Ar-RaziGhafir · 40:69–85

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:69–85

40:69–76Page 475

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصۡرَفُونَ ٦٩

Do you not consider those who dispute concerning the signs of Allāh - how are they averted?

ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلۡكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرۡسَلۡنَا بِهِۦ رُسُلَنَاۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٧٠

Those who deny the Book [i.e., the Qur’ān] and that with which We sent Our messengers - they are going to know,

إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ ٧١

When the shackles are around their necks and the chains; they will be dragged

فِي ٱلۡحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسۡجَرُونَ ٧٢

In boiling water; then in the Fire they will be filled [with flame].

ثُمَّ قِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٧٣

Then it will be said to them, "Where is that which you used to associate [with Him in worship]

مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمۡ نَكُن نَّدۡعُواْ مِن قَبۡلُ شَيۡـٔٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤

Other than Allāh?" They will say, "They have departed from us; rather, we did not used to invoke previously anything." Thus does Allāh put astray the disbelievers.

ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَمۡرَحُونَ ٧٥

[The angels will say], "That was because you used to exult upon the earth without right and you used to behave insolently.

ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٦

Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى ذَمِّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ وهَذا ذَمٌّ لَهم عَلى أنْ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ ودَفْعِها والتَّكْذِيبِ بِها، فَعَجَّبَ تَعالى مِنهم بِقَوْلِهِ ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن لا يُبَيِّنُ: أنّى يُذْهَبُ بِكَ تَعَجُّبًا مِن غَفْلَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم هُمُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِن سائِرِ الكُتُبِ، فَإنْ قِيلَ سَوْفَ لِلِاسْتِقْبالِ، وإذْ لِلْماضِي فَقَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مِثْلُ قَوْلِكَ: سَوْفَ أصُومُ أمْسِ، قُلْنا المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (إذِ) هو إذا؛ لِأنَّ الأُمُورَ المُسْتَقْبَلَةَ لَمّا كانَ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى مُتَيَقِّنَةً مَقْطُوعًا بِها عَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ ما كانَ ووُجِدَ، والمَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، هَذا لَفْظُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“ .

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ كَيْفِيَّةَ عِقابِهِمْ فَقالَ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يَكُونُ في أعْناقِهِمُ الأغْلالُ والسَّلاسِلُ، ثُمَّ يُسْحَبُونَ بِتِلْكَ السَّلاسِلِ في الحَمِيمِ، أيْ في الماءِ المُسَخَّنِ بِنارِ جَهَنَّمَ ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ والسَّجْرُ في اللُّغَةِ الإيقادُ في التَّنُّورِ، ومَعْناهُ أنَّهم في النّارِ فَهي مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٧] ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَيَقُولُونَ ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ غابُوا عَنْ عُيُونِنا فَلا نَراهم ولا نَسْتَشْفِعُ بِهِمْ، ثُمَّ قالُوا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ تَبَيَّنَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما كُنّا نَعْبُدُ بِعِبادَتِهِمْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ فُلانًا شَيْءٌ، فَإذا هو لَيْسَ بِشَيْءٍ إذا جَرَّبْتَهُ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ خَيْرًا، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ إنَّهم كَذَّبُوا وأنْكَرُوا أنَّهم عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّهم قالُوا ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ قالَ القاضِي: مَعْناهُ أنَّهُ يُضِلُّهم عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ، إذْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ يُضِلُّهم عَنِ الحُجَّةِ إذْ قَدْ هَداهم في الدُّنْيا إلَيْها، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ مِثْلَ ضَلالِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم، يُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ، حَتّى أنَّهم لَوْ طَلَبُوا الآلِهَةَ أوْ طَلَبْتُمُ الآلِهَةَ لَمْ يَجِدْ أحَدُهُما الآخَرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ ذَلِكُمُ الإضْلالُ بِسَبَبِ ما كانَ لَكم مِنَ الفَرَحِ والمَرَحِ بِغَيْرِ الحَقِّ، وهو الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأصْنامِ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ السَّبْعَةَ المَقْسُومَةَ لَكم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]، ﴿خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾

صفحة ٧٧

والمُرادُ مِنهُ ما قالَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ في صِفَةِ هَؤُلاءِ المُجادِلِينَ ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] .

40:77–78Page 475

فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٧٧

So be patient, [O Muḥammad]; indeed, the promise of Allāh is truth. And whether We show you some of what We have promised them or We take you in death, it is to Us they will be returned.

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلۡحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٧٨

And We have already sent messengers before you. Among them are those [whose stories] We have related to you, and among them are those [whose stories] We have not related to you. And it was not for any messenger to bring a sign [or verse] except by permission of Allāh. So when the command of Allāh comes, it will be concluded [i.e., judged] in truth, and the falsifiers will thereupon lose [all].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا تَكَلَّمَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ في تَزْيِيفِ طَرِيقَةِ المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ، أمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ رَسُولَهُ بِأنْ يَصْبِرَ عَلى إيذائِهِمْ وإيحاشِهِمْ بِتِلْكَ المُجادَلاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وعَنى بِهِ ما وعَدَ بِهِ الرَّسُولَ مِن نُصْرَتِهِ، ومِن إنْزالِ العَذابِ عَلى أعْدائِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ يَعْنِي أُولَئِكَ الكُفّارَ مِن أنْواعِ العَذابِ، مِثْلَ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَذَلِكَ هو المَطْلُوبُ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ فَنَنْتَقِمُ مِنهم أشَدَّ الِانْتِقامِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: أنْتَ كالرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، وقَدْ ذَكَرْنا حالَ بَعْضِهِمْ لَكَ، ولَمْ نَذْكُرْ حالَ الباقِينَ، ولَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ أعْطاهُ اللَّهُ آياتٍ ومُعْجِزاتٍ إلّا وقَدْ جادَلَهُ قَوْمُهُ فِيها وكَذَّبُوهُ فِيها، وجَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الهَمِّ ما يُقارِبُ ما جَرى عَلَيْكَ فَصَبَرُوا، وكانُوا أبَدًا يَقْتَرِحُونَ عَلى الأنْبِياءِ إظْهارَ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةِ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ عَلى سَبِيلِ العِنادِ والتَّعَنُّتِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ في إظْهارِ ما أظْهَرَهُ، وإلّا لَمْ يُظْهِرْهُ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًا في نُبُوَّتِهِمْ، فَكَذَلِكَ الحالُ في اقْتِراحِ قَوْمِكَ عَلَيْكَ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةَ لَمّا لَمْ يَكُنْ إظْهارُها صَلاحًا، لا جَرَمَ ما أظْهَرْناها، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ﴾ وهَذا وعِيدٌ ورَدَ عَقِيبَ اقْتِراحِ الآياتِ ”وأمْرُ اللَّهِ“ القِيامَةُ ”والمُبْطِلُونَ“ هُمُ المُعانِدُونَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، ويَقْتَرِحُونَ المُعْجِزاتِ الزّائِدَةَ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ.

40:79–81Page 476

ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمَ لِتَرۡكَبُواْ مِنۡهَا وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٩

It is Allāh who made for you the grazing animals upon which you ride, and some of them you eat.

وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَلِتَبۡلُغُواْ عَلَيۡهَا حَاجَةٗ فِي صُدُورِكُمۡ وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٨٠

And for you therein are [other] benefits and that you may realize upon them a need which is in your breasts;1 and upon them and upon ships you are carried.

وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَأَيَّ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ ٨١

And He shows you His signs. So which of the signs of Allāh do you deny?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾

صفحة ٧٨

﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أطْنَبَ في تَقْرِيرِ الوَعِيدِ عادَ إلى ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ الرَّحِيمِ، وإلى ذِكْرِ ما يَصْلُحُ أنْ يُعَدَّ إنْعامًا عَلى العِبادِ، قالَ الزَّجّاجُ: الأنْعامُ الإبِلُ خاصَّةً، وقالَ القاضِي: هي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا أدْخَلَ لامَ الغَرَضِ عَلى قَوْلِهِ (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا) ولَمْ يَدْخُلْ عَلى البَواقِي فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟ الجَوابُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ الرُّكُوبُ في الحَجِّ والغَزْوِ إمّا أنْ يَكُونَ واجِبًا أوْ مَندُوبًا، فَهَذانِ القِسْمانِ أغْراضٌ دِينِيَّةٌ، فَلا جَرَمَ أدْخَلَ عَلَيْهِما حَرْفَ التَّعْلِيلِ، وأمّا الأكْلُ وإصابَةُ المَنافِعِ فَمِن جِنْسِ المُباحاتِ، فَلا جَرَمَ ما أدْخَلَ عَلَيْهِ حَرْفَ التَّعْلِيلِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] فَأدْخَلَ التَّعْلِيلَ عَلى الرُّكُوبِ ولَمْ يُدْخِلْهُ عَلى الزِّينَةِ.

السُّؤالُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ تُحْمَلُونَ في البَرِّ والبَحْرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: وفي الفُلْكِ كَما قالَ ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] والجَوابُ: أنَّ كَلِمَةَ عَلى لِلِاسْتِعْلاءِ، فالشَّيْءُ الَّذِي يُوضَعُ في الفُلْكِ كَما يَصِحُّ أنْ يُقالَ: وُضِعَ فِيهِ يَصِحُّ أنْ يُقالَ وُضِعَ عَلَيْهِ، ولَمّا صَحَّ الوَجْهانِ كانَتْ لَفْظُهُ أوْلى حَتّى يَتِمَّ المُرادُ في قَوْلِهِ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الدَّلائِلَ الكَثِيرَةَ قالَ: ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي عَدَدْناها كُلَّها ظاهِرَةٌ باهِرَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها ما يُمْكِنُ إنْكارُهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ (فَأيَّ آياتِ اللَّهِ) جاءَ عَلى اللُّغَةِ المُسْتَفِيضَةِ، وقَوْلُكُ: فَأيَّةُ آياتِ اللَّهِ قَلِيلٌ؛ لِأنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ في الأسْماءِ غَيْرُ الصِّفاتِ نَحْوَ: حِمارٌ وحِمارَةٌ، غَرِيبٌ، وهي في أيِّ أغْرَبُ لِإبْهامِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

40:82–85Page 476

أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَكۡثَرَ مِنۡهُمۡ وَأَشَدَّ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٢

Have they not traveled through the land and observed how was the end of those before them? They were more numerous than themselves and greater in strength and in impression on the land, but they were not availed by what they used to earn.

فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٨٣

And when their messengers came to them with clear proofs, they [merely] rejoiced in what they had of knowledge, but they were enveloped by what they used to ridicule.

فَلَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥ وَكَفَرۡنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشۡرِكِينَ ٨٤

And when they saw Our punishment, they said, "We believe in Allāh alone and disbelieve in that which we used to associate with Him."

فَلَمۡ يَكُ يَنفَعُهُمۡ إِيمَٰنُهُمۡ لَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَاۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ فِي عِبَادِهِۦۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٥

But never did their faith benefit them once they saw Our punishment. [It is] the established way of Allāh which has preceded among His servants. And the disbelievers thereupon lost [all].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾

صفحة ٧٩

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى راعى تَرْتِيبًا لَطِيفًا في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ فَصْلًا في دَلائِلِ الإلَهِيَّةِ وكَمالِ القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ والحِكْمَةِ، ثُمَّ أرْدَفَهُ بِفَضْلِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وهَذا الفَصْلُ الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ خَتْمُ هَذِهِ السُّورَةِ هو الفَصْلُ المُشْتَمِلُ عَلى الوَعِيدِ، والمَقْصُودُ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ وحَصَلَ الكِبْرُ العَظِيمُ في صُدُورِهِمْ بِهَذا، والسَّبَبُ في ذَلِكَ كُلِّهِ طَلَبُ الرِّياسَةِ والتَّقَدُّمِ عَلى الغَيْرِ في المالِ والجاهِ.

فَمَن تَرَكَ الِانْقِيادَ لِلْحَقِّ لِأجْلِ طَلَبِ هَذِهِ الأشْياءِ فَقَدْ باعَ الآخِرَةَ بِالدُّنْيا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ ذاهِبَةٌ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي لَوْ سارُوا في أطْرافِ الأرْضِ لَعَرَفُوا أنَّ عاقِبَةَ المُتَكَبِّرِينَ المُتَمَرِّدِينَ، لَيْسَتْ إلّا الهَلاكَ والبَوارَ، مَعَ أنَّهم كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا ومالًا وجاهًا مِن هَؤُلاءِ المُتَأخِّرِينَ، فَلَمّا لَمْ يَسْتَفِيدُوا مِن تِلْكَ المُكْنَةِ العَظِيمَةِ والدَّوْلَةِ القاهِرَةِ إلّا الخَيْبَةَ والخَسارَ، والحَسْرَةَ والبَوارَ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ المَساكِينِ.

أمّا بَيانُ أنَّهم كانُوا أكْثَرَ مِن هَؤُلاءِ عَدَدًا فَإنَّما يُعْرَفُ في الأخْبارِ، وأمّا أنَّهم كانُوا أشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ؛ فَلِأنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ آثارُهم بِحُصُونٍ عَظِيمَةٍ بَعْدَهم، مِثْلُ الأهْرامِ المَوْجُودَةِ بِمِصْرَ، ومِثْلُ هَذِهِ البِلادِ العَظِيمَةِ الَّتِي بَناها المُلُوكُ المُتَقَدِّمُونَ، ومِثْلُ ما حَكى اللَّهُ عَنْهم مِن أنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ما في قَوْلِهِ ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ نافِيَةٌ أوْ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ ومَحَلُّها النَّصْبُ، وما في قَوْلِهِ ﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ ومَحَلُّها الرَّفْعُ يَعْنِي أيَّ شَيْءٍ أغْنى عَنْهم مَكْسُوبُهم أوْ كَسْبُهم.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ والمُعْجِزاتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ، واعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (فَرِحُوا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الكُفّارِ، وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى الرُّسُلِ، أمّا إذا قُلْنا إنَّهُ عائِدٌ إلى الكُفّارِ، فَذَلِكَ العِلْمُ الَّذِي فَرِحُوا بِهِ أيُّ عِلْمٍ كانَ ؟ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ الأشْياءَ الَّتِي كانُوا يُسَمُّونَها بِالعِلْمِ، وهي الشُّبُهاتُ الَّتِي حَكاها اللَّهُ عَنْهم في القُرْآنِ كَقَوْلِهِمْ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] وقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقَوْلِهِمْ ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] وكانُوا يَفْرَحُونَ بِذَلِكَ ويَدْفَعُونَ بِهِ عُلُومَ الأنْبِياءِ، كَما قالَ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عُلُومَ الفَلاسِفَةِ، فَإنَّهم كانُوا إذا سَمِعُوا بِوَحْيِ اللَّهِ دَفَعُوهُ وصَغَّرُوا عِلْمَ الأنْبِياءِ إلى عُلُومِهِمْ، وعَنْ سُقْراطَ أنَّهُ سَمِعَ بِمَجِيءِ بَعْضِ الأنْبِياءِ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ هاجَرْتَ، فَقالَ: نَحْنُ قَوْمٌ مَهْدِيُّونَ فَلا حاجَةَ بِنا إلى مَن يَهْدِينا.

الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عِلْمَهم بِأُمُورِ الدُّنْيا ومَعْرِفَتَهم بِتَدْبِيرِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]، ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾ [النجم: ٣٠]، فَلَمّا جاءَهُمُ الرُّسُلُ بِعُلُومِ الدِّياناتِ وهي مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةُ العِمادِ وتَطْهِيرُ النَّفْسِ عَنِ الرَّذائِلِ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها واسْتَهْزَئُوا بِها، واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا عِلْمَ أنْفَعُ وأجْلَبُ لِلْفَوائِدِ مِن عِلْمِهِمْ، فَفَرِحُوا بِهِ.

أمّا إذا قُلْنا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأنْبِياءِ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يُجْعَلَ الفَرَحُ لِلرُّسُلِ، ومَعْناهُ أنَّ الرُّسُلَ لَمّا رَأوْا مِن قَوْمِهِمْ جَهْلًا كامِلًا، وإعْراضًا عَنِ الحَقِّ وعَلِمُوا سُوءَ عاقِبَتِهِمْ وما يَلْحَقُهم مِنَ العُقُوبَةِ عَلى جَهْلِهِمْ وإعْراضِهِمْ، فَرِحُوا بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ وشَكَرُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، وحاقَ بِالكافِرِينَ جَزاءُ جَهْلِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ فَرِحُوا بِما عِنْدَ الرُّسُلِ

صفحة ٨٠

مِنَ العِلْمِ فَرَحَ ضَحِكٍ مِنهُ واسْتِهْزاءٍ بِهِ، كَأنَّهُ قالَ: اسْتَهْزَئُوا بِالبَيِّناتِ، وبِما جاءُوا بِهِ مِن عِلْمِ الوَحْيِ فَرِحِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ البَأْسُ شِدَّةُ العَذابِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥] فَإنْ قِيلَ أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهُمْ﴾ وبَيْنَ ما لَوْ قِيلَ فَلَمْ يَنْفَعْهم إيمانُهم ؟ قُلْنا هو مِثْلُ كانَ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] والمَعْنى فَلَمْ يَصِحَّ ولَمْ يَسْتَقِمْ أنْ يَنْفَعَهم إيمانُهم، فَإنْ قِيلَ: اذْكُرُوا ضابِطًا في الوَقْتِ الَّذِي لا يَنْفَعُ الإتْيانُ بِالإيمانِ فِيهِ، قُلْنا إنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يُعايِنُ فِيهِ نُزُولَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ والعَذابِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَصِيرُ المَرْءُ مُلْجَأً إلى الإيمانِ، فَذَلِكَ الإيمانُ لا يَنْفَعُ إنَّما يَنْفَعُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى خِلافِهِ، حَتّى يَكُونَ المَرْءُ مُخْتارًا، أمّا إذا عايَنُوا عَلاماتِ الآخِرَةِ فَلا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ والمَعْنى أنَّ عَدَمَ قَبُولِ الإيمانِ حالَ اليَأْسِ سُنَّةُ اللَّهِ مُطَّرِدَةٌ في كُلِّ الأُمَمِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ﴾ مُسْتَعارٌ لِلزَّمانِ أيْ: وخَسِرُوا وقْتَ رُؤْيَةِ البَأْسِ، واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ.

تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ السَّبْتِ الثّانِي مِن ذِي الحِجَّةِ مِن سَنَةِ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ في بَلْدَةِ هَراةَ.

يا مَن لا يَبْلُغُ أدْنى ما اسْتَأْثَرْتَ بِهِ مِن جَلالِكَ وعِزَّتِكَ أقْصى نُعُوتِ النّاعِتِينَ، يا مَن تَقاصَرَتْ عَنِ الإحاطَةِ بِمَبادِئِ أسْرارِ كِبْرِيائِهِ أفْهامُ المُتَفَكِّرِينَ، وأنْظارُ المُتَأمِّلِينَ، لا تَجْعَلْنا بِفَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ في زُمْرَةِ الخاسِرِينَ المُبْطِلِينَ، ولا تَجْعَلْنا يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المَحْرُومِينَ، فَإنَّكَ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ.

والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلَواتُ اللَّهِ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском