Ar-RaziMuhammad · 47:8–14

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Muhammad 47:8–14

47:8–11Page 507

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٨

But those who disbelieve - for them is misery, and He will waste their deeds.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٩

That is because they disliked what Allāh revealed, so He rendered worthless their deeds.

۞ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۖ وَلِلۡكَٰفِرِينَ أَمۡثَٰلُهَا ١٠

Have they not traveled through the land and seen how was the end of those before them? Allāh destroyed [everything] over them,1 and for the disbelievers is something comparable.

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ ١١

That is because Allāh is the protector of those who have believed and because the disbelievers have no protector.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ هَذا زِيادَةٌ في تَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ جازَ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ الكافِرَ أيْضًا يَصِيرُ ويَثْبُتَ لِلْقِتالِ فَيَدُومُ القِتالُ والحِرابُ والطِّعانُ والضِّرابُ، وفِيهِ المَشَقَّةُ العَظِيمَةُ فَقالَ تَعالى: لَكُمُ الثَّباتُ ولَهُمُ الزَّوالُ والتَّغَيُّرُ والهَلاكُ فَلا يَكُونُ الثَّباتُ، وسَبَبُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ آلِهَتَهم جَماداتٌ لا قُدْرَةَ لَها ولا ثَباتَ عِنْدَ مَن لَهُ قُدْرَةٌ، فَهي غَيْرُ صالِحَةٍ لِدَفْعِ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ الدَّمارِ، وعِنْدَ هَذا لا بُدَّ عَنْ زَوالِ القَدَمِ والعِثارِ، وقالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ”ويُثَبِّتْ“ بِصِيغَةِ الوَعْدِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وقالَ في حَقِّهِمْ بِصِيغَةِ الدُّعاءِ، وهي أبْلَغُ مِن صِيغَةِ الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّ عَثارَهم واجِبٌ؛ لِأنَّ عَدَمَ النُّصْرَةِ مِن آلِهَتِهِمْ واجِبُ الوُقُوعِ إذْ لا قُدْرَةَ لَها، والتَّثْبِيتُ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ بِواجِبِ الوُقُوعِ، لِأنَّهُ قادِرٌ مُخْتارٌ يَفْعَلُ ما يَشاءُ.

وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى بَيانِ مُخالَفَةِ مَوْتاهم لِقَتْلى المُسْلِمِينَ، حَيْثُ قالَ في حَقِّ قَتْلاهم: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ وقالَ في مَوْتى الكافِرِينَ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى سَبَبَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: المُرادُ القُرْآنُ، ووَجْهُهُ هو أنَّ كَيْفِيَّةَ العَمَلِ الصّالِحِ لا تُعْلَمُ بِالعَقْلِ وإنَّما تُدْرَكُ بِالشَّرْعِ، والشَّرْعُ بِالقُرْآنِ، فَلَمّا أعْرَضُوا لَمْ يَعْرِفُوا العَمَلَ الصّالِحَ وكَيْفِيَّةَ الإتْيانِ بِهِ، فَأتَوْا بِالباطِلِ فَأحْبَطَ أعْمالَهم.

الثّانِي: ﴿كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِن بَيانِ التَّوْحِيدِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: ﴿أئِنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا﴾ [الصّافّاتِ: ٣٦] وقالَ تَعالى: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] إلى أنْ قالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] وقالَ تَعالى: ﴿وإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزُّمَرِ: ٤٥] ووَجْهُهُ أنَّ الشِّرْكَ مُحْبِطٌ لِلْعَمَلِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَرِ: ٦٥] وكَيْفَ لا والعَمَلُ مِنَ المُشْرِكِ لا يَقَعُ لِوَجْهِ اللَّهِ فَلا بَقاءَ لَهُ في نَفْسِهِ ولا بَقاءَ لَهُ بِبَقاءِ مَن لَهُ العَمَلُ؛ لِأنَّ ما سِوى وجْهِ اللَّهِ تَعالى هالِكٌ مُحْبَطٌ.

الثّالِثُ: ﴿كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِن بَيانِ أمْرِ الآخِرَةِ فَلَمْ يَعْمَلُوا لَها، والدُّنْيا وما فِيها ومَآلُها باطِلٌ، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم.

صفحة ٤٤

وقَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ .

فِيهِ مُناسَبَةٌ لِلْوَجْهِ الثّالِثِ يَعْنِي: فَيَنْظُرُوا إلى حالِهِمْ ويَعْلَمُوا أنَّ الدُّنْيا فانِيَةٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ أهْلَكَ عَلَيْهِمْ مَتاعَ الدُّنْيا مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ والأزْواجِ والأجْسادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ لَهم أمْثالُها في الدُّنْيا، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المُرادُ مِنَ الكافِرِينَ: هُمُ الكافِرُونَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ لَهم أمْثالُها في الآخِرَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ مَن تَقَدَّمَ كَأنَّهُ يَقُولُ: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ أمْثالُها، وفي العائِدِ إلَيْهِ ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْثالُها﴾ وجْهانِ:

أحَدُهُما: هو المَذْكُورُ وهو العاقِبَةُ.

وثانِيهِما: هو المَفْهُومُ وهو العُقُوبَةُ؛ لِأنَّ التَّدْمِيرَ كانَ عُقُوبَةً لَهم، فَإنْ قِيلَ عَلى قَوْلِنا المُرادُ لِلْكافِرِينَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أمْثالُ ما كانَ لِمَن تَقَدَّمَهم مِنَ العاقِبَةِ، يَرِدُ سُؤالٌ وهو أنَّ الأوَّلِينَ أُهْلِكُوا بِوَقائِعَ شَدِيدَةٍ كالزَّلازِلِ والنِّيرانِ وغَيْرِهِما مِنَ الرِّياحِ والطُّوفانِ، ولا كَذَلِكَ قَوْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ، نَقُولُ: جازَ أنْ يَكُونَ عَذابُهم أشَدَّ مِن عَذابِ الأوَّلِينَ لِكَوْنِ دِينِ مُحَمَّدٍ أظْهَرَ بِسَبَبِ تَقَدُّمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلَيْهِ وإخْبارِهِمْ عَنْهُ وإنْذارِهِمْ بِهِ، عَلى أنَّهم قَتَلُوا وأسَرُوا بِأيْدِيهِمْ مَن كانُوا يَسْتَخِفُّونَهم ويَسْتَضْعِفُونَهم، والقَتْلُ بِيَدِ المِثْلِ آلَمُ مِنَ الهَلاكِ بِسَبَبٍ عامٍّ، ”وسُؤالٌ آخَرُ“: إذا كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى العاقِبَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ لَها أمْثالٌ ؟ قُلْنا: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُرادُ العَذابُ الَّذِي هو مَدْلُولُ العاقِبَةِ أوِ الألَمُ الَّذِي كانَتِ العاقِبَةُ عَلَيْهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ .

”ذَلِكَ“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى النَّصْرِ وهو اخْتِيارُ جَماعَةٍ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ أغْرَبَ مِن حَيْثُ النَّقْلِ، وأقْرَبَ مِن حَيْثُ العَقْلِ، وهو أنّا لَمّا بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُهْكِلُوا بِأيْدِي أمْثالِهِمُ الَّذِينَ كانُوا لا يَرْضَوْنَ بِمُجالَسَتِهِمْ وهو آلَمُ مِنَ الهَلاكِ بِالسَّبَبِ العامِّ، قالَ تَعالى: ”ذَلِكَ“ أيِ الإهْلاكُ والهَوانُ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُ المُؤْمِنِينَ، والكافِرُونَ اتَّخَذُوا آلِهَةً لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وتَرَكُوا اللَّهَ فَلا ناصِرَ لَهم، ولا شَكَّ أنَّ مَن يَنْصُرُهُ اللَّهُ تَعالى يَقْدِرُ عَلى القَتْلِ والأسْرِ وإنْ كانَ لَهُ ألْفُ ناصِرٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لا ناصِرَ لَهم، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا مَوْلى لَهُمْ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [الأنْعامِ: ٦٢] نَقُولُ: المَوْلى ورَدَ بِمَعْنى السَّيِّدِ والرَّبِّ والنّاصِرِ، فَحَيْثُ قالَ: ﴿لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أرادَ لا ناصِرَ لَهم، وحَيْثُ قالَ: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ أيْ رَبُّهم ومالِكُهم، كَما قالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [لُقْمانَ: ٣٣] وقالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الدُّخانِ: ٨] وفي الكَلامِ تَبايُنٌ عَظِيمٌ بَيْنَ الكافِرِ والمُؤْمِنِ لِأنَّ المُؤْمِنَ يَنْصُرُهُ اللَّهُ وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ، والكافِرَ لا مَوْلى لَهُ بِصِيغَةٍ نافِيَةٍ لِلْجِنْسِ، فَلَيْسَ لَهُ ناصِرٌ وإنَّهُ شَرُّ النّاصِرِينَ.

47:12–14Page 508

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ ١٢

Indeed, Allāh will admit those who have believed and done righteous deeds to gardens beneath which rivers flow, but those who disbelieve enjoy themselves and eat as grazing livestock eat, and the Fire will be a residence for them.

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ ١٣

And how many a city was stronger than your city [i.e., Makkah] which drove you out? We destroyed them; and there was no helper for them.

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم ١٤

So is he who is on clear evidence from his Lord like him to whom the evil of his work has been made attractive and they follow their [own] desires?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ .

صفحة ٤٥

لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حالَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ في الدُّنْيا بَيَّنَ حالَهم في الآخِرَةِ وقالَ: إنَّهُ يُدْخِلُ المُؤْمِنَ الجَنَّةَ والكافِرَ النّارَ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: كَثِيرًا ما يَقْتَصِرُ اللَّهُ عَلى ذِكْرِ الأنْهارِ في وصْفِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الأنْهارَ يَتْبَعُها الأشْجارُ، والأشْجارُ تَتْبَعُها الثِّمارُ ولِأنَّهُ سَبَبُ حَياةِ العالَمِ، والنّارُ سَبَبُ الإعْدامِ، ولِلْمُؤْمِنِ الماءُ يَنْظُرُ إلَيْهِ ويَنْتَفِعُ بِهِ، ولِلْكافِرِ النّارُ يَتَقَلَّبُ فِيها ويَتَضَرَّرُ بِها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ صِلَةً مَعْناهُ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ ماءَها مِنها لا يَجْرِي إلَيْها مِن مَوْضِعٍ آخَرَ، فَيُقالُ: هَذا النَّهْرُ مَنبَعُهُ مِن أيْنَ ؟ يُقالُ: مِن عَيْنِ كَذا مِن تَحْتِ جَبَلِ كَذا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾ خَصَّهم بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ المُؤْمِنَ أيْضًا لَهُ التَّمَتُّعُ بِالدُّنْيا وطَيِّباتِها، نَقُولُ: مَن يَكُونُ لَهُ مُلْكٌ عَظِيمٌ ويَمْلِكُ شَيْئًا يَسِيرًا أيْضًا لا يُذْكَرُ إلّا بِالمُلْكِ العَظِيمِ، يُقالُ في حَقِّ المَلِكِ العَظِيمِ صاحِبُ الضَّيْعَةِ الفُلانِيَّةِ ومَن لا يَمْلِكُ إلّا شَيْئًا يَسِيرًا فَلا يُذْكَرُ إلّا بِهِ، فالمُؤْمِنُ لَهُ مُلْكُ الجَنَّةِ فَمَتاعُ الدُّنْيا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ في حَقِّهِ والكافِرُ لَيْسَ لَهُ إلّا الدُّنْيا.

ووَجْهٌ آخَرُ: الدُّنْيا لِلْمُؤْمِنِ سِجْنٌ كَيْفَ كانَ، ومَن يَأْكُلُ في السِّجْنِ لا يُقالُ إنَّهُ يَتَمَتَّعُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ الدُّنْيا سِجْنًا مَعَ ما فِيها مِنَ الطَّيِّباتِ ؟ نَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ في الآخِرَةِ طَيِّباتٌ مُعَدَّةٌ وإخْوانٌ مُكْرَمُونَ نِسْبَتُها ونِسْبَتُهم إلى الدُّنْيا ومَن فِيها تَتَبَيَّنُ بِمِثالٍ، وهو أنَّ مَن يَكُونُ لَهُ بُسْتانٌ فِيهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ الطَّيِّبَةِ في غايَةِ اللَّذَّةِ وأنْهارٌ جارِيَةٌ في غايَةِ الصَّفاءِ ودُورٌ وغُرَفٌ في غايَةِ الرِّفْعَةِ وأوْلادُهُ فِيها، وهو قَدْ غابَ عَنْهم سِنِينَ ثُمَّ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ وهم فِيها، فَلَمّا قَرُبَ مِنهم عُوِّقَ في أجَمَةٍ فِيها مِن بَعْضِ الثِّمارِ العَفْصَةِ والمِياهِ الكَدِرَةِ، وفِيها سِباعٌ وحَشَراتٌ كَثِيرَةٌ، فَهَلْ يَكُونُ حالُهُ فِيها كَحالِ مَسْجُونٍ في بِئْرٍ مُظْلِمَةٍ وفي بَيْتٍ خَرابٍ أمْ لا ؟ وهَلْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهُ: اتْرُكْ ما هو لَكَ وتَعَلَّلْ بِهَذِهِ الثِّمارِ وهَذِهِ الأنْهارِ أمْ لا ؟

كَذَلِكَ حالُ المُؤْمِنِ، وأمّا الكافِرُ فَحالُهُ كَحالِ مَن يُقَدَّمُ إلى القَتْلِ فَيَصْبِرُ عَلَيْهِ أيّامًا في مِثْلِ تِلْكَ الأجَمَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، يَكُونُ في جَنَّةٍ ؟ ونِسْبَةُ الدُّنْيا إلى الجَنَّةِ والنّارِ دُونَ ما ذَكَرْنا مِنَ المِثالِ، لَكِنَّهُ يُنْبِئُ ذا البالِ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحُدُها: أنَّ الأنْعامَ يُهِمُّها الأكْلُ لا غَيْرُ، والكافِرُ كَذَلِكَ والمُؤْمِنُ يَأْكُلُ لِيَعْمَلَ صالِحًا ويَقْوى عَلَيْهِ.

وثانِيها: الأنْعامُ لا تَسْتَدِلُّ بِالمَأْكُولِ عَلى خالِقِها والكافِرُ كَذَلِكَ.

وثالِثُها: الأنْعامُ تُعْلَفُ لِتَسْمُنَ وهي غافِلَةٌ عَنِ الأمْرِ، لا تَعْلَمُ أنَّها كُلَّما كانَتْ أسْمَنَ كانَتْ أقْرَبَ إلى الذَّبْحِ والهَلاكِ، وكَذَلِكَ الكافِرُ، ويُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ في حَقِّ المُؤْمِنِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ﴾ بِصِيغَةِ الوَعْدِ، وقالَ في حَقِّ الكافِرِ: ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ بِصِيغَةٍ تُنْبِئُ عَنِ الِاسْتِحْقاقِ، لِما ذَكَرْنا أنَّ الإحْسانَ لا يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ عَنِ اسْتِحْقاقٍ، فالمُحْسِنُ إلى مَن لَمْ يُوجَدْ مِنهُ ما يُوجِبُ الإحْسانَ كَرِيمٌ، والمُعَذِّبُ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ ظالِمٌ.

* * *

صفحة ٤٦

: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾

لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى لَهم مَثَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ ولَمْ يَنْفَعْهم مَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ ضَرَبَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ مَثَلًا تَسْلِيَةً لَهُ فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهُمْ﴾ وكانُوا أشَدَّ مِن أهْلِ مَكَّةَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِهِمْ، فاصْبِرْ كَما صَبَرَ رُسُلُهم، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَيْفَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ مَعَ أنَّ الإهْلاكَ ماضٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ ؟ والجَوابُ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الحِكايَةِ والحِكايَةُ كالحالِ الحاضِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: أهْلَكْناهم في الدُّنْيا فَلا ناصِرَ لَهم يَنْصُرُهم ويُخَلِّصُهم مِنَ العَذابِ الَّذِي هم فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ عائِدٌ إلى أهْلِ قَرْيَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قالَ: أهْلَكْنا مَن تَقَدَّمَ أهْلَ قَرْيَتِكَ ولا ناصِرَ لِأهْلِ قَرْيَتِكَ يَنْصُرُهم ويُخَلِّصُهم مِمّا جَرى عَلى الأوَّلِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى الفَرْقِ بَيْنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ والكُفّارِ لِيَعْلَمَ أنَّ إهْلاكَ الكُفّارِ ونُصْرَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ في الدُّنْيا مُحَقَّقٌ، وأنَّ الحالَ يُناسِبُ تَعْذِيبَ الكافِرِ وإثابَةَ المُؤْمِنِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ فَرْقٌ فارِقٌ، وقَوْلُهُ: (مِن رَبِّهِ) مُكَمِّلٌ لَهُ، وذَلِكَ أنَّ البَيِّنَةَ إذا كانَتْ نَظَرِيَّةً تَكُونُ كافِيَةً لِلْفَرْقِ بَيْنَ المُتَمَسِّكِ بِها وبَيْنَ القائِلِ قَوْلًا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَإذا كانَتِ البَيِّنَةُ مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى تَكُونُ أقْوى وأظْهَرَ فَتَكُونُ أعْلى وأبْهَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ قَوْلُهُ: (مِن رَبِّهِ) لَيْسَ المُرادُ إنْزالَها مِنهُ بَلِ المُرادُ كَوْنُها مِنَ الرَّبِّ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٢] وقَوْلُنا الهِدايَةُ مِنَ اللَّهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فَرْقٌ فارِقٌ، وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ تَكْمِلَةٌ. وذَلِكَ أنَّ مَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وراجَتِ الشُّبْهَةُ عَلَيْهِ في مُقابَلَةِ مَن يَتَبَيَّنُ لَهُ البُرْهانُ وقَبِلَهُ، لَكِنَّ مَن راجَتِ الشُّبْهَةُ عَلَيْهِ قَدْ يَتَفَكَّرُ في الأمْرِ ويَرْجِعُ إلى الحَقِّ، فَيَكُونُ أقْرَبَ إلى مَن هو عَلى البُرْهانِ، وقَدْ يَتَّبِعُ هَواهُ ولا يَتَدَبَّرُ في البُرْهانِ ولا يَتَفَكَّرُ في البَيانِ فَيَكُونُ في غايَةِ البُعْدِ، فَإذَنْ حَصَلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُؤْمِنُ مَعَ الكافِرِ في طَرَفَيِ التَّضادِّ وغايَةِ التَّباعُدِ حَتّى مَدَّهم بِالبَيِّنَةِ، والكافِرُ لَهُ الشُّبْهَةُ وهو مَعَ اللَّهِ وأُولَئِكَ مَعَ الهَوى وعَلى قَوْلِنا: (مِن رَبِّهِ) مَعْناهُ الإضافَةُ إلى اللَّهِ، كَقَوْلِنا الهِدايَةُ مِنَ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ القَوْلِ يُفِيدُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ [النِّساءِ: ٧٩] وقَوْلُهُ: ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ بِصِيغَةِ التَّوْحِيدِ مَحْمُولٌ عَلى لَفْظَةِ مَن، وقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ مَحْمُولٌ عَلى مَعْناهُ فَإنَّها لِلْجَمِيعِ والعُمُومِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّزْيِينَ لِلْكُلِّ عَلى حَدٍّ واحِدٍ فَحُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِقُرْبِهِ مِنهُ في الحِسِّ والذِّكْرِ، وعِنْدَ اتِّباعِ الهَوى كُلُّ أحَدٍ يَتَّبِعُ هَوى نَفْسِهِ، فَظَهَرَ التَّعَدُّدُ فَحُمِلَ عَلى المَعْنى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском