Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Fath 48:24–26
48:24–25Page 514
وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ عَنۡهُم بِبَطۡنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعۡدِ أَنۡ أَظۡفَرَكُمۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٢٤
And it is He who withheld their hands from you and your hands from them within [the area of] Makkah after He caused you to overcome them. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.
هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡهَدۡيَ مَعۡكُوفًا أَن يَبۡلُغَ مَحِلَّهُۥۚ وَلَوۡلَا رِجَالٞ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَآءٞ مُّؤۡمِنَٰتٞ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَـُٔوهُمۡ فَتُصِيبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةُۢ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ لِّيُدۡخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ لَوۡ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ٢٥
They are the ones who disbelieved and obstructed you from al-Masjid al-Ḥarām while the offering1 was prevented from reaching its place of sacrifice. And if not for believing men and believing women whom you did not know - that you might trample [i.e., kill] them and there would befall you because of them dishonor without [your] knowledge - [you would have been permitted to enter Makkah]. [This was so] that Allāh might admit to His mercy whom He willed. If they had been apart [from them], We would have punished those who disbelieved among them with painful punishment
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ .
تَبْيِينًا لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ أيْ هو بِتَقْدِيرِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم بِالفِرارِ، وأيْدِيَكم عَنْهم بِالرُّجُوعِ عَنْهم وتَرْكِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ إشارَةٌ إلى أمْرٍ كانَ هُناكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الكَفِّ، ومَعَ ذاكَ وُجِدَ كَفُّ الأيْدِي، وذَلِكَ الأمْرُ هو دُخُولُ المُسْلِمِينَ بِبَطْنِ مَكَّةَ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَصْبِرَ المَكْفُوفُ عَلى القِتالِ لِكَوْنِ العَدُوِّ دَخَلَ دارَهم طالِبِينَ ثَأْرَهم، وذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ اجْتِهادَ البَلِيدِ في الذَّبِّ عَنِ الحَرِيمِ، ويَقْتَضِي أنْ يُبالِغَ المُسْلِمُونَ في الِاجْتِهادِ في الجِهادِ لِكَوْنِهِمْ لَوْ قَصَّرُوا لَكُسِرُوا وأُسِرُوا لِبُعْدِ مَأْمَنِهِمْ، فَقَوْلُهُ: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ إشارَةٌ إلى بُعْدِ الكَفِّ، ومَعَ ذَلِكَ وُجِدَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾ صالِحٌ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مِنَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنَّ الظَّفَرَ كانَ لَكم، مَعَ أنَّ الظّاهِرَ كانَ يَسْتَدْعِي كَوْنَ الظَّفَرِ لَهم؛ لِكَوْنِ البِلادِ لَهم، ولِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَكَرَ أمْرَيْنِ مانِعَيْنِ مِنَ الأمْرَيْنِ الأوَّلَيْنِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ حَقَّقَهُما مَعَ المُنافِقِينَ، أمّا كَفُّ أيْدِي الكُفّارِ فَكانَ بَعِيدًا؛ لِكَوْنِهِمْ في بِلادِهِمْ ذابِّينَ عَنْ أهْلِيهِمْ وأوْلادِهِمْ، وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ . وأمّا كَفُّ أيْدِي المُسْلِمِينَ، فَلِأنَّهُ كانَ بَعْدَ أنْ ظَفِرُوا بِهِمْ، ومَتى ظَفِرَ الإنْسانُ بِعَدُوِّهِ الَّذِي لَوْ ظَفِرَ هو بِهِ لاسْتَأْصَلَهُ يَبْعُدُ انْكِفافُهُ عَنْهُ، مَعَ أنَّ اللَّهَ كَفَّ اليَدَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ .
يَعْنِي: كانَ اللَّهُ يَرى فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، وإنْ كُنْتُمْ لا تَرَوْنَ ذَلِكَ، وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥] إلى أنْ قالَ: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ [الفتح: ٢٥] يَعْنِي: كانَ الكَفُّ مُحافَظَةً عَلى ما في مَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ لِيَخْرُجُوا مِنها ويَدْخُلُوها عَلى وجْهٍ لا يَكُونُ فِيهِ إيذاءُ مَن فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَلِكَ الكَفِّ، مِنهم مَن قالَ: المُرادُ ما كانَ عامَ الفَتْحِ، ومِنهم مَن قالَ: ما كانَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ فَإنَّ المُسْلِمِينَ هَزَمُوا جَيْشَ الكُفّارِ حَتّى أدْخَلُوهم بُيُوتَهم، وقِيلَ: إنَّ الحَرْبَ كانَ بِالحِجارَةِ.
* *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ .
صفحة ٨٦
إشارَةٌ إلى أنَّ الكَفَّ لَمْ يَكُنْ لِأمْرٍ فِيهِمْ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا وصَدُّوا وأُحْصِرُوا، وكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي قِتالَهم، فَلا يَقَعُ لِأحَدٍ أنَّ الفَرِيقَيْنِ اتَّفَقُوا ولَمْ يَبْقَ بَيْنَهُما خِلافٌ واصْطَلَحُوا ولَمْ يَبْقَ بَيْنَهُما نِزاعٌ، بَلِ الِاخْتِلافُ باقٍ والنِّزاعُ مُسْتَمِرٌّ؛ لِأنَّهم ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكُمْ﴾ ومَنَعُوا فازْدادُوا كُفْرًا وعَداوَةً، وإنَّما ذَلِكَ لِلرِّجالِ المُؤْمِنِينَ والنِّساءِ المُؤْمِناتِ، وقَوْلُهُ: (والهَدْيَ) مَنصُوبٌ عَلى العَطْفِ عَلى ”كَمْ“ في ﴿صَدُّوكُمْ﴾ ويَجُوزُ الجَرُّ عَطْفًا عَلى المَسْجِدِ، أيْ: وعَنِ الهَدْيِ. ﴿مَعْكُوفًا﴾ حالٌ و﴿أنْ يَبْلُغَ﴾ تَقْدِيرُهُ عَلى أنْ يَبْلُغَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: ﴿أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ رَفْعٌ، تَقْدِيرُهُ مَعْكُوفًا بُلُوغُهُ مَحِلَّهُ، كَما يُقالُ: رَأيْتُ زَيْدًا شَدِيدًا بِأْسُهُ. ومَعْكُوفًا أيْ مَمْنُوعًا، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ ”عَنْ“ عَلى هَذا الوَجْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
وصْفُ الرِّجالِ والنِّساءِ، يَعْنِي لَوْلا رِجالٌ ونِساءٌ يُؤْمِنُونَ غَيْرُ مَعْلُومِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ، كَأنَّهُ قالَ: رِجالٌ غَيْرُ مَعْلُومِي الوَطْءِ فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ - عَيْبٌ أوْ إثْمٌ - وذَلِكَ لِأنَّكم رُبَّما تَقْتُلُونَهم فَتَلْزَمُكُمُ الكَفّارَةُ وهي دَلِيلُ الإثْمِ، أوْ يَعِيبُكُمُ الكُفّارُ بِأنَّهم فَعَلُوا بِإخْوانِهِمْ ما فَعَلُوا بِأعْدائِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ يَعْنِي تَطَئُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ، وجازَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: يَكُونُ هَذا تَكْرارًا؛ لِأنَّ عَلى قَوْلِنا: هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، يَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمْ تَعْلَمُوا أنْ تَطَئُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَلْزَمُ تَكْرارُ ”بِغَيْرِ عِلْمٍ“ الحُصُولُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ فالأوْلى أنْ يُقالَ: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) هو في مَوْضِعِهِ تَقْدِيرُهُ: لَمْ تَعْلَمُوا أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، مَن يُعِرُّكم ويَعِيبُ عَلَيْكم، يَعْنِي: إنْ وطَأْتُمُوهم غَيْرَ عالِمِينَ يُصِبْكم مَسَبَّةُ الكُفّارِ (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أيْ بِجَهْلٍ لا يَعْلَمُونَ أنَّكم مَعْذُورُونَ فِيهِ، أوْ نَقُولُ: تَقْدِيرُهُ لَمْ تَعْلَمُوا أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أيْ فَتَقْتُلُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ، أوْ تُؤْذُوهم بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَكُونُ الوَطْءُ سَبَبَ القَتْلِ، والوَطْءُ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَكم، والقَتْلُ الَّذِي هو بِسَبَبِ المَعَرَّةِ وهو الوَطْءُ الَّذِي يَحْصُلُ بِغَيْرِ عِلْمٍ. أوْ نَقُولُ: المَعَرَّةُ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: ما يَحْصُلُ مِنَ القَتْلِ العَمْدِ مِمَّنْ هو غَيْرُ العالِمِ بِحالِ المَحَلِّ.
والثّانِي: ما يَحْصُلُ مِنَ القَتْلِ خَطَأً، وهو غَيْرُ عَدَمِ العِلْمِ، فَقالَ: تُصِيبُكم مِنهم مَعَرَّةٌ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، لا الَّتِي تَكُونُ عَنِ العِلْمِ (وجَوابُ) لَوْلا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَوْلا ذَلِكَ لَما كَفَّ أيْدِيَكم عَنْهم. هَذا ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وهو حَسَنٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: (جَوابُهُ) ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ يَعْنِي قَدِ اسْتَحَقُّوا أنْ لا يُهْمَلُوا، ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ لَوَقَعَ ما اسْتَحَقُّوهُ، كَما يَقُولُ القائِلُ: هو سارِقٌ ولَوْلا فُلانٌ لَقَطَعْتُ يَدَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ ”لَوْلا“ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، وامْتِناعُ الشَّيْءِ لا يَكُونُ إلّا إذا وُجِدَ المُقْتَضِي لَهُ فَمَنَعَهُ الغَيْرُ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا المُقْتَضِيَ التّامَّ البالِغَ، وهو الكُفْرُ والصَّدُّ والمَنعُ، وذَكَرَ ما امْتَنَعَ لِأجْلِهِ مُقْتَضاهُ وهو وُجُودُ الرِّجالِ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ فِيهِ أبْحاثٌ:
الأوَّلُ: في الفِعْلِ الَّذِي يَسْتَدْعِي اللّامَ الَّذِي بِسَبَبِهِ يَكُونُ الإدْخالُ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنْ يُقالَ هو قَوْلُهُ: ﴿كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ لِيُدْخِلَ، لا يُقالُ بِأنَّكَ ذَكَرْتَ أنَّ المانِعَ وُجُودُ رِجالٍ مُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: كَفَّ
صفحة ٨٧
أيْدِيَكم لِئَلّا تَطَئُوا، فَكَيْفَ يَكُونُ لِشَيْءٍ آخَرَ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ نَقُولَ: كَفَّ أيْدِيَكم لِئَلّا تَطَئُوا لِتَدْخُلُوا كَما يُقالُ: أطْعَمْتُهُ لِيَشْبَعَ لِيَغْفِرَ اللَّهُ لِي أيِ الإطْعامُ لِلشّابِعِ كانَ لِيَغْفِرَ.
الثّانِي: هو أنّا بَيَّنّا أنَّ لَوْلا جَوابُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا واسْتَحَقُّوا التَّعَجُّلَ في إهْلاكِهِمْ، ولَوْلا رِجالٌ لَعَجَّلَ بِهِمْ، ولَكِنْ كَفَّ أيْدِيَكم لِيُدْخِلَ.
ثانِيها: أنْ يُقالَ: فَعَلَ ما فَعَلَ لِيُدْخِلَ؛ لِأنَّ هُناكَ أفْعالًا مِنَ الألْطافِ والهِدايَةِ وغَيْرِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ لِيُؤْمِنَ مِنهم مَن عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُؤْمِنُ في تِلْكَ السَّنَةِ، أوْ لِيَخْرُجَ مِن مَكَّةَ ويُهاجِرَ، فَيُدْخِلَهم في رَحْمَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أيْ لَوْ تَمَيَّزُوا، والضَّمِيرُ يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: هو ضَمِيرُ الرِّجالِ المُؤْمِنِينَ والنِّساءِ المُؤْمِناتِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ هَذا، وقَدْ قُلْتُمْ بِأنَّ جَوابَ ”لَوْلا“ مَحْذُوفٌ وهو قَوْلُهُ لَمّا كَفَّ أوْ لَعَجَّلَ، ولَوْ كانَ ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ راجِعًا إلى الرِّجالِ لَكانَ لَعَذَّبْنا جَوابَ لَوْلا ؟ نَقُولُ: وقَدْ قالَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ ”لَوْلا“ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لَعَذَّبْنا جَوابَ ”لَوْلا“، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو ضَمِيرُ مَن يَشاءُ، كَأنَّهُ قالَ: لِيُدْخِلَ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ لَوْ تَزَيَّلُوا هم وتَمَيَّزُوا وآمَنُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: وهو عَلى تَقْدِيرٍ نَفْرِضُهُ، فالكَلامُ يُفِيدُ أنَّ العَذابَ الألِيمَ انْدَفَعَ عَنْهم، إمّا بِسَبَبِ عَدَمِ التَّزْيِيلِ، أوْ بِسَبَبِ وُجُودِ الرِّجالِ وعُلِمَ تَقْدِيرُ وُجُودِ الرِّجالِ، والعَذابُ الألِيمُ لا يَنْدَفِعُ عَنِ الكافِرِ، نَقُولُ: المُرادُ عَذابًا عاجِلًا بِأيْدِيكم يَبْتَدِئُ بِالجِنْسِ، إذْ كانُوا غَيْرَ مُقْرِنِينَ ولا مُنْقَلِبِينَ إلَيْهِمْ فَيَظْهَرُونَ ويَقْتَدِرُونَ يَكُونُ ألِيمًا.
البَحْثُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ مَعَ أنَّ المُؤَنَّثَ يَدْخُلُ في ذِكْرِ المُذَكَّرِ عِنْدَ الِاجْتِماعِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: ما تَقَدَّمَ يَعْنِي أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ وهْمِ اخْتِصاصِ الرِّجالِ بِالحُكْمِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿تَطَئُوهم فَتُصِيبَكُمْ﴾ مَعْناهُ تُهْلِكُوهم والمُرادُ: لا تُقاتِلْ ولا تَقْتُلْ، فَكانَ المانِعَ وهو وُجُودُ الرِّجالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: والنِّساءُ المُؤْمِناتُ أيْضًا؛ لِأنَّ تَخْرِيبَ بُيُوتِهِنَّ ويُتْمَ أوْلادِهِنَّ بِسَبَبِ رِجالِهِنَّ وطْأةٌ شَدِيدَةٌ.
وثانِيهِما: أنَّ في مَحَلِّ الشَّفَقَةِ تُعَدُّ المَواضِعُ لِتَرْقِيقِ القَلْبِ، يُقالُ لِمَن يُعَذِّبُ شَخْصًا: لا تُعَذِّبْهُ وارْحَمْ ذُلَّهُ وفَقْرَهُ وضَعْفَهُ، ويُقالُ: أوْلادُهُ وصِغارُهُ وأهْلُهُ الضُّعَفاءُ العاجِزُونَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قالَ: ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ لِتَرْقِيقِ قُلُوبِ المُؤْمِناتِ ورِضاهم بِما جَرى مِنَ الكَفِّ بَعْدَ الظَّفَرِ.
48:26Page 514
إِذۡ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلۡزَمَهُمۡ كَلِمَةَ ٱلتَّقۡوَىٰ وَكَانُوٓاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهۡلَهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٢٦
When those who disbelieved had put into their hearts chauvinism - the chauvinism of the time of ignorance. But Allāh sent down His tranquility upon His Messenger and upon the believers and imposed upon them the word of righteousness, and they were more deserving of it and worthy of it. And ever is Allāh, of all things, Knowing.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ .
”إذْ“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا فَلا بُدَّ مِن فِعْلٍ يَقَعُ فِيهِ ويَكُونُ عامِلًا لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ ظَرْفٌ فالفِعْلُ الواقِعُ فِيهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو مَذْكُورٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو مَفْهُومٌ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَإنْ قُلْنا: هو مَذْكُورٌ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَدُّوكُمْ﴾ أيْ وصَدُّوكم حِينَ جَعَلُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ.
صفحة ٨٨
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ لَعَذَّبْناهم حِينَ جَعَلُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ. والثّانِي أقْرَبُ لِقُرْبِهِ لَفْظًا، وشَدَّةِ مُناسَبَتِهِ مَعْنًى؛ لِأنَّهم إذا جَعَلُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ لا يَرْجِعُونَ إلى الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ، والمُؤْمِنُونَ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ لا يَتْرُكُونَ الِاجْتِهادَ في الجِهادِ واللَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ فَيُعَذِّبُونَهم عَذابًا ألِيمًا أوْ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ غَيْرُ مَذْكُورٍ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: حَفِظَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَطَئُوهم وهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا الَّذِينَ جَعَلَ في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ.
وثانِيها: أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكم إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ الإحْسانِ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، فالعامِلُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، أيْ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ، كَما تَقُولُ: أتَذْكُرُ إذْ قامَ زَيْدٌ، أيْ: أتَذْكُرُ وقْتَ قِيامِهِ، كَما تَقُولُ: أتَذْكُرُ زَيْدًا، وعَلى هَذا يَكُونُ الظَّرْفُ المُضافُ إلَيْهِ عامِلًا فِيهِ، وفِيهِ لَطائِفُ مَعْنَوِيَّةٌ ولَفْظِيَّةٌ: الأُولى: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى أبانَ غايَةَ البَوْنِ بَيْنَ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، فَأشارَ إلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: أحَدُها:
جَعَلَ ما لِلْكافِرِينَ بِجَعْلِهِمْ فَقالَ: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجَعَلَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ بِجَعْلِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ﴾ وبَيْنَ الفاعِلَيْنِ ما لا يَخْفى.
ثانِيها: جَعَلَ لِلْكافِرِينَ الحَمِيَّةَ، ولِلْمُؤْمِنِينَ السَّكِينَةَ، وبَيْنَ المَفْعُولَيْنِ تَفاوُتٌ عَلى ما سَنَذْكُرُهُ. ثالِثُها: أضافَ الحَمِيَّةَ إلى الجاهِلِيَّةِ، وأضافَ السَّكِينَةَ إلى نَفْسِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾، وقالَ: ﴿سَكِينَتَهُ﴾، وبَيْنَ الإضافَتَيْنِ ما لا يُذْكَرُ. الثّانِيَةُ: زادَ المُؤْمِنِينَ خَيْرًا بَعْدَ حُصُولِ مُقابَلَةِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، فِعْلُهم بِفِعْلِ اللَّهِ، والحَمِيَّةُ بِالسَّكِينَةِ، والإضافَةُ إلى الجاهِلِيَّةِ بِالإضافَةِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ وسَنَذْكُرُ مَعْناهُ. وأمّا اللَّفْظِيَّةُ فَثَلاثُ لَطائِفَ:
الأُولى: قالَ في حَقِّ الكافِرِ: (جَعَلَ ) وقالَ في حَقِّ المُؤْمِنِ: (أنْزَلَ) ولَمْ يَقُلْ خَلَقَ، ولا جَعَلَ سَكِينَتَهُ، إشارَةً إلى أنَّ الحَمِيَّةَ كانَتْ مَجْعُولَةً في الحالِ في العَرَضِ الَّذِي لا يَبْقى، وأمّا السَّكِينَةُ فَكانَتْ كالمَحْفُوظَةِ في خِزانَةِ الرَّحْمَةِ، مُعَدَّةً لِعِبادِهِ فَأنْزَلَها. الثّانِيَةُ: قالَ: الحَمِيَّةَ ثُمَّ أضافَها بِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ لِأنَّ الحَمِيَّةَ في نَفْسِها صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ، وبِالإضافَةِ إلى الجاهِلِيَّةِ تَزْدادُ قُبْحًا، ولِلَحَمِيَّةِ في القُبْحِ دَرَجَةٌ لا يُعْتَبَرُ مَعَها قُبْحُ القَبائِحِ كالمُضافِ إلى الجاهِلِيَّةِ. وأمّا السَّكِينَةُ في نَفْسِها وإنْ كانَتْ حَسَنَةً لَكِنَّ الإضافَةَ إلى اللَّهِ فِيها مِنَ الحُسْنِ ما لا يَبْقى مَعَهُ لِحُسْنٍ اعْتِبارٌ، فَقالَ ﴿سَكِينَتَهُ﴾ اكْتِفاءً بِحُسْنِ الإضافَةِ. الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (فَأنْزَلْ) بِالفاءِ لا بِالواوِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ كالمُقابَلَةِ، تَقُولُ: أكْرَمَنِي فَأكْرَمْتُهُ، لِلْمُجازاةِ والمُقابَلَةِ، ولَوْ قُلْتَ: أكْرَمَنِي وأكْرَمْتُهُ لا يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ فِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ عِنْدَ اشْتِدادِ غَضَبِ أحَدِ العَدُوَّيْنِ فالعَدُوُّ الآخَرُ إمّا أنْ يَكُونَ ضَعِيفًا أوْ قَوِيًّا، فَإنْ كانَ ضَعِيفًا يَنْهَزِمُ ويَنْقَهِرُ، وإنْ كانَ قَوِيًّا فَيُورِثُ غَضَبُهُ فِيهِ غَضَبًا، وهَذا سَبَبُ قِيامِ الفِتَنِ والقِتالِ، فَقالَ في نَفْسِ الحَرَكَةِ عِنْدَ حَرَكَتِهِمْ: ما أقْدَمْنا وما انْهَزَمْنا. وقَوْلُهُ تَعالى: (فَأنْزَلَ اللَّهُ) بِالفاءِ يَدُلُّ، تَعَلُّقُ الإنْزالِ بِالفاءِ عَلى تَرْتِيبِهِ عَلى شَيْءٍ، نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: ما ذَكَرْنا مِن أنَّ ”إذْ“ ظَرْفٌ كَأنَّهُ قالَ: أحْسَنَ اللَّهُ ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقَوْلُهُ: (فَأنْزَلَ) تَفْسِيرٌ لِذَلِكَ الإحْسانِ كَما يُقالُ: أكْرَمَنِي فَأعْطانِي لِتَفْسِيرِ الإكْرامِ. وثانِيهِما: أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَعَلُّقَ إنْزالِ السَّكِينَةِ بِجَعْلِهِمُ الحَمِيَّةَ في قُلُوبِهِمْ عَلى مَعْنى المُقابَلَةِ، تَقُولُ: أكْرَمَنِي فَأثْنَيْتُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونا فِعْلَيْنِ واقِعَيْنِ مِن غَيْرِ مُقابَلَةٍ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ وخَرَجَ عَمْرٌو، وهو هُنا كَذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا جَعَلُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ فالمُسْلِمُونَ عَلى مَجْرى العادَةِ لَوْ نَظَرْتَ إلَيْهِمْ لَزِمَ أنْ يُوجَدَ مِنهم أحَدُ الأمْرَيْنِ: إمّا إقْدامٌ، وإمّا
صفحة ٨٩
انْهِزامٌ؛ لِأنَّ أحَدَ العَدُوَّيْنِ إذا اشْتَدَّ غَضَبُهُ فالعَدُوُّ الآخَرُ إنْ كانَ مِثْلَهُ في القُوَّةِ يَغْضَبُ أيْضًا وهَذا يُثِيرُ الفِتَنَ، وإنْ كانَ أضْعَفَ مِنهُ يَنْهَزِمُ أوْ يَنْقادُ لَهُ، فاللَّهُ تَعالى أنْزَلَ في مُقابَلَةِ حَمِيَّةِ الكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَكِينَتَهُ حَتّى لَمْ يَغْضَبُوا ولَمْ يَنْهَزِمُوا بَلْ يَصْبِرُوا، وهو بَعِيدٌ في العادَةِ فَهو مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، قَوْلُهُ تَعالى: (﴿عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّهُ هو الَّذِي أجابَ الكافِرِينَ إلى الصُّلْحِ، وكانَ في نَفْسِ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَرْجِعُوا إلّا بِأحَدِ الثَّلاثَةِ بِالنَّحْرِ في المَنحَرِ، وأبَوْا أنْ لا يَكْتُبُوا مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ وبِسْمِ اللَّهِ، فَلَمّا سَكَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَكَنَ المُؤْمِنُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ فِيهِ وُجُوهٌ، أظْهَرُها أنَّهُ قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَإنَّ بِها يَقَعُ الِاتِّقاءُ عَنِ الشِّرْكِ، وقِيلَ: هو بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ومُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَإنَّ الكافِرِينَ أبَوْا ذَلِكَ والمُؤْمِنُونَ التَزَمُوهُ، وقِيلَ: هي الوَفاءُ بِالعَهْدِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ونَحْنُ نُوَضِّحُ فِيهِ ما يَتَرَجَّحُ بِالدَّلِيلِ، فَنَقُولُ: ﴿وألْزَمَهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا، يَعْنِي ألْزَمَ النَّبِيَّ والمُؤْمِنِينَ كَلِمَةَ التَّقْوى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المُؤْمِنِينَ فَحَسْبُ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ عائِدٌ إلَيْهِما جَمِيعًا نَقُولُ: هو الأمْرُ بِالتَّقْوى، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ١] وقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] والأمْرُ بِتَقْوى اللَّهِ حَتّى تُذْهِلَهُ تَقْواهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما سِوى اللَّهِ، كَما قالَ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ١] وقالَ تَعالى: ﴿وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ثُمَّ بَيَّنَ لَهُ حالَ مَن صَدَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] أمّا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وقالَ: ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣] وإنْ قُلْنا بِأنَّهُ راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (واتَّقُوا اللَّهَ) وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ عَلى هَذا مَعْنًى لَطِيفٌ، وهو أنَّهُ تَعالى إذا قالَ: (اتَّقُوا) يَكُونُ الأمْرُ وارِدًا، ثُمَّ إنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقْبَلُهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ ويَلْتَزِمُهُ ومِنهم مَن لا يَلْتَزِمُهُ، ومَنِ التَزَمَهُ فَقَدِ التَزَمَهُ بِإلْزامِ اللَّهِ إيّاهُ، فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ وفي هَذا المَعْنى رُجْحانٌ مِن حَيْثُ إنَّ التَّقْوى وإنْ كانَ كامِلًا ولَكِنَّهُ أقْرَبُ إلى الكَلِمَةِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها﴾ مَعْناهُ أنَّهم كانُوا عِنْدَ اللَّهِ أكْرَمَ النّاسِ فَأُلْزِمُوا تَقْواهُ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ مَن يَكُونُ تَقْواهُ أكْثَرَ يُكْرِمُهُ اللَّهُ أكْثَرَ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ مَن سَيَكُونُ أكْرَمَ عِنْدَ اللَّهِ وأقْرَبَ إلَيْهِ كانَ أتْقى، كَما في قَوْلِهِ: ”والمُخْلِصُونَ عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ“ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا أحَقَّ بِها﴾ لِأنَّهم كانُوا أعْلَمَ بِاللَّهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿وأهْلَها﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يُفْهَمُ مِن مَعْنى الأحَقِّ أنَّهُ يُثْبِتُ رُجْحانًا عَلى الكافِرِينَ إنْ لَمْ يُثْبِتِ الأهْلِيَّةَ، كَما لَوِ اخْتارَ المَلِكُ اثْنَيْنِ لَشُغْلٍ وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما غَيْرُ صالِحٍ لَهُ، ولَكِنَّ أحَدَهُما أبْعَدُ عَنِ الِاسْتِحْقاقِ، فَقالَ في الأقْرَبِ إلى الِاسْتِحْقاقِ: إذا كانَ ولا بُدَّ فَهَذا أحَقُّ، كَما يُقالُ: الحَبْسُ أهْوَنُ مِنَ القَتْلِ مَعَ أنَّهُ لا هَيِّنَ هُناكَ، فَقالَ: ﴿وأهْلَها﴾ دَفَعًا لِذَلِكَ.
الثّانِي: وهو أقْوى، وهو أنْ يُقالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأهْلَها﴾ فِيهِ وُجُوهٌ نُبَيِّنُها بَعْدَما نُبَيِّنُ مَعْنى الأحَقِّ، فَنَقُولُ: هو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الأحَقُّ بِمَعْنى الحَقِّ لا لِلتَّفْضِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَيْرٌ مَقامًا﴾
صفحة ٩٠
﴿وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] إذْ لا خَيْرَ في غَيْرِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِمْ، أيِ: المُؤْمِنُونَ أحَقُّ مِنَ الكافِرِينَ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى كَلِمَةِ التَّقْوى مِن كَلِمَةٍ أُخْرى غَيْرِ تَقْوى، تَقُولُ: زِيدٌ أحَقُّ بِالإكْرامِ مِنهُ بِالإهانَةِ، كَما إذا سَألَ شَخْصٌ عَنْ زَيْدٍ إنَّهُ بِالطِّبِّ أعْلَمُ أوْ بِالفِقْهِ، تَقُولُ: هو بِالفِقْهِ أعْلَمُ، أيْ: مِنَ الطِّبِّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences