Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:67–80
43:67–75Page 494
ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ ٦٧
Close friends, that Day, will be enemies to each other, except for the righteous
يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٦٨
[To whom Allāh will say], "O My servants, no fear will there be concerning you this Day, nor will you grieve,
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٦٩
[You] who believed in Our verses and were Muslims.
ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ ٧٠
Enter Paradise, you and your kinds,1 delighted."
يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٧١
Circulated among them will be plates and vessels of gold. And therein is whatever the souls desire and [what] delights the eyes, and you will abide therein eternally.
وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧٢
And that is Paradise which you are made to inherit for what you used to do.
لَكُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٣
For you therein is much fruit1 from which you will eat.
إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ٧٤
Indeed, the criminals will be in the punishment of Hell, abiding eternally.
لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٥
It will not be allowed to subside for them, and they, therein, are in despair.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ ذَكَرَ عَقِيبَهُ بَعْضَ ما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ القِيامَةِ:
فَأوَّلُها: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى ﴿الأخِلّاءُ﴾ في الدُّنْيا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ ﴿بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يَعْنِي أنَّ الخُلَّةَ إذا كانَتْ عَلى المَعْصِيَةِ والكُفْرِ صارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إلّا المُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ الَّذِينَ يُخالِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الإيمانِ والتَّقْوى، فَإنَّ خُلَّتَهم لا تَصِيرُ عَداوَةً، ولِلْحُكَماءِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرِيقٌ حَسَنٌ، قالُوا: إنَّ المَحَبَّةَ أمْرٌ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اعْتِقادِ حُصُولِ خَيْرٍ أوْ دَفْعِ ضَرَرٍ، فَمَتى حَصَلَ هَذا الِاعْتِقادُ حَصَلَتِ المَحَبَّةُ لا مَحالَةَ، ومَتى حَصَلَ اعْتِقادُ أنَّهُ يُوجِبُ ضَرَرًا حَصَلَ البُغْضُ والنَّفْرَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تِلْكَ الخَيْراتُ الَّتِي كانَ اعْتِقادُ حُصُولِها يُوجِبُ حُصُولَ المَحَبَّةِ - إمّا أنْ تَكُونَ قابِلَةً لِلتَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، أوْ لا تَكُونُ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الواقِعُ هو القِسْمَ الأوَّلَ، وجَبَ أنْ تُبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالنَّفْرَةِ، لِأنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ إنَّما حَصَلَتْ لِاعْتِقادِ حُصُولِ الخَيْرِ والرّاحَةِ، فَإذا زالَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ وحَصَلَ عَقِيبَهُ اعْتِقادُ أنَّ الحاصِلَ هو الضَّرَرُ والألَمُ - وجَبَ أنْ تَتَبَدَّلَ تِلْكَ المَحَبَّةُ بِالبِغْضَةِ، لِأنَّ تَبَدُّلَ العِلَّةِ يُوجِبُ تَبَدُّلَ المَعْلُولِ، أمّا إذا كانَتِ الخَيْراتُ المُوجِبَةُ لِلْمَحَبَّةِ خَيْراتٍ باقِيَةً أبَدِيَّةً غَيْرَ قابِلَةٍ لِلتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ، كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ أيْضًا مَحَبَّةً باقِيَةً آمِنَةً مِنَ التَّغَيُّرِ، إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: الَّذِينَ حَصَلَتْ بَيْنَهم مَحَبَّةٌ ومَوَدَّةٌ في الدُّنْيا، إنْ كانَتْ تِلْكَ المَحَبَّةُ لِأجْلِ طَلَبِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها ولَذّاتِها، فَهَذِهِ المَطالِبُ لا تَبْقى في القِيامَةِ، بَلْ يَصِيرُ طَلَبُ الدُّنْيا سَبَبًا لِحُصُولِ الآلامِ والآفاتِ في يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا جَرَمَ تَنْقَلِبُ هَذِهِ المَحَبَّةُ الدُّنْيَوِيَّةُ بِغْضَةً ونَفْرَةً في القِيامَةِ، أمّا إنْ كانَ المُوجِبُ لِحُصُولِ المَحَبَّةِ في الدُّنْيا الِاشْتِراكَ في مَحَبَّةِ اللَّهِ وفي خِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ، فَهَذا السَّبَبُ غَيْرُ قابِلٍ لِلنَّسْخِ والتَّغَيُّرِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ هَذِهِ المَحَبَّةُ باقِيَةً في القِيامَةِ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ أقْوى وأصْفى وأكْمَلَ وأفْضَلَ مِمّا كانَتْ في الدُّنْيا، فَهَذا هو التَّفْسِيرُ المُطابِقُ لِقَوْلِهِ
صفحة ١٩٣
تَعالى: ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ الحُكْمُ الثّانِي مِن أحْكامِ يَوْمِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ عادَةَ القُرْآنِ جارِيَةٌ بِتَخْصِيصِ لَفْظِ العِبادِ بِالمُؤْمِنِينَ المُطِيعِينَ المُتَّقِينَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياعِبادِ﴾ كَلامُ اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّ الحَقَّ يُخاطِبُهم بِنَفْسِهِ ويَقُولُ لَهم: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وفِيهِ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِمّا يُوجِبُ الفَرَحَ:
أوَّلُها: أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ وتَعالى خاطَبَهم بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى وصَفَهم بِالعُبُودِيَّةِ، وهَذا تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمّا أرادَ أنْ يُشَرِّفَ مُحَمَّدًا ﷺ لَيْلَةَ المِعْراجِ قالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] .
وثالِثُها: قَوْلُهُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ فَأزالَ عَنْهُمُ الخَوْفَ في يَوْمِ القِيامَةِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا مِن أعْظَمِ النِّعَمِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فَنَفى عَنْهُمُ الحُزْنَ بِسَبَبِ فَوْتِ الدُّنْيا الماضِيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قِيلَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: ادْخُلُوا الجَنَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أعْنِي الَّذِينَ آمَنُوا.
قالَ مُقاتِلٌ: إذا وقَعَ الخَوْفُ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، فَإذا سَمِعُوا النِّداءَ رَفَعَ الخَلائِقُ رُءُوسَهم، فَيُقالُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فَتُنَكِّسُ أهْلُ الأدْيانِ الباطِلَةِ رُءُوسَهم.
الحُكْمُ الثّالِثُ: مِن وقائِعِ القِيامَةِ أنَّهُ تَعالى إذا أمَّنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ، وجَبَ أنْ يَمُرَّ حِسابُهم عَلى أسْهَلِ الوُجُوهِ وعَلى أحْسَنِها، ثُمَّ يُقالُ لَهم: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾، والحَبْرَةُ المُبالَغَةُ في الإكْرامِ فِيما وُصِفَ بِالجَمِيلِ، يَعْنِي يُكْرَمُونَ إكْرامًا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وهَذا مِمّا سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ الرُّومِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾، قالَ الفَرّاءُ: الكُوبُ المُسْتَدِيرُ الرَّأْسِ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَطْعُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأكْوابٍ﴾ إشارَةٌ إلى المَشْرُوبِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى تَرَكَ التَّفْصِيلَ وذَكَرَ بَيانًا كُلِّيًّا فَقالَ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا في وِراثَةِ الجَنَّةِ وجْهَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١]، ولَمّا ذَكَرَ الطَّعامَ والشَّرابَ فِيما تَقَدَّمَ ذَكَرَ هَهُنا حالَ الفاكِهَةِ فَقالَ: ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى العَرَبِ أوَّلًا، ثُمَّ إلى العالَمِينَ ثانِيًا، والعَرَبُ كانُوا في ضِيقٍ شَدِيدٍ بِسَبَبِ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ والفاكِهَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ تَفَضَّلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ المَعانِي مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى تَكْمِيلًا لِرَغْبَتِهِمْ وتَقْوِيَةً لِدَواعِيهِمْ.
43:76–80Page 495
وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٦
And We did not wrong them, but it was they who were the wrongdoers.
وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ ٧٧
And they will call, "O Mālik,1 let your Lord put an end to us!" He will say, "Indeed, you will remain."
لَقَدۡ جِئۡنَٰكُم بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَكُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٨
We had certainly brought you the truth, but most of you, to the truth, were averse.
أَمۡ أَبۡرَمُوٓاْ أَمۡرٗا فَإِنَّا مُبۡرِمُونَ ٧٩
Or have they devised [some] affair?1 But indeed, We are devising [a plan].
أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ ٨٠
Or do they think that We hear not their secrets and their private conversations? Yes, [We do], and Our messengers [i.e., angels] are with them recording.
صفحة ١٩٤
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ أرْدَفَهُ بِالوَعِيدِ عَلى التَّرْتِيبِ المُسْتَمِرِّ في القُرْآنِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ القاضِي عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، ولَفْظُ المُجْرِمِ يَتَناوَلُ الكافِرَ والفاسِقَ، فَوَجَبَ كَوْنُ الكُلِّ في عَذابِ جَهَنَّمَ، وقَوْلُهُ: ﴿خالِدُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ، وقَوْلُهُ أيْضًا: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ والدَّوامِ أيْضًا.
والجَوابُ: أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن لَفْظِ (المُجْرِمِينَ) هَهُنا الكُفّارُ، أمّا ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ فَلِأنَّهُ قالَ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٨، ٦٩]، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن آمَنَ بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا مُسْلِمِينَ فَإنَّهم يَدْخُلُونَ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾، والفاسِقُ مِن أهْلِ الصَّلاةِ آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى وبِآياتِهِ وأسْلَمَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَ ذَلِكَ الوَعْدِ، ووَجَبَ أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْ هَذا الوَعِيدِ، وأمّا ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾، والمُرادُ بِالحَقِّ هَهُنا إمّا الإسْلامُ وإمّا القُرْآنُ، والرَّجُلُ المُسْلِمُ لا يَكْرَهُ الإسْلامَ ولا القُرْآنَ، فَثَبَتَ أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ المُجْرِمِينَ الكُفّارُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ عَذابَ جَهَنَّمَ في حَقِّ المُجْرِمِينَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ:
إحْداها: الخُلُودُ، وقَدْ ذَكَرْنا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ طُولِ المُكْثِ، ولا يُفِيدُ الدَّوامَ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أيْ لا يُخَفَّفُ ولا يَنْقُصُ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى إذا سَكَنَتْ ونَقَصَ حَرُّها.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، والمُبْلِسُ اليائِسُ السّاكِتُ سُكُوتَ يائِسٍ مِن فَرَجٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: يُجْعَلُ المُجْرِمُ في تابُوتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ يُقْفَلُ عَلَيْهِ فَيَبْقى فِيهِ خالِدًا لا يُرى، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ (وهم فِيها) أيْ: وهم في النّارِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ فَقالَ: إنْ كانَ خَلَقَ فِيهِمُ الكُفْرَ لِيُدْخِلَهُمُ النّارَ فَما الَّذِي نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾، وما الَّذِي نَسَبَهُ إلَيْهِمْ مِمّا نَفاهُ عَنْ نَفْسِهِ ؟ أوَلَيْسَ لَوْ أثْبَتْناهُ ظُلْمًا لَهم كانَ لا يَزِيدُ عَلى ما يَقُولُهُ القَوْمُ، فَإنْ قالُوا: ذَلِكَ الفِعْلُ لَمْ يَقَعْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقَطْ، بَلْ إنَّما وقَعَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مَعَ قُدْرَةِ العَبْدِ مَعًا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ.
قُلْنا: عِنْدَكم أنَّ القُدْرَةَ عَلى الظُّلْمِ مُوجِبَةٌ لِلظُّلْمِ، وخالِقُ تِلْكَ القُدْرَةِ هو اللَّهُ تَعالى، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا فَعَلَ مَعَ خَلْقِ الكُفْرِ قُدْرَةً عَلى الكُفْرِ خَرَجَ عَنْ أنْ يَكُونَ ظالِمًا لَهم، وذَلِكَ مُحالٌ لِأنَّ مَن يَكُونُ ظالِمًا في فِعْلٍ، فَإذا فَعَلَ مَعَهُ ما يُوجِبُ ذَلِكَ الفِعْلَ يَكُونُ بِذَلِكَ أحَقُّ، فَيُقالُ لِلْقاضِي: قُدْرَةُ العَبْدِ هَلْ هي صالِحَةٌ لِلطَّرَفَيْنِ أوْ هي مُتَعَيَّنَةٌ لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ ؟ فَإنْ كانَتْ صالِحَةً لِكِلا الطَّرَفَيْنِ فالتَّرْجِيحُ إنْ وقَعَ لا لِمُرَجِّحٍ لَزِمَ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنِ افْتَقَرَ إلى مُرَجِّحٍ عادَ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ فِيهِ، ولا بُدَّ وأنْ يَنْتَهِيَ إلى داعِيَةٍ مُرَجِّحَةٍ يَخْلُقُها اللَّهُ في العَبْدِ، وإنْ كانَتْ مُتَعَيِّنَةً لِأحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُكَ ما أوْرَدْتَهُ عَلَيْنا.
صفحة ١٩٥
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ الرَّجُلُ مَن يَرى وجْهَ الِاسْتِدْلالِ فَيَذْكُرُهُ، إنَّما الرَّجُلُ الَّذِي يَنْظُرُ فِيما قَبْلَ الكَلامِ وفِيما بَعْدَهُ، فَإنْ رَآهُ وارِدًا عَلى مَذْهَبِهِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (يا مالِ) بِحَذْفِ الكافِ لِلتَّرْخِيمِ، فَقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: (ونادَوْا يا مالِ) فَقالَ: ما أشْغَلَ أهْلَ النّارِ عَنْ هَذا التَّرْخِيمِ ! وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ إنَّما حَسُنَ هَذا التَّرْخِيمُ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم بَلَغُوا في الضَّعْفِ والنَّحافَةِ إلى حَيْثُ لا يُمْكِنُهم أنْ يَذْكُرُوا مِنَ الكَلِمَةِ إلّا بَعْضَها.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ قَوْلَهم: ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ عَلى أيِّ وجْهٍ طَلَبُوا، فَقالَ بَعْضُهم: عَلى التَّمَنِّي، وقالَ آخَرُونَ: عَلى وجْهِ الِاسْتِغاثَةِ، وإلّا فَهم عالِمُونَ بِأنَّهُ لا خَلاصَ لَهم عَنْ ذَلِكَ العِقابِ، وقِيلَ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لِشِدَّةِ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ نَسُوا تِلْكَ المَسْألَةَ فَذَكَرُوهُ عَلى وجْهِ الطَّلَبِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مالِكًا يَقُولُ لَهم: ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾، ولَيْسَ في القُرْآنِ مَتى أجابَهم، هَلْ أجابَهم في الحالِ أوْ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ؟ وإنْ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهَلْ حَصَلَ ذَلِكَ الجَوابُ بَعْدَ ذَلِكَ السُّؤالِ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أوْ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ؟ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ تُؤَخَّرَ الإجابَةُ اسْتِخْفافًا بِهِمْ وزِيادَةً في غَمِّهِمْ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وعَنْ غَيْرِهِ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بَعْدَ ألْفِ سَنَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ المِقْدارِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مالِكًا لَمّا أجابَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما هو كالعِلَّةِ لِذَلِكَ الجَوابِ فَقالَ: ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾، والمُرادُ نَفْرَتُهم عَنْ مُحَمَّدٍ وعَنِ القُرْآنِ، وشَدَّةُ بُغْضِهِمْ لِقَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ونادَوْا يامالِكُ﴾ بَعْدَ ما وصَفَهم بِالإبْلاسِ ؟ قُلْنا: تِلْكَ أزْمِنَةٌ مُتَطاوِلَةٌ وأحْقابٌ مُمْتَدَّةٌ، فَتَخْتَلِفُ بِهِمُ الأحْوالُ فَيَسْكُتُونَ أوْقاتًا لِغَلَبَةِ اليَأْسِ عَلَيْهِمْ، ويَسْتَغِيثُونَ أوْقاتًا لِشِدَّةِ ما بِهِمْ، رُوِيَ أنَّهُ يُلْقى عَلى أهْلِ النّارِ الجُوعُ حَتّى يَعْدِلَ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ، فَيَقُولُونَ: ادْعُوا مالِكًا فَيَدْعُونَ: ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى كَيْفِيَّةَ عَذابِهِمْ في الآخِرَةِ ذَكَرَ بَعْدَهُ كَيْفِيَّةَ مَكْرِهِمْ وفَسادَ باطِنِهِمْ في الدُّنْيا فَقالَ: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾، والمَعْنى: أمْ أبْرَمُوا أيْ مُشْرِكُو مَكَّةَ أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَإنّا مُبْرِمُونَ كَيْدَنا كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢]، قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في تَدْبِيرِهِمْ في المَكْرِ بِهِ في دارِ النَّدْوَةِ، وهو ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا القِصَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾، السِّرُّ ما حَدَّثَ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ في مَكانٍ خالٍ، والنَّجْوى ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم، ﴿بَلى﴾ نَسْمَعُها ونَطَّلِعُ عَلَيْها، ﴿ورُسُلُنا﴾ يُرِيدُ الحَفَظَةَ، ﴿يَكْتُبُونَ﴾ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الأحْوالَ، وعَنْ يَحْيى بْنِ مُعاذٍ: مَن سَتَرَ مِنَ النّاسِ ذُنُوبَهُ، وأبْداها لِلَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في السَّماواتِ فَقَدْ جَعَلَهُ أهْوَنَ النّاظِرِينَ إلَيْهِ، وهو مِن عَلاماتِ النِّفاقِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences