Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Fussilat 41:12–18
41:12Page 478
فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ١٢
And He completed them as seven heavens within two days and inspired [i.e., made known] in each heaven its command. And We adorned the nearest heaven with lamps [i.e., stars, for beauty] and as protection.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ قالَ مُقاتِلٌ أمَرَ في كُلِّ سَماءٍ بِما أرادَ، وقالَ قَتادَةُ: خَلَقَ فِيها شَمْسَها وقَمَرَها ونُجُومَها، وقالَ السُّدِّيُّ: خَلَقَ في كُلِّ سَماءِ خَلَقَها مِنَ المَلائِكَةِ وما فِيها مِنَ البِحارِ وجِبالِ البَرَدِ، قالَ: ولِلَّهِ في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ يَحُجُّ إلَيْهِ ويَطُوفُ بِهِ المَلائِكَةُ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُقابِلَ الكَعْبَةِ، ولَوْ وقَعَتْ مِنهُ حَصاةٌ ما وقَعَتْ إلّا عَلى الكَعْبَةِ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: قَدْ ثَبَتَ في عِلْمِ النَّحْوِ أنَّهُ يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، ولِلَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ كُلِّ سَماءٍ تَكْلِيفٌ خاصٌّ.
فَمِنَ المَلائِكَةِ مَن هو في القِيامِ في أوَّلِ خَلْقِ العالَمِ إلى قِيامِ القِيامَةِ، ومِنهم رُكُوعٌ لا يَنْتَصِبُونَ ومِنهم سُجُودٌ لا يَرْفَعُونَ، وإذا كانَ ذَلِكَ الأمْرُ مُخْتَصًّا بِأهْلِ ذَلِكَ السَّماءِ كانَ ذَلِكَ الأمْرُ مُخْتَصًّا بِتِلْكَ السَّماءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ أيْ وكانَ قَدْ خَصَّ كُلَّ سَماءٍ بِالأمْرِ المُضافِ إلَيْها كَقَوْلِهِ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ [الأعراف: ٤] والمَعْنى فَكانَ قَدْ جاءَها.
هَذا ما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ وهو عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ ثُمَّ كانَ قَدِ اسْتَوى إلى السَّماءِ وكانَ قَدْ أوْحى، وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ لِأنَّ كَلِمَةَ ثُمَّ تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ وكَلِمَةَ كانَ تَقْتَضِي التَّقْدِيمَ فالجَمْعُ بَيْنَهُما يُفِيدُ التَّناقُضَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ: ضَرَبْتُ اليَوْمَ زَيْدًا ثُمَّ ضَرَبْتُ عَمْرًا بِالأمْسِ، فَكَما أنَّ هَذا باطِلٌ فَكَذا ما ذَكَرْتُمُوهُ، وإنَّما يَجُوزُ تَأْوِيلُ كَلامِ اللَّهِ بِما لا يُؤَدِّي إلى وُقُوعِ التَّناقُضِ والرَّكاكَةِ فِيهِ.
والمُخْتارُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: خَلْقُ السَّماواتِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: كَيْفَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ ؟ فَنَقُولُ: الخَلْقُ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ التَّكْوِينِ والإيجادِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، والتَّقْدِيرُ حَقُّ اللَّهِ تَعالى هو حُكْمُهُ بِأنَّهُ سَيُوجِدُهُ وقَضاؤُهُ بِذَلِكَ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ قَضى بِحُدُوثِهِ في يَوْمَيْنِ، وقَضاءُ اللَّهِ بِأنَّهُ سَيُحْدِثُ كَذا في مُدَّةِ كَذا، لا يَقْتَضِي حُدُوثَ ذَلِكَ الشَّيْءِ في الحالِ، فَقَضاءُ اللَّهِ تَعالى بِحُدُوثِ الأرْضِ في يَوْمَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ عَلى إحْداثِ السَّماءِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ تَقَدُّمُ إحْداثِ الأرْضِ عَلى إحْداثِ السَّماءِ، وحِينَئِذٍ يَزُولُ السُّؤالُ، فَهَذا ما وصَلْتُ إلَيْهِ في هَذِهِ المَوْضِعِ المُشْكِلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذا الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ السَّماءَ والأرْضَ بِالإتْيانِ فَأطاعا وامْتَثَلا وعِنْدَ هَذا حَصَلَ في الآيَةِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنْ تَجْرِيَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ظاهِرِها، فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُما بِالإتْيانِ فَأطاعاهُ، قالَ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ: وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى أمَرَ الجِبالَ أنْ تَنْطِقَ مَعَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠]
صفحة ٩٤
واللَّهُ تَعالى تَجَلّى لِلْجَبَلِ قالَ: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] واللَّهُ تَعالى أنْطَقَ الأيْدِيَ والأرْجُلَ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] وإذْ كانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ في ذاتِ السَّماءِ والأرْضِ حَياةً وعَقْلًا وفَهْمًا، ثُمَّ يُوَجِّهُ الأمْرَ والتَّكْلِيفَ عَلَيْهِما، ويَتَأكَّدُ هَذا الِاحْتِمالُ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ظاهِرِهِ إلّا إذا مَنَعَ مِنهُ مانِعٌ، وهَهُنا لا مانِعَ، فَوَجَبَ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهُما، فَقالَ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ وهَذا الجَمْعُ جَمْعُ ما يَعْقِلُ ويَعْلَمُ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها﴾ [الأحزاب: ٧٢] وهَذا يَدُلُّ عَلى كَوْنِها عارِفَةً بِاللَّهِ، مَخْصُوصَةً بِتَوْجِيهِ تَكالِيفِ اللَّهِ عَلَيْها، والإشْكالُ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ الإتْيانُ إلى الوُجُودِ والحُدُوثُ والحُصُولُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَحالَ تَوَجَّهَ هَذا الأمْرُ كانَتِ السَّماواتُ والأرْضُ مَعْدُومَةً، إذْ لَوْ كانَتْ مَوْجُودَةً لَصارَ حاصِلُ هَذا الأمْرِ أنْ يُقالَ: يا مَوْجُودُ كُنْ مَوْجُودًا، وذَلِكَ لا يَجُوزُ فَثَبَتَ أنَّها حالَ تَوَجَّهَ هَذا الأمْرُ عَلَيْها كانَتْ مَعْدُومَةً، وإذا كانَتْ مَعْدُومَةً لَمْ تَكُنْ فاهِمَةً ولا عارِفَةً لِلْخِطابِ، فَلَمْ يَجُزْ تَوْجِيهُ الأمْرِ عَلَيْها.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلسَّماواتِ: أطْلِعِي شَمْسَكِ وقَمَرَكِ ونُجُومَكِ، وقالَ لِلْأرْضِ: شَقِّقِي أنْهارَكِ وأخْرِجِي ثِمارَكِ، وكانَ اللَّهُ تَعالى أوْدَعَ فِيهِما هَذِهِ الأشْياءَ ثُمَّ أمَرَهُما بِإبْرازِها وإظْهارِها، فَنَقُولُ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَكُونُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾ حُدُوثَهُما في ذاتِهِما، بَلْ يَصِيرُ المُرادُ مِن هَذا الأمْرِ أنْ يُظْهِرا ما كانَ مُودَعًا فِيهِما، إلّا أنَّ هَذا الكَلامَ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُدُوثَ السَّماواتِ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ فَهَذا جُمْلَةُ ما يُمْكِنُ ذِكْرُهُ في هَذا البَحْثِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ تَوْجِيهَ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ أرادَ تَكْوِينَهُما فَلَمْ يَمْتَنِعا عَلَيْهِ ووُجِدَتا كَما أرادَهُما، وكانَتا في ذَلِكَ المَأْمُورِ المُطِيعِ إذا ورَدَ عَلَيْهِ أمْرُ الأمِيرِ المُطاعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ القائِلِ: قالَ الجِدارُ لِلْوَتِدِ لِمَ تَشُقُّنِي ؟ قالَ الوَتِدُ: اسْألْ مَن يَدُقُّنِي، فَإنَّ الحَجَرَ الَّذِي ورائِي ما خَلّانِي ورائِي.
واعْلَمْ أنَّ هَذا عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وإنَّما جازَ العُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إذا قامَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ إنَّما حَصَلَ قَبْلَ وُجُودِهِما، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ عَلى الأمْرِ والتَّكْلِيفِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى ما ذَكَرْنا.
واعْلَمْ أنَّ إثْباتَ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ فِيهِما مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ المَأْمُورِ فِيهِما، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أسْكَنَ هَذِهِ السَّماواتِ المَلائِكَةَ، أوْ أنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِأشْياءَ ونَهاهم عَنْ أشْياءَ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما خَلَقَ المَلائِكَةَ مَعَ السَّماواتِ، أوْ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهم قَبْلَ السَّماواتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أسْكَنَهم فِيها، وأيْضًا لَيْسَ في الآيَةِ بَيانُ الشَّرائِعِ الَّتِي أمَرَ المَلائِكَةَ بِها، وهَذِهِ الأسْرارُ لا تَلِيقُ بِعُقُولِ البَشَرِ، بَلْ هي أعْلى مِن مَصاعِدِ أفْهامِهِمْ ومَرامِي أوْهامِهِمْ
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ وهي النَّيِّراتُ الَّتِي خَلَقَها في السَّماواتِ، وخَصَّ كُلَّ واحِدٍ بِضَوْءٍ مُعَيَّنٍ، وسِرٍّ مُعَيَّنٍ، وطَبِيعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، لا يَعْرِفُها إلّا اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: (وحِفْظًا) يَعْنِي وحَفِظْناها حِفْظًا، يَعْنِي مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ، فَأعَدَّ لِكُلِّ شَيْطانٍ نَجْمًا يَرْمِيهِ بِهِ ولا يُخْطِئُهُ،
صفحة ٩٥
فَمِنها ما يَحْرِقُ، ومِنها ما يَقْتُلُ ومِنها ما يَجْعَلُهُ مُخَبَّلًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَقالَ: ”خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ في يَوْمِ الأحَدِ والِاثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ والشَّجَرَ في يَوْمَيْنِ، وخَلَقَ في يَوْمِ الخَمِيسِ السَّماءَ، وخَلَقَ في يَوْمِ الجُمْعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ، ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأسْكَنَهُ الجَنَّةَ، ثُمَّ قالَتِ اليَهُودُ: ثُمَّ ماذا يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ، قالُوا: ثُمَّ اسْتَراحَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ“ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ»﴾ [ق: ٣٨] .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ التَّفاصِيلَ، قالَ: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ والعَزِيزُ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، والعَلِيمُ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، وما أحْسَنَ هَذِهِ الخاتِمَةَ؛ لِأنَّ تِلْكَ الأعْمالَ لا تُمْكِنُ إلّا بِقُدْرَةٍ كامِلَةٍ وعِلْمٍ مُحِيطٍ.
41:13–15Page 478
فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ ١٣
But if they turn away, then say, "I have warned you of a thunderbolt like the thunderbolt [that struck] ʿAad and Thamūd.
إِذۡ جَآءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُواْ لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ١٤
[That occurred] when the messengers had come to them before them and after them, [saying], "Worship not except Allāh." They said, "If our Lord had willed,1 He would have sent down the angels, so indeed we, in that with which you have been sent, are disbelievers."
فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ١٥
As for ʿAad, they were arrogant upon the earth without right and said, "Who is greater than us in strength?" Did they not consider that Allāh who created them was greater than them in strength? But they were rejecting Our signs.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ إنَّما ابْتُدِئَ مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] وحاصِلُهُ أنَّ الإلَهَ المَوْصُوفَ بِهَذِهِ القُدْرَةِ القاهِرَةِ كَيْفَ يَجُوزُ الكُفْرُ بِهِ، وكَيْفَ يَجُوزُ جَعْلُ هَذِهِ الأجْسامِ الخَسِيسَةِ شُرَكاءَ لَهُ في الإلَهِيَّةِ ؟ ولَمّا تَمَّمَ تِلْكَ الحُجَّةَ قالَ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ وبَيانُ ذَلِكَ لِأنَّ وظِيفَةَ الحُجَّةِ قَدْ تَمَّتْ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَإنْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الجَهْلِ لَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ عِلاجٌ في حَقِّهِمْ إلّا إنْزالَ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ بِمَعْنى: إنْ أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الحُجَّةِ القاهِرَةِ الَّتِي ذَكَرْناها
صفحة ٩٦
وأصَرُّوا عَلى الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكُمْ﴾ والإنْذارُ هو: التَّخْوِيفُ، قالَ المُبَرِّدُ: والصّاعِقَةُ الثّائِرَةُ المُهْلِكَةُ لِأيِّ شَيْءٍ كانَ، وقُرِئَ (صَعْقَةً مِثْلَ صَعْقَةِ عادٍ وثَمُودَ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهي المَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى أنَّ الرُّسُلَ المَبْعُوثِينَ إلَيْهِمْ أتَوْهم مِن كُلِّ جانِبٍ واجْتَهَدُوا بِهِمْ وأتَوْا بِجَمِيعِ وُجُوهِ الحِيَلِ فَلَمْ يَرَوْا مِنهم إلّا العُتُوَّ والإعْراضَ، كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الشَّيْطانِ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] يَعْنِي لَآتِيَنَّهم مِن كُلِّ جِهَةٍ ولَأعْمَلَنَّ فِيهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ، ويَقُولُ الرَّجُلُ: اسْتَدَرْتُ بِفُلانٍ مِن كُلِّ جانِبٍ فَلَمْ تُؤَثِّرْ حِيلَتِي فِيهِ.
السُّؤالُ الثّانِي: المَعْنى: أنَّ الرُّسُلَ جاءَتْهم مِن قَبْلِهِمْ ومِن بَعْدِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: الرُّسُلُ الَّذِينَ جاءُوا مِن قَبْلِهِمْ ومِن بَعْدِهِمْ، كَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُهم بِأنَّهم جاءُوهم ؟ قُلْنا: جاءَهم هُودٌ وصالِحٌ داعِيَيْنِ إلى الإيمانِ بِهِما وبِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ فَكَأنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ قَدْ جاءُوهم.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ يَعْنِي أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ جاءُوهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ أمَرُوهم بِالتَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشِّرْكِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنْ في قَوْلِهِ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ بِمَعْنى أيْ أوْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ أصْلُهُ بِأنَّهُ لا تَعْبُدُوا أيْ بِأنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ قَوْلُنا لَكم لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ أُولَئِكَ الكُفّارِ أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ يَعْنِي أنَّهم كَذَّبُوا أُولَئِكَ الرُّسُلَ، وقالُوا: الدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ أنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ إرْسالَ الرِّسالَةِ إلى البَشَرِ لَجَعَلَ رُسُلَهُ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ إرْسالَ المَلائِكَةِ إلى الخَلْقِ أفْضى إلى المَقْصُودِ مِنَ البَعْثَةِ والرِّسالَةِ.
ولَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالُوا ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ مَعْناهُ: فَإذا أنْتُمْ بَشَرٌ ولَسْتُمْ بِمَلائِكَةٍ، فَأنْتُمْ لَسْتُمْ بِرُسُلٍ، وإذا لَمْ تَكُونُوا مِنَ الرُّسُلِ لَمْ يَلْزَمْنا قَبُولُ قَوْلِكم، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنّا بالَغْنا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبُهاتِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: ﴿أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ لَيْسَ بِإقْرارٍ مِنهم بِكَوْنِ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ رُسُلًا، وإنَّما ذَكَرُوهُ حِكايَةً لِكَلامِ الرُّسُلِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، كَما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] .
«رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ في مَلَأٍ مِن قُرَيْشٍ: التَبَسَ عَلَيْنا أمْرُ مُحَمَّدٍ، فَلَوِ التَمَسْتُمْ لَنا رَجُلًا عالِمًا بِالشِّعْرِ والسِّحْرِ والكِهانَةِ فَكَلَّمَهُ، ثُمَّ أتانا بِبَيانٍ عَنْ أمْرِهِ، فَقالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ الشِّعْرَ والسِّحْرَ والكِهانَةَ وعَلِمْتُ مِن ذَلِكَ عِلْمًا وما يَخْفى عَلَيَّ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ هاشِمٌ ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ اللَّهِ ؟ لِمَ تَشْتُمُ آلِهَتَنا وتُضَلِّلُنا ؟ فَإنْ كُنْتَ تُرِيدُ الرِّياسَةَ عَقَدْنا لَكَ اللِّواءَ فَكُنْتَ رَئِيسَنا، وإنْ تَكُنْ بِكَ الباءَةُ زَوَّجْناكَ عَشْرَ نِسْوَةٍ تَخْتارُهُنَّ، أيَّ بَناتِ مَن شِئْتَ مِن قُرَيْشٍ، وإنْ كانَ المالُ مُرادَكَ جَمَعْنا لَكَ ما تَسْتَغْنِي بِهِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ ساكِتٌ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ فَأمْسَكَ عُتْبَةُ عَلى فِيهِ وناشَدَهُ بِالرَّحِمِ، ورَجَعَ إلى أهْلِهِ ولَمْ يَخْرُجْ إلى قُرَيْشٍ، فَلَمّا احْتَبَسَ عَنْهم قالُوا، لا نَرى عُتْبَةَ إلّا قَدْ صَبَأ، فانْطَلَقُوا إلَيْهِ وقالُوا: يا عُتْبَةُ ما حَبَسَكَ عَنّا إلّا أنَّكَ قَدْ صَبَأْتَ ؟ فَغَضِبَ وأقْسَمَ لا يُكَلِّمُ مُحَمَّدًا أبَدًا، ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فَأجابَنِي بِشَيْءٍ ما هو بِشِعْرٍ ولا سِحْرٍ ولا كِهانَةٍ، ولَمّا بَلَغَ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ أمْسَكْتُ بِفِيهِ وناشَدْتُهُ بِالرَّحِمِ، ولَقَدْ عَلِمْتُ أنَّ مُحَمَّدًا إذا قالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ فَخِفْتُ أنْ
صفحة ٩٧
يَنْزِلَ بِكُمُ العَذابُ» .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كُفْرَ قَوْمِ عادٍ وثَمُودَ عَلى الإجْمالِ بَيَّنَ خاصِّيَّةَ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ، فَقالَ: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وهَذا الِاسْتِكْبارُ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: إظْهارُ النَّخْوَةِ والكِبْرِ، وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلى الغَيْرِ.
والثّانِي: الِاسْتِعْلاءُ عَلى الغَيْرِ واسْتِخْدامُهم، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى سَبَبَ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارِ وهو أنَّهم قالُوا: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ وكانُوا مَخْصُوصِينَ بِكِبَرِ الأجْسامِ وشِدَّةِ القُوَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهم أنْ يَغْتَرُّوا بِشِدَّةِ قُوَّتِهِمْ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ يَعْنِي أنَّهم وإنْ كانُوا أقْوى مِن غَيْرِهِمْ، فاللَّهُ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً، فَإنْ كانَتِ الزِّيادَةُ في القُوَّةِ تُوجِبُ كَوْنَ النّاقِصِ في طاعَةِ الكامِلِ، فَهَذِهِ المُعامَلَةُ تُوجِبُ عَلَيْهِمْ كَوْنَهم مُنْقادِينَ لِلَّهِ تَعالى، خاضِعِينَ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ.
واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إثْباتِ القُدْرَةِ لِلَّهِ، فَقالُوا: القُوَّةُ لِلَّهِ تَعالى ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ يَدُلُّ عَلى إثْباتِ القُوَّةِ لِلَّهِ تَعالى ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] فَإنْ قِيلَ: صِيغَةُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إنَّما تَجْرِي بَيْنَ شَيْئَيْنِ لِأحَدِهِما مَعَ الآخَرِ نِسْبَةٌ، لَكِنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ مُتَناهِيَةٌ وقُدْرَةَ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها، والمُتَناهِي لا نِسْبَةَ لَهُ إلى غَيْرِ المُتَناهِي، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً ؟ قُلْنا هَذا ورَدَ عَلى قانُونِ قَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ والمَعْنى أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ أنَّها حَقٌّ ولَكِنَّهم جَحَدُوا كَما يَجْحَدُ المُوِدَعُ الوَدِيعَةَ.
واعْلَمْ أنَّ نَظْمَ الكَلامِ أنْ يُقالَ: أمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ اعْتِراضٌ وقَعَ في البَيْنِ لِتَقْرِيرِ السَّبَبِ الدّاعِي لَهم إلى الِاسْتِكْبارِ.
واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّ مَجامِعَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ (الإحْسانُ إلى الخَلْقِ والتَّعْظِيمُ لِلْخالِقِ)، فَقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ مُضادٌّ لِلْإحْسانِ إلى الخَلْقِ وقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ مُضادٌّ لِلتَّعْظِيمِ لِلْخالِقِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَهم قَدْ بَلَغُوا في الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ المُوجِبَةِ لِلْهَلاكِ والإبْطالِ إلى الغايَةِ القُصْوى، فَلِهَذا المَعْنى سَلَّطَ اللَّهُ العَذابَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ وفي الصَّرْصَرِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها العاصِفَةُ الَّتِي تُصَرْصِرُ أيْ تُصَوِّتُ في هُبُوبِها، وفي عِلَّةِ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ وُجُوهٌ قِيلَ إنَّ الرِّياحَ عِنْدَ اشْتِدادِ هُبُوبِها يُسْمَعُ مِنها صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ الصَّرْصَرِ فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الرِّياحُ بِهَذا الِاسْمِ، وقِيلَ: هو مِن صَرِيرِ البابِ، وقِيلَ: مِنَ الصَّرَّةِ والصَّيْحَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها البارِدَةُ الَّتِي تُحْرِقُ بِبَرْدِها كَما تُحْرِقُ النّارُ بِحَرِّها، وأصْلُها مِنَ الصَّرِّ وهو البَرْدُ قالَ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧] ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”الرِّياحُ ثَمانٍ أرْبَعٌ مِنها عَذابٌ: العاصِفُ والصَّرْصَرُ والعَقِيمُ والسَّمُومُ، وأرْبَعٌ مِنها رَحْمَةٌ: النّاشِراتُ والمُبَشِّراتُ والمُرْسَلاتُ والذّارِياتُ“» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما أرْسَلَ عَلى عِبادِهِ مِنَ الرِّيحِ إلّا قَدْرَ خاتَمِي، والمَقْصُودُ أنَّهُ مَعَ قِلَّتِهِ أهْلَكَ الكُلَّ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ.
41:16–18Page 478
فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ ١٦
So We sent upon them a screaming wind during days of misfortune to make them taste the punishment of disgrace in the worldly life; but the punishment of the Hereafter is more disgracing, and they will not be helped.
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡهُمۡ صَٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٧
And as for Thamūd, We guided them, but they preferred blindness over guidance, so the thunderbolt of humiliating punishment seized them for what they used to earn.
وَنَجَّيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ١٨
And We saved those who believed and used to fear Allāh.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٩٨
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”نَحْساتٍ“ بِسُكُونِ الحاءِ، والباقُونَ بِكَسْرِ الحاءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ يُقالُ نَحِسَ نَحْسًا نَقِيضَ سَعِدَ سَعْدًا فَهو نَحِسٌ، وأمّا نَحْسٌ فَهو إمّا مُخَفَّفُ نَحِسٍ أوْ صِفَةٌ عَلى فَعْلٍ أوْ وصْفٌ بِمَصْدَرٍ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّ الأحْكامِيُّونَ مِنَ المُنَجِّمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأيّامِ قَدْ يَكُونُ نَحْسًا وبَعْضَها قَدْ يَكُونُ سَعْدًا، وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في هَذا المَعْنى، أجابَ المُتَكَلِّمُونَ بِأنْ قالُوا ﴿أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ أيْ ذَواتِ غُبارٍ وتُرابٍ ثائِرٍ لا يَكادُ يُبْصَرُ فِيهِ ويُتَصَرَّفُ، وأيْضًا قالُوا: مَعْنى كَوْنِ هَذِهِ الأيّامِ نَحِساتٍ أنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم فِيها، أجابَ المُسْتَدِلُّ الأوَّلُ بِأنَّ النَّحِساتِ في وضْعِ اللُّغَةِ هي المَشْئُوماتُ لِأنَّ السَّعْدَ يُقابِلُهُ السَّعْدُ، والكَدِرَ يُقابِلُهُ الصّافِي، وأجابَ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْ إيقاعِ ذَلِكَ العَذابِ في تِلْكَ الأيّامِ النَّحِساتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كَوْنُ تِلْكَ الأيّامِ نَحِسَةً مُغايِرًا لِذَلِكَ العَذابِ الَّذِي وقَعَ فِيها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ عَذابَ الهَوانِ والذُّلِّ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُمُ اسْتَكْبَرُوا، فَقابَلَ اللَّهُ ذَلِكَ الِاسْتِكْبارَ بِإيصالِ الخِزْيِ والهَوانِ والذُّلِّ إلَيْهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ أيْ أشَدُّ إهانَةً وخِزْيًا ﴿وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ أنَّهم يَقَعُونَ في الخِزْيِ الشَّدِيدِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ لَهم ناصِرٌ يَدْفَعُ ذَلِكَ الخِزْيَ عَنْهم.
ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ عادٍ أتْبَعَهُ بِقِصَّةِ ثَمُودَ: فَقالَ: (وأمّا ثَمُودُ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ ”ثَمُودُ“ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ مُنَوَّنًا وغَيْرَ مُنَوَّنٍ، والرَّفْعُ أفْصَحُ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ حَرْفِ الِابْتِداءِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الثّاءِ، وقَوْلُهُ (فَهَدَيْناهم) أيْ دَلَلْناهم عَلى طَرِيقِ الخَيْرِ والشَّرِّ ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيِ اخْتارُوا الدُّخُولَ في الضَّلالَةِ عَلى الدُّخُولِ في الرُّشْدِ.
واعْلَمْ أنَّ صاحِبَ ”الكَشّافِ“ ذَكَرَ في تَفْسِيرِ الهُدى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ المُوَصِّلَةِ إلى البُغْيَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ قَوْلَهُ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الهُدى قَدْ حَصَلَ مَعَ أنَّ الإفْضاءَ إلى البُغْيَةِ لَمْ يَحْصُلْ، فَثَبَتَ أنَّ قَيْدَ كَوْنِهِ مُفْضِيًا إلى البُغْيَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في اسْمِ الهُدى.
وقَدْ ثَبَتَ في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ يُشْعِرُ بِذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ جَوابًا شافِيًا فَتَرَكْناهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَنْصِبُ الدَّلائِلَ ويُزِيحُ الأعْذارَ والعِلَلَ، إلّا أنَّ الإيمانَ إنَّما يَحْصُلُ مِنَ العَبْدِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ نَصَبَ لَهُمُ الدَّلائِلَ، وقَوْلَهُ ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ أتَوْا بِذَلِكَ العَمى، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ يَحْصُلانِ مِنَ العَبْدِ، وأقُولُ: بَلْ هَذِهِ الآيَةُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُما إنَّما يَحْصُلانِ مِنَ اللَّهِ لا مِنَ العَبْدِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهم إنَّما صَدَرَ عَنْهم ذَلِكَ العَمى؛ لِأنَّهم أحَبُّوا تَحْصِيلَهُ، فَلَمّا وقَعَ في قَلْبِهِمْ هَذِهِ المَحَبَّةُ دُونَ مَحَبَّةِ ضِدِّهِ، فَإنْ حَصَلَ ذَلِكَ التَّرْجِيحُ لا لِمُرَجَّحٍ فَهو باطِلٌ، وإنْ كانَ المُرَجِّحُ هو العَبْدَ عادَ الطَّلَبُ، وإنْ كانَ المُرَجِّحُ هو اللَّهَ فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ ومِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ أحَدًا لا يُحِبُّ العَمى والجَهْلَ مَعَ العِلْمِ بِكَوْنِهِ عَمًى وجَهْلًا، بَلْ ما لَمْ يَظُنَّ في ذَلِكَ العَمى والجَهْلِ كَوْنَهُ تَبْصِرَةً وعِلْمًا لا يَرْغَبُ فِيهِ، فَإقْدامُهُ عَلى اخْتِيارِ ذَلِكَ الجَهْلِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِجَهْلٍ آخَرَ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ
صفحة ٩٩
الجَهْلُ الثّانِي بِاخْتِيارِهِ أيْضًا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَلا بُدَّ مِنِ انْتِهاءِ تِلْكَ الجَهالاتِ إلى جَهْلٍ يَحْصُلُ فِيهِ لا بِاخْتِيارِهِ وهو المَطْلُوبُ، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ كُفْرَهم قالَ: ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ و﴿صاعِقَةُ العَذابِ﴾ أيْ داهِيَةُ العَذابِ و(الهُونِ) الهَوانُ، وُصِفَ بِهِ العَذابُ مُبالَغَةً أوْ أُبْدِلَ مِنهُ (بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) يُرِيدُ مِن شِرْكِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ صالِحًا وعَقْرِهِمُ النّاقَةَ، وشَرَعَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هَهُنا في سَفاهَةٍ عَظِيمَةٍ، والأوْلى أنْ لا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ لِأنَّهُ وإنْ كانَ قَدْ سَعى سَعْيًا حَسَنًا فِيما يَتَعَلَّقُ بِالألْفاظِ، إلّا أنَّ المِسْكِينَ كانَ بَعِيدًا مِنَ المَعانِي.
ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ الوَعِيدَ أرْدَفَهُ بِالوَعْدِ فَقالَ: ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ يَعْنِي وكانُوا يَتَّقُونَ الأعْمالَ الَّتِي كانَ يَأْتِي بِها قَوْمُ عادٍ وثَمُودَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ لِلرَّسُولِ ﷺ أنْ يُنْذِرَ قَوْمَهَ مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، مَعَ العِلْمِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وجاءَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ هَذِهِ الأنْواعَ مِنَ الآفاتِ، قُلْنا إنَّهم لَمّا عَرَفُوا كَوْنَهم مُشارِكِينَ لِعادٍ وثَمُودَ في اسْتِحْقاقِ مِثْلِ تِلْكَ الصّاعِقَةِ جَوَّزُوا حُدُوثَ ما يَكُونُ مِن جِنْسِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ أقَلَّ دَرَجَةً مِنهم وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في التَّخْوِيفِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences