Ar-RaziFussilat · 41:37–46

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Fussilat 41:37–46

41:37–39Page 480

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ٣٧

And of His signs are the night and day and the sun and moon. Do not prostrate to the sun or to the moon, but prostrate to Allāh, who created them, if it should be Him that you worship.1

فَإِنِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمۡ لَا يَسۡـَٔمُونَ۩ ٣٨

But if they are arrogant - then those who are near your Lord [i.e., the angels] exalt Him by night and by day, and they do not become weary.

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩

And of His signs is that you see the earth stilled, but when We send down upon it rain, it quivers and grows. Indeed, He who has given it life is the Giver of Life to the dead. Indeed, He is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ أحْسَنَ الأعْمالِ والأقْوالِ هو الدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ تَعالى أرْدَفَهُ بِذِكْرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ تَقْرِيرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فَهَذِهِ تَنْبِيهاتٌ شَرِيفَةٌ مُسْتَفادَةٌ مِن تَناسُقِ هَذِهِ الآياتِ، فَكانَ العِلْمُ بِهَذِهِ اللَّطائِفِ أحْسَنَ عُلُومِ القُرْآنِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ هي العالَمُ بِجَمِيعِ ما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ، فَبَدَأ هَهُنا بِذِكْرِ الفَلَكِيّاتِ وهي اللَّيْلُ والنَّهارُ.

وإنَّما قُدِّمَ ذِكْرُ اللَّيْلِ عَلى ذِكْرِ النَّهارِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الظُّلْمَةَ عَدَمٌ، والنُّورَ وُجُودٌ، والعَدَمُ سابِقٌ عَلى الوُجُودِ، فَهَذا كالتَّنْبِيهِ عَلى حُدُوثِ هَذِهِ الأشْياءِ، وأمّا دَلالَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والأفْلاكِ وسائِرِ الكَواكِبِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، فَقَدْ شَرَحْناها في هَذا الكِتابِ مِرارًا، لا سِيَّما في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] .

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ مُحْدَثانِ، وهُما دَلِيلانِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ قالَ: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ يَعْنِي أنَّهُما عَبْدانِ دَلِيلانِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ، والسَّجْدَةُ عِبارَةٌ عَنْ نِهايَةِ التَّعْظِيمِ فَهي لا تَلِيقُ إلّا بِمَن كانَ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ، فَقالَ: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ لِأنَّهُما عَبْدانِ مَخْلُوقانِ ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ الخالِقِ القادِرِ الحَكِيمِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ لِلَّيْلِ والنَّهارِ والقَمَرِ؛ لِأنَّ حُكْمَ جَماعَةِ ما لا يَعْقِلُ حُكْمُ الأُنْثى أوِ الإناثِ، يُقالُ لِلْأقْلامِ بَرَيْتُها وبَرَيْتُهُنَّ، ولَمّا قالَ: ﴿مِن آياتِهِ﴾ كُنَّ في مَعْنى الإناثِ، فَقالَ: ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ وإنَّما قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ ناسًا كانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ كالصّابِئِينَ في عِبادَتِهِمُ الكَواكِبَ، ويَزْعُمُونَ أنَّهم يَقْصِدُونَ بِالسُّجُودِ لَهُما السُّجُودَ لِلَّهِ فَنُهُوا عَنْ هَذِهِ الواسِطَةِ وأُمِرُوا أنْ لا يَسْجُدُوا إلّا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الأشْياءَ، فَإنْ قِيلَ إذا كانَ لا بُدَّ في الصَّلاةِ مِن قِبْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَلَوْ جَعَلْنا الشَّمْسَ قِبْلَةً مُعَيَّنَةً عِنْدَ السُّجُودِ كانَ ذَلِكَ أوْلى، قُلْنا: الشَّمْسُ جَوْهَرٌ مُشْرِقٌ عَظِيمُ الرِّفْعَةِ عالِي الدَّرَجَةِ، فَلَوْ أذِنَ الشَّرْعُ في جَعْلِها قِبْلَةً في الصَّلَواتِ، فَعِنْدَ اعْتِيادِ السُّجُودِ إلى جانِبِ الشَّمْسِ رُبَّما غَلَبَ عَلى الأوْهامِ أنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ لِلشَّمْسِ لا لِلَّهِ،

صفحة ١١٢

فَلِأجْلِ الخَوْفِ مِن هَذا المَحْذُورِ نَهى الشّارِعُ الحَكِيمُ عَنْ جَعْلِ الشَّمْسِ قِبْلَةً لِلسُّجُودِ، بِخِلافِ الحَجَرِ المُعَيَّنِ فَإنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يُوهِمُ الإلَهِيَّةَ، فَكانَ المَقْصُودُ مِنَ القِبْلَةِ حاصِلًا والمَحْذُورُ المَذْكُورُ زائِلًا، فَكانَ هَذا أوْلى، واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ مَوْضِعَ السُّجُودِ هو قَوْلُهُ: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ لِأجْلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ مُتَّصِلٌ بِهِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ هو قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يَسْأمُونَ﴾ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَتِمُّ عِنْدَهُ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالسُّجُودِ قالَ بَعْدَهُ ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ وفِيهِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: إنَّ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ يَقُولُونَ نَحْنُ أقَلُّ وأذَلُّ مِن أنْ يَحْصُلَ لَنا أهْلِيَّةُ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنّا عَبِيدٌ لِلشَّمْسِ وهُما عَبْدانِ لِلَّهِ، وإذا كانَ قَوْلُ هَؤُلاءِ هَكَذا، فَكَيْفَ يَلِيقُ أنْ يُقالَ: إنَّهُمُ اسْتَكْبَرُوا عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ ؟

والجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ مِن لَفْظِ الِاسْتِكْبارِ ما ذَكَرْتُمْ، بَلِ المُرادُ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِ قَوْلِكَ يا مُحَمَّدُ في النَّهْيِ عَنِ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ المُشَبِّهَةَ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في إثْباتِ المَكانِ والجِهَةِ لِلَّهِ تَعالى، والجَوابُ: أنَّهُ يُقالُ: عِنْدَ المَلِكِ مِنَ الجُنْدِ كَذا وكَذا، ولا يُرادُ بِهِ قُرْبُ المَكانِ. فَكَذا هَهُنا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ”«أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وأنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِي في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» “ ويُقالُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ المُسْلِمَ لا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المَلِكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ ؟ الجَوابُ: نَعَمْ، لِأنَّهُ إنَّما يُسْتَدَلُّ بِحالِ الأعْلى عَلى حالِ الأدْوَنِ، فَيُقالُ: هَؤُلاءِ الأقْوامُ إنِ اسْتَكْبَرُوا عَنْ طاعَةِ فُلانٍ فالأكابِرُ يَخْدِمُونَهُ ويَعْتَرِفُونَ بِتَقَدُّمِهِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ إنَّما يَحْسُنُ بِحالِ الأعْلى عَلى حالِ الأدْوَنِ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: قالَ هَهُنا في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم مُواظِبُونَ عَلى التَّسْبِيحِ، لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ لَحْظَةً واحِدَةً، واشْتِغالُهم بِهَذا العَمَلِ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ يَمْنَعُهم مِنَ الِاشْتِغالِ بِسائِرِ الأعْمالِ كَكَوْنِهِمْ يَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ كَما قالَ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقالَ: ﴿ونَبِّئْهم عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾ [الحجر: ٥١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم: ٦] .

الجَوابُ: إنَّ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَهُنا بِكَوْنِهِمْ مُواظِبِينَ عَلى التَّسْبِيحِ أقْوامٌ مُعَيَّنُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وهُمُ الأشْرافُ الأكابِرُ مِنهم؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ عِنْدَهُ، والمُرادُ مِن هَذِهِ العِنْدِيَّةِ كَمالُ الشَّرَفِ والمَنقَبَةِ، وهَذا لا يُنافِي كَوْنَ طائِفَةٍ أُخْرى مِنَ المَلائِكَةِ مُشْتَغِلِينَ بِسائِرِ الأعْمالِ، فَإنْ قالُوا: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَتَنَفَّسُوا، فاشْتِغالُهم بِذَلِكَ التَّنَفُّسِ يَصُدُّهم عَنْ تِلْكَ الحالَةِ مِنَ التَّسْبِيحِ.

قُلْنا كَما أنَّ التَّنَفُّسَ سَبَبٌ لِصَلاحِ حالِ الحَياةِ بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ، فَذِكْرُ اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِصَلاحِ حالِهِمْ في حَياتِهِمْ، ولا يَجِبُ عَلى العاقِلِ المُنْصِفِ أنْ يَقِيسَ أحْوالَ المَلائِكَةِ في صَفاءِ جَوْهَرِها وإشْراقِ ذَواتِها واسْتِغْراقِها في مَعارِجِ مَعارِفِ اللَّهِ بِأحْوالِ البَشَرِ، فَإنَّ بَيْنَ الحالَتَيْنِ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الآياتِ الأرْبَعَ الفَلَكِيَّةَ وهي اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ، أتْبَعَها بِذِكْرِ آيَةٍ

صفحة ١١٣

أرْضِيَّةٍ فَقالَ: ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ والخُشُوعُ التَّذَلُّلُ والتَّصاغُرُ، واسْتُعِيرَ هَذا اللَّفْظُ لِحالِ الأرْضِ حالَ خُلُوِّها عَنِ المَطَرِ والنَّباتِ ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ أيْ تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ، ورَبَتْ: انْتَفَخَتْ؛ لِأنَّ النَّبْتَ إذا قَرُبَ أنْ يَظْهَرَ ارْتَفَعَتْ لَهُ الأرْضُ وانْتَفَخَتْ، ثُمَّ تَصَدَّعَتْ عَنِ النَّباتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ يَعْنِي أنَّ القادِرَ عَلى إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها هو القادِرُ عَلى إحْياءِ هَذِهِ الأجْسادِ بَعْدَ مَوْتِها.

وقَدْ ذَكَرْنا تَقْرِيرَ هَذا الدَّلِيلِ مِرارًا لا حَصْرَ لَها، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهَذا هو الدَّلِيلُ الأصْلِيُّ وتَقْرِيرُهُ إنَّ عَوْدَةَ التَّأْلِيفِ والتَّرْكِيبِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وعَوْدَةَ الحَياةِ والعَقْلِ والقُدْرَةِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ بَعْدَ اجْتِماعِها أيْضًا أمْرٌ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى المُمْكِناتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إعادَةِ التَّرْكِيبِ والتَّأْلِيفِ والحَياةِ والقُدْرَةِ والعَقْلِ والفَهْمِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ، وهَذا يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ حَشْرَ الأجْسادِ مُمْكِنٌ لا امْتِناعَ فِيهِ البَتَّةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

41:40–42Page 481

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا لَا يَخۡفَوۡنَ عَلَيۡنَآۗ أَفَمَن يُلۡقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيۡرٌ أَم مَّن يَأۡتِيٓ ءَامِنٗا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ٱعۡمَلُواْ مَا شِئۡتُمۡ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٤٠

Indeed, those who inject deviation into Our verses1 are not concealed from Us. So, is he who is cast into the Fire better or he who comes secure on the Day of Resurrection? Do whatever you will; indeed, He is Seeing of what you do.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكۡرِ لَمَّا جَآءَهُمۡۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ ٤١

Indeed, those who disbelieve in the message [i.e., the Qur’ān]1 after it has come to them...2 And indeed, it is a mighty3 Book.

لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ ٤٢

Falsehood cannot approach it from before it or from behind it; [it is] a revelation from a [Lord who is] Wise and Praiseworthy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ المَناصِبِ وأشْرَفُ المَراتِبِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى دِينِ اللَّهِ تَعالى، إنَّما تَحْصُلُ بِذِكْرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ وصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ، عادَ إلى تَهْدِيدِ مَن يُنازِعُ في تِلْكَ الآياتِ، ويُحاوِلُ إلْقاءَ الشُّبُهاتِ فِيها، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ يُقالُ: ألْحَدَ الحافِرُ ولَحَدَ إذا مالَ عَنِ الِاسْتِقامَةِ فَحَفَرَ في شِقٍّ، فالمُلْحِدُ هو المُنْحَرِفُ، ثُمَّ بِحُكْمِ العُرْفِ اخْتَصَّ بِالمُنْحَرِفُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ تَهْدِيدٌ، كَما إذا قالَ المَلِكُ المَهِيبُ: إنَّ الَّذِينَ يُنازِعُونَنِي في مُلْكِي أعْرِفُهم، فَإنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ تَهْدِيدًا، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، والغَرَضُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا يُلْقَوْنَ في النّارِ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا يَأْتُونَ آمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وهَذا أيْضًا تَهْدِيدٌ ثالِثٌ، ونَظِيرُهُ ما يَقُولُهُ المَلِكُ المَهِيبُ عِنْدَ الغَضَبِ الشَّدِيدِ إذا أخَذَ يُعاتِبُ بَعْضَ عَبِيدِهِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُمُ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ، فَإنَّ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى الوَعِيدِ الشَّدِيدِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ وهَذا أيْضًا تَهْدِيدٌ، وفي جَوابِهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْذُوفٌ كَسائِرِ الأجْوِبَةِ المَحْذُوفَةِ في القُرْآنِ عَلى تَقْدِيرِ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم يُجازَوْنَ بِكُفْرِهِمْ، أوْ ما أشْبَهَ.

والثّانِي: أنَّ جَوابَهُ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] والأوَّلُ أصْوَبُ،

صفحة ١١٤

ولَمّا بالَغَ في تَهْدِيدِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِ القُرْآنِ أتْبَعَهُ بِبَيانِ تَعْظِيمِ القُرْآنِ، فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ والعَزِيزُ لَهُ مَعْنَيانِ:

أحَدُهُما: الغالِبُ القاهِرُ، والثّانِي: الَّذِي لا يُوجَدُ نَظِيرُهُ، أمّا كَوْنُ القُرْآنِ عَزِيزًا بِمَعْنى كَوْنِهِ غالِبًا، فالأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ بِقُوَّةِ حُجَّتِهِ غَلَبَ عَلى كُلِّ ما سِواهُ، وأمّا كَوْنُهُ عَزِيزًا بِمَعْنى عَدِيمِ النَّظِيرِ، فالأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لا تُكَذِّبُهُ الكُتُبُ المُتَقَدِّمَةُ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ، ولا يَجِيءُ كِتابٌ مِن بَعْدِهِ يُكَذِّبُهُ.

الثّانِي: ما حَكَمَ القُرْآنُ بِكَوْنِهِ حَقًّا لا يَصِيرُ باطِلًا، وما حَكَمَ بِكَوْنِهِ باطِلًا لا يَصِيرُ حَقًّا.

الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِن أنْ يُنْقَصَ مِنهُ فَيَأْتِيَهُ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، أوْ يُزادَ فِيهِ فَيَأْتِيَهُ الباطِلُ مِن خَلْفِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فِعْلُ هَذا الباطِلِ هو الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ.

الرّابِعُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ لا يُوجَدُ في المُسْتَقْبَلِ كِتابٌ يَصْلُحُ جَعْلُهُ مُعارِضًا لَهُ ولَمْ يُوجَدْ فِيما تَقَدَّمَ كِتابٌ يَصْلُحُ جَعْلُهُ مُعارِضًا لَهُ.

الخامِسُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ هَذا تَمْثِيلٌ، والمَقْصُودُ أنَّ الباطِلَ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ، ولا يَجِدُ إلَيْهِ سَبِيلًا مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ حَتّى يَتَّصِلَ إلَيْهِ.

واعْلَمْ أنَّ لِأبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ أنْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُوجَدِ النَّسْخُ فِيهِ لِأنَّ النَّسْخَ إبْطالٌ فَلَوْ دَخَلَ النَّسْخُ فِيهِ لَكانَ قَدْ أتاهُ الباطِلُ مِن خَلْفِهِ وإنَّهُ عَلى خِلافِ هَذِهِ الآيَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أيْ حَكِيمٍ في جَمِيعِ أحْوالِهِ وأفْعالِهِ، حَمِيدٌ إلى جَمِيعِ خَلْقِهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ نِعَمِهِ، ولِهَذا السَّبَبِ جَعَلَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فاتِحَةَ كَلامِهِ، وأخْبَرَ أنَّ خاتِمَةَ كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

41:43–46Page 481

مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدۡ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبۡلِكَۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٖ ٤٣

Nothing is said to you, [O Muḥammad], except what was already said to the messengers before you. Indeed, your Lord is a possessor of forgiveness and a possessor of painful penalty.

وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا أَعۡجَمِيّٗا لَّقَالُواْ لَوۡلَا فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥٓۖ ءَا۬عۡجَمِيّٞ وَعَرَبِيّٞۗ قُلۡ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۚ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٞ وَهُوَ عَلَيۡهِمۡ عَمًىۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ ٤٤

And if We had made it a foreign [i.e., non-Arabic] Qur’ān, they would have said, "Why are its verses not explained in detail [in our language]? Is it a foreign [recitation] and an Arab [messenger]?" Say, "It is, for those who believe, a guidance and cure." And those who do not believe - in their ears is deafness, and it is upon them blindness. Those are being called from a distant place.1

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ٤٥

And We had already given Moses the Scripture, but it came under disagreement.1 And if not for a word [i.e., decree]2 that preceded from your Lord, it would have been concluded between them. And indeed they are, concerning it [i.e., the Qur’ān], in disquieting doubt.

مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٤٦

Whoever does righteousness - it is for his [own] soul; and whoever does evil [does so] against it. And your Lord is not ever unjust to [His] servants.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ المُلْحِدِينَ في آياتِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ شَرَفَ آياتِ اللَّهِ، وعُلُوَّ دَرَجَةِ كِتابِ اللَّهِ رَجَعَ إلى أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِأنْ يَصْبِرَ عَلى أذى قَوْمِهِ وأنْ لا يَضِيقَ قَلْبُهُ بِسَبَبِ ما حَكاهُ عَنْهم في أوَّلِ السُّورَةِ مِن

صفحة ١١٥

أنَّهم ﴿قالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] فَقالَ: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: وهو الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ ما تَقُولُ لَكَ كُفّارُ قَوْمِكَ إلّا مِثْلَ ما قَدْ قالَ لِلرُّسُلِ كُفّارُ قَوْمِهِمْ مِنَ الكَلِماتِ المُؤْذِيَةِ والمَطاعِنِ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ لِلْمُحِقِّينَ ﴿وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ لِلْمُبْطِلِينَ فَفَوِّضْ هَذا الأمْرَ إلى اللَّهِ واشْتَغِلْ بِما أُمِرْتَ بِهِ، وهو التَّبْلِيغُ والدَّعْوَةُ إلى اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ ما قالَ اللَّهُ لَكَ إلّا مِثْلَ ما قالَ لِسائِرِ الرُّسُلِ وهو أنَّهُ تَعالى أمَرَكَ وأمَرَ كُلَّ الأنْبِياءِ بِالصَّبْرِ عَلى سَفاهَةِ الأقْوامِ، فَمِن حَقِّهِ أنْ يَرْجُوَهُ أهْلُ طاعَتِهِ ويَخافَهُ أهْلُ مَعْصِيَتِهِ.

وقَدْ ظَهَرَ مِن كَلامِنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، هو ذِكْرُ الأجْوِبَةِ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ فَتارَةً يُنَبِّهُ عَلى فَسادِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وتارَةً يَذْكُرُ الوَعْدَ والوَعِيدَ لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِهَذا القُرْآنِ ولِمَن يُعْرِضُ عَنْهُ، وامْتَدَّ الكَلامُ إلى هَذا المَوْضِعِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ عَلى التَّرْتِيبِ الحَسَنِ والنَّظْمِ الكامِلِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ جَوابًا آخَرَ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ فَقالَ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: أأعْجَمِيٌّ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، والباقُونَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ ومَدَّةٍ عَلى أصْلِهِمْ في أمْثالِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] ونَحْوِها عَلى الِاسْتِفْهامِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وأمّا القِراءَةُ بِهَمْزَتَيْنِ: فالهَمْزَةُ الأُولى هَمْزَةُ إنْكارٍ، والمُرادُ أنْكَرُوا وقالُوا قُرْآنٌ أعْجَمِيٌّ ورَسُولٌ عَرَبِيٌّ، أوْ مُرْسَلٌ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ، وأمّا القِراءَةُ بِغَيْرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، فالمُرادُ الإخْبارُ بِأنَّ القُرْآنَ أعْجَمِيٌّ والمُرْسَلَ إلَيْهِ عَرَبِيٌّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نَقَلُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لِأجْلِ التَّعَنُّتِ، قالُوا لَوْ نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وعِنْدِي أنَّ أمْثالَ هَذِهِ الكَلِماتِ فِيها حَيْفٌ عَظِيمٌ عَلى القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي وُرُودَ آياتٍ لا تَعَلُّقَ لِلْبَعْضِ فِيها بِالبَعْضِ، وأنَّهُ يُوجِبُ أعْظَمَ أنْواعِ الطَّعْنِ فَكَيْفَ يَتِمُّ مَعَ التِزامِ مِثْلِ هَذا الطَّعْنِ ادِّعاءُ كَوْنِهِ كِتابًا مُنْتَظِمًا، فَضْلًا عَنِ ادِّعاءِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا ؟ بَلِ الحَقُّ عِنْدِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَلامٌ واحِدٌ، عَلى ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ .

وهَذا الكَلامُ أيْضًا مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وجَوابٌ لَهُ، والتَّقْدِيرُ: أنّا لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ بِلُغَةِ العَجَمِ لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: كَيْفَ أرْسَلْتَ الكَلامَ العَجَمِيَّ إلى القَوْمِ العَرَبِ، ويَصِحُّ لَهم أنْ يَقُولُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ أيْ مِن هَذا الكَلامِ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ مِنهُ لِأنّا لا نَفْهَمُهُ ولا نُحِيطُ بِمَعْناهُ، أمّا لَمّا أنْزَلْنا هَذا الكِتابَ بِلُغَةِ العَرَبِ، وبِألْفاظِهِمْ وأنْتُمْ مِن أهْلِ هَذِهِ اللُّغَةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُكُمُ ادِّعاءُ أنَّ قُلُوبَكم في أكِنَّةٍ مِنها، وفي آذانِكم وقْرٌ مِنها، فَظَهَرَ أنّا إذا جَعَلْنا هَذا الكَلامَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ الكَلامِ، بَقِيَتِ السُّورَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ النَّظْمِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَذْكُرُهُ النّاسُ فَهو عَجِيبٌ جِدًّا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ:

صفحة ١١٦

إنَّ هَذا الكَلامَ أرْسَلْتُهُ إلَيْكم بِلُغَتِكم لا بِلُغَةٍ أجْنَبِيَّةٍ عَنْكم، فَلا يُمْكِنُكم أنْ تَقُولُوا إنَّ قُلُوبَنا في أكِنَّةٍ مِنهُ بِسَبَبِ جَهْلِنا بِهَذِهِ اللُّغَةِ، فَبَقِيَ أنْ يُقالَ إنَّ كُلَّ مَن آتاهُ اللَّهُ طَبْعًا مائِلًا إلى الحَقِّ، وقَلْبًا مائِلًا إلى الصِّدْقِ، وهِمَّةً تَدْعُوهُ إلى بَذْلِ الجُهْدِ في طَلَبِ الدِّينِ، فَإنَّ هَذا القُرْآنَ يَكُونُ في حَقِّهِ هُدًى وشِفاءً.

أمّا كَوْنُهُ هُدًى فَلِأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى الخَيْراتِ ويُرْشِدُ إلى كُلِّ السَّعاداتِ، وأمّا كَوْنُهُ ”شِفاءً“ فَإنَّهُ إذا أمْكَنَهُ الِاهْتِداءُ فَقَدْ حَصَلَ الهُدى، فَذَلِكَ الهُدى شِفاءٌ لَهُ مِن مَرَضِ الكُفْرِ والجَهْلِ، وأمّا مَن كانَ غارِقًا في بَحْرِ الخِذْلانِ، وتائِهًا في مَفاوِزِ الحِرْمانِ، ومَشْغُوفًا بِمُتابَعَةِ الشَّيْطانِ، كانَ هَذا القُرْآنُ في آذانِهِ وقْرًا، كَما قالَ: ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] وكانَ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ عَمًى كَما قالَ: ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ الحِجابِ الَّذِي حالَ بَيْنَ الِانْتِفاعِ بِبَيانِ القُرْآنِ، وكُلُّ مَن أنْصَفَ ولَمْ يَتَعَسَّفْ عَلِمَ أنّا إذا فَسَّرْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ صارَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها كَلامًا واحِدًا مُنْتَظِمًا مَسُوقًا نَحْوَ غَرَضٍ واحِدٍ.

فَيَكُونُ هَذا التَّفْسِيرُ أوْلى مِمّا ذَكَرُوهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ عَلى المَصْدَرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ عَمٍ عَلى النَّعْتِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: والأوَّلُ هو الوَجْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى وشِفاءٌ﴾ وكَذَلِكَ ﴿عَمًى﴾ وهو مَصْدَرٌ مِثْلُها، ولَوْ كانَ المَذْكُورُ أنَّهُ هادٍ وشافٍ لَكانَ الكَسْرُ في ﴿عَمًى﴾ أجْوَدَ فَيَكُونُ نَعْتًا مِثْلَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِثْلَ البَهِيمَةِ الَّتِي لا تَفْهَمُ إلّا دُعاءً ونِداءً، وقِيلَ: مَن دُعِيَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لَمْ يَسْمَعْ، وإنْ سَمِعَ لَمْ يَفْهَمْ، فَكَذا حالُ هَؤُلاءِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ وأقُولُ أيْضًا إنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا لَمّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَبِلَهُ بَعْضُهم ورَدَّهُ الآخَرُونَ، فَكَذَلِكَ آتَيْناكَ هَذا الكِتابَ فَقَبِلَهُ بَعْضُهم وهم أصْحابُكَ، ورَدَّهُ الآخَرُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ يَعْنِي في تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى وهو يَوْمُ القِيامَةِ، كَما قالَ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي المُصَدِّقَ والمُكَذِّبَ بِالعَذابِ الواقِعِ بِمَن كَذَّبَ وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِن صِدْقِكَ وكِتابِكَ مُرِيبٍ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَسْتَعْظِمَ اسْتِيحاشَكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ يَعْنِي خَفِّفْ عَلى نَفْسِكَ إعْراضَهم، فَإنَّهم إنْ آمَنُوا فَنَفْعُ إيمانِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ، وإنْ كَفَرُوا فَضَرَرُ كُفْرِهِمْ يَعُودُ إلَيْهِمْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يُوصِلُ إلى كُلِّ أحَدٍ ما يَلِيقُ بِعَمَلِهِ مِنَ الجَزاءِ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском