Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Jathiyah 45:22–37
45:22–26Page 500
وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٢
And Allāh created the heavens and earth in truth and so that every soul may be recompensed for what it has earned, and they will not be wronged.
أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٣
Have you seen he who has taken as his god his [own] desire, and Allāh has sent him astray due to knowledge1 and has set a seal upon his hearing and his heart and put over his vision a veil? So who will guide him after Allāh? Then will you not be reminded?
وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٢٤
And they say, "There is not but our worldly life; we die and live,1 and nothing destroys us except time." And they have of that no knowledge; they are only assuming.
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٥
And when Our verses are recited to them as clear evidences, their argument is only that they say, "Bring [back] our forefathers, if you should be truthful."
قُلِ ٱللَّهُ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يَجۡمَعُكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٦
Say, "Allāh causes you to live, then causes you to die; then He will assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt, but most of the people do not know."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أفْتى بِأنَّ المُؤْمِنَ لا يُساوِي الكافِرَ في دَرَجاتِ السَّعاداتِ، أتْبَعَهُ بِالدَّلالَةِ الظّاهِرَةِ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ الفَتْوى، فَقالَ: ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ ولَوْ لَمْ يُوجَدِ البَحْثُ لَما كانَ ذَلِكَ بِالحَقِّ، بَلْ كانَ بِالباطِلِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَ الظّالِمَ، وسَلَّطَهُ عَلى المَظْلُومِ الضَّعِيفِ، ثُمَّ لا يَنْتَقِمُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ كانَ ظالِمًا، ولَوْ كانَ ظالِمًا لَبَطَلَ أنَّهُ ﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾، وتَمامُ تَقْرِيرِ هَذِهِ الدَّلائِلِ مَذْكُورٌ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ، قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ في مَقْدُورِ اللَّهِ ما لَوْ حَصَلَ لَكانَ ظُلْمًا، وذَلِكَ لا يَصِحُّ إلّا عَلى مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَوْ فَعَلَ كُلَّ شَيْءٍ أرادَهُ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا، وعَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ عَلى الظُّلْمِ، وأجابَ الأصْحابُ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ فِعْلُ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكانَ ظُلْمًا كَما أنَّ المُرادَ مِنَ الِابْتِلاءِ والِاخْتِبارِ فِعْلُ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكانَ ابْتِلاءً واخْتِبارًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِتُجْزى﴾، فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِالحَقِّ﴾ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ لِأجْلِ إظْهارِ الحَقِّ، ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ لِيَدُلَّ بِهِما عَلى قُدْرَتِهِ، ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ﴾ والمَعْنى أنَّ المَقْصُودَ مِن خَلْقِ هَذا العِلْمِ إظْهارُ العَدْلِ والرَّحْمَةِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا إذا حَصَلَ البَعْثُ والقِيامَةُ وحَصَلَ التَّفاوُتُ في الدَّرَجاتِ والدَّرَكاتِ بَيْنَ المُحِقِّينَ وبَيْنَ المُبْطِلِينَ.
ثُمَّ عادَ تَعالى إلى شَرْحِ أحْوالِ الكُفّارِ وقَبائِحِ طَرائِقِهِمْ، فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ يَعْنِي: تَرَكُوا مُتابَعَةَ الهُدى وأقْبَلُوا عَلى مُتابَعَةِ الهَوى، فَكانُوا يَعْبُدُونَ الهَوى كَما يَعْبُدُ الرَّجُلُ إلَهَهُ، وقُرِئَ (آلِهَتَهُ هَواهُ) كُلَّما مالَ طَبْعُهُ إلى شَيْءٍ اتَّبَعَهُ وذَهَبَ خَلْفَهُ، فَكَأنَّهُ اتَّخَذَ هَواهُ آلِهَةً شَتّى يَعْبُدُ كُلَّ وقْتٍ واحِدًا مِنها.
صفحة ٢٣١
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ يَعْنِي عَلى عِلْمٍ بِأنَّ جَوْهَرَ رُوحِهِ لا يَقْبَلُ الصَّلاحَ، ونَظِيرُهُ في جانِبِ التَّعْظِيمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وتَحْقِيقُ الكَلامِ فِيهِ أنَّ جَواهِرَ الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ فَمِنها مُشْرِقَةٌ نُورانِيَّةٌ عُلْوِيَّةٌ إلَهِيَّةٌ، ومِنها كَدِرَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ سُفْلِيَّةٌ عَظِيمَةُ المَيْلِ إلى الشَّهَواتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَهو تَعالى يُقابِلُ كُلًّا مِنهم بِحَسَبِ ما يَلِيقُ بِجَوْهَرِهِ وماهِيَّتِهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ في حَقِّ المَرْدُودِينَ، وبُقُولِهِ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ في حَقِّ المَقْبُولِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِالِاسْتِقْصاءِ، والتَّفاوُتُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ قَدَّمَ ذِكْرَ السَّمْعِ عَلى القَلْبِ، وفي سُورَةِ البَقَرَةِ قَدَّمَ القَلْبَ عَلى السَّمْعِ، والفَرْقُ أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَسْمَعُ كَلامًا فَيَقَعُ في قَلْبِهِ مِنهُ أثَرٌ، مِثْلَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الكُفّارِ كانُوا يُلْقُونَ إلى النّاسِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ شاعِرٌ وكاهِنٌ وأنَّهُ يَطْلُبُ المُلْكَ والرِّياسَةَ، فالسّامِعُونَ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ أبْغَضُوهُ ونَفَرَتْ قُلُوبُهم عَنْهُ، وأمّا كُفّارُ مَكَّةَ فَهم كانُوا يُبْغِضُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ الحَسَدِ الشَّدِيدِ فَكانُوا يَسْتَمِعُونَ إلَيْهِ، ولَوْ سَمِعُوا كَلامَهُ ما فَهِمُوا مِنهُ شَيْئًا نافِعًا، فَفي الصُّورَةِ الأُولى كانَ الأثَرُ يَصْعَدُ مِنَ البَدَنِ إلى جَوْهَرِ النَّفْسِ، وفي الصُّورَةِ الثّانِيَةِ كانَ الأثَرُ يَنْزِلُ مِن جَوْهَرِ النَّفْسِ إلى قَرارِ البَدَنِ، فَلَمّا اخْتَلَفَ القِسْمانِ لا جَرَمَ أرْشَدَ اللَّهُ تَعالى إلى كِلا هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بِهَذَيْنَ التَّرْتِيبَيْنِ اللَّذَيْنِ نَبَّهْنا عَلَيْهِما، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَلامَ قالَ: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ أنْ أضَلَّهُ اللَّهُ، ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيُّها النّاسُ، قالَ الواحِدِيُّ: ولَيْسَ يَبْقى لِلْقَدَرِيَّةِ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ عُذْرٌ ولا حِيلَةٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ بِمَنعِهِ إيّاهم عَنِ الهُدى حِينَ أخْبَرَ أنَّهُ خَتَمَ عَلى سَمْعِ هَذا الكافِرِ وقَلْبِهِ وبَصَرِهِ، وأقُولُ: هَذِهِ المُناظَرَةُ قَدْ سَبَقَتْ بِالِاسْتِقْصاءِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم بَعْدَ ذَلِكَ شُبْهَتَهم في إنْكارِ القِيامَةِ وفي إنْكارِ الإلَهِ القادِرِ، أمّا شُبْهَتُهم في إنْكارِ القِيامَةِ فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا﴾، فَإنْ قالُوا: الحَياةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى المَوْتِ في الدُّنْيا فَمُنْكِرُو القِيامَةِ كانَ يَجِبُ أنْ يَقُولُوا: نَحْيا ونَمُوتُ، فَما السَّبَبُ في تَقْدِيمِ ذِكْرِ المَوْتِ عَلى الحَياةِ ؟ قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَمُوتُ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ نُطَفًا في أصْلابِ الآباءِ وأرْحامِ الأُمَّهاتِ، وبِقَوْلِهِ: ﴿نَحْيا﴾ ما حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ في الدُّنْيا.
الثّانِي: نَمُوتُ نَحْنُ ونَحْيا بِسَبَبِ بَقاءِ أوْلادِنا.
الثّالِثُ: يَمُوتُ بَعْضٌ ويَحْيا بَعْضٌ.
الرّابِعُ: وهو الَّذِي خَطَرَ بِالبالِ عِنْدَ كِتابَةِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ الحَياةِ فَقالَ: ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الحَياةَ مِنها ما يَطْرَأُ عَلَيْها المَوْتُ وذَلِكَ في حَقِّ الَّذِينَ ماتُوا، ومِنها ما لَمْ يَطْرَأِ المَوْتُ عَلَيْها وذَلِكَ في حَقِّ الأحْياءِ الَّذِينَ لَمْ يَمُوتُوا بَعْدُ، وأمّا شُبْهَتُهم في إنْكارِ الإلَهِ الفاعِلِ المُخْتارِ فَهو قَوْلُهم: ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ يَعْنِي: تَوَلُّدُ الأشْخاصِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ حَرَكاتِ الأفْلاكِ المُوجِبَةِ لِامْتِزاجاتِ الطَّبائِعِ، وإذا وقَعَتْ تِلْكَ الِامْتِزاجاتُ عَلى وجْهٍ خاصٍّ حَصَلَتِ الحَياةُ، وإذا وقَعَتْ عَلى وجْهٍ آخَرَ حَصَلَ المَوْتُ، فالمُوجِبُ لِلْحَياةِ والمَوْتِ تَأْثِيراتُ الطَّبائِعِ وحَرَكاتُ الأفْلاكِ، ولا حاجَةَ في هَذا البابِ إلى إثْباتِ الفاعِلِ المُخْتارِ، فَهَذِهِ الطّائِفَةُ جَمَعُوا بَيْنَ إنْكارِ الإلَهِ وبَيْنَ إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ.
صفحة ٢٣٢
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾، والمَعْنى أنَّ قَبْلَ النَّظَرِ ومَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ الِاحْتِمالاتُ بِأسْرِها قائِمَةٌ، فالَّذِي قالُوهُ يُحْتَمَلُ وضِدُّهُ أيْضًا يُحْتَمَلُ، وذَلِكَ هو أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِالبَعْثِ والقِيامَةِ حَقًّا، وأنْ يَكُونَ القَوْلُ بِوُجُودِ الإلَهِ الحَكِيمِ حَقًّا، فَإنَّهم لَمْ يَذْكُرُوا شُبْهَةً ضَعِيفَةً ولا قَوِيَّةً في أنَّ هَذا الِاحْتِمالَ الثّانِيَ باطِلٌ، ولَكِنَّهُ خَطَرَ بِبالِهِمْ ذَلِكَ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ فَجَزَمُوا بِهِ وأصَرُّوا عَلَيْهِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ ولا بَيِّنَةٍ، فَثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ عِلْمٌ ولا جَزْمٌ ولا يَقِينٌ في صِحَّةِ القَوْلِ الَّذِي اخْتارُوهُ بِسَبَبِ الظَّنِّ والحُسْبانِ ومَيْلِ القَلْبِ إلَيْهِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ القَوْلَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ قَوْلٌ باطِلٌ فاسِدٌ، وأنَّ مُتابَعَةَ الظَّنِّ والحُسْبانِ مُنْكَرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلّا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ حَجَّتُهم، والرَّفْعُ عَلى تَقْدِيمِ خَبَرِ كانَ وتَأْخِيرِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: سَمّى قَوْلَهم حُجَّةً لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ في زَعْمِهِمْ حُجَّةٌ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كانَ حُجَّتَهم هَذا، فَلَيْسَ البَتَّةَ حُجَّةٌ كَقَوْلِهِ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ [ أيْ لَيْسَ بَيْنَهم تَحِيَّةٌ لِمُنافاةِ الضَّرْبِ لِلتَّحِيَّةِ ] .
الثّالِثُ: أنَّهم ذَكَرُوها في مَعْرِضِ الِاحْتِجاجِ بِها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ حُجَّتَهم عَلى إنْكارِ البَعْثِ أنْ قالُوا: لَوْ صَحَّ ذَلِكَ فائْتُوا بِآبائِنا الَّذِينَ ماتُوا لِيَشْهَدُوا لَنا بِصِحَّةِ البَعْثِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ ضَعِيفَةٌ جِدًّا، لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما لا يَحْصُلُ في الحالِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُمْتَنِعَ الحُصُولِ، فَإنَّ حُصُولَ كُلِّ واحِدٍ مِنّا كانَ مَعْدُومًا مِنَ الأزَلِ إلى الوَقْتِ الَّذِي حَصَلْنا فِيهِ، ولَوْ كانَ عَدَمُ الحُصُولِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ الحُصُولِ لَكانَ عَدَمُ حُصُولِنا كَذَلِكَ، وذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾، فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ مَذْكُورٌ لِأجْلِ جَوابِ مَن يَقُولُ: ﴿ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ فَهَذا القائِلُ كانَ مُنْكِرًا لِوُجُودِ الإلَهِ ولِوُجُودِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إبْطالُ كَلامِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ ؟ وهَلْ هَذا إلّا إثْباتٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وهو باطِلٌ ؟ .
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ بِحُدُوثِ الحَيَوانِ والإنْسانِ عَلى وُجُودِ الفاعِلِ الحَكِيمِ في القُرْآنِ مِرارًا وأطْوارًا، فَقَوْلُهُ هَهُنا: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى تِلْكَ الدَّلائِلِ الَّتِي بَيَّنَها وأوْضَحَها مِرارًا، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الكَلامِ إثْباتَ الإلَهِ بِقَوْلِ الإلَهِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى ما هو الدَّلِيلُ الحَقُّ القاطِعُ في نَفْسِ الأمْرِ.
ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الإحْياءَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وثَبَتَ أنَّ الإعادَةَ مِثْلُ الإحْياءِ الأوَّلِ، وثَبَتَ أنَّ القادِرَ عَلى الشَّيْءِ قادِرٌ عَلى مِثْلِهِ، ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى الإعادَةِ، وثَبَتَ أنَّ الإعادَةَ مُمْكِنَةٌ في نَفْسِها، وثَبَتَ أنَّ القادِرَ الحَكِيمَ أخْبَرَ عَنْ وقْتِ وُقُوعِها فَوَجَبَ القَطْعُ بِكَوْنِها حَقَّةً.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو أنَّ كَوْنَهُ تَعالى عادِلًا خالِقًا بِالحَقِّ مُنَزَّهًا عَنِ الجَوْرِ والظُّلْمِ يَقْتَضِي صِحَّةَ البَعْثِ والقِيامَةِ.
صفحة ٢٣٣
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ دَلالَةَ حُدُوثِ الإنْسانِ والحَيَوانِ والنَّباتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ الحَكِيمِ، ولا يَعْلَمُونَ أيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ قادِرًا عَلى الإيجادِ ابْتِداءً وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى الإعادَةِ ثانِيًا.
45:27–37Page 501
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَخۡسَرُ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٢٧
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth. And the Day the Hour appears - that Day the falsifiers will lose.
وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٖ جَاثِيَةٗۚ كُلُّ أُمَّةٖ تُدۡعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَٰبِهَا ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٨
And you will see every nation kneeling [from fear]. Every nation will be called to its record [and told], "Today you will be recompensed for what you used to do.
هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٩
This, Our record, speaks about you in truth. Indeed, We were having transcribed1 whatever you used to do."
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُدۡخِلُهُمۡ رَبُّهُمۡ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ ٣٠
So as for those who believed and did righteous deeds, their Lord will admit them into His mercy. That is what is the clear attainment.
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَفَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ وَكُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ ٣١
But as for those who disbelieved, [it will be said], "Were not Our verses recited to you, but you were arrogant and became a criminal people?
وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيۡبَ فِيهَا قُلۡتُم مَّا نَدۡرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ ٣٢
And when it was said, 'Indeed, the promise of Allāh is truth and the Hour [is coming] - no doubt about it,' you said, 'We know not what is the Hour. We assume only assumption, and we are not convinced.'"
وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٣
And the evil consequences of what they did will appear to them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.
وَقِيلَ ٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰكُمۡ كَمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٣٤
And it will be said, "Today We will forget you as you forgot the meeting of this Day of yours, and your refuge is the Fire, and for you there are no helpers.
ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗا وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُخۡرَجُونَ مِنۡهَا وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٣٥
That is because you took the verses of Allāh in ridicule, and worldly life deluded you." So that Day they will not be removed from it, nor will they be asked to appease [Allāh].
فَلِلَّهِ ٱلۡحَمۡدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٦
Then, to Allāh belongs [all] praise - Lord of the heavens and Lord of the earth, Lord of the worlds.
وَلَهُ ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣٧
And to Him belongs [all] grandeur within the heavens and the earth, and He is the Exalted in Might, the Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا احْتَجَّ بِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى الإحْياءِ في المَرَّةِ الأُولى، وعَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى الإحْياءِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ عَمَّمَ الدَّلِيلَ فَقالَ: ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ لِلَّهِ القُدْرَةُ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ سَواءً كانَتْ مِنَ السَّماواتِ أوْ مِنَ الأرْضِ، وإذا ثَبَتَ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، وثَبَتَ أنَّ حُصُولَ الحَياةِ في هَذِهِ الذّاتِ مُمْكِنٌ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا لَما حَصَلَ في المَرَّةِ الأُولى؛ فَيَلْزَمُ مِن هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ كَوْنُهُ تَعالى قادِرًا عَلى الإحْياءِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى إمْكانَ القَوْلِ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ بِهَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ ذَكَرَ تَفاصِيلَ أحْوالِ القِيامَةِ فَأوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ﴾، وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: عامِلُ النَّصْبِ في يَوْمَ تَقُومُ يَخْسَرُ، ويَوْمَئِذِ بَدَلٌ مِن يَوْمَ تَقُومُ.
البَحْثُ الثّانِي: قَدْ ذَكَرْنا في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ أنَّ الحَياةَ والعَقْلَ والصِّحَّةَ كَأنَّها رَأْسُ المالِ، والتَّصَرُّفُ فِيها لِطَلَبِ سَعادَةِ الآخَرِ يَجْرِي مَجْرى تَصَرُّفِ التّاجِرِ في رَأْسِ المالِ لِطَلَبِ الرِّبْحِ، والكُفّارُ قَدْ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في هَذِهِ التَّصَرُّفاتِ وما وجَدُوا مِنها إلّا الحِرْمانَ والخِذْلانَ فَكانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ نِهايَةَ الخُسْرانِ.
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ قالَ اللَّيْثُ: الجُثُوُّ الجُلُوسُ عَلى الرُّكَبِ، كَما يَجْثِي بَيْنَ يَدَيِ الحاكِمِ، قالَ الزَّجّاجُ: ومِثْلُهُ جَذا يَجْذُو، قالَ صاحِبُ “ الكَشّافِ “: وقُرِئَ جاذِيَةً، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: والجُذُوُّ أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجُثُوِّ، لِأنَّ الجاذِيَ هو الَّذِي يَجْلِسُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: جاثِيَةٌ مُجْتَمِعَةٌ مُرْتَقِبَةٌ لِما يُعْمَلُ بِها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ عَلى الِابْتِداءِ، وكُلَّ أُمَّةٍ عَلى الإبْدالِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إلى كِتابِها﴾ أيْ إلى صَحائِفِ أعْمالِها، فاكْتَفى بِاسْمِ الجِنْسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾
صفحة ٢٣٤
[الكهف: ٤٩]، والظّاهِرُ أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَإنْ قِيلَ: الجُثُوُّ عَلى الرُّكْبَةِ إنَّما يَلِيقُ بِالخائِفِ والمُؤْمِنُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، قُلْنا: إنَّ المُحِقَّ الآمِنَ قَدْ يُشارِكُ المُبْطِلَ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ إلى أنْ يَظْهَرَ كَوْنُهُ مُحِقًّا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ﴾ والتَّقْدِيرُ: يُقالُ لَهم: اليَوْمَ تُجْزَوْنَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أُضِيفَ الكِتابُ إلَيْهِمْ وإلى اللَّهِ تَعالى ؟ قُلْنا: لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِأنَّهُ كِتابُهم بِمَعْنى أنَّهُ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى أعْمالِهِمْ، وكِتابُ اللَّهِ بِمَعْنى أنَّهُ هو الَّذِي أمَرَ المَلائِكَةَ بِكَتْبِهِ، ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَشْهَدُ عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانَ، ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ﴾ المَلائِكَةُ ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ نَسْتَكْتِبُهم أعْمالَكم.
ثُمَّ بَيَّنَ أحْوالَ المُطِيعِينَ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهم رَبُّهم في رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ المُبِينُ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالإيمانِ كَوْنَهم عامِلِينَ لِلصّالِحاتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عَمَلُ الصّالِحاتِ مُغايِرًا لِلْإيمانِ زائِدًا عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: عَلَّقَ الدُّخُولَ في رَحْمَةِ اللَّهِ عَلى كَوْنِهِ آتِيًا بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، والمُعَلَّقِ عَلى مَجْمُوعِ أمْرَيْنِ يَكُونُ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ أحَدِهِما، فَعِنْدَ عَدَمِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ وجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ الفَوْزُ بِالجَنَّةِ، وجَوابُنا: أنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الوَصْفِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: سَمّى الثَّوابَ رَحْمَةً، والرَّحْمَةُ إنَّما تَصِحُّ تَسْمِيَتُها بِهَذا الِاسْمِ إذا لَمْ تَكُنْ واجِبَةً، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ الثَّوابُ واجِبًا عَلى اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ ولَمْ يُذْكَرْ قِسْمًا ثالِثًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَذْهَبَ المُعْتَزِلَةِ إثْباتَ المَنزِلَتَيْنِ باطِلٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى عَلَّلَ أنَّ اسْتِحْقاقَ العُقُوبَةِ بِأنَّ آياتِهِ تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ العُقُوبَةِ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرْعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِباتِ لا تَجِبُ إلّا بِالشَّرْعِ، خِلافًا لِما يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّ بَعْضَ الواجِباتِ قَدْ يَجِبُ بِالعَقْلِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: جَوابُ ﴿أمّا﴾ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيُقالُ لَهم: ﴿أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ ﴿وكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ ؟ فَإنْ قالُوا: كَيْفَ يَحْسُنُ وصْفُ الكافِرِ بِكَوْنِهِ مُجْرِمًا في مَعْرِضِ الطَّعْنِ فِيهِ والذَّمِّ لَهُ ؟ قُلْنا: مَعْناهُ أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ كُفّارًا ما كانُوا عُدُولًا في أدْيانِ أنْفُسِهِمْ، بَلْ كانُوا فُسّاقًا في ذَلِكَ الدِّينِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ﴿وبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ والسّاعَةُ رَفْعًا ونَصْبًا، قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ عَطَفَ عَلى الوَعْدِ، ومَن رَفَعَ فَعَلى مَعْنى وقِيلَ: (السّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها)، قالَ الأخْفَشُ: الرَّفْعُ أجْوَدُ في المَعْنى وأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ، إذا جاءَ بَعْدَ خَبَرِ إنَّ لِأنَّهُ كَلامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ بَعْدَ مَجِيءِ الكَلامِ الأوَّلِ بِتَمامِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم إذا قِيلَ: إنَّ وعْدَ اللَّهِ بِالثَّوابِ والعِقابِ حَقٌّ وإنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها قالُوا: ﴿ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ .
أقُولُ: الأغْلَبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ القَوْمَ كانُوا في هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: مِنهم مَن كانَ قاطِعًا بِنَفْيِ البَعْثِ والقِيامَةِ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾، ومِنهم مَن كانَ شاكًّا مُتَحَيِّرًا فِيهِ، لِأنَّهم لِكَثْرَةِ ما سَمِعُوهُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، ولِكَثْرَةِ ما سَمِعُوهُ مِن دَلائِلَ القَوْلِ بِصِحَّتِهِ صارُوا شاكِّينَ فِيهِ، وهُمُ الَّذِينَ أرادَهم بِهَذِهِ الآيَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى حَكى مَذْهَبَ أُولَئِكَ القاطِعِينَ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِحِكايَةِ قَوْلِ هَؤُلاءِ؛ فَوَجَبَ كَوْنُ هَؤُلاءِ مُغايِرِينَ لِلْفَرِيقِ الأوَّلِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبَدا لَهُمْ﴾ أيْ في الآخِرَةِ، ﴿سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ وقَدْ كانُوا مِن قَبْلُ يَعُدُّونَها حَسَناتٍ؛ فَصارَ ذَلِكَ أوَّلَ خُسْرانِهِمْ، ﴿وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وهَذا كالدَّلِيلِ عَلى أنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ لَمّا قالُوا: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا﴾ إنَّما ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَهَذا الفَرِيقُ شَرٌّ مِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ، لِأنَّ الأوَّلِينَ كانُوا مُنْكِرِينَ وما كانُوا مُسْتَهْزِئِينَ، وهَذا الفَرِيقُ ضَمُّوا إلى الإصْرارِ عَلى الإنْكارِ الِاسْتِهْزاءَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ وفي تَفْسِيرِ هَذا النِّسْيانِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: نَتْرُكُكم في العَذابِ كَما تَرَكْتُمُ الطّاعَةَ الَّتِي هي الزّادُ لِيَوْمِ المَعادِ.
الثّانِي: نَجْعَلُكم بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ المَنسِيِّ غَيْرِ المُبالى بِهِ، كَما لَمْ تُبالُوا أنْتُمْ بِلِقاءِ يَوْمِكم ولَمْ تَلْتَفِتُوا إلَيْهِ بَلْ جَعَلْتُمُوهُ كالشَّيْءِ الَّذِي يُطْرَحُ نَسْيًا
صفحة ٢٣٦
مَنسِيًّا.
فَجَمَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن وُجُوهِ العَذابِ الشَّدِيدِ ثَلاثَةَ أشْياءَ:
فَأوَّلُها: قَطْعُ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ.
وثانِيها: أنَّهُ يَصِيرُ مَأْواهُمُ النّارَ.
وثالِثُها: أنْ لا يَحْصُلَ لَهم أجْرٌ مِنَ الأعْوانِ والأنْصارِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُقالُ لَهم: إنَّكم إنَّما صِرْتُمْ مُسْتَحِقِّينَ لِهَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ لِأجْلِ أنَّكم أتَيْتُمْ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الأعْمالِ القَبِيحَةِ:
فَأوَّلُها: الإصْرارُ عَلى إنْكارِ الدِّينِ الحَقِّ.
وثانِيها: الِاسْتِهْزاءُ بِهِ والسُّخْرِيَةُ مِنهُ.
وهَذانِ الوَجْهانِ داخِلانِ تَحْتَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ .
وثالِثُها: الِاسْتِغْراقُ في حُبِّ الدُّنْيا والإعْراضُ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ الآخِرَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ الياءِ، والباقُونَ بِضَمِّها، ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أيْ ولا يُطْلَبُ مِنهم أنْ يَعْتِبُوا رَبَّهم، أيْ يُرْضُوهُ.
ولَمّا تَمَّ الكَلامُ في هَذِهِ المَباحِثِ الشَّرِيفَةِ الرُّوحانِيَّةِ خَتَمَ السُّورَةَ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ ورَبِّ الأرْضِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ فاحْمِدُوا اللَّهَ الَّذِي هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، بَلْ خالِقُ كُلِّ العالَمِينَ مِنَ الأجْسامِ والأرْواحِ والذَّواتِ والصِّفاتِ، فَإنَّ هَذِهِ الرُّبُوبِيَّةَ تُوجِبُ الحَمْدَ والثَّناءَ عَلى كُلِّ أحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ والمَرْبُوبِينَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا مُشْعِرٌ بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ التَّكْبِيرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّحْمِيدِ، والإشارَةُ إلى أنَّ الحامِدِينَ إذا حَمِدُوهُ وجَبَ أنْ يَعْرِفُوا أنَّهُ أعْلى وأكْبَرُ مِن أنْ يَكُونَ الحَمْدُ الَّذِي ذَكَرُوهُ لائِقًا بِإنْعامِهِ، بَلْ هو أكْبَرُ مِن حَمْدِ الحامِدِينَ، وأيادِيهِ أعْلى وأجَلُّ مِن شُكْرِ الشّاكِرِينَ.
والثّانِي: أنَّ هَذا الكِبْرِياءَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ لِأنَّ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ لَيْسَ إلّا هو.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ أيِّ شَيْءٍ أرادَ، ولِكَمالِ حِكْمَتِهِ يَخُصُّ كُلَّ نَوْعٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ بِآثارِ الحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ والفَضْلِ والكَرَمِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، فَهَذا يُفِيدُ أنَّ الكامِلَ في القُدْرَةِ وفي الحِكْمَةِ وفي الرَّحْمَةِ لَيْسَ إلّا هو، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا إلَهَ لِلْخَلْقِ إلّا هو، ولا مُحْسِنَ ولا مُتَفَضِّلَ إلّا هو.
قالَ مَوْلانا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلاةِ الخامِسَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وسِتِّمِائَةٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا مُبارَكًا مُخَلَّدًا مُؤَبَّدًا، كَما يَلِيقُ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ وباهِرِ بُرْهانِهِ وعَظِيمِ إحْسانِهِ، والصَّلاةُ عَلى الأرْواحِ الطّاهِرَةِ المُقَدَّسَةِ مِن ساكِنِي أعالِي السَّماواتِ وتُخُومِ الأرْضِينَ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ والأوْلِياءِ والمُوَحِّدِينَ، خُصُوصًا عَلى سَيِّدِنا ونَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences