسِّعَةِ، وأقُولُ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ راجِحٌ عَلى جانِبِ القَهْرِ والعِقابِ، فَإذا عارَضْنا عُمُوماتِ الوَعْدِ بِعُمُوماتِ الوَعِيدِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ التَّرْجِيحُ بِجانِبِ عُمُوماتِ الوَعْدِ، وذَلِكَ يَهْدِمُ قَواعِدَ المُعْتَزِلَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ ونادى في المَرَّةِ الثّالِثَةِ وقالَ: ﴿يا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ يَعْنِي أنا أدْعُوكم إلى الإيمانِ الَّذِي يُوجِبُ النَّجاةَ وتَدْعُونَنِي إلى الكُفْرِ الَّذِي يُوجِبُ النّارَ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ كَرَّرَ نِداءَ قَوْمِهِ، ولِمَ جاءَ بِالواوِ في النِّداءِ الثّالِثِ دُونَ الثّانِي؟ قُلْنا: أمّا تَكْرِيرُ النِّداءِ فَفِيهِ زِيادَةُ تَنْبِيهٍ لَهم وإيقاظٌ مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ، وإظْهارُ أنَّ لَهُ بِهَذا
صفحة ٦٢
المُهِمِّ مَزِيدَ اهْتِمامٍ، وعَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ فَرْطَ شَفَقَةٍ، وأمّا المَجِيءُ بِالواوِ العاطِفَةِ فَلِأنَّ الثّانِيَ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ عَيْنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الثّانِيَ بَيانٌ لِلْأوَّلِ والبَيانُ عَيْنُ المُبَيَّنِ، وأمّا الثّالِثُ فَلِأنَّهُ كَلامٌ مُبايِنٌ لِلْأوَّلِ والثّانِي فَحَسُنَ إيرادُ الواوِ العاطِفَةِ فِيهِ، ولَمّا ذَكَرَ هَذا المُؤْمِنُ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى النَّجاةِ وهم يَدْعُونَهُ إلى النّارِ، فَسَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهم يَدْعُونَهُ إلى الكُفْرِ بِاللَّهِ وإلى الشِّرْكِ بِهِ، أمّا الكُفْرُ بِاللَّهِ فَلِأنَّ الأكْثَرِينَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ كانُوا يُنْكِرُونَ وُجُودَ الإلَهِ، ومِنهم مَن كانَ يُقِرُّ بِوُجُودِ اللَّهِ إلّا أنَّهُ كانَ يُثْبِتُ عِبادَةَ الأصْنامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ المُرادُ بِنَفْيِ العِلْمِ نَفْيُ المَعْلُومِ، كَأنَّهُ قالَ: وأُشْرِكُ بِهِ ما لَيْسَ بِإلَهٍ وما لَيْسَ بِإلَهٍ كَيْفَ يُعْقَلُ جَعْلُهُ شَرِيكًا لِلْإلَهِ؟ ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم يَدْعُونَهُ إلى الكُفْرِ والشِّرْكِ بَيَّنَ أنَّهُ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ بِالعَزِيزِ الغَفّارِ فَقَوْلُهُ: ﴿العَزِيزِ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ كامِلَ القُدْرَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَكُونُ كامِلَ القُدْرَةِ، وأمّا فِرْعَوْنُ فَهو في غايَةِ العَجْزِ فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا، وأمّا الأصْنامُ فَإنَّها أحْجارٌ مَنحُوتَةٌ فَكَيْفَ يُعْقَلُ القَوْلُ بِكَوْنِها آلِهَةً وقَوْلُهُ: ﴿الغَفّارِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ يَكُونُوا آيِسِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِسَبَبِ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ مُدَّةً مَدِيدَةً، فَإنَّ إلَهَ العالَمِ وإنْ كانَ عَزِيزًا لا يُغْلَبُ قادِرًا لا يُغالَبُ، لَكِنَّهُ غَفّارٌ يَغْفِرُ كُفْرَ سَبْعِينَ سَنَةً بِإيمانِ ساعَةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ قالَ ذَلِكَ المُؤْمِنُ: ﴿لا جَرَمَ﴾ والكَلامُ في تَفْسِيرِ لا جَرَمَ مَرَّ في سُورَةِ هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ [هُودٍ: ٢٢] وقَدْ أعادَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هاهُنا فَقالَ: ﴿لا جَرَمَ﴾ مَساقُهُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ أنْ يُجْعَلَ ﴿لا﴾ رَدًّا لِما دَعاهُ إلَيْهِ قَوْمُهُ و﴿جَرَمَ﴾ فِعْلٌ بِمَعْنى حَقٌّ و﴿أنَّما﴾ مَعَ ما في حَيِّزِهِ فاعِلُهُ أيْ حَقٌّ، ووَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ، أوْ بِمَعْنى كَسْبٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائِدَةِ: ٢] أيْ كَسْبُ ذَلِكَ الدُّعاءِ إلَيْهِ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ بِمَعْنى أنَّهُ ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِ دَعْوَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ ﴿لا جَرَمَ﴾ نَظِيرُهُ لا بُدَّ فِعْلٌ مِنَ الجَرْمِ وهو القَطْعُ كَما أنَّ بُدَّ فِعْلٌ مِنَ التَّبْدِيدِ وهو التَّفْرِيقُ، وكَما أنَّ مَعْنى لا بُدَّ أنَّكَ تَفْعَلُ كَذا أنَّهُ لا بُدَّ لَكَ مِن فِعْلِهِ، فَكَذَلِكَ ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾ أيْ لا قَطْعَ لِذَلِكَ بِمَعْنى أنَّهم أبَدًا يَسْتَحِقُّونَ النّارَ لا انْقِطاعَ لِاسْتِحْقاقِهِمْ، ولا قَطْعَ لِبُطْلانِ دَعْوَةِ الأصْنامِ، أيْ لا تَزالُ باطِلَةً لا يَنْقَطِعُ ذَلِكَ فَيُنْقَلُ حَقًّا، ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ لا جَرَمَ أنَّهُ يُفْعَلُ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ بِزِنَةِ بُدٍّ وفِعْلُ إخْوانٍ كَرُشْدٍ ورَشَدٍ وكَعُدْمٍ وعَدَمٍ هَذا كُلُّهُ ألْفاظُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ والمُرادُ أنَّ الأوْثانَ الَّتِي تَدْعُونَنِي إلى عِبادَتِها لَيْسَ لَها دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، وفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ احْتِمالانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى ما تَدْعُونَنِي إلى عِبادَتِهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّها جَماداتٌ والجَماداتُ لا تَدْعُو أحَدًا إلى عِبادَةِ نَفْسِها وقَوْلُهُ: ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى إذا قَلَبَها حَيَوانًا في الآخِرَةِ فَإنَّها تَتَبَرَّأُ مِن هَؤُلاءِ العابِدِينَ.
والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ مَعْناهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، فَسُمِّيَتِ اسْتِجابَةُ الدَّعْوَةِ بِالدَّعْوَةِ إطْلاقًا لِاسْمِ أحَدِ المُتَضايِفَيْنِ عَلى الآخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿وأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا فائِدَةَ فِيها البَتَّةَ، ومَعَ ذَلِكَ
صفحة ٦٣
فَإنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ العالِمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ القادِرِ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ الغَنِيِّ عَنْ كُلِّ الحاجاتِ الَّذِي لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ وما هو بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ، فَأيُّ عاقِلٍ يُجَوِّزُ لَهُ عَقْلُهُ أنْ يَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ تِلْكَ الأشْياءِ الباطِلَةِ، وأنْ يُعْرِضَ عَنْ عِبادَةِ هَذا الإلَهِ الَّذِي لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَرَدُّهُ إلَيْهِ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي المُشْرِكِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: السَّفّاكِينَ لِلدِّماءِ والصَّحِيحُ أنَّهم أسْرَفُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ بِالكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، أمّا الكِمِّيَّةُ فَبِالدَّوامِ، وأمّا الكَيْفِيَّةُ فَبِالعَوْدِ والإصْرارِ، ولَمّا بالَغَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ في هَذِهِ البَياناتِ خَتَمَ كَلامَهُ بِخاتِمَةٍ لَطِيفَةٍ فَقالَ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ وهَذا كَلامٌ مُبْهَمٌ يُوجِبُ التَّخْوِيفَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَذا الذِّكْرَ يَحْصُلُ في الدُّنْيا وهو وقْتُ المَوْتِ، وأنْ يَكُونَ في القِيامَةِ وقْتَ مُشاهَدَةِ الأهْوالِ، وبِالجُمْلَةِ فَهو تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ وهَذا كَلامُ مَن هُدِّدَ بِأمْرٍ يَخافُهُ فَكَأنَّهم خَوَّفُوهُ بِالقَتْلِ وهو أيْضًا خَوَّفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ ما أقُولُ لَكُمْ﴾ ثُمَّ عَوَّلَ في دَفْعِ تَخْوِيفِهِمْ وكَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ عَلى فَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ وهو إنَّما تَعَلَّمَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا خَوَّفَهُ بِالقَتْلِ رَجَعَ مُوسى في دَفْعِ ذَلِكَ الشَّرِّ إلى اللَّهِ حَيْثُ قالَ: ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ فَتَحَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو الياءَ مِن ”أمْرِي“ والباقُونَ بِالإسْكانِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ عالِمٌ بِأحْوالِهِمْ وبِمَقادِيرِ حاجاتِهِمْ، وتَمَسَّكَ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، وقالُوا: إنَّ المُعْتَزِلَةَ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ يَحْصُلُ بِقُدْرَتِهِمْ قَدْ فَوَّضُوا أمْرَ أنْفُسِهِمْ إلَيْهِمْ وما فَوَّضُوها إلى اللَّهِ، والمُعْتَزِلَةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُفَوِّضُ﴾ اعْتِرافٌ بِكَوْنِهِ فاعِلًا مُسْتَقِلًّا بِالفِعْلِ، والمَباحِثُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ﴾ عائِدَةٌ بِتَمامِها في هَذا المَوْضِعِ. وهاهُنا آخِرُ كَلامِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ. واللَّهُ الهادِي.
40:45–52Page 472
فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ ٤٥
So Allāh protected him from the evils they plotted, and the people of Pharaoh were enveloped by the worst of punishment -
ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ ٤٦
The Fire; they are exposed to it morning and evening.1 And the Day the Hour appears [it will be said], "Make the people of Pharaoh enter the severest punishment."
وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ ٤٧
And [mention] when they will argue within the Fire, and the weak will say to those who had been arrogant, "Indeed, we were [only] your followers, so will you relieve us of a share of the Fire?"
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُلّٞ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ ٤٨
Those who had been arrogant will say, "Indeed, all [of us] are in it. Indeed, Allāh has judged between the servants."
وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٤٩
And those in the Fire will say to the keepers of Hell, "Supplicate your Lord to lighten for us a day from the punishment."
قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ تَكُ تَأۡتِيكُمۡ رُسُلُكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ قَالُواْ بَلَىٰۚ قَالُواْ فَٱدۡعُواْۗ وَمَا دُعَٰٓؤُاْ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٍ ٥٠
They will say, "Did there not come to you your messengers with clear proofs?" They will say, "Yes." They will reply, "Then supplicate [yourselves], but the supplication of the disbelievers is not except in error [i.e., futility]."
إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ ٥١
Indeed, We will support Our messengers and those who believe during the life of this world and on the Day when the witnesses will stand -
يَوۡمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعۡذِرَتُهُمۡۖ وَلَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٥٢
The Day their excuse will not benefit the wrongdoers, and they will have the curse, and they will have the worst home [i.e., Hell].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾
صفحة ٦٤
﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَمْ يُقَصِّرْ في تَقْرِيرِ الدِّينِ الحَقِّ، وفي الذَّبِّ عَنْهُ فاللَّهُ تَعالى رَدَّ عَنْهُ كَيْدَ الكافِرِينَ وقَصْدَ القاصِدِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا صَرَّحَ بِتَقْرِيرِ الحَقِّ فَقَدْ قَصَدُوهُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ السُّوءِ، قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ قَصَدُوا قَتْلَهُ فَهَرَبَ مِنهم إلى الجَبَلِ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ أنَّهم قَصَدُوا إدْخالَهُ في الكُفْرِ وصَرْفَهُ عَنِ الإسْلامِ ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ﴾ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنَّ الأوَّلَ أوْلى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِالوَجْهِ الأوَّلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ أحاطَ بِهِمْ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ أيْ غَرِقُوا في البَحْرِ، وقِيلَ: بَلِ المُرادُ مِنهُ النّارُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ”النّارُ“ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ قالَ: وجائِزٌ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً عَلى إضْمارِ تَفْسِيرِ ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما سُوءُ العَذابِ؟ فَقِيلَ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ .
قَرَأ حَمْزَةُ ”حِيقَ“ بِكَسْرِ الحاءِ وكَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ والباقُونَ بِالفَتْحِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ قالُوا: الآيَةُ تَقْتَضِي عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ أيْضًا الدُّنْيا؛ لِأنَّ عَرْضَ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا ما كانَ حاصِلًا في الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ هَذا العَرْضَ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ المَوْتِ وقَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ في حَقِّ هَؤُلاءِ، وإذا ثَبَتَ في حَقِّهِمْ ثَبَتَ في حَقِّ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن عَرْضِ النّارِ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وعَشِيًّا عَرْضَ النَّصائِحِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا؟ لِأنَّ أهْلَ الدِّينِ إذا ذَكَرُوا لَهُمُ التَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ وخَوَّفُوهم بِعَذابِ اللَّهِ، فَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمُ النّارَ، ثُمَّ نَقُولُ: في الآيَةِ ما يَمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى عَذابِ القَبْرِ وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ دائِمًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وقَوْلُهُ: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ يَقْتَضِي أنْ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ العَذابُ إلّا في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى عَذابِ القَبْرِ. الثّانِي: أنَّ الغُدْوَةَ والعَشِيَّةَ إنَّما يَحْصُلانِ في الدُّنْيا، أمّا في القَبْرِ فَلا وُجُودَ لَهُما، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَذابِ القَبْرِ.
والجَوابُ: عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّ في الدُّنْيا عَرَضَ عَلَيْهِمْ كَلِماتٍ تُذَكِّرُهم أمْرَ النّارِ، لا أنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَ النّارِ، فَعَلى قَوْلِهِمْ يَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ الكَلِماتُ المُذَكِّرَةُ لِأمْرِ النّارِ كانَتْ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَرْكِ ظاهِرِ اللَّفْظِ والعُدُولِ إلى المَجازِ، أمّا قَوْلُهُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ هَذا العَذابِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وذَلِكَ لا يَجُوزُ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُكْتَفى في القَبْرِ بِإيصالِ العَذابِ إلَيْهِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، ثُمَّ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ يُلْقى في النّارِ فَيَدُومُ عَذابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وأيْضًا لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الغُدْوَةِ والعَشِيَّةِ كِنايَةً عَنِ الدَّوامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ أمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لَيْسَ في القَبْرِ والقِيامَةِ غُدْوَةٌ وعَشِيَّةٌ، قُلْنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لِأهْلِ الدُّنْيا يُعْرَضُ عَلَيْهِمُ العَذابُ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ٦٥
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) أيْ يُقالُ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ: أدْخِلُوهم في أشَدِّ العَذابِ، والباقُونَ (ادْخُلُوا) عَلى مَعْنى أنَّهُ يُقالُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ: ادْخُلُوا أشَدَّ العَذابِ، والقِراءَةُ الأُولى اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ، واحْتَجَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ”يُعْرَضُونَ“ فَهَذا يُفْعَلُ بِهِمْ، فَكَذَلِكَ (أدْخِلُوا)، وأمّا وجْهُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَقَوْلُهُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾، وهَهُنا آخِرُ الكَلامِ في قِصَّةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ.
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في تِلْكَ القِصَّةِ لَمّا انْجَرَّ إلى شَرْحِ أحْوالِ النّارِ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ عَقِيبَها قِصَّةَ المُناظَراتِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ مِن أهْلِ النّارِ، فَقالَ: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ والمَعْنى اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ إذْ يَتَحاجُّونَ أيْ يُحاجِجُ بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ شَرَحَ خُصُومَتَهم وذَلِكَ أنَّ الضُّعَفاءَ يَقُولُونَ لِلرُّؤَساءِ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ في الدُّنْيا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”تَبَعًا“ كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ أوْ ذَوِي تَبَعٍ أيْ أتْباعٍ أوْ وصْفًا بِالمَصْدَرِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ أيْ فَهَلْ تَقْدِرُونَ عَلى أنْ تَدْفَعُوا أيُّها الرُّؤَساءُ عَنّا نَصِيبًا مِنَ العَذابِ، واعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الأتْباعَ يَعْلَمُونَ أنَّ أُولَئِكَ الرُّؤَساءَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى ذَلِكَ التَّخْفِيفِ، وإنَّما مَقْصُودُهم مِن هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَخْجِيلِ أُولَئِكَ الرُّؤَساءِ وإيلامِ قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في إيقاعِ هَؤُلاءِ الأتْباعِ في أنْواعِ الضَّلالاتِ، فَعِنْدَ هَذا يَقُولُ الرُّؤَساءُ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ يَعْنِي أنَّ كُلَّنا واقِعُونَ في هَذا العَذابِ، فَلَوْ قَدَرْتُ عَلى إزالَةِ العَذابِ عَنْكَ لَدَفَعْتُهُ عَنْ نَفْسِي، ثُمَّ يَقُولُونَ: ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ يَعْنِي يُوَصِّلُ إلى كُلِّ أحَدٍ مِقْدارَ حَقِّهِ مِنَ النَّعِيمِ أوْ مِنَ العَذابِ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا يَحْصُلُ اليَأْسُ لِلْأتْباعِ مِنَ المَتْبُوعِينَ فَيَرْجِعُونَ إلى خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ويَقُولُونَ لَهم: ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ فَإنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يَقُلْ: وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَتِها بَلْ قالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ جَهَنَّمَ التَّهْوِيلَ والتَّفْظِيعَ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ جَهَنَّمُ اسْمًا لِمَوْضِعٍ هو أبْعَدُ النّارِ قَعْرًا، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ جَهَنّامٌ أيْ بَعِيدَةُ القَعْرِ، وفِيها أعْظَمُ أقْسامِ الكُفّارِ عُقُوبَةً، وخَزَنَةُ ذَلِكَ المَوْضِعِ تَكُونُ أعْظَمَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ عِنْدَ اللَّهِ دَرَجَةً، فَإذا عَرَفَ الكُفّارُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ اسْتَغاثُوا بِهِمْ، فَأُولَئِكَ المَلائِكَةُ يَقُولُونَ لَهم ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ كانَ لِلْقَوْمِ أنْ يَقُولُوا إنَّهُ ﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] أمّا بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ فَلَمْ يَبْقَ عُذْرٌ ولا عِلَّةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرْعِ.
ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ: ادْعُوا أنْتُمْ فَإنّا لا نَجْتَرِئُ عَلى ذَلِكَ ولا نُشَفَّعُ إلّا بِشَرْطَيْنِ أحَدَهُما: كَوْنُ المَشْفُوعِ لَهُ مُؤْمِنًا، والثّانِي: حُصُولُ الإذْنِ في الشَّفاعَةِ ولَمْ يُوجَدْ واحِدٌ مِن هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فَإقْدامُنا عَلى هَذِهِ الشَّفاعَةِ مُمْتَنِعٌ لَكِنِ ادْعُوا أنْتُمْ، ولَيْسَ قَوْلُهم فادْعُوا لِرَجاءِ المَنفَعَةِ، ولَكِنْ لِلدَّلالَةِ عَلى الخَيْبَةِ، فَإنَّ المَلَكَ المُقَرَّبَ إذا لَمْ يُسْمَعْ دُعاؤُهُ فَكَيْفَ يُسْمَعُ دُعاءُ الكُفّارِ ؟ ثُمَّ يُصَرِّحُونَ لَهم بِأنَّهُ لا أثَرَ لِدُعائِهِمْ فَيَقُولُونَ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ فَإنْ قِيلَ: إنَّ الحاجَةَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَأذّى مِن هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ بِسَبَبِ جُرْمِهِمْ، وإذا كانَ التَّأذِّي مُحالًا عَلَيْهِ كانَتْ شَهْوَةُ الِانْتِقامِ مُمْتَنِعَةً في حَقِّهِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إيصالُ هَذِهِ المَضارِّ العَظِيمَةِ إلى أُولَئِكَ الكُفّارِ إضْرارٌ لا مَنفَعَةَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى ولا لِأحَدٍ مِنَ العَبِيدِ، فَهو إضْرارٌ خالٍ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ المُنْتَفِعَةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ أنْ يُبْقِيَ عَلى ذَلِكَ الإيلامِ أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدّاهِرِينَ، مِن غَيْرِ أنْ يَرْحَمَ حاجَتَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَسْمَعَ دُعاءَهم، ومِن غَيْرِ أنْ يَلْتَفِتَ إلى تَضَرُّعِهِمْ
صفحة ٦٦
وانْكِسارِهِمْ، ولَوْ أنَّ أقْسى النّاسِ قَلْبًا فَعَلَ مِثْلَ هَذا التَّعْذِيبِ بِبَعْضِ عَبِيدِهِ لَدَعاهُ كَرَمُهُ ورَحْمَتُهُ إلى العَفْوِ عَنْهُ مَعَ أنَّ هَذا السَّيِّدَ في مَحَلِّ النَّفْعِ والضَّرَرِ والحاجَةِ، فَأكْرَمُ الأكْرَمِينَ كَيْفَ يَلِيقُ بِهِ هَذا الإضْرارُ ؟ قُلْنا: أفْعالُ اللَّهِ لا تُعَلَّلُ و﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] فَلَمّا جاءَ الحُكْمُ الحَقُّ بِهِ في الكِتابِ الحَقِّ وجَبَ الإقْرارُ بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences