Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:26–39
43:26–30Page 491
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ ٢٦
And [mention, O Muḥammad], when Abraham said to his father and his people, "Indeed, I am disassociated from that which you worship
إِلَّا ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُۥ سَيَهۡدِينِ ٢٧
Except for He who created me; and indeed, He will guide me."
وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِيَةٗ فِي عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢٨
And he made it1 a word remaining among his descendants that they might return [to it].
بَلۡ مَتَّعۡتُ هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ وَرَسُولٞ مُّبِينٞ ٢٩
However, I gave enjoyment to these [people of Makkah] and their fathers1 until there came to them the truth and a clear Messenger.2
وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ وَإِنَّا بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٠
But when the truth came to them, they said, "This is magic, and indeed we are, concerning it, disbelievers."
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ لَيْسَ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ داعٍ يَدْعُوهم إلى تِلْكَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ إلّا تَقْلِيدُ الآباءِ والأسْلافِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ طَرِيقٌ باطِلٌ ومَنهَجٌ فاسِدٌ، وأنَّ الرُّجُوعَ إلى الدَّلِيلِ أوْلى مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى التَّقْلِيدِ، أرْدَفَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، والمَقْصُودُ مِنها ذِكْرُ وجْهٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ تَبَرَّأ عَنْ دِينِ آبائِهِ بِناءً عَلى الدَّلِيلِ، فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ تَقْلِيدُ الآباءِ في الأدْيانِ مُحَرَّمًا أوْ جائِزًا، فَإنْ كانَ مُحَرَّمًا فَقَدْ بَطَلَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ، وإنْ كانَ جائِزًا فَمَعْلُومٌ أنَّ أشْرَفَ آباءِ العَرَبِ هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَيْسَ لَهم فَخْرٌ ولا شَرَفٌ إلّا بِأنَّهم مِن أوْلادِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَتَقْلِيدُ هَذا الأبِ الَّذِي هو أشْرَفُ الآباءِ أوْلى مِن تَقْلِيدِ سائِرِ الآباءِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ تَقْلِيدَهُ أوْلى مِن تَقْلِيدِ غَيْرِهِ، فَنَقُولُ: إنَّهُ تَرَكَ دِينَ الآباءِ، وحَكَمَ بِأنَّ اتِّباعَ الدَّلِيلِ أوْلى مِن مُتابَعَةِ الآباءِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ تَقْلِيدُهُ في تَرْكِ تَقْلِيدِ الآباءِ ووَجَبَ تَقْلِيدُهُ في تَرْجِيحِ الدَّلِيلِ عَلى التَّقْلِيدِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ القَوْلَ بِوُجُوبِ التَّقْلِيدِ يُوجِبُ المَنعَ مِنَ التَّقْلِيدِ، وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ كانَ باطِلًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِالتَّقْلِيدِ باطِلًا، فَهَذا طَرِيقٌ رَقِيقٌ في إبْطالِ التَّقْلِيدِ وهو المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: في بَيانِ أنَّ تَرْكَ التَّقْلِيدِ والرُّجُوعَ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ أوْلى في الدُّنْيا وفي الدِّينِ، أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا عَدَلَ عَنْ طَرِيقَةِ أبِيهِ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ لا جَرَمَ جَعَلَ اللَّهُ دِينَهُ ومَذْهَبَهُ باقِيًا في عَقِبِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمّا أدْيانُ آبائِهِ فَقَدِ انْدَرَسَتْ وبَطَلَتْ، فَثَبَتَ أنَّ الرُّجُوعَ إلى مُتابَعَةِ الدَّلِيلِ يَبْقى مَحْمُودَ الأثَرِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، وأنَّ التَّقْلِيدَ والإصْرارَ يَنْقَطِعُ أثَرُهُ ولا يَبْقى مِنهُ في الدُّنْيا خَبَرٌ ولا أثَرٌ، فَثَبَتَ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّ مُتابَعَةَ الدَّلِيلِ وتَرْكَ التَّقْلِيدِ أوْلى، فَهَذا بَيانُ المَقْصُودِ الأصْلِيِّ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ ألْفاظِ الآيَةِ.
صفحة ١٧٩
أمّا قَوْلُهُ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ فَقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: ﴿بَراءٌ﴾ مَصْدَرٌ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، مِثْلَ عَدْلٍ ورِضا، وتَقُولُ العَرَبُ: أنا البَراءُ مِنكَ والخَلاءُ مِنكَ، ونَحْنُ البَراءُ مِنكَ والخَلاءُ، ولا يَقُولُونَ: البَراءانِ ولا البَراؤُونَ؛ لِأنَّ المَعْنى ذَوا البَراءِ وذَوُو البَراءِ، فَإنْ قُلْتَ بَرِيءٌ وخَلِيُّ ثَنَّيْتَ وجَمَعْتَ.
ثُمَّ اسْتَثْنى خالِقَهُ مِنَ البَراءَةِ فَقالَ: ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ والمَعْنى: أنا أتَبَرَّأُ مِمّا تَعْبُدُونَ إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إلّا“ بِمَعْنى ”لَكِنْ“، فَيَكُونُ المَعْنى: لَكِنَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ، أيْ: سَيُرْشِدُنِي لِدِينِهِ ويُوَفِّقُنِي لِطاعَتِهِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ وحَكى عَنْهُ هَهُنا أنَّهُ قالَ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ فَأجْمَعُ بَيْنَهُما وقُدِّرَ كَأنَّهُ قالَ: فَهو يَهْدِينِ وسَيَهْدِينِ، فَيَدُلّانِ عَلى اسْتِمْرارِ الهِدايَةِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ ﴿وجَعَلَها﴾ أيْ: وجَعَلَ إبْراهِيمُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها، وهي قَوْلُهُ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ جارِيًا مَجْرى (لا إلَهَ)، وقَوْلُهُ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ (إلّا اللَّهُ)، فَكانَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [الصافات: ٣٥] ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ جَعَلَ هَذِهِ الكَلِمَةَ باقِيَةً في عَقِبِهِ، أيْ: في ذُرِّيَّتِهِ، فَلا يَزالُ فِيهِمْ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِهِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لَعَلَّ مَن أشْرَكَ مِنهم يَرْجِعُ بِدُعاءِ مَن وحَّدَ مِنهم، وقِيلَ: وجَعَلَها اللَّهُ، وقُرِئَ ”كَلِمَةً“ عَلى التَّخْفِيفِ وفي ”عَقِيبِهِ“ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، وهم عَقِبُ إبْراهِيمَ، بِالمَدِّ في العُمُرِ والنِّعْمَةِ، فاغْتَرُّوا بِالمُهْلَةِ واشْتَغَلُوا بِالتَّنَعُّمِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ وطاعَةِ الشَّيْطانِ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ وهو القُرْآنُ ﴿ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ بَيَّنَ الرِّسالَةَ وأوْضَحَها بِما مَعَهُ مِنَ الآياتِ والبَيِّناتِ، فَكَذَّبُوا بِهِ وسَمَّوْهُ ساحِرًا، وما جاءَ بِهِ سِحْرًا، وكَفَرُوا بِهِ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهم لَمّا عَوَّلُوا عَلى تَقْلِيدِ الآباءِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في الحُجَّةِ اغْتَرُّوا بِطُولِ الإمْهالِ وإمْتاعِ اللَّهِ إيّاهم بِنَعِيمِ الدُّنْيا، فَأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنْ قِيلَ: ما وجْهُ قِراءَةِ مَن قَرَأ ”مَتَّعْتَ“ بِفَتْحِ التّاءِ ؟ قُلْنا: كَأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ اعْتَرَضَ عَلى ذاتِهِ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ فَقالَ: بَلْ مَتَّعْتُهم بِما مَتَّعْتُهم بِهِ مِن طُولِ العُمُرِ والسَّعَةِ في الرِّزْقِ حَتّى شَغَلَهم ذَلِكَ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وأرادَ بِذَلِكَ المُبالَغَةَ في تَعْيِيرِهِمْ؛ لِأنَّهُ إذا مَتَّعَهم بِزِيادَةِ النِّعَمِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ سَبَبًا في زِيادَةِ الشُّكْرِ والثَّباتِ عَلى التَّوْحِيدِ، لا أنْ يُشْرِكُوا بِهِ ويَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا، فَمِثالُهُ: أنْ يَشْكُوَ الرَّجُلُ إساءَةَ مَن أحْسَنَ إلَيْهِ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلى نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: أنْتَ السَّبَبُ في ذَلِكَ بِمَعْرُوفِكَ وإحْسانِكَ إلَيْهِ، وغَرَضُهُ بِهَذا الكَلامِ تَوْبِيخُ المُسِيءِ، لا تَقْبِيحُ فِعْلِ نَفْسِهِ.
43:31–32Page 491
وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ ٣١
And they said, "Why was this Qur’ān not sent down upon a great man from [one of] the two cities?"1
أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٣٢
Do they distribute the mercy of your Lord? It is We who have apportioned among them their livelihood in the life of this world and have raised some of them above others in degrees [of rank] that they may make use of one another for service. But the mercy of your Lord is better than whatever they accumulate.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾
صفحة ١٨٠
﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن كُفْرِيّاتِهِمُ الَّتِي حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْهم في هَذِهِ السُّورَةِ، وهَؤُلاءِ المَساكِينُ قالُوا: مَنصِبُ رِسالَةِ اللَّهِ مَنصِبٌ شَرِيفٌ، فَلا يَلِيقُ إلّا بِرَجُلٍ شَرِيفٍ، وقَدْ صَدَقُوا في ذَلِكَ؛ إلّا أنَّهم ضَمُّوا إلَيْهِ مُقَدِّمَةً فاسِدَةً، وهي أنَّ الرَّجُلَ الشَّرِيفَ هو الَّذِي يَكُونُ كَثِيرَ المالِ والجاهِ، ومُحَمَّدٌ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَلا تَلِيقُ رِسالَةُ اللَّهِ بِهِ، وإنَّما يَلِيقُ هَذا المَنصِبُ بِرَجُلٍ عَظِيمِ الجاهِ كَثِيرِ المالِ في إحْدى القَرْيَتَيْنِ، وهي مَكَّةُ والطّائِفُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: والَّذِي بِمَكَّةَ هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والَّذِي بِالطّائِفِ هو عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، ثُمَّ أبْطَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشُّبْهَةَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنّا أوْقَعْنا التَّفاوُتَ في مَناصِبِ الدُّنْيا ولَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ عَلى تَغْيِيرِهِ، فالتَّفاوُتُ الَّذِي أوْقَعْناهُ في مَناصِبِ الدِّينِ والنُّبُوَّةِ بِأنْ لا يَقْدِرُوا عَلى التَّصَرُّفِ فِيهِ كانَ أوْلى.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ اخْتِصاصَ ذَلِكَ الغَنِيِّ بِذَلِكَ المالِ الكَثِيرِ إنَّما كانَ لِأجْلِ حُكْمِنا وفَضْلِنا وإحْسانِنا إلَيْهِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعَقْلِ أنْ نَجْعَلَ إحْسانَنا إلَيْهِ بِكَثْرَةِ المالِ حُجَّةً عَلَيْنا في أنْ نُحْسِنَ إلَيْهِ أيْضًا بِالنُّبُوَّةِ ؟
وثالِثُها: إنّا لَمّا أوْقَعْنا التَّفاوُتَ في الإحْسانِ بِمَناصِبِ الدُّنْيا لا لِسَبَبٍ سابِقٍ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أيْضًا أنْ نُوقِعَ التَّفاوُتَ في الإحْسانِ بِمَناصِبِ الدِّينِ والنُّبُوَّةِ، لا لِسَبَبٍ سابِقٍ ؟ فَهَذا تَقْرِيرُ الجَوابِ، ونَرْجِعُ إلى تَفْسِيرِ الألْفاظِ، فَنَقُولُ: الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ لِلْإنْكارِ الدّالِّ عَلى التَّجْهِيلِ والتَّعَجُّبِ مِن إعْراضِهِمْ وتَحَكُّمِهِمْ وأنْ يَكُونُوا هُمُ المُدَبِّرِينَ لِأمْرِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ ضَرَبَ لِهَذا مِثالًا فَقالَ: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنّا أوْقَعْنا هَذا التَّفاوُتَ بَيْنَ العِبادِ في القُوَّةِ والضَّعْفِ والعِلْمِ والجَهْلِ والحَذاقَةِ والبَلاهَةِ والشُّهْرَةِ والخُمُولِ، وإنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ لِأنّا لَوْ سَوَّيْنا بَيْنَهم في كُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ لَمْ يَخْدُمْ أحَدٌ أحَدًا ولَمْ يَصِرْ أحَدٌ مِنهم مُسَخَّرًا لِغَيْرِهِ وحِينَئِذٍ يُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ العالَمِ وفَسادِ نِظامِ الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى تَغْيِيرِ حُكْمِنا ولا عَلى الخُرُوجِ عَنْ قَضائِنا، فَإنْ عَجَزُوا عَنِ الإعْراضِ عَنْ حُكْمِنا في أحْوالِ الدُّنْيا مَعَ قِلَّتِها ودَناءَتِها، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُمُ الِاعْتِراضُ عَلى حُكْمِنا وقَضائِنا في تَخْصِيصِ العِبادِ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ ؟
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ كُلُّ أقْسامِ مَعايِشِهِمْ إنَّما تَحْصُلُ بِحُكْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الرِّزْقُ الحَرامُ والحَلالُ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: ما هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ ؟ وتَقْرِيرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا خَصَّ بَعْضَ عَبِيدِهِ بِنَوْعِ فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ في الدِّينِ فَهَذِهِ الرَّحْمَةُ خَيْرٌ مِنَ الأمْوالِ الَّتِي يَجْمَعُها؛ لِأنَّ الدُّنْيا عَلى شَرَفِ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ، وفَضْلُ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ تَبْقى أبَدَ الآبادِ.
43:33–39Page 491
وَلَوۡلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ لَّجَعَلۡنَا لِمَن يَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ لِبُيُوتِهِمۡ سُقُفٗا مِّن فِضَّةٖ وَمَعَارِجَ عَلَيۡهَا يَظۡهَرُونَ ٣٣
And if it were not that the people would become one community [of disbelievers],1 We would have made for those who disbelieve in the Most Merciful - for their houses - ceilings and stairways of silver upon which to mount.
وَلِبُيُوتِهِمۡ أَبۡوَٰبٗا وَسُرُرًا عَلَيۡهَا يَتَّكِـُٔونَ ٣٤
And for their houses - doors and couches [of silver] upon which to recline
وَزُخۡرُفٗاۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ ٣٥
And gold ornament. But all that is not but the enjoyment of worldly life. And the Hereafter with your Lord is for the righteous.
وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ ٣٦
And whoever is blinded from remembrance of the Most Merciful - We appoint for him a devil, and he is to him a companion.
وَإِنَّهُمۡ لَيَصُدُّونَهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٧
And indeed, they [i.e., the devils] avert them from the way [of guidance] while they think that they are [rightly] guided
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ ٣٨
Until, when he comes to Us [at Judgement], he says [to his companion], "How I wish there was between me and you the distance between the east and west; and what a wretched companion."
وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٩
And never will it benefit you that Day, when you have wronged, that you are [all] sharing in the punishment.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أجابَ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرُوها بِناءً عَلى تَفْضِيلِ الغَنِيِّ عَلى الفَقِيرِ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهو أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا وطَيِّباتِها حَقِيرَةٌ خَسِيسَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وبَيَّنَ حَقارَتَها بِقَوْلِهِ ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، والمَعْنى: لَوْلا أنْ يَرْغَبَ النّاسُ في الكُفْرِ إذا رَأوُا الكافِرَ في سَعَةٍ مِنَ الخَيْرِ والرِّزْقِ لَأعْطَيْتُهم أكْثَرَ الأسْبابِ المُفِيدَةِ لِلتَّنَعُّمِ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ سَقْفُهم مِن فِضَّةٍ.
وثانِيها: مَعارِجُ أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَظْهَرُونَ.
وثالِثُها: أنْ نَجْعَلَ لِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا مِن فِضَّةٍ وسُرُرًا أيْضًا مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَتَّكِئُونَ.
ثُمَّ قالَ: (وزُخْرُفًا) ولَهُ تَفْسِيرانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ الذَّهَبُ.
والثّانِي: أنَّهُ الزِّينَةُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ [يُونُسَ: ٢٤] فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ المَعْنى: ونَجْعَلُ لَهم مَعَ ذَلِكَ ذَهَبًا كَثِيرًا، وعَلى الثّانِي: أنّا نُعْطِيهِمْ زِينَةً عَظِيمَةً في كُلِّ بابٍ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، وإنَّما سَمّاهُ مَتاعًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَسْتَمْتِعُ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَنْقَضِي في الحالِ، وأمّا الآخِرَةُ فَهي باقِيَةٌ دائِمَةٌ، وهي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وفي حُكْمِهِ لِلْمُتَّقِينَ عَنْ حُبِّ الدُّنْيا، المُقْبِلِينَ عَلى حُبِّ المَوْلى، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّ أُولَئِكَ الجُهّالَ ظَنُّوا أنَّ الرَّجُلَ الغَنِيَّ أوْلى بِمَنصِبِ الرِّسالَةِ مِن مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ فَقْرِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ المالَ والجاهَ حَقِيرانِ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُما عَلى شَرَفِ الزَّوالِ، فَحُصُولُهُما لا يُفِيدُ حُصُولَ الشَّرَفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”سَقْفًا“ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ القافِ عَلى لَفْظِ الواحِدِ لِإرادَةِ الجِنْسِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٢٦] والباقُونَ: ”سُقُفًا“ عَلى الجَمْعِ، واخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: هو جَمْعُ سَقْفٍ، كَرَهْنٍ ورُهُنٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ولا ثالِثَ لَهُما، وقِيلَ: السُّقُفُ جَمْعُ سُقُوفٍ، كَرُهُنٍ ورُهُونٍ وزُبُرٍ وزُبُورٍ، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ فَقَوْلُهُ (لِبُيُوتِهِمْ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ (لِمَن يَكْفُرُ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ: مَعارِجَ، ومَعارِيجَ، والمَعارِجُ جَمْعُ مَعْرَجٍ، أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِمِعْراجٍ، وهي المَصاعِدُ إلى المَساكِنِ العالِيَةِ كالدَّرَجِ والسَّلالِمِ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، أيْ عَلى تِلْكَ المَعارِجِ يَظْهَرُونَ، وفي نَصْبِ
صفحة ١٨٢
قَوْلِهِ (وزُخْرُفًا) قَوْلانِ، قِيلَ: لَجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ولَجَعَلْنا لَهم زُخْرُفًا، وقِيلَ: مِن فِضَّةٍ وزُخْرُفٍ، فَلَمّا حَذَفَ الخافِضَ انْتَصَبَ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ (لَمّا) بِتَشْدِيدِ المِيمِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتَّشْدِيدِ فَإنَّهُ جَعَلَ ”لَمّا“ في مَعْنى ”إلّا“، وحَكى سِيبَوَيْهِ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ لَما فَعَلْتَ، بِمَعْنى: إلّا فَعَلْتَ، ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ أنَّ في حِرَفِ أُبَيٍّ: ”وما ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا“، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“، وأمّا القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ، فَقالَ الواحِدِيُّ: لَفْظَةُ ”ما“ لَغْوٌ، والتَّقْدِيرُ: لَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، قالَ أبُو الحَسَنِ: الوَجْهُ التَّخْفِيفُ، لِأنَّ ”لَمّا“ بِمَعْنى ”إلّا“ لا تُعْرَفُ، وحُكِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ وجْهَ التَّثْقِيلِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما لَمْ يُعْطِ النّاسَ نِعَمَ الدُّنْيا، لِأجْلِ أنَّهُ لَوْ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لَدَعاهم ذَلِكَ إلى الكُفْرِ، فَهو تَعالى لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ لا يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أحْكامٍ:
أحَدُها: أنَّهُ إذا لَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ما يَدْعُوهم إلى الكُفْرِ، فَلَأنْ لا يَخْلُقَ فِيهِمُ الكُفْرَ أوْلى.
وثانِيها: أنَّهُ ثَبَتَ أنَّ فِعْلَ اللُّطْفِ قائِمٌ مَقامَ إزاحَةِ العُذْرِ والعِلَّةِ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إزاحَةً لِلْعُذْرِ والعِلَّةِ عَنْهم، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ كُلَّ ما كانَ لُطْفًا داعِيًا لَهم إلى الإيمانِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا الوَجْهِ دالَّةً عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى فِعْلُ اللُّطْفِ.
وثالِثُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ ويَتْرُكُ ما يَتْرُكُهُ لِأجْلِ حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَعْلِيلِ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأفْعالِهِ بِالمَصالِحِ والعِلَلِ، فَإنْ قِيلَ: لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لَوْ فَتَحَ عَلى الكافِرِ أبْوابَ النِّعَمِ، لَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الكُفْرِ، فَلِمَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِالمُسْلِمِينَ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى الإسْلامِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ النّاسَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلى الإسْلامِ لِطَلَبِ الدُّنْيا، وهَذا الإيمانُ إيمانُ المُنافِقِينَ، فَكانَ الأصْوَبُ أنْ يُضَيَّقَ الأمْرُ عَلى المُسْلِمِينَ، حَتّى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الإسْلامَ، فَإنَّما يَدْخُلُ فِيهِ لِمُتابَعَةِ الدَّلِيلِ ولِطَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى، فَحِينَئِذٍ يَعْظُمُ ثَوابُهُ لِهَذا السَّبَبِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى آفاتِ الدُّنْيا، وذَلِكَ أنَّ مَن فازَ بِالمالِ والجاهِ صارَ كالأعْشى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ مِن جُلَساءِ الشَّياطِينِ الضّالِّينَ المُضِلِّينَ، فَهَذا وجْهُ تَعَلُّقِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”ومَن يَعْشُ“ بِضَمِّ الشِّينِ وفَتْحِها، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّهُ إذا حَصَلَتِ الآفَةُ في بَصَرِهِ قِيلَ عَشِيَ، وإذا نَظَرَ نَظَرَ العَشِيِّ ولا آفَةَ بِهِ، قِيلَ عَشى، ونَظِيرُهُ عَرِجَ لِمَن بِهِ الآفَةُ، وعَرَجَ لِمَن مَشى مِشْيَةَ العِرْجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ، قالَ الحُطَيْئَةُ: مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ أيْ تَنْظُرْ إلَيْها نَظَرَ العَشِيِّ، لِما يُضْعِفُ بَصَرَكَ مِن عِظَمِ الوَقُودِ واتِّساعِ الضَّوْءِ، وقُرِئَ ”يَعْشُو“ عَلى أنَّ ”مَن“ مَوْصُولَةٌ غَيْرُ مُضَمَّنَةٍ مَعْنى الشَّرْطِ، وحَقُّ هَذا القارِئِ أنْ يَرْفَعَ ”نُقَيِّضُ“، ومَعْنى القِراءَةِ بِالفَتْحِ: ومَن يَعْمَ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وهو القُرْآنُ، لِقَوْلِهِ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ وأمّا القِراءَةُ بِالضَّمِّ، فَمَعْناها: ومَن يَتَعامَّ عَنْ ذِكْرِهِ، أيْ: يَعْرِفُ أنَّهُ الحَقُّ وهو يَتَجاهَلُ ويَتَعامى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النَّمْلِ: ١٤]، و﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَضُمُّ إلَيْهِ شَيْطانًا ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ يَعْنِي: وإنَّ الشَّياطِينَ لَيَصُدُّونَهم عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وذَكَرَ
صفحة ١٨٣
الكِنايَةَ عَنِ الإنْسانِ والشَّياطِينِ بِلَفْظِ الجَمْعِ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ يُفِيدُ الجَمْعَ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ عَلى الواحِدِ ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي الشَّياطِينَ يَصُدُّونَ الكُفّارَ عَنِ السَّبِيلِ، والكُفّارُ يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ، ثُمَّ عادَ إلى لَفْظِ الواحِدِ، فَقالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ يَعْنِي الكافِرَ، وقُرِئَ (جاءانا)، يَعْنِي الكافِرَ وشَيْطانَهُ، رُوِيَ: أنَّ الكافِرَ إذا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَبْرِهِ أخَذَ شَيْطانُهُ بِيَدِهِ، فَلَمْ يُفارِقْهُ حَتّى يُصَيِّرَهُما اللَّهُ إلى النّارِ، فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ والمُرادُ: يا لَيْتَ حَصَلَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدٌ عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: المُرادُ بُعْدُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ومِن عادَةِ العَرَبِ تَسْمِيَةُ الشَّيْئَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ بِاسْمِ أحَدِهِما، قالَ الفَرَزْدَقُ:
لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ
يُرِيدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ويَقُولُونَ لِلْكُوفَةِ والبَصْرَةِ: البَصْرَتانِ، ولِلْغَداةِ والعَصْرِ: العَصْرانِ، ولِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ: العُمَرانُ، ولِلْماءِ والتَّمْرِ: الأسْوَدانِ.
الثّانِي: أنَّ أهْلَ النُّجُومِ يَقُولُونَ: الحَرَكَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ هي حَرَكَةُ الفَلَكِ الأعْظَمِ، والحَرَكَةُ الَّتِي مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ هي حَرَكَةُ الكَواكِبِ الثّابِتَةِ، وحَرَكَةُ الأفْلاكِ المُمَثَّلَةِ الَّتِي لِلسَّيّاراتِ سِوى القَمَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالمَشْرِقُ والمَغْرِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَشْرِقٌ بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّ إطْلاقَ لَفْظِ المَشْرِقِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الجِهَتَيْنِ حَقِيقَةٌ.
الثّالِثُ: قالُوا: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ، وبَيْنَهُما بُعْدٌ عَظِيمٌ، وهَذا بَعِيدٌ عِنْدِي، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ المُبالَغَةُ في حُصُولِ البُعْدِ، وهَذِهِ المُبالَغَةُ إنَّما تَحْصُلُ عَنْ ذِكْرِ بُعْدٍ لا يُمْكِنُ وُجُودُ بُعْدٍ آخَرَ أزْيَدَ مِنهُ، والبُعْدُ بَيْنَ مَشْرِقِ الصَّيْفِ ومَشْرِقِ الشِّتاءِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَيَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ.
الرّابِعُ: وهو أنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَرَكَةَ اليَوْمِيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأمّا القَمَرُ فَإنَّهُ يَظْهَرُ في أوَّلِ الشَّهْرِ في جانِبِ المَغْرِبِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَقَدَّمُ إلى جانِبِ المَشْرِقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَشْرِقَ حَرَكَةِ القَمَرِ هو المَغْرِبُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فالجانِبُ المُسَمّى بِالمَشْرِقِ هو مَشْرِقُ الشَّمْسِ، ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ القَمَرِ، وأمّا الجانِبُ المُسَمّى بِالمَغْرِبِ، فَإنَّهُ مَشْرِقُ القَمَرِ ولَكِنَّهُ مَغْرِبُ الشَّمْسِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَصِحُّ تَسْمِيَةُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بِالمَشْرِقَيْنِ، ولَعَلَّ هَذا الوَجْهَ أقْرَبُ إلى مُطابَقَةِ اللَّفْظِ ورِعايَةِ المَقْصُودِ مِن سائِرِ الوُجُوهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أيِ الكافِرُ يَقُولُ لِذَلِكَ الشَّيْطانِ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِتَفْسِيرِ الألْفاظِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَحْقِيرُ الدُّنْيا وبَيانُ ما في المالِ والجاهِ مِنَ المَضارِّ العَظِيمَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تَجْعَلُ الإنْسانَ كالأعْشى عَنْ مُطالَعَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، ومَن صارَ كَذَلِكَ صارَ جَلِيسًا لِلشَّيْطانِ، ومَن صارَ كَذَلِكَ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِ الهُدى والحَقِّ، وبَقِيَ جَلِيسَ الشَّيْطانِ في الدُّنْيا وفي القِيامَةِ، ومُجالَسَةُ الشَّيْطانِ حالَةٌ تُوجِبُ الضَّرَرَ الشَّدِيدَ في القِيامَةِ بِحَيْثُ يَقُولُ الكافِرُ ﴿يالَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أنْتَ. فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ كَثْرَةَ المالِ والجاهَ تُوجِبُ كَمالَ النُّقْصانِ والحِرْمانِ في الدِّينِ والدُّنْيا، وإذا ظَهَرَ هَذا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ الَّذِينَ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ قالُوا كَلامًا فاسِدًا وشُبْهَةً باطِلَةً.
صفحة ١٨٤
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ فَقَوْلُهُ (أنَّكم) في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، يَعْنِي: ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ كَوْنُكم مُشْتَرِكِينَ في العَذابِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: المُصِيبَةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ، وقالَتِ الخَنْساءُ في هَذا المَعْنى:
ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
ولا يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي
فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حُصُولَ الشَّرِكَةِ في ذَلِكَ العَذابِ لا يُفِيدُ التَّخْفِيفَ كَما كانَ يُفِيدُهُ في الدُّنْيا، والسَّبَبُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ العَذابَ شَدِيدٌ، فاشْتِغالُ كُلِّ واحِدٍ بِنَفْسِهِ يُذْهِلُهُ عَنْ حالِ الآخَرِ، فَلا جَرَمَ الشَّرِكَةُ لا تُفِيدُ الخِفَّةَ.
الثّانِي: أنَّ قَوْمًا إذا اشْتَرَكُوا في العَذابِ أعانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم صاحِبَهُ بِما قَدَرَ عَلَيْهِ، فَيَحْصُلُ بِسَبَبِهِ بَعْضُ التَّخْفِيفِ، وهَذا المَعْنى مُتَعَذِّرٌ في القِيامَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ جُلُوسَ الإنْسانِ مَعَ قَرِينِهِ يُفِيدُهُ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ السَّلْوَةِ.
فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الشَّيْطانَ وإنْ كانَ قَرِينًا إلّا أنَّ مُجالَسَتَهُ في القِيامَةِ لا تُوجِبُ السَّلْوَةَ وخِفَّةَ العُقُوبَةِ، وفي كِتابِ ابْنِ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ قَرَأ: ”إذْ ظَلَمْتُمْ إنَّكم“ بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الباقُونَ: ”أنَّكم“ بِفَتْحِ الألِفِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences