Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Hujurat 49:14–18
49:14Page 517
۞ قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤
The bedouins say, "We have believed." Say, "You have not [yet] believed; but say [instead], 'We have submitted,' for faith has not yet entered your hearts. And if you obey Allāh and His Messenger, He will not deprive you from your deeds1 of anything. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكم وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
لَمّا قالَ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ والأتْقى لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ التَّقْوى، وأصْلُ الإيمانِ هو الِاتِّقاءُ مِنَ الشِّرْكِ، قالَتِ الأعْرابُ: لَنا النَّسَبُ الشَّرِيفُ، وإنَّما يَكُونُ لَنا الشَّرَفُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: لَيْسَ الإيمانُ بِالقَوْلِ، إنَّما هو بِالقَلْبِ، فَما آمَنتُمْ، لِأنَّهُ خَبِيرٌ يَعْلَمُ ما في الصُّدُورِ ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ أيِ انْقَدْنا واسْتَسْلَمْنا، قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي أسَدٍ، أظْهَرُوا الإسْلامَ في سَنَةٍ مُجْدِبَةٍ طالِبِينَ الصَّدَقَةَ ولَمْ يَكُنْ قَلْبُهم مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ كالتّارِيخِ لِلنُّزُولِ لا لِلِاخْتِصاصِ بِهِمْ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن أظْهَرَ فِعْلَ المُتَّقِينَ وأرادَ أنْ يَصِيرَ لَهُ ما لِلْأتْقِياءِ مِنَ الإكْرامِ لا يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّقْوى مِن عَمَلِ القَلْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ في تَفْسِيرِهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] وقالَ هَهُنا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ مَعَ أنَّهم ألْقَوْا إلَيْهِمُ السَّلامَ، نَقُولُ: إشارَةٌ إلى أنَّ عَمَلَ القَلْبِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، واجْتِنابَ الظَّنِّ واجِبٌ، وإنَّما يُحْكَمُ بِالظّاهِرِ - فَلا يُقالُ لِمَن يَفْعَلُ فِعْلًا: هو مُرائِي، ولا لِمَن أسْلَمَ هو مُنافِقٌ، ولَكِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما في الصُّدُورِ،
صفحة ١٢١
إذا قالَ: فُلانٌ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ حَصَلَ الجَزْمُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ فَهو الَّذِي جَوَّزَ لَنا ذَلِكَ القَوْلَ، وكانَ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى الغَيْبِ وضَمِيرِ قُلُوبِهِمْ، فَقالَ لَنا: أنْتُمْ لا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا؛ لِعَدَمِ عِلْمِكم بِما في قَلْبِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”لَمْ“ و”لَمّا“ حَرْفا نَفْيٍ، و”ما“ و”إنْ“ و”لا“ كَذَلِكَ مِن حُرُوفِ النَّفْيِ، و”لَمْ“ و”لَمّا“ يَجْزِمانِ، وغَيْرُهُما مِن حُرُوفِ النَّفْيِ لا يَجْزِمُ، فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ نَقُولُ: ”لَمْ“ و”لَمّا“ يَفْعَلانِ بِالفِعْلِ ما لا يَفْعَلُ بِهِ غَيْرُهُما، فَإنَّهُما يُغَيِّرانِ مَعْناهُ مِنَ الِاسْتِقْبالِ إلى المُضِيِّ، تَقُولُ: لَمْ يُؤْمِن أمْسِ وآمَنَ اليَوْمَ، ولا تَقُولُ: لا يُؤْمِنُ أمْسِ، فَلَمّا فَعَلا بِالفِعْلِ ما لَمْ يَفْعَلْ بِهِ غَيْرُهُما جُزِمَ بِهِما، فَإنْ قِيلَ: مَعَ هَذا لِمَ جُزِمَ بِهِما غايَةُ ما في البابِ أنَّ الفَرْقَ حَصَلَ، ولَكِنْ ما الدَّلِيلُ عَلى وُجُوبِ الجَزْمِ بِهِما ؟ نَقُولُ: لِأنَّ الجَزْمَ والقَطْعَ يَحْصُلُ في الأفْعالِ الماضِيَةِ، فَإنَّ مَن قالَ: قامَ، حَصَلَ القَطْعُ بِقِيامِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما قامَ. والأفْعالُ المُسْتَقْبَلَةُ إمّا مُتَوَقَّعَةُ الحُصُولِ وإمّا مُمْكِنَةٌ غَيْرُ مُتَوَقَّعَةٍ، ولا يَحْصُلُ القَطْعُ والجَزْمُ فِيهِ، فَإذا كانَ ”لَمْ“ و”لَمّا“ يَقْلِبانِ اللَّفْظَ مِنَ الِاسْتِقْبالِ إلى المُضِيِّ كانا يُفِيدانِ الجَزْمَ والقَطْعَ في المَعْنى، فَجَعَلَ لَهُما تَناسُبًا بِالمَعْنى وهو الجَزْمُ لَفْظًا، وعَلى هَذا نَقُولُ: السَّبَبُ في الجَزْمِ ما ذَكَرْنا، وهَذا في الأمْرِ يَجْزِمُ، كَأنَّهُ جَزَمَ عَلى المَأْمُورِ أنَّهُ يَفْعَلُهُ ولا يَتْرُكُهُ، فَأيُّ فائِدَةٍ في أنَّ اللَّفْظَ يُجْزَمُ مَعَ أنَّ الفِعْلَ فِيهِ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ وأنَّ في الشَّرْطِ تَغَيُّرًا، وذَلِكَ لِأنَّ ”إنْ“ تُغَيِّرُ مَعْنى الفِعْلِ مِنَ المُضِيِّ إلى الِاسْتِقْبالِ إنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ مِنَ الِاسْتِقْبالِ إلى المُضِيِّ، تَقُولُ: إنْ جِئْتَنِي جِئْتُكَ، وإنْ أكْرَمْتَنِي أكْرَمْتُكَ، فَلَمّا كانَ ”إنْ“ مِثْلُ ”لَمْ“ في كَوْنِهِ حَرْفًا، وفي لُزُومِ الدُّخُولِ عَلى الأفْعالِ، وتَغْيِيرِهِ مَعْنى الفِعْلِ - صارَ جازِمًا لِشَبَهٍ لَفْظِيٍّ، أمّا الجَزاءُ فَجَزْمٌ لِما ذَكَرْنا مِنَ المَعْنى، فَإنَّ الجَزاءَ يَجْزِمُ بِوُقُوعِهِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، فالجَزْمُ إذًا إمّا لِمَعْنًى أوْ لِشَبَهٍ لَفْظِيٍّ، كَما أنَّ الجَزاءَ كَذَلِكَ في الإضافَةِ وفي الجَرِّ بِحَرْفٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ قُولُوا﴾ يَقْتَضِي قَوْلًا سابِقًا مُخالِفًا لِما بَعْدَهُ، كَقَوْلِنا: ”لا تَقُولُوا آمَنّا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا“ وفي تَرْكِ التَّصْرِيحِ بِهِ إرْشادٌ وتَأْدِيبٌ، كَأنَّهُ تَعالى لَمْ يَجُزِ النَّهْيَ عَنْ قَوْلِهِمْ: (آمَنّا) فَلَمْ يَقُلْ: لا تَقُولُوا آمَنّا، وأرْشَدَهم إلى الِامْتِناعِ عَنِ الكَذِبِ، فَقالَ: (لَمْ تُؤْمِنُوا) فَإنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ شَيْئًا فَقُولُوا أمْرًا عامًّا لا يَلْزَمُ مِنهُ كَذِبُكم وهو كَقَوْلِهِمْ: ﴿أسْلَمْنا﴾ فَإنَّ الإسْلامَ بِمَعْنى الِانْقِيادِ حَصَلَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُؤْمِنُ والمُسْلِمُ واحِدٌ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ، فَكَيْفَ يُفْهَمُ ذَلِكَ مَعَ هَذا ؟ نَقُولُ: بَيْنَ العامِّ والخاصِّ فَرْقٌ، فالإيمانُ لا يَحْصُلُ إلّا بِالقَلْبِ وقَدْ يَحْصُلُ بِاللِّسانِ، والإسْلامُ أعَمُّ لَكِنَّ العامَّ في صُورَةِ الخاصِّ مُتَّحِدٌ مَعَ الخاصِّ، ولا يَكُونُ أمْرًا آخَرَ غَيْرَهُ، مِثالُهُ الحَيَوانُ أعَمُّ مِنَ الإنْسانِ، لَكِنَّ الحَيَوانَ في صُورَةِ الإنْسانِ لَيْسَ أمْرًا يَنْفَكُّ عَنِ الإنْسانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحَيَوانُ حَيَوانًا ولا يَكُونُ إنْسانًا، فالعامُّ والخاصُّ مُخْتَلِفانِ في العُمُومِ مُتَّحِدانِ في الوُجُودِ، فَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ والمُسْلِمُ، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ هَلْ فِيهِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ، الأوَّلُ: هو أنَّهم لَمّا قالُوا: آمَنّا وقِيلَ لَهم: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ قالُوا: إذا أسْلَمْنا فَقَدْ آمَنّا، قِيلَ: لا، فَإنَّ الإيمانَ مِن عَمَلِ القَلْبِ لا غَيْرِهِ، والإسْلامُ قَدْ يَكُونُ عَمَلَ اللِّسانِ، وإذا كانَ ذَلِكَ
صفحة ١٢٢
عَمَلَ القَلْبِ ولَمْ يَدْخُلْ في قُلُوبِكُمُ الإيمانُ لَمْ تُؤْمِنُوا. الثّانِي: لَمّا قالُوا: آمَنّا وقِيلَ لَهم: لَمْ تُؤْمِنُوا، قالُوا جَدَلًا: قَدْ آمَنّا عَنْ صِدْقِ نِيَّةٍ، مُؤَكِّدِينَ لِما أخْبَرُوا، فَقالَ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ لِأنَّ ”لَمّا يَفْعَلْ“ يُقالُ في مُقابَلَةِ ”قَدْ فَعَلَ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ بِأنَّ الآيَةَ فِيها إشارَةٌ إلى حالِ المُؤَلَّفَةِ إذا أسْلَمُوا، ويَكُونُ إيمانُهم بَعْدُ ضَعِيفًا قالَ لَهم: (لَمْ تُؤْمِنُوا) لِأنَّ الإيمانَ إيقانٌ، وذَلِكَ بَعْدُ لَمْ يَدْخُلْ في قُلُوبِكم، وسَيَدْخُلُ بِاطِّلاعِكم عَلى مَحاسِنِ الإسْلامِ ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يُكْمِلْ لَكُمُ الأجْرَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى هَذا هو أنَّ لَمّا فِيها مَعْنى التَّوَقُّعِ والِانْتِظارِ، والإيمانُ إمّا أنْ يَكُونَ بِفِعْلِ المُؤْمِنِ واكْتِسابِهِ ونَظَرِهِ في الدَّلائِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ إلْهامًا يَقَعُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ، فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ ما فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ ولا دَخْلَ الإيمانُ في قَلْبِكم إلْهامًا مِن غَيْرِ فِعْلِكم، فَلا إيمانَ لَكم حِينَئِذٍ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عِنْدَ فِعْلِهِمْ قالَ: (لَمْ تُؤْمِنُوا) بِحَرْفٍ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الِانْتِظارِ؛ لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ وفُتُورِ فِكْرِهِمْ، وعِنْدَ فِعْلِ الإيمانِ قالَ: (لَمّا يَدْخُلِ) بِحَرْفٍ فِيهِ مَعْنى التَّوَقُّعِ؛ لِظُهُورِ قُوَّةِ الإيمانِ، كَأنَّهُ يَكادُ يَغْشى القُلُوبَ بِأسْرِها.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ﴾ أيْ لا يُنْقِصْكم، والمُرادُ أنَّكم إذا أتَيْتُمْ بِما يَلِيقُ بِضَعْفِكم مِنَ الحَسَنَةِ فَهو يُؤْتِيكم ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ؛ وهَذا لِأنَّ مَن حَمَلَ إلى مَلِكٍ فاكِهَةً طَيِّبَةً يَكُونُ ثَمَنُها في السُّوقِ دِرْهَمًا، وأعْطاهُ المَلِكُ دِرْهَمًا أوْ دِينارًا يَنْسِبُ المَلِكَ إلى قِلَّةِ العَطاءِ بَلِ البُخْلِ، فَلَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ يُعْطِي مِثْلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ نَقْصٍ، بَلِ المَعْنى يُعْطِي ما تَتَوَقَّعُونَ بِأعْمالِكم مِن غَيْرِ نَقْصٍ. وفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلى الإيمانِ الصّادِقِ، لِأنَّ مَن أتى بِفِعْلٍ مِن غَيْرِ صِدْقِ نِيَّةٍ يَضِيعُ عَمَلُهُ ولا يُعْطى عَلَيْهِ أجْرًا، فَقالَ: ﴿وإنْ تُطِيعُوا﴾ وتُصَدِّقُوا لا يَنْقُصُ عَلَيْكم، فَلا تُضَيِّعُوا أعْمالَكم بِعَدَمِ الإخْلاصِ، وفِيهِ أيْضًا تَسْلِيَةٌ لِقُلُوبِ مِن تَأخَّرَ إيمانُهُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: غَيْرِي سَبَقَنِي وآمَنَ حِينَ كانَ النَّبِيُّ وحِيدًا، وآواهُ حِينَ كانَ ضَعِيفًا، ونَحْنُ آمَنّا عِنْدَما عَجَزْنا عَنْ مُقاوَمَتِهِ وغَلَبَنا بِقُوَّتِهِ، فَلا يَكُونُ لِإيمانِنا وقْعٌ ولا لَنا عَلَيْهِ أجْرٌ، فَقالَ تَعالى: إنَّ أجْرَكم لا يَنْقُصُ وما تَتَوَقَّعُونَ تُعْطَوْنَ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ التَّقَدُّمَ يَزِيدُ في أُجُورِهِمْ، وماذا عَلَيْكم إذا أرْضاكُمُ اللَّهُ أنْ يُعْطِيَ غَيْرَكم مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ رَحْمَةً واسِعَةً، وما حالُكم في ذَلِكَ إلّا حالُ مَلِكٍ أعْطى واحِدًا شَيْئًا وقالَ لِغَيْرِهِ: ماذا تَتَمَنّى ؟ فَتَمَنّى عَلَيْهِ بَلْدَةً واسِعَةً وأمْوالًا، فَأعْطاهُ ووَفّاهُ، ثُمَّ زادَ ذَلِكَ الأوَّلَ أشْياءً أُخْرى مِن خَزائِنِهِ، فَإنْ تَأذّى مِن ذَلِكَ يَكُونُ بُخْلًا وحَسَدًا، وذَلِكَ في الآخِرَةِ لا يَكُونُ، وفي الدُّنْيا هو مِن صِفَةِ الأراذِلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أيْ يَغْفِرُ لَكم ما قَدْ سَلَفَ ويَرْحَمُكم بِما أتَيْتُمْ بِهِ.
49:15–17Page 517
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ١٥
The believers are only the ones who have believed in Allāh and His Messenger and then doubt not but strive with their properties and their lives in the cause of Allāh. It is those who are the truthful.
قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٦
Say, "Would you acquaint Allāh with your religion while Allāh knows whatever is in the heavens and whatever is on the earth, and Allāh is Knowing of all things?"
يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٧
They consider it a favor to you that they have accepted Islām. Say, "Do not consider your Islām a favor to me. Rather, Allāh has conferred favor upon you that He has guided you to the faith, if you should be truthful."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ .
صفحة ١٢٣
إرْشادًا لِلْأعْرابِ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا إلى حَقِيقَةِ الإيمانِ، فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الإيمانَ فالمُؤْمِنُونَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا، يَعْنِي أيْقَنُوا بِأنَّ الإيمانَ إيقانٌ، و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي في الحِكايَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: آمَنُوا، ثُمَّ أقُولُ شَيْئًا آخَرَ: لَمْ يَرْتابُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو لِلتَّراخِي في الفِعْلِ، تَقْدِيرُهُ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا فِيما قالَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الحَشْرِ والنَّشْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ يُحَقِّقُ ذَلِكَ، أيْ أيْقَنُوا أنَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ دارًا، فَجاهَدُوا طالِبِينَ العُقْبى، وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ في إيمانِهِمْ، لا الأعْرابُ الَّذِينَ قالُوا قَوْلًا ولَمْ يُخْلِصُوا عَمَلًا.
﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ .
فَإنَّهُ عالِمٌ بِهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الدِّينَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وأنْتُمْ أظْهَرْتُمُوهُ لَنا لا لِلَّهِ، فَلا يَقْبَلُ مِنكم ذَلِكَ.
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
يُقَرِّرُ ذَلِكَ ويُبَيِّنُ أنَّ إسْلامَهم لِمْ يَكُنْ لِلَّهِ، وفِيهِ لَطائِفُ: الأُولى: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ لِقَبِيحِ فِعْلِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ لَهُ شَرَفانِ، أحَدُهُما: بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وهو تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ الشِّرْكِ وتَوْحِيدُهُ في العَظَمَةِ، وثانِيهِما: بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِ فَإنَّهُ يُنَزِّهُ النَّفْسَ عَنِ الجَهْلِ ويُزَيِّنُها بِالحَقِّ والصِّدْقِ، فَهم لا يَطْلُبُونَ بِإسْلامِهِمْ جانِبَ اللَّهِ، ولا يَطْلُبُونَ شَرَفَ أنْفُسِهِمْ بَلْ مَنُّوا، ولَوْ عَلِمُوا أنَّ فِيهِ شَرَفَهم لَما مَنُّوا بِهِ بَلْ شَكَرُوا.
اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ أيِ الَّذِي عِنْدَكم إسْلامٌ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ ولَمْ يَقُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ لِئَلّا يَكُونَ تَصْدِيقًا لَهم في الإسْلامِ أيْضًا كَما لَمْ يَصْدُقُوا في الإيمانِ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَصْدُقُوا في إسْلامِهِمْ، والإسْلامُ هو الِانْقِيادُ، وقَدْ وُجِدَ مِنهم قَوْلًا وفِعْلًا وإنْ لَمْ يُوجَدِ اعْتِقادًا وعِلْمًا، وذَلِكَ القَدْرُ كافٍ في صِدْقِهِمْ ؟ نَقُولُ: التَّكْذِيبُ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ لا يُوجَدَ نَفْسُ المُخْبَرِ عَنْهُ.
وثانِيهِما: أنْ لا يُوجَدَ كَما أخْبَرَ في نَفْسِهِ فَقَدْ يَقُولُ: ما جِئْتَنا بَلْ جاءَتْ بِكَ الحاجَّةُ، فاللَّهُ تَعالى كَذَّبَهم في قَوْلِهِمْ آمَنّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أيْ ما آمَنتُمْ أصْلًا، ولَمْ يَصْدُقُوا في الإسْلامِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، فَإنَّهُمُ انْقادُوا لِلْحاجَةِ وأخْذِ الصَّدَقَةِ.
اللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي لا مِنَّةَ لَكم، ومَعَ ذَلِكَ لا تُسْلِمُونَ رَأْسًا بِرَأْسٍ بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَكم عَلَيْنا ولا لَنا عَلَيْكم مِنَّةٌ، بَلِ المِنَّةُ عَلَيْكم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ حُسْنُ أدَبٍ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: لا تَمُنُّوا عَلَيَّ بَلْ لِيَ المِنَّةُ عَلَيْكم حَيْثُ بَيَّنَتْ لَكُمُ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ، ثُمَّ في مُقابَلَةِ هَذا الأدَبِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] .
اللَّطِيفَةُ الرّابِعَةُ: لَمْ يَقُلْ: يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ أسْلَمْتُمْ بَلْ قالَ: ﴿أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ لِأنَّ إسْلامَهم كانَ ضَلالًا حَيْثُ كانَ نِفاقًا فَما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ إلى الإيمانِ مَعَ أنَّهُ بَيَّنَ أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا ؟ نَقُولُ:
صفحة ١٢٤
الجَوابُ عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ رَزَقَكُمُ الإيمانَ، بَلْ قالَ: ﴿أنْ هَداكم لِلْإيمانِ﴾ وإرْسالُ الرُّسُلِ بِالآياتِ البَيِّناتِ هِدايَةٌ.
ثانِيها: هو أنَّهُ تَعالى يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِما زَعَمُوا، فَكَأنَّهُ قالَ: أنْتُمْ قُلْتُمْ آمَنّا، فَذَلِكَ نِعْمَةٌ في حَقِّكم، حَيْثُ تَخَلَّصْتُمْ مِنَ النّارِ، فَقالَ: هُداكم في زَعْمِكم.
ثالِثُها: وهو الأصَحُّ، هو أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ شَرْطًا فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .
49:18Page 517
إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨
Indeed, Allāh knows the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And Allāh is Seeing of what you do.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .
إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ أسْرارُكم، وأعْمالُ قُلُوبِكُمُ الخَفِيَّةُ، وقالَ: ﴿بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ يُبْصِرُ أعْمالَ جَوارِحِكُمُ الظّاهِرَةَ، وآخِرُ السُّورَةِ مَعَ التِئامِهِ بِما قَبْلَهُ فِيهِ تَقْرِيرُ ما في أوَّلِ السُّورَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ سِرٌّ، فَلا تَتْرُكُوا خَوْفَهُ في السِّرِّ ولا يَخْفى عَلَيْهِ عَلَنٌ، فَلا تَأْمَنُوهُ في العَلانِيَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى مَن لا نَبِيَّ بَعْدَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences