Ar-RaziAl‑Fath · 48:6–13

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Fath 48:6–13

48:6–7Page 511

وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۖ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَلَعَنَهُمۡ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرٗا ٦

And [that] He may punish the hypocrite men and hypocrite women, and the polytheist men and polytheist women - those who assume about Allāh an assumption of evil nature. Upon them is a misfortune of evil nature; and Allāh has become angry with them and has cursed them and prepared for them Hell, and evil it is as a destination.

وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ٧

And to Allāh belong the soldiers of the heavens and the earth. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .

صفحة ٧٣

واعْلَمْ أنَّهُ قَدَّمَ المُنافِقِينَ عَلى المُشْرِكِينَ في الذِّكْرِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ لِأُمُورٍ أحَدُها: أنَّهم كانُوا أشَدَّ عَلى المُؤْمِنِينَ مِنَ الكافِرِ المُجاهِرِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ كانَ يَتَوَقّى المُشْرِكَ المُجاهِرَ وكانَ يُخالِطُ المُنافِقَ لِظَنِّهِ بِإيمانِهِ، وهو كانَ يُفْشِي أسْرارَهُ، وإلى هَذا أشارَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ”«أعْدى عَدُوِّكَ نَفْسُكُ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ» “ والمُنافِقُ عَلى صُورَةِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ لا يَأْتِي الإنْسانَ عَلى أنِّي عَدُوُّكَ، وإنَّما يَأْتِيهِ عَلى أنِّي صَدِيقُكَ، والمُجاهِرُ عَلى خِلافِ الشَّيْطانِ مِن وجْهٍ، ولِأنَّ المُنافِقَ كانَ يَظُنُّ أنْ يَتَخَلَّصَ لِلْمُخادَعَةِ، والكافِرُ لا يَقْطَعُ بِأنَّ المُؤْمِنَ إنْ غَلَبَ يَفْدِيهِ، فَأوَّلُ ما أخْبَرَ اللَّهُ أخْبَرَ عَنِ المُنافِقِ، وقَوْلُهُ: ﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ هَذا الظَّنُّ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحُدُها: هو الظَّنُّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ﴾ [الفَتْحِ: ١٢] .

ثانِيها: ظَنُّ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ في الإشْراكِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ﴾ [النَّجْمِ: ٢٣] إلى أنْ قالَ: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [النَّجْمِ: ٢٨] . ثالِثُها: ظَنُّهم أنَّ اللَّهَ لا يَرى ولا يَعْلَمُ كَما قالَ: ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢٢] والأوَّلُ أصَحُّ أوْ نَقُولُ: المُرادُ جَمِيعُ ظُنُونِهِمْ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ ظَنُّهُمُ الَّذِي ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لا يُحْيِي المَوْتى، وأنَّ العالَمَ خَلْقُهُ باطِلٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ الألِفُ واللّامُ الَّذِي في السُّوءِ وسَنَذْكُرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: ما اخْتارَهُ المُحَقِّقُونَ مِنَ الأُدَباءِ، وهو أنَّ السُّوءَ صارَ عِبارَةً عَنِ الفَسادِ، والصِّدْقَ عِبارَةً عَنِ الصَّلاحِ يُقالُ: مَرَرْتُ بِرَجُلِ سُوءٍ أيْ فاسِدٍ، وسُئِلْتُ عَنْ رَجُلِ صِدْقٍ أيْ صالِحٍ، فَإذا كانَ مَجْمُوعُ قَوْلِنا رَجُلُ سَوْءٍ يُؤَدِّي مَعْنى قَوْلِنا فاسِدٌ، فالسُّوءُ وحْدَهُ يَكُونُ بِمَعْنى الفَسادِ، وهَذا ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الخَلِيلُ والزَّجّاجُ واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَحْقِيقُ هَذا أنَّ السَّوْءَ في المَعانِي كالفَسادِ في الأجْسادِ، يُقالُ: ساءَ مِزاجُهُ، وساءَ خُلُقُهُ، وساءَ ظَنُّهُ، كَما يُقالُ: فَسَدَ اللَّحْمُ وفَسَدَ الهَواءُ، بَلْ كُلُّ ما ساءَ فَقَدْ فَسَدَ وكُلُّ ما فَسَدَ فَقَدْ ساءَ غَيْرَ أنَّ أحَدَهُما كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ في المَعانِي والآخَرَ في الأجْرامِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الرُّومِ: ٤١] وقالَ: ﴿ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٩] هَذا ما يَظْهَرُ لِي مِن تَحْقِيقِ كَلامِهِمْ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أيْ دائِرَةُ الفَسادِ وحاقَ بِهِمُ الفَسادُ بِحَيْثُ لا خُرُوجَ لَهم مِنهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ زِيادَةٌ في الإفادَةِ لِأنَّ مَن كانَ بِهِ بَلاءٌ فَقَدْ يَكُونُ مُبْتَلًى بِهِ عَلى وجْهِ الِامْتِحانِ فَيَكُونُ مُصابًا لِكَيْ يَصِيرَ مُثابًا، وقَدْ يَكُونُ مُصابًا عَلى وجْهِ التَّعْذِيبِ فَقَوْلُهُ: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الَّذِي حاقَ بِهِمْ عَلى وجْهِ التَّعْذِيبِ وقَوْلُهُ: ﴿ولَعَنَهُمْ﴾ زِيادَةُ إفادَةٍ لِأنَّ المَغْضُوبَ عَلَيْهِ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَقْنَعُ الغاضِبُ بِالعَتَبِ والشَّتْمِ أوِ الضَّرْبِ، ولا يُفْضِي غَضَبُهُ إلى إبْعادِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ مِن جَنابِهِ وطَرْدِهِ مِن بابِهِ، وقَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يُفْضِي إلى الطَّرْدِ والإبْعادِ فَقالَ: ﴿ولَعَنَهُمْ﴾ لِكَوْنِ الغَضَبِ شَدِيدًا، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَهم في الدُّنْيا بَيَّنَ مَآلَهم في العُقْبى قالَ: ﴿وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ساءَتْ﴾ إشارَةٌ لِمَكانِ التَّأْنِيثِ في جَهَنَّمَ يُقالُ: هَذِهِ الدّارُ نِعْمَ المَكانُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وبَقِيَ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في الإعادَةِ ؟ نَقُولُ: لِلَّهِ جُنُودُ الرَّحْمَةِ وجُنُودُ العَذابِ أوْ جُنُودُ اللَّهِ إنْزالُهم قَدْ يَكُونُ لِلرَّحْمَةِ، وقَدْ يَكُونُ لِلْعَذابِ، فَذَكَرَهم أوَّلًا لِبَيانِ الرَّحْمَةِ بِالمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٣] . وثانِيًا: لِبَيانِ إنْزالِ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ.

صفحة ٧٤

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هُناكَ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النِّساءِ: ١٧] وهُنا: ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قَدْ بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِهِمُ الإشارَةُ إلى شِدَّةِ العَذابِ فَذَكَرَ العِزَّةَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٧] وقالَ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٢] وقالَ تَعالى: ﴿العَزِيزُ الجَبّارُ﴾ [الحَشْرِ:٢٣] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ جُنُودَ السَّماواتِ والأرْضِ قَبْلَ إدْخالِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، وذَكَرَهم هَهُنا بَعْدَ ذِكْرِ تَعْذِيبِ الكُفّارِ وإعْدادِ جَهَنَّمَ، نَقُولُ: فِيهِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ جُنُودَ الرَّحْمَةِ فَيُدْخِلُ المُؤْمِنِينَ مُكَرَّمِينَ مُعَظَّمِينَ الجَنَّةَ ثُمَّ يُلْبِسُهم خِلَعَ الكَرامَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ كَما بَيَّنّا ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ القُرْبى والزُّلْفى بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وبَعْدَ حُصُولِ القُرْبِ والعِنْدِيَّةِ لا تَبْقى واسِطَةُ الجُنُودِ، فالجُنُودُ في الرَّحْمَةِ أوَّلًا يَنْزِلُونَ ويُقَرَّبُونَ آخِرًا. وأمّا في الكافِرِ فَيُغْضَبُ عَلَيْهِ أوَّلًا فَيُبْعَدُ ويُطْرَدُ إلى البِلادِ النّائِيَةِ عَنْ ناحِيَةِ الرَّحْمَةِ وهي جَهَنَّمُ ويُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ مَلائِكَةُ العَذابِ وهم جُنُودُ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] ولِذَلِكَ ذَكَرَ جُنُودَ الرَّحْمَةِ أوَّلًا والقُرْبَةِ بِقَوْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ آخِرًا. وقالَ هَهُنا: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهُمْ﴾ وهو الإبْعادُ أوَّلًا وجُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ آخِرًا.

48:8–9Page 511

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٨

Indeed, We have sent you as a witness and a bringer of good tidings and a warner

لِّتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٩

That you [people] may believe in Allāh and His Messenger and honor him and respect him [i.e., the Prophet (ﷺ)] and exalt Him [i.e., Allāh] morning and afternoon.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ .

قالَ المُفَسِّرُونَ: ”شاهِدًا“ عَلى أُمَّتِكَ بِما يَفْعَلُونَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الفَتْحِ: ٨] وعَلَيْهِ يَشْهَدُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨] وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، الَّذِينَ آتاهُمُ اللَّهُ عِلْمًا مِن عِنْدِهِ وعَلَّمَهم ما لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ أيْ فاشْهَدْ وقَوْلُهُ: ﴿ومُبَشِّرًا﴾ لِمَن قَبِلَ شَهادَتَهُ وعَمِلَ بِها ويُوافِقُهُ فِيها: (ونَذِيرًا) لِمَن رَدَّ شَهادَتَهُ ويُخالِفُهُ فِيها.

ثُمَّ بَيَّنَ فائِدَةَ الإرْسالِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَقالَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ وهَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الأُمُورُ الأرْبَعَةُ المَذْكُورَةُ مُرَتَّبَةً عَلى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ مِن قَبْلُ، فَقَوْلُهُ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ﴾ لِأنَّ كَوْنَهُ مُرْسَلًا مِنَ اللَّهِ يَقْتَضِي أنْ يُؤْمِنَ المُكَلَّفُ بِاللَّهِ المُرْسِلِ وبِالمُرْسَلِ، وقَوْلُهُ: ﴿شاهِدًا﴾ يَقْتَضِي أنْ يُعَزِّرَ اللَّهُ ويُقَوِّيَ دِينَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿شاهِدًا﴾ عَلى ما بَيَّنّا مَعْناهُ أنَّهُ يَشْهَدُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو فَدِينُهُ هو الحَقُّ وأحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ، وقَوْلُهُ: ﴿ومُبَشِّرًا﴾ يَقْتَضِي أنْ يُوَقِّرَ اللَّهَ لِأنَّ تَعْظِيمَ اللَّهَ عِنْدَهُ عَلى شَبَهِ تَعْظِيمِ اللَّهِ إيّاهُ. وقَوْلُهُ: ﴿ونَذِيرًا﴾ يَقْتَضِي أنْ يُنَزَّهَ عَنِ السُّوءِ والفَحْشاءِ مَخافَةَ عَذابِهِ الألِيمِ وعِقابِهِ الشَّدِيدِ، وأصْلُ الإرْسالَ مُرَتَّبٌ عَلى أصْلِ الإيمانِ ووَصْفُ الرَّسُولِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وصْفُ المُؤْمِنِ.

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مُقْتَضِيًا لِلْأُمُورِ الأرْبَعَةِ فَكَوْنُهُ مُرْسَلًا يَقْتَضِي أنْ يُؤْمِنَ المُكَلَّفُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ

صفحة ٧٥

ويُعَزِّرَهُ ويُوَقِّرَهُ ويُسَبِّحَهُ، وكَذَلِكَ كَوْنُهُ: ﴿شاهِدًا﴾ بِالوَحْدانِيَّةِ يَقْتَضِي الأُمُورَ المَذْكُورَةَ، وكَذَلِكَ كَوْنُهُ: ﴿ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ لا يُقالُ: إنَّ اقْتِرانَ اللّامِ بِالفِعْلِ يَسْتَدْعِي فِعْلًا مُقَدَّمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ ولا يَتَعَلَّقُ بِالوَصْفِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ يَسْتَدْعِي فِعْلًا وهو قَوْلُهُ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ﴾ فَكَيْفَ تَتَرَتَّبُ الأُمُورُ عَلى كَوْنِهِ: ﴿شاهِدًا ومُبَشِّرًا﴾ ؟ لِأنّا نَقُولُ: يَجُوزُ التَّرْتِيبُ عَلَيْهِ مَعْنًى لا لَفْظًا، كَما أنَّ القائِلَ إذا قالَ: بَعَثْتُ إلَيْكَ عالِمًا لِتُكْرِمَهُ فاللَّفْظُ يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِ البَعْثِ سَبَبَ الإكْرامِ، وفي المَعْنى كَوْنُهُ عالِمًا هو السَّبَبُ لِلْإكْرامِ، ولِهَذا لَوْ قالَ بَعَثْتُ إلَيْكَ جاهِلًا لِتُكْرِمَهُ كانَ حَسَنًا، وإذا أرَدْنا الجَمْعَ بَيْنَ اللَّفْظِ والمَعْنى نَقُولُ: الإرْسالُ الَّذِي هو إرْسالُ حالِ كَوْنِهِ شاهِدًا كَما تَقُولُ: بَعْثُ العالَمِ سَبَبُ جَعْلِهِ سَبَبًا لا مُجَرَّدُ البَعْثِ ولا مُجَرَّدُ العالَمِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في الأحْزابِ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٤٥، ٤٦] وهَهُنا اقْتَصَرَ عَلى الثَّلاثَةِ مِنَ الخَمْسَةِ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ المَقامَ كانَ مَقامَ ذِكْرِهِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ السُّورَةِ في ذِكْرِ الرَّسُولِ ﷺ وأحْوالِهِ وما تَقَدَّمَهُ مِنَ المُبايَعَةِ والوَعْدِ والدُّخُولِ فَفُصِّلَ هُنالِكَ، ولَمْ يُفَصَّلْ هَهُنا. ثانِيهِما: أنْ نَقُولَ: الكَلامُ مَذْكُورٌ هَهُنا لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿شاهِدًا﴾ لَمّا لَمْ يَقْتَضِ أنْ يَكُونَ داعِيًا لِجَوازِ أنْ يَقُولَ مَعَ نَفْسِهِ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولا يَدْعُو النّاسَ قالَ هُناكَ وداعِيًا لِذَلِكَ، وهَهُنا لَمّا لَمْ يَكُنْ كَوْنُهُ: ﴿شاهِدًا﴾ مُنْبِئًا عَنْ كَوْنِهِ داعِيًا قالَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ﴾ دَلِيلٌ عَلى كَوْنِهِ سِراجًا لِأنَّهُ أتى بِما يَجِبُ مِنَ التَّعْظِيمِ والِاجْتِنابِ عَمّا يَحْرُمُ مِنَ السُّوءِ والفَحْشاءِ بِالتَّنْزِيهِ وهو التَّسْبِيحُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ اخْتِيارَ البُكْرَةِ والأصِيلِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى المُداوَمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا بِخِلافِ ما كانَ المُشْرِكُونَ يَعْمَلُونَهُ فَإنَّهم كانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ في الكَعْبَةِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً فَأُمِرُوا بِالتَّسْبِيحِ في أوْقاتٍ كانُوا يَذْكُرُونَ فِيها الفَحْشاءَ والمُنْكَرَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الكِناياتُ المَذْكُورُةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ﴾ راجِعَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ؟ والأصَحُّ هو الأوَّلُ.

48:10Page 512

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٠

Indeed, those who pledge allegiance to you, [O Muḥammad] - they are actually pledging allegiance to Allāh. The hand1 of Allāh is over their hands.2 So he who breaks his word only breaks it to the detriment of himself. And he who fulfills that which he has promised Allāh - He will give him a great reward.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ مُرْسَلٌ ذَكَرَ أنَّ مَن بايَعَهُ فَقَدْ بايَعَ اللَّهَ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، وذَلِكَ أنَّ اليَدَ في المَوْضِعَيْنِ إمّا أنْ تَكُونَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ بِمَعْنَيَيْنِ، فَإنْ قُلْنا إنَّها بِمَعْنًى واحِدٍ، فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ بِمَعْنى: نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَوْقَ إحْسانِهِمْ إلى اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ [الحُجُراتِ: ١٧] وثانِيهِما: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ نُصْرَتُهُ إيّاهم أقْوى وأعْلى مِن نُصْرَتِهِمْ إيّاهُ، يُقالُ: اليَدُ لِفُلانٍ، أيِ الغَلَبَةُ والنُّصْرَةُ والقَهْرُ. وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّها بِمَعْنَيَيْنِ، فَنَقُولُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى

صفحة ٧٦

بِمَعْنى الحِفْظِ، وفي حَقِّ المُبايِعِينَ بِمَعْنى الجارِحَةِ، واليَدُ كِنايَةٌ عَنِ الحِفْظِ مَأْخُوذٌ مِن حالِ المُتَبايِعِينَ إذا مَدَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَدَهُ إلى صاحِبِهِ في البَيْعِ والشِّراءِ، وبَيْنَهُما ثالِثٌ مُتَوَسِّطٍ لا يُرِيدُ أنْ يَتَفاسَخا العَقْدَ مِن غَيْرِ إتْمامِ البَيْعِ، فَيَضَعُ يَدَهُ عَلى يَدَيْهِما، ويَحْفَظُ أيْدِيَهُما إلى أنْ يَتِمَّ العَقْدُ، ولا يَتْرُكَ أحَدَهُما يَتْرُكُ يَدَ الآخَرِ، فَوَضْعُ اليَدِ فَوْقَ الأيْدِي صارَ سَبَبًا لِلْحِفْظِ عَلى البَيْعَةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ يَحْفَظُهم عَلى البَيْعَةِ كَما يَحْفَظُ ذَلِكَ المُتَوَسِّطُ أيْدِيَ المُتَبايِعِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أمّا عَلى قَوْلِنا المُرادُ مِنَ اليَدِ النِّعْمَةُ أوِ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، فَلِأنَّ مَن نَكَثَ فَوَّتَ عَلى نَفْسِهِ الإحْسانَ الجَزِيلَ في مُقابَلَةِ العَمَلِ القَلِيلِ، فَقَدْ خَسِرَ ونَكْثُهُ عَلى نَفْسِهِ، وأمّا عَلى قَوْلِنا المُرادُ الحِفْظُ، فَهو عائِدٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ يَعْنِي مَن يُبايِعُكُ أيُّها النَّبِيُّ إذا نَكَثَ لا يَكُونُ نَكْثُهُ عائِدًا إلَيْكَ؛ لِأنَّ البَيْعَةَ مَعَ اللَّهِ ولا إلى اللَّهِ، لِأنَّهُ لا يَتَضَرَّرُ بِشَيْءٍ، فَضَرَرُهُ لا يَعُودُ إلّا إلَيْهِ. قالَ: ﴿ومَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ العِظَمَ في الأجْرامِ لا يُقالُ إلّا إذا اجْتَمَعَ فِيهِ الطُّولُ البالِغُ والعَرْضُ الواسِعُ والسُّمْكُ الغَلِيظُ، فَيُقالُ في الجَبَلِ الَّذِي هو مُرْتَفِعٌ، ولا اتِّساعَ لِعَرْضِهِ جَبَلٌ عالٍ أوْ مُرْتَفِعٌ أوْ شاهِقٌ، فَإذا انْضَمَّ إلَيْهِ الِاتِّساعُ في الجَوانِبِ يُقالُ عَظِيمٌ، والأجْرُ كَذَلِكَ، لِأنَّ مَآكِلَ الجَنَّةِ تَكُونُ مِن أرْفَعِ الأجْناسِ، وتَكُونُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، وتَكُونُ مُمْتَدَّةً إلى الأبَدِ لا انْقِطاعَ لَها، فَحَصَلَ فِيهِ ما يُناسِبُ أنْ يُقالَ لَهُ عَظِيمٌ، والعَظِيمُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى إشارَةٌ إلى كَمالِهِ في صِفاتِهِ، كَما أنَّهُ في الجِسْمِ إشارَةٌ إلى كَمالِهِ في جِهاتِهِ.

48:11Page 512

سَيَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ شَغَلَتۡنَآ أَمۡوَٰلُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ بَلۡ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرَۢا ١١

Those who remained behind1 of the bedouins will say to you, "Our properties and our families occupied us, so ask forgiveness for us." They say with their tongues what is not within their hearts. Say, "Then who could prevent Allāh at all if He intended for you harm or intended for you benefit? Rather, ever is Allāh, of what you do, Aware.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا فاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ .

لَمّا بَيَّنَ حالَ المُنافِقِينَ ذَكَرَ المُتَخَلِّفِينَ، فَإنَّ قَوْمًا مِنَ الأعْرابِ امْتَنَعُوا عَنِ الخُرُوجِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِظَنِّهِمْ أنَّهُ يُهْزَمُ، فَإنَّهم قالُوا: أهْلُ مَكَّةَ يُقاتِلُونَ عَنْ بابِ المَدِينَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا دَخَلُوا بِلادَهم وأحاطَ بِهِمُ العَدُوُّ فاعْتَذَرُوا، وقَوْلُهم: ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ فِيهِ أمْرانِ يُفِيدانِ وُضُوحَ العُذْرِ أحَدُهُما: [قَوْلُهُمْ]: (أمْوالُنا) ولَمْ يَقُولُوا شَغَلَتْنا الأمْوالُ، وذَلِكَ لِأنَّ جَمْعَ المالِ لا يَصْلُحُ عُذْرًا [لِأنَّهُ] لا نِهايَةَ لَهُ، وأمّا حِفْظُ ما جُمِعَ مِنَ الشَّتاتِ ومَنعُ الحاصِلَ مِنَ الفَواتِ يَصْلُحُ عُذْرًا، فَقالُوا: ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا﴾ أيْ ما صارَ مالًا لَنا لا مُطْلَقَ الأمْوالِ.

وثانِيهِما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأهْلُونا﴾ وذَلِكَ لَوْ أنَّ قائِلًا قالَ لَهم: المالُ لا يَنْبَغِي أنْ يَبْلُغَ إلى دَرَجَةٍ يَمْنَعُكم حِفْظُهُ مِن مُتابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ لَكانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: فالأهْلُ يَمْنَعُ الِاشْتِغالُ بِهِمْ وحِفْظُهم عَنْ أهَمِّ الأُمُورِ، ثُمَّ إنَّهم مَعَ العُذْرِ تَضَرَّعُوا وقالُوا: ﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ يَعْنِي فَنَحْنُ مَعَ إقامَةِ العُذْرِ مُعْتَرِفُونَ بِالإساءَةِ، فاسْتَغْفِرْ لَنا واعْفُ عَنّا في أمْرِ الخُرُوجِ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ وهَذا

صفحة ٧٧

يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلى قَوْلِهِمْ: ﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾ وتَحْقِيقُهُ هو أنَّهم أظْهَرُوا أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهم مُسِيئُونَ بِالتَّخَلُّفِ حَتّى اسْتَغْفَرُوا، ولَمْ يَكُنْ في اعْتِقادِهِمْ ذَلِكَ، بَلْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم بِالتَّخَلُّفِ مُحْسِنُونَ. ثانِيهِما: قالُوا: ﴿شَغَلَتْنا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ امْتِناعَنا لِهَذا لا غَيْرُ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في اعْتِقادِهِمْ، بَلْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ امْتِناعَهم لِاعْتِقادِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ يُقْهَرُونَ ويُغْلَبُونَ، كَما قالَ بَعْدَهُ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا﴾ [الفَتْحِ: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ مَعْناهُ أنَّكم تَحْتَرِزُونَ عَنِ الضُّرِّ، وتَتْرُكُونَ أمْرَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وتَقْعُدُونَ طَلَبًا لِلسَّلامَةِ، ولَوْ أرادَ بِكُمُ الضَّرَرَ لا يَنْفَعُكم قُعُودُكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، أوْ مَعْناهُ أنَّكم تَحْتَرِزُونَ عَنْ ضَرَرِ القِتالِ والمُقاتِلِينَ وتَعْتَقِدُونَ أنَّ أهْلِيكم وبِلادَكم تَحْفَظُكم مِنَ العَدُوِّ، فَهَبْ أنَّكم حَفِظْتُمْ أنْفُسَكم عَنْ ذَلِكَ، فَمَن يَدْفَعُ عَنْكم عَذابَ اللَّهِ في الآخِرَةِ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ أوْلى بِالِاحْتِرازِ، وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ يس في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾ [يس: ٢٣] أنَّهُ في صُورَةِ كَوْنِ الكَلامِ مَعَ المُؤْمِنِ، أدْخَلَ الباءَ عَلى الضُّرِّ فَقالَ: ﴿إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الزُّمَرِ: ٣٨] وقالَ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الأنْعامِ: ١٧] وفي صُورَةِ كَوْنِ الكَلامِ مَعَ الكافِرِ أدْخَلَ الباءَ عَلى الكافِرِ، فَقالَ هَهُنا: ﴿إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا﴾ وقالَ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ [الأحْزابِ: ١٧] وقَدْ ذَكَرْنا الفَرْقَ الفائِقَ هُناكَ، ولا نُعِيدُهُ لِيَكُونَ هَذا باعِثًا عَلى مُطالَعَةِ تَفْسِيرِ سُورَةِ يس، فَإنَّها دُرْجُ الدُّرَرِ اليَتِيمَةِ.: ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أيْ بِما تَعْمَلُونَ مِن إظْهارِ الحَرْبِ وإضْمارِ غَيْرِهِ.

48:12–13Page 512

بَلۡ ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهۡلِيهِمۡ أَبَدٗا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمۡ وَظَنَنتُمۡ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِ وَكُنتُمۡ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٢

But you thought that the Messenger and the believers would never return to their families, ever, and that was made pleasing in your hearts. And you assumed an assumption of evil and became a people ruined."

وَمَن لَّمۡ يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فَإِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَعِيرٗا ١٣

And whoever has not believed in Allāh and His Messenger - then indeed, We have prepared for the disbelievers a Blaze.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا وزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكم وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ .

يَعْنِي لَمْ يَكُنْ تَخَلُّفُكم لِما ذَكَرْتُمْ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ﴾ وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ ظَنَنْتُمْ أوَّلًا، فَزَيَّنَ الشَّيْطانُ ظَنَّكم عِنْدَكم حَتّى قَطَعْتُمْ بِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الشُّبْهَةَ قَدْ يُزَيِّنُها الشَّيْطانُ، ويَضُمُّ إلَيْها مُخايَلَةً يَقْطَعُ بِها الغافِلُ، وإنْ كانَ لا يَشُكُّ فِيها العاقِلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ هَذا العَطْفُ عَطْفًا يُفِيدُ المُغايَرَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ غَيْرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ وحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ الثّانِي مَعْناهُ: وظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ يُخْلِفُ وعْدَهُ، أوْ ظَنَنْتُمْ أنَّ الرَّسُولَ كاذِبٌ في قَوْلِهِ.

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ هو ما تَقَدَّمَ مِن ظَنِّ أنْ لا يَنْقَلِبُوا، ويَكُونُ عَلى حَدِّ قَوْلِ القائِلِ: عَلِمْتُ هَذِهِ المَسْألَةَ وعَلِمْتُ

صفحة ٧٨

كَذا، أيْ هَذِهِ المَسْألَةُ لا غَيْرُها، وذَلِكَ كَأنَّهُ قالَ: بَلْ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ. وظَنُّكم ذَلِكَ فاسِدٌ، وقَدْ بَيَّنّا التَّحْقِيقَ في ظَنِّ السُّوءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما: وصِرْتُمْ بِذَلِكَ الظَّنِّ بائِرِينَ هالِكِينَ.

وثانِيهِما: أنْتُمْ في الأصْلِ بائِرُونَ وظَنَنْتُمْ ذَلِكَ الظَّنَّ الفاسِدَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى:: ﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ .

عَلى قَوْلِنا: ﴿وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ظَنٌّ آخَرُ غَيْرُ ما في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ ظاهِرٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ ظَنُّهم بِأنَّ اللَّهَ يُخْلِفُ وعْدَهُ أوْ ظَنُّهم بِأنَّ الرَّسُولَ كاذِبٌ فَقالَ: ﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ويَظُنُّ بِهِ خُلْفًا وبِرَسُولِهِ كَذِبًا فَإنّا أعْتَدْنا لَهُ سَعِيرًا، وفي قَوْلِهِ: (لِلْكافِرِينَ) بَدَلًا عَنْ أنْ يَقُولَ فَإنّا أعْتَدْنا لَهُ فائِدَةٌ وهي التَّعْمِيمُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ فَهو مِنَ الكافِرِينَ وإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском