Ar-RaziMuhammad · 47:18–26

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Muhammad 47:18–26

47:18–19Page 508

فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗۖ فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ فَأَنَّىٰ لَهُمۡ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ ذِكۡرَىٰهُمۡ ١٨

Then do they await except that the Hour should come upon them unexpectedly? But already there have come [some of] its indications. Then how [i.e., what good] to them, when it has come, will be their remembrance?

فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ ١٩

So know, [O Muḥammad], that there is no deity except Allāh and ask forgiveness for your sin1 and for the believing men and believing women. And Allāh knows of your movement and your resting place.

: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ .

يَعْنِي: الكافِرُونَ والمُنافِقُونَ لا يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ البَراهِينَ قَدْ صَحَّتْ والأُمُورَ قَدِ اتَّضَحَتْ وهم لَمْ يُؤْمِنُوا فَلا يُتَوَقَّعُ مِنهُمُ الإيمانُ إلّا عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ وهو مِن قَبِيلِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ عَلى تَقْدِيرِ لا يَنْظُرُونَ

صفحة ٥٣

إلّا السّاعَةَ إتْيانُها بَغْتَةً، وقُرِئَ: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ عَلى الشَّرْطِ، وجَزاؤُهُ لا يَنْفَعُهم ذِكْراهم، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ القِيامَةَ سُمِّيَتْ بِالسّاعَةِ لِساعَةِ الأُمُورِ الواقِعَةِ فِيها مِنَ البَعْثِ والحَشْرِ والحِسابِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما: لِبَيانِ غايَةِ عِنادِهِمْ وتَحْقِيقُهُ هو أنَّ الدَّلائِلَ لَمّا ظَهَرَتْ ولَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَبْقَ إلّا إيمانُ اليَأْسِ وهو عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ لَكِنَّ أشْراطَها بانَتْ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا فَهم في لُجَّةِ الفَسادِ وغايَةِ العِنادِ. ثانِيهِما: يَكُونُ لِتَسْلِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ كَأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ فُهِمَ مِنهُ تَعْذِيبُهم، والسّاعَةُ عِنْدَ العَوامِّ مُسْتَبْطَأةٌ فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: مَتى السّاعَةُ ؟ فَقَدْ جاءَ أشْراطُها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القَمَرِ: ١] والأشْراطُ العَلاماتُ، قالَ المُفَسِّرُونَ: هي مِثْلُ انْشِقاقِ القَمَرِ ورِسالَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: مَعْنى الأشْراطِ البَيِّناتُ المُوَضِّحَةُ لِجَوازِ الحَشْرِ، مِثْلُ خَلْقِ الإنْسانِ ابْتِداءً وخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] والأوَّلُ هو التَّفْسِيرُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ يَعْنِي لا تَنْفَعُهُمُ الذِّكْرى إذْ لا تُقْبَلُ التَّوْبَةُ ولا يُحْسَبُ الإيمانُ، والمُرادُ فَكَيْفَ لَهُمُ الحالُ إذا جاءَتْهم ذِكْراهم، ومَعْنى ذَلِكَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هو قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٣]: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ٢١] فَيُذَكَّرُونَ بِهِ لِلتَّحَسُّرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [الزُّمَرِ: ٧١] .

: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ﴾ ولِبَيانِ المُناسَبَةِ وُجُوهٌ

الأوَّلُ: هو أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ قالَ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ يَأْتِي بِالسّاعَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾ [النَّجْمِ: ٥٧] .

وثانِيها: ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ وهي آتِيَةٌ فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: مَتى هَذا ؟ فَقالَ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ فَلا تَشْتَغِلْ بِهِ واشْتَغِلْ بِما عَلَيْكَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ، وكُنْ في أيِّ وقْتٍ مُسْتَعِدًّا لِلِقائِها ويُناسِبُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ .

الثّالِثُ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ يَنْفَعُكَ، فَإنْ قِيلَ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عالِمًا بِذَلِكَ فَما مَعْنى الأمْرِ، نَقُولُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: فاثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ كَقَوْلِ القائِلِ لِجالِسٍ يُرِيدُ القِيامَ: اجْلِسْ أيْ لا تَقُمْ.

ثانِيهِما: الخِطابُ مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمُرادُ قَوْمُهُ والضَّمِيرُ في أنَّهُ لِلشَّأْنِ، وتَقْدِيرُ هَذا: هو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعا القَوْمَ إلى الإيمانِ ولَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَحْمِلُهم عَلى الإيمانِ إلّا ظُهُورُ الأمْرِ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُحْزِنُ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَسَلّى قَلْبَهُ وقالَ: أنْتَ كامِلٌ في نَفْسِكَ مُكَمِّلٌ لِغَيْرِكَ فَإنْ لَمْ يَكْمُلْ بِكَ قَوْمٌ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ خَيْرًا فَأنْتَ في نَفْسِكَ عامِلٌ بِعِلْمِكَ، وعِلْمُكَ حَيْثُ تَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ واحِدٌ وتَسْتَغْفِرُ، وأنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ مُكَمِّلٌ تُكَمِّلُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وأنْتَ تَسْتَغْفِرُ لَهم، فَقَدْ حَصَلَ لَكَ الوَصْفانِ، فاثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ، ولا يُحْزِنْكَ كُفْرُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الخِطابُ مَعَهُ، والمُرادُ المُؤْمِنُونَ وهو بَعِيدٌ لِإفْرادِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِالذِّكْرِ. وقالَ بَعْضُ النّاسِ: (لِذَنْبِكَ) أيْ لِذَنْبِ أهْلِ بَيْتِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ أيِ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنكَ بِأهْلِ بَيْتٍ.

صفحة ٥٤

وثانِيهِما: المُرادُ هو النَّبِيُّ والذَّنْبُ هو تَرْكُ الأفْضَلِ الَّذِي هو بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ذَنْبٌ وحاشاهُ مِن ذَلِكَ.

وثالِثُها: وجْهٌ حَسَنٌ مُسْتَنْبَطٌ وهو أنَّ المُرادَ تَوْفِيقُ العَمَلِ الحَسَنِ واجْتِنابُ العَمَلِ السَّيِّئِ، ووَجْهُهُ أنَّ الِاسْتِغْفارَ طَلَبُ الغُفْرانِ، والغُفْرانُ هو السَّتْرُ عَلى القَبِيحِ، ومَن عُصِمَ فَقَدْ سُتِرَ عَلَيْهِ قَبائِحُ الهَوى، ومَعْنى طَلَبِ الغُفْرانِ أنْ لا تَفْضَحَنا وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالعِصْمَةِ مِنهُ فَلا يَقَعُ فِيهِ كَما كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقَدْ يَكُونُ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ بَعْدَ الوُجُودِ كَما هو في حَقِّ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَهُ أحْوالٌ ثَلاثَةٌ: حالٌ مَعَ اللَّهِ، وحالٌ مَعَ نَفْسِهِ، وحالٌ مَعَ غَيْرِهِ، فَأمّا مَعَ اللَّهِ وحْدَهُ، وأمّا مَعَ نَفْسِكَ فاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ واطْلُبِ العِصْمَةَ مِنَ اللَّهِ، وأمّا مَعَ المُؤْمِنِينَ فاسْتَغْفِرْ لَهم واطْلُبِ الغُفْرانَ لَهم مِنَ اللَّهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ﴾ يَعْنِي حالَكم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ وحالَكم في اللَّيْلِ والنَّهارِ.

47:20–22Page 509

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٠

Those who believe say, "Why has a sūrah1 not been sent down?" But when a precise sūrah is revealed and battle is mentioned therein, you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] looking at you with a look of one overcome by death. And more appropriate for them2 [would have been]

طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلۡأَمۡرُ فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ ٢١

Obedience and good words. And when the matter [of fighting] was determined, if they had been true to Allāh, it would have been better for them.

فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ ٢٢

So would you perhaps, if you turned away,1 cause corruption on earth and sever your [ties of] relationship?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَأوْلى لَهُمْ﴾ .

لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ حالَ المُنافِقِ والكافِرِ والمُهْتَدِي المُؤْمِنِ عِنْدَ اسْتِماعِ الآياتِ العِلْمِيَّةِ مِنَ التَّوْحِيدِ والحَشْرِ وغَيْرِهِما بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [الأنْعامِ: ٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ بَيَّنَ حالَهم في الآياتِ العَمَلِيَّةِ، فَإنَّ المُؤْمِنَ كانَ يَنْتَظِرُ وُرُودَها ويَطْلُبُ تَنْزِيلَها وإذا تَأخَّرَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ كانَ يَقُولُ: هَلّا أمَرْتَ بِشَيْءٍ مِنَ العِبادَةِ خَوْفًا مِن أنْ لا يُؤَهَّلَ لَها، والمُنافِقُ إذا نَزَلَتِ السُّورَةُ أوِ الآيَةُ وفِيها تَكْلِيفٌ شَقَّ عَلَيْهِ، لِيُعْلَمَ تَبايُنُ الفَرِيقَيْنِ في العِلْمِ والعَمَلِ، حَيْثُ لا يَفْهَمُ المُنافِقُ العِلْمَ ولا يُرِيدُ العَمَلَ، والمُؤْمِنُ يَعْلَمُ ويُحِبُّ العَمَلَ، وقَوْلُهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ المُرادُ مِنهُ سُورَةٌ فِيها تَكْلِيفٌ يَمْتَحِنُ المُؤْمِنَ والمُنافِقَ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ سُورَةً فِيها القِتالُ فَإنَّهُ أشَقُّ تَكْلِيفٍ وقَوْلُهُ: ﴿سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ فِيها وُجُوهٌ:

أحَدُها: سُورَةٌ لَمْ تُنْسَخْ ثانِيها: سُورَةٌ فِيها ألْفاظٌ أُرِيدَتْ حَقائِقُها بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٦] فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ أرادَ القَتْلَ وهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ:”اقْتُلُوهم“ وقَوْلِهِ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩١] صَرِيحٌ وكَذَلِكَ غَيْرُ هَذا مِن آياتِ القِتالِ وعَلى الوَجْهَيْنِ فَقَوْلُهُ: ﴿مُحْكَمَةٌ﴾ فِيها فائِدَةٌ زائِدَةٌ مِن حَيْثُ إنَّهم لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا المُرادُ غَيْرُ ما يَظْهَرُ مِنهُ، أوْ يَقُولُوا هَذِهِ آيَةٌ وقَدْ نُسِخَتْ فَلا نُقاتِلُ، وقَوْلُهُ: ﴿رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيِ المُنافِقِينَ ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ لِأنَّ عِنْدَ التَّكْلِيفِ بِالقِتالِ لا يَبْقى لِنِفاقِهِمْ فائِدَةٌ، فَإنَّهم قَبْلَ القِتالِ كانُوا يَتَرَدَّدُونَ إلى القَبِيلَتَيْنِ وعِنْدَ الأمْرِ بِالقِتالِ لَمْ يَبْقَ لَهم إمْكانُ ذَلِكَ: ﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ دُعاءٌ كَقَوْلِ القائِلِ فَوَيْلٌ لَهم، ويَحْتَمِلُ

صفحة ٥٥

أنْ يَكُونَ هو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ وهو المَوْتُ كَأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ قالَ: فالمَوْتُ أوْلى لَهم؛ لِأنَّ الحَياةَ الَّتِي لا في طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ المَوْتُ خَيْرٌ مِنها، وقالَ الواحِدِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَأوْلى لَهم طاعَةٌ، أيِ الطّاعَةُ أوْلى لَهم.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ .

كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ تَقْدِيرُهُ خَيْرٌ لَهم أيْ أحْسَنُ وأمْثَلُ، لا يُقالُ: طاعَةٌ نَكِرَةٌ لا تَصْلُحُ لِلِابْتِداءِ، لِأنّا نَقُولُ: هي مَوْصُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ فَإنَّهُ مَوْصُوفٌ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: (طاعَةٌ) مُخْلِصَةٌ: ﴿وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ ”يَقُولُونَ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ“ .

وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ .

جَوابُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ خالَفُوا وتَخَلَّفُوا، وهو مُناسِبٌ لِمَعْنى قِراءَةِ أُبَيٍّ كَأنَّهُ يَقُولُ: في أوَّلِ الأمْرِ قالُوا: سَمْعًا وطاعَةً، وعِنْدَ آخِرِ الأمْرِ خالَفُوا وأخْلَفُوا مَوْعِدَهم، ونَسَبَ العَزْمَ إلى الأمْرِ، والعَزْمُ لِصاحِبِ الأمْرِ مَعْناهُ: فَإذا عَزَمَ صاحِبُ الأمْرِ. هَذا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو مَجازٌ، كَقَوْلِنا: جاءَ الأمْرُ ووَلّى فَإنَّ الأمْرَ في الأوَّلِ يُتَوَقَّعُ أنْ لا يَقَعَ وعِنْدَ إظْلالِهِ وعَجْزِ الكارِهِ عَنْ إبْطالِهِ فَهو واقِعٌ فَقالَ: (عَزَمُ) والوَجْهانِ مُتَقارِبانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا﴾ فِيهِ وجْهانِ عَلى قَوْلِنا المُرادُ مِن قَوْلِهِ: طاعَةٌ أنَّهم قالُوا: طاعَةٌ، فَمَعْناهُ لَوْ صَدَقُوا في ذَلِكَ القَوْلِ وأطاعُوا: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وعَلى قَوْلِنا: ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ خَيْرٌ لَهم وأحْسَنُ، فَمَعْناهُ: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا﴾ في إيمانِهِمْ واتِّباعِهِمُ الرَّسُولَ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ .

﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ .

وهَذِهِ الآيَةُ فِيها إشارَةٌ إلى فَسادِ قَوْلٍ قالُوهُ، وهو أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: كَيْفَ نُقاتِلُ والقَتْلُ إفْسادٌ والعَرَبُ مِن ذَوِي أرْحامِنا وقَبائِلِنا ؟ فَقالَ تَعالى: ﴿إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لا يَقَعُ مِنكم إلّا الفَسادُ في الأرْضِ فَإنَّكم تَقْتُلُونَ مَن تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ وتَنْهَبُونَهُ والقِتالُ واقِعٌ بَيْنَكم، ألَيْسَ قَتْلُكُمُ البَناتَ إفْسادًا وقَطْعًا لِلرَّحِمِ ؟ فَلا يَصِحُّ تَعَلُّلُكم بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ خِلافُ ما أمَرَ اللَّهُ وهَذا طاعَةٌ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في اسْتِعْمالِ عَسى ثَلاثَةُ مَذاهِبَ أحَدُها: الإتْيانُ بِها عَلى صُورَةِ فِعْلٍ ماضٍ مَعَهُ فاعِلٌ، تَقُولُ: عَسى زَيْدٌ وعَسَيْنا وعَسَوْا وعَسَيْتُ وعَسَيْتُما وعَسَيْتُمْ وعَسَتْ وعَسَتا.

والثّانِي: أنْ يُؤْتى بِها عَلى صُورَةِ فِعْلٍ مَعَهُ مَفْعُولٌ تَقُولُ: عَساهُ وعَساهُما وعَساكَ وعَساكُما وعَسايَ وعَسانا.

والثّالِثُ: الإتْيانُ بِها مِن غَيْرِ أنْ يُقْرَنَ بِها شَيْءٌ تَقُولُ: عَسى زَيْدٌ يَخْرُجُ، وعَسى أنْتَ تَخْرُجُ، وعَسى أنا أخْرُجُ والكُلُّ لَهُ وجْهٌ، وما عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ أوْجَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ عَسى مِنَ الأفْعالِ الجامِدَةِ، واقْتِرانُ الفاعِلِ بِالفِعْلِ أوْلى مِنَ اقْتِرانِ المَفْعُولِ لِأنَّ الفاعِلَ كالجُزْءِ مِنَ الفِعْلِ؛ ولِهَذا لَمْ يَجُزْ فِيهِ أرْبَعُ مُتَحَرِّكاتٍ في مِثْلِ قَوْلِ القائِلِ نُصِرْتُ، وجُوِّزَ في مِثْلِ قَوْلِهِمْ نَصَرَكَ ولِأنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَهُ فاعِلٌ سَواءٌ كانَ لازِمًا أوْ مُتَعَدِّيًا ولا كَذَلِكَ المَفْعُولُ بِهِ، فَعَسَيْتَ وعَساكَ كَعَصَيْتَ وعَصاكَ في اقْتِرانِ الفاعِلِ بِالفِعْلِ والمَفْعُولِ بِهِ، وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: عَسى أنْتَ تَقُومُ، وعَسى أنْ أقُومَ فَدُونَ ما ذَكَرْنا لِلتَّطْوِيلِ الَّذِي فِيهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ المُؤَكَّدِ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ عَلى سَبِيلِ الإخْبارِ: ﴿عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لَكانَ لِلْمُخاطَبِ أنْ يُنْكِرَهُ، فَإذا قالَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ كَأنَّهُ يَقُولُ أنا أسْألُكَ عَنْ هَذا وأنْتَ لا تَقْدِرُ أنْ تُجِيبَ إلّا بِلا أوْ

صفحة ٥٦

نَعَمْ، فَهو مُقَرَّرٌ عِنْدَكَ وعِنْدِي.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: عَسى لِلتَّوْقِيعِ واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَنَقُولُ فِيهِ ما قُلْنا في لَعَلَّ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكَهْفِ: ٧] إنَّ بَعْضَ النّاسِ قالَ: يَفْعَلُ بِكم فِعْلَ المُتَرَجِّي والمُبْتَلِي والمُتَوَقِّعِ، وقالَ آخَرُونَ: كُلُّ مَن يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَتَوَقَّعُ مِنهم ذَلِكَ ونَحْنُ قُلْنا: مَحْمُولٌ عَلى الحَقِيقَةِ وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ إذا كانَ مُمْكِنًا في نَفْسِهِ فالنَّظَرُ إلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِأمْرٍ، وإنَّما الأمْرُ يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ مِنهُ تارَةً ولا يَحْصُلَ مِنهُ أُخْرى فَيَكُونُ الفِعْلُ لِذَلِكَ الأمْرِ المَطْلُوبِ عَلى سَبِيلِ التَّرَجِّي سَواءٌ كانَ الفاعِلُ يَعْلَمُ حُصُولَ الأمْرِ مِنهُ وسَواءٌ إنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، مِثالُهُ مَن نَصَبَ شَبَكَةً لِاصْطِيادِ الصَّيْدِ يُقالُ: هو مُتَوَقِّعٌ لِذَلِكَ فَإنْ حَصَلَ لَهُ العِلْمُ بِوُقُوعِهِ فِيهِ بِإخْبارِ صادِقٍ أنَّهُ سَيَقَعُ فِيهِ أوْ بِطَرِيقٍ أُخْرى لا يَخْرُجُ عَنِ التَّوَقُّعِ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ في الشّاهِدِ لَمْ يَحْصُلْ لَنا العِلْمُ فِيما نَتَوَقَّعُهُ فَيُظَنُّ أنَّ عَدَمَ العِلْمِ لازِمٌ لِلْمُتَوَقِّعِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ المُتَوَقِّعُ هو المُنْتَظِرُ لِأمْرٍ لَيْسَ بِواجِبِ الوُقُوعِ نَظَرًا لِذَلِكَ الأمْرِ فَحَسْبُ، سَواءٌ كانَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ أوْ لَمْ يَكُنْ، وقَوْلُهُ: ﴿إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الوِلايَةِ يَعْنِي إنْ أخَذْتُمُ الوِلايَةَ وصارَ النّاسُ بِأمْرِكم أفْسَدْتُمْ وقَطَّعْتُمُ الأرْحامَ.

وثانِيهِما: هو مِنَ التَّوَلِّي الَّذِي هو الإعْراضُ وهَذا مُناسِبٌ لِما ذَكَرْنا، أيْ كُنْتُمْ تَتْرُكُونَ القِتالَ وتَقُولُونَ فِيهِ الإفْسادُ وقَطْعُ الأرْحامِ لِكَوْنِ الكُفّارِ أقارِبَنا فَلا يَقَعُ مِنكم إلّا ذَلِكَ حَيْثُ تُقاتِلُونَ عَلى أدْنى شَيْءٍ كَما كانَ عادَةُ العَرَبِ.

الأوَّلُ: يُؤَكِّدُهُ قِراءَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ تُوُلِّيتُمْ، أيْ إنْ تَوَلّاكم وُلاةٌ ظَلَمَةٌ جُفاةٌ غُشَمَةٌ ومَشَيْتُمْ تَحْتَ لِوائِهِمْ وأفْسَدْتُمْ بِإفْسادِهِمْ وقَطَّعْتُمْ أرْحامَكم، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَأْمُرُكم إلّا بِالإصْلاحِ وصِلَةِ الأرْحامِ، فَلِمَ تَتَقاعَدُونَ عَنِ القِتالِ وتَتَباعَدُونَ في الضَّلالِ.

47:23Page 509

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ ٢٣

Those [who do so] are the ones that Allāh has cursed, so He deafened them and blinded their vision.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ .

إشارَةٌ لِمَن سَبَقَ ذِكْرُهم مِنَ المُنافِقِينَ أبْعَدَهُمُ اللَّهُ عَنْهُ أوْ عَنِ الخَيْرِ فَأصَمَّهم فَلا يَسْمَعُونَ الكَلامَ المُسْتَبِينَ وأعْماهم فَلا يَتَّبِعُونَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، وفِيهِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُمُ اسْتَمَعُوا الكَلامَ العِلْمِيَّ ولَمْ يَفْهَمُوهُ، فَهم بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صُمٌّ أصَمَّهُمُ اللَّهُ وعِنْدَ الأمْرِ بِالعَمَلِ تَرَكُوهُ وعَلَّلُوا بِكَوْنِهِ إفْسادًا وقَطْعًا لِلرَّحِمِ وهم كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ عِنْدَ النَّهْيِ عَنْهُ فَلَمْ يَرَوْا حالَهم عَلَيْهِ وتَرَكُوا اتِّباعَ النَّبِيِّ الَّذِي يَأْمُرُهم بِالإصْلاحِ وصِلَةِ الأرْحامِ، ولَوْ دَعاهم مَن يَأْمُرُ بِالإفْسادِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ لاتَّبَعُوهُ فَهم عُمْيٌ أعْماهُمُ اللَّهُ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: أصَمَّهم ولَمْ يَقُلْ: أصَمَّ آذانَهم، وقالَ: ﴿وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أعْماهم، وذَلِكَ لِأنَّ العَيْنَ آلَةُ الرُّؤْيَةِ، ولَوْ أصابَها آفَةٌ لا يَحْصُلُ الإبْصارُ، والأُذُنُ لَوْ أصابَها آفَةٌ مِن قَطْعٍ أوْ قَلْعٍ تَسْمَعُ الكَلامَ، لِأنَّ الأُذُنَ خُلِقَتْ وخُلِقَ فِيها تَعارِيجٌ لِيَكْثُرَ فِيها الهَواءُ المُتَمَوِّجُ ولا يَقْرَعُ الصِّماخَ بِعُنْفٍ فَيُؤْذِي كَما يُؤْذِي الصَّوْتُ القَوِيُّ فَقالَ: (أصَمَّهم) مِن غَيْرِ ذِكْرِ الأُذُنِ، وقالَ: ﴿وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ مَعَ ذِكْرِ العَيْنِ لِأنَّ البَصَرَ هَهُنا بِمَعْنى العَيْنِ، ولِهَذا جَمَعَهُ بِالأبْصارِ، ولَوْ كانَ مَصْدَرًا لَما جُمِعَ فَلَمْ يَذْكُرِ الأُذُنَ إذْ لا مَدْخَلَ لَها في الإصْمامِ، والعَيْنُ لَها مَدْخَلٌ في الرُّؤْيَةِ بَلْ هي الكُلُّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الآفَةَ في غَيْرِ هَذِهِ المَواضِعِ لَمّا أضافَها إلى الأُذُنِ سَمّاها وقْرًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فُصِّلَتْ: ٥] وقالَ: ﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ [لُقْمانَ: ٧] والوَقْرُ دُونَ الصَّمِّ وكَذَلِكَ الطَّرَشُ.

47:24–26Page 509

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ ٢٤

Then do they not reflect upon the Qur’ān, or are there locks upon [their] hearts?

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٥

Indeed, those who reverted back [to disbelief] after guidance had become clear to them - Satan enticed them and prolonged hope for them.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ ٢٦

That is because they said to those who disliked what Allāh sent down,1 "We will obey you in part of the matter." And Allāh knows what they conceal.

صفحة ٥٧

: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ .

ولْنَذْكُرَ تَفْسِيرَها في مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ كَيْفَ يُمْكِنُهُمُ التَّدَبُّرُ في القُرْآنِ قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ وهو كَقَوْلِ القائِلِ لِلْأعْمى: أبْصِرْ ولِلْأصَمِّ اسْمَعْ، فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ مُتَرَتِّبَةٍ بَعْضُها أحْسَنُ مِنَ البَعْضِ. الأوَّلُ: تَكْلِيفُهُ ما لا يُطاقُ جائِزٌ واللَّهُ أمَرَ مَن عَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِأنْ يُؤْمِنَ، فَكَذَلِكَ جازَ أنْ يُعْمِيَهم ويَذُمَّهم عَلى تَرْكِ التَّدَبُّرِ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ النّاسُ.

الثّالِثُ: أنْ نَقُولَ: هَذِهِ الآيَةُ ورَدَتْ مُحَقِّقَةً لِمَعْنى الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ أبْعَدَهم عَنْهُ أوْ عَنِ الصِّدْقِ أوْ عَنِ الخَيْرِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الحَسَنَةِ: ﴿فَأصَمَّهُمْ﴾ لا يَسْمَعُونَ حَقِيقَةَ الكَلامِ وأعْماهم لا يَتَّبِعُونَ طَرِيقَ الإسْلامِ فَإذَنْ هم بَيْنَ أمْرَيْنِ، إمّا لا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ فَيَبْعُدُونَ مِنهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَعَنَهم وأبْعَدَهم عَنِ الخَيْرِ والصِّدْقِ، والقُرْآنُ مِنهُما الصِّنْفُ الأعْلى بَلِ النَّوْعُ الأشْرَفُ، وإمّا يَتَدَبَّرُونَ لَكِنْ لا تَدْخُلُ مَعانِيهِ في قُلُوبِهِمْ لِكَوْنِها مُقْفَلَةً، تَقْدِيرُهُ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ لِكَوْنِهِمْ مَلْعُونِينَ مَبْعُودِينَ، أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالٌ فَيَتَدَبَّرُونَ ولا يَفْهَمُونَ، وعَلى هَذا لا نَحْتاجُ أنْ نَقُولَ أمْ بِمَعْنى بَلْ، بَلْ هي عَلى حَقِيقَتِها لِلِاسْتِفْهامِ واقِعَةٌ في وسَطِ الكَلامِ والهَمْزَةُ أخَذَتْ مَكانَها وهو الصَّدْرُ، وأمْ دَخَلَتْ عَلى القُلُوبِ الَّتِي في وسَطِ الكَلامِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلى قُلُوبٍ﴾ عَلى التَّنْكِيرِ ما الفائِدَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِهِ مَوْصُوفًا لِأنَّ النَّكِرَةَ بِالوَصْفِ أوْلى مِنَ المَعْرِفَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: أمْ عَلى قُلُوبٍ قاسِيَةٍ أوْ مُظْلِمَةٍ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ كَأنَّهُ قالَ: أمْ عَلى بَعْضِ القُلُوبِ؛ لِأنَّ النَّكِرَةَ لا تَعُمُّ، تَقُولُ: جاءَنِي رِجالٌ فَيُفْهَمُ البَعْضُ وجاءَنِي الرِّجالُ فَيُفْهَمُ الكُلُّ، ونَحْنُ نَقُولُ: التَّنْكِيرُ لِلْقُلُوبِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الإنْكارِ الَّذِي في القُلُوبِ، وذَلِكَ لِأنَّ القَلْبَ إذا كانَ عارِفًا كانَ مَعْرُوفًا لِأنَّ القَلْبَ خُلِقَ لِلْمَعْرِفَةِ، فَإذا لَمْ تَكُنْ فِيهِ المَعْرِفَةُ فَكَأنَّهُ لا يُعْرَفُ، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ في الإنْسانِ المُؤْذِي: هَذا لَيْسَ بِإنْسانٍ هَذا سَبُعٌ، ولِذَلِكَ يُقالُ: هَذا لَيْسَ بِقَلْبٍ هَذا حَجَرٌ.

إذا عُلِمَ هَذا فالتَّعْرِيفُ إمّا بِالألِفِ واللّامِ وإمّا بِالإضافَةِ، واللّامُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ أوْ لِلْعَهْدِ، ولَمْ يُمْكِنْ إرادَةُ الجِنْسِ إذْ لَيْسَ عَلى قَلْبٍ قُفْلٌ، ولا تَعْرِيفُ العَهْدِ لِأنَّ ذَلِكَ القَلْبَ لَيْسَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ لَهُ قَلْبٌ، وإمّا بِالإضافَةِ بِأنْ نَقُولَ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها وهي لِعَدَمِ عَوْدِ فائِدَةٍ إلَيْهِمْ، كَأنَّها لَيْسَتْ لَهم. فَإنْ قِيلَ فَقَدْ قالَ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٧] وقالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] فَنَقُولُ: الأقْفالُ أبْلَغُ مِنَ الخَتْمِ فَتَرَكَ الإضافَةَ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ رَأْسًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿أقْفالُها﴾ بِالإضافَةِ ولَمْ يَقُلْ أقْفالٌ كَما قالَ: (قُلُوبٍ) لِأنَّ الأقْفالَ كانَتْ مِن شَأْنِها فَأضافَها إلَيْها كَأنَّها لَيْسَتْ إلّا لَها، وفي الجُمْلَةِ لَمْ يُضِفِ القُلُوبَ إلَيْهِمْ لِعَدَمِ نَفْعِها إيّاهم وأضافَ الأقْفالَ إلَيْها لِكَوْنِها مُناسِبَةً لَها، ونَقُولُ أرادَ بِهِ أقْفالًا مَخْصُوصَةً هي أقْفالُ الكُفْرِ والعِنادِ.

* * *

صفحة ٥٨

: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأمْلى لَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأمْلى لَهُمْ﴾ .

إشارَةٌ إلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِي تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ في التَّوْراةِ بِنَعْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وبَعْثِهِ وارْتَدُّوا، أوْ إلى كُلِّ مَن ظَهَرَتْ لَهُ الدَّلائِلُ وسَمِعَها ولَمْ يُؤْمِن، وهم جَماعَةٌ مَنَعَهم حُبُّ الرِّياسَةِ عَنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ: ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ سَهَّلَ لَهم ﴿وأمْلى لَهُمْ﴾ يَعْنِي قالُوا: نَعِيشُ أيّامًا ثُمَّ نُؤْمِنُ بِهِ، وقُرِئَ: ﴿وأمْلى لَهُمْ﴾ فَإنْ قِيلَ: الإمْلاءُ والإمْهالُ وحَدُّ الآجالِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ﴿وأمْلى لَهُمْ﴾ فَإنَّ المُمْلِيَ حِينَئِذٍ يَكُونُ هو الشَّيْطانَ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: جازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ﴿وأمْلى لَهُمْ﴾ اللَّهُ فَيَقِفُ عَلى: ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ .

وثانِيها: هو أنَّ المُسَوِّلَ أيْضًا لَيْسَ هو الشَّيْطانَ، وإنَّما أُسْنِدَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ قَدَّرَ عَلى يَدِهِ ولِسانِهِ ذَلِكَ، فَذَلِكَ الشَّيْطانُ يُمْلِيهِمْ ويَقُولُ لَهم في آجالِكم فُسْحَةٌ فَتَمَتَّعُوا بِرِياسَتِكم ثُمَّ في آخِرِ الأمْرِ تُؤْمِنُونَ، وقُرِئَ ”وأُمْلِي لَهُمْ“ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الهَمْزَةِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ .

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإمْلاءِ، أيْ ذَلِكَ الإمْلاءُ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا﴾ وهو اخْتِيارُ الواحِدِيِّ، وقالَ بَعْضُهم: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى التَّسْوِيلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: ذَلِكَ الِارْتِدادُ بِسَبَبِ أنَّهم قالُوا: ﴿سَنُطِيعُكُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنّا نُبَيِّنُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ هو أنَّهم قالُوا: نُوافِقُكم عَلى أنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِمُرْسَلٍ، وإنَّما هو كاذِبٌ، ولَكِنْ لا نُوافِقُكم في إنْكارِ الرِّسالَةِ والحَشْرِ والإشْراكِ بِاللَّهِ مِنَ الأصْنامِ، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَهو كافِرٌ، وإنْ آمَنَ بِغَيْرِهِ. لا بَلْ مَن لَمْ يُؤْمِن بِمُحَمَّدٍ ﷺ، لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ولا بِرُسُلِهِ ولا بِالحَشْرِ، لِأنَّ اللَّهَ كَما أخْبَرَ عَنِ الحَشْرِ وهو جائِزٌ، أخْبَرَ عَنْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهي جائِزَةٌ، فَإذا لَمْ يُصَدِّقِ اللَّهَ في شَيْءٍ لا يَنْفِي الكَذِبَ بِقَوْلِ اللَّهِ في غَيْرِهِ، فَلا يَكُونُ مُصَدِّقًا مُوقِنًا بِالحَشْرِ، ولا بِرِسالَةِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَتِهِمْ واحِدٌ.

والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ: ﴿كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ هُمُ المُشْرِكُونَ والمُنافِقُونَ، وقِيلَ: المُرادُ اليَهُودُ، فَإنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا لَهم: نُوافِقُكم في إخْراجِ مُحَمَّدٍ وقَتْلِهِ وقِتالِ أصْحابِهِ، والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ لَوْ كانَ مُسْنَدًا إلى أهْلِ الكِتابِ لَكانَ مَخْصُوصًا بِبَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ، وإنْ قُلْنا بِأنَّهُ مُسْنَدٌ إلى المُشْرِكِينَ يَكُونُ عامًّا، لِأنَّهم كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ وكَذَّبُوا الرُّسُلَ بِأسْرِهِمْ، وأنْكَرُوا الرِّسالَةَ رَأْسًا، وقَوْلُهُ: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ يَعْنِي فِيما يَتَعَلَّقُ بِمُحَمَّدٍ مِنَ الإيمانِ بِهِ فَلا نُؤْمِنُ والتَّكْذِيبِ بِهِ فَنُكَذِّبُهُ كَما تُكَذِّبُونَهُ، والقِتالِ مَعَهُ، وأمّا الإشْراكُ بِاللَّهِ، واتِّخاذُ الأنْدادِ لَهُ مِنَ الأصْنامِ، وإنْكارُ الحَشْرِ والنُّبُوَّةِ فَلا.

وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ قالَ أكْثَرُهم: المُرادُ مِنهُ هو أنَّهم قالُوا ذَلِكَ سِرًّا، فَأفْشاهُ اللَّهُ وأظْهَرَهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والأظْهَرُ أنْ يُقالَ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ وهو ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ العِلْمِ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ

صفحة ٥٩

الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّهم كانُوا مُكابِرِينَ مُعانِدِينَ، وكانُوا يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وقُرِئَ: ”إسْرارَهم“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى المَصْدَرِ، وما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى ظاهِرٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، فَإنَّهم كانُوا يُسِرُّونَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى قَوْلِنا المُرادُ مِنَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا المُنافِقُونَ، فَكانُوا يَقُولُونَ لِلْمُجاهِدِينَ مِنَ الكُفّارِ: ﴿سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ وكانُوا يُسِرُّونَ أنَّهم إنْ غَلَبُوا انْقَلَبُوا، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ [الأحْزابِ: ١٩] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском