Ar-RaziAl‑Ma'idah · 5:99–104

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:99–104

5:99–100Page 124

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٩٩

Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allāh knows whatever you reveal and whatever you conceal.

قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠٠

Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allāh, O you of understanding, that you may be successful.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ التَّرْهِيبَ والتَّرْغِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أتْبَعَهُ بِالتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كانَ مُكَلَّفًا بِالتَّبْلِيغِ فَلَمّا بَلَّغَ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ وبَقِيَ الأمْرُ مِن جانِبِكم وأنا عالِمٌ بِما تُبْدُونَ

صفحة ٨٦

وبِما تَكْتُمُونَ، فَإنْ خالَفْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، وإنْ أطَعْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَجَرَ عَنِ المَعْصِيَةِ ورَغَّبَ في الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ قِسْمانِ، أحَدُهُما: الَّذِي يَكُونُ جُسْمانِيًّا، وهو ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ.

والثّانِي: الَّذِي يَكُونُ رُوحانِيًّا، وأخْبَثُ الخَبائِثِ الرُّوحانِيَّةِ الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، وأطْيَبُ الطَّيِّباتِ الرُّوحانِيَّةِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى وطاعَةُ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الجِسْمَ الَّذِي يَلْتَصِقُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ النَّجاساتِ يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا عِنْدَ أرْبابِ الطِّباعِ السَّلِيمَةِ، فَكَذَلِكَ الأرْواحُ المَوْصُوفَةُ بِالجَهْلِ بِاللَّهِ والإعْراضِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى تَصِيرُ مُسْتَقْذَرَةً عِنْدَ الأرْواحِ الكامِلَةِ المُقَدَّسَةِ.

وأمّا الأرْواحُ العارِفَةُ بِاللَّهِ تَعالى المُواظِبَةُ عَلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّها تَصِيرُ مُشْرِقَةً بِأنْوارِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، مُبْتَهِجَةً بِالقُرْبِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ، وكَما أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، فَكَذَلِكَ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، بَلِ المُبايَنَةُ بَيْنَهُما في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدُّ؛ لِأنَّ مَضَرَّةَ خُبْثِ الخَبِيثِ الجُسْمانِيِّ شَيْءٌ قَلِيلٌ، ومَنفَعَتَهُ طَيِّبَةٌ مُخْتَصَرَةٌ، وأمّا خُبْثُ الخَبِيثِ الرُّوحانِيِّ فَمَضَرَّتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ، وطَيِّبُ الطَّيِّبِ الرُّوحانِيِّ فَمَنفَعَتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ، وهو القُرْبُ مِن جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والمُرافَقَةُ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ وُجُوهِ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَكُونُ خَبِيثًا في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ قَدْ يَكُونُ طَيِّبًا في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ، ويَكُونُ كَثِيرَ المِقْدارِ، وعَظِيمَ اللَّذَّةِ، إلّا أنَّهُ مَعَ كَثْرَةِ مِقْدارِهِ ولَذاذَةِ مُتَناوَلِهِ وقُرْبِ وِجْدانِهِ، سَبَبٌ لِلْحِرْمانِ مِنَ السَّعاداتِ الباقِيَةِ الأبَدِيَّةِ السَّرْمَدِيَّةِ، الَّتِي إلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالخَبِيثُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَتُهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِلطَّيِّبِ الَّذِي هو المَعْرِفَةُ والمَحَبَّةُ والطّاعَةُ والِابْتِهاجُ بِالسَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ والكَراماتِ الرَّبّانِيَّةِ.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ التَّرْغِيباتِ الكَثِيرَةَ في الطّاعَةِ، والتَّحْذِيراتِ مِنَ المَعْصِيَةِ، أتْبَعَها بِوَجْهٍ آخَرَ يُؤَكِّدُها، فَقالَ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ فاتَّقُوا اللَّهَ بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ الجَلِيَّةِ والتَّعْرِيفاتِ القَوِيَّةِ، ولا تُقْدِمُوا عَلى مُخالَفَتِهِ لَعَلَّكم تَصِيرُونَ فائِزِينَ بِالمَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ.

5:101–102Page 124

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٠١

O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur’ān is being revealed, they will be shown to you. Allāh has pardoned it [i.e., that which is past]; and Allāh is Forgiving and Forbearing.

قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ ١٠٢

A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ .

المَسْألَةُ الأُولى: في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ صارَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ إلَيْكم فَخُذُوهُ وكُونُوا مُنْقادِينَ لَهُ، وما لَمْ يُبَلِّغْهُ الرَّسُولُ إلَيْكم

صفحة ٨٧

فَلا تَسْألُوا عَنْهُ ولا تَخُوضُوا فِيهِ، فَإنَّكم إنْ خُضْتُمْ فِيما لا تَكْلِيفَ فِيهِ عَلَيْكم فَرُبَّما جاءَكم بِسَبَبِ ذَلِكَ الخَوْضِ الفاسِدِ مِنَ التَّكالِيفِ ما يَثْقُلُ عَلَيْكم ويَشُقُّ عَلَيْكم.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ وهَذا ادِّعاءٌ مِنهُ لِلرِّسالَةِ، ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ كانُوا يُطالِبُونَهُ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ، بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، كَما قالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهم: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٣] والمَعْنى أنِّي رَسُولٌ أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والشَّرائِعِ والأحْكامِ إلَيْكم، واللَّهُ تَعالى قَدْ أقامَ الدَّلالَةَ عَلى صِحَّةِ دَعْوايَ في الرِّسالَةِ بِإظْهارِ أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبُ الزِّيادَةِ مِن بابِ التَّحَكُّمِ وذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِي، ولَعَلَّ إظْهارَها يُوجِبُ ما يَسُوءُكم مِثْلُ أنَّها لَوْ ظَهَرَتْ فَكُلُّ مَن خالَفَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَوْجَبَ العِقابَ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا سَمِعُوا الكُفّارَ يُطالِبُونَ الرَّسُولَ ﷺ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ، وقَعَ في قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ إلى ظُهُورِها فَعَرَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لا يَنْبَغِي أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ فَرُبَّما كانَ ظُهُورُها يُوجِبُ ما يَسُوءُهم.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ فاتْرُكُوا الأُمُورَ عَلى ظَواهِرِها ولا تَسْألُوا عَنْ أحْوالٍ مُخِيفَةٍ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (أشْياءَ) جَمْعُ شَيْءٍ، وإنَّها غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ، ولِلنَّحْوِيِّينَ في سَبَبِ امْتِناعِ الصَّرْفِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: قَوْلُنا: شَيْءٌ، جَمْعُهُ في الأصْلِ شَيْآءُ، عَلى وزْنِ فَعْلاءَ، فاسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ الهَمْزَتَيْنِ في آخِرِهِ، فَنَقَلُوا الهَمْزَةَ الأُولى الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ إلى أوَّلِ الكَلِمَةِ فَجاءَتْ: لَفْعاءُ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَنعَ الصَّرْفِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ، واحِدٌ مِنها مَذْكُورٌ، واثْنانِ خَطَرا بِبالِي:

أمّا الأوَّلُ: وهو المَذْكُورُ؛ فَهو أنَّ الكَلِمَةَ لَمّا كانَتْ في الأصْلِ عَلى وزْنِ فَعَلاءَ، مِثْلُ حَمْراءَ، لا جَرَمَ لَمْ تَنْصَرِفْ حَمْراءُ. ٥٠ والثّانِي: أنَّها لَمّا كانَتْ في الأصْلِ (شَيَآءَ) ثُمَّ جُعِلَتْ (أشْياءَ) كانَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالمَعْدُولِ كَما في عامِرٍ وعُمَرَ، وزافِرٍ وزُفَرَ، والعَدْلُ أحَدُ أسْبابِ مَنعِ الصَّرْفِ.

الثّالِثُ: وهو أنّا لَمّا قَطَعْنا الحَرْفَ الأخِيرَ مِنهُ وجَعَلْناهُ أوَّلَهُ، والكَلِمَةُ مِن حَيْثُ إنَّها قُطِعَ مِنها الحَرْفُ الأخِيرُ صارَتْ كَنِصْفِ الكَلِمَةِ، ونِصْفُ الكَلِمَةِ لا يَقْبَلُ الإعْرابَ، ومِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الحَرْفَ الَّذِي قَطَعْناهُ مِنها ما حَذَفْناهُ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ ألْصَقْناهُ بِأوَّلِها، كانَتِ الكَلِمَةُ كَأنَّها باقِيَةٌ بِتَمامِها، فَلا جَرَمَ مَنَعْناهُ بَعْضَ وُجُوهِ الإعْرابِ دُونَ البَعْضِ، تَنْبِيهًا عَلى هَذِهِ الحالَةِ، فَهَذا ما خَطَرَ بِالبالِ في هَذا المَقامِ.

الوَجْهُ الثّانِي في بَيانِ السَّبَبِ في مَنعِ الصَّرْفِ: ما ذَكَرَهُ الأخْفَشُ والفَرّاءُ وهو أنَّ (أشْياءَ) وزْنُهُ أفْعِلاءُ، كَقَوْلِهِ أصْدِقاءُ وأصْفِياءُ، ثُمَّ إنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ الياءِ والهَمْزَتَيْنِ فَقَدَّمُوا الهَمْزَةَ، فَلَمّا كانَ (أشْياءُ) في الأصْلِ (أشْيِياءَ) عَلى وزْنِ أصْدِقاءَ وأفْعِلاءَ، وكانَ ذَلِكَ مِمّا لا يَجْرِي فِيهِ الصَّرْفُ، فَكَذا هاهُنا.

الوَجْهُ الثّالِثُ: ما ذَكَرَهُ الكِسائِيُّ وهو أنَّ (أشْياءَ) عَلى وزْنِ أفْعالٍ، إلّا أنَّهم لَمْ يَصْرِفُوهُ لِكَوْنِهِ شَبِيهًا في الظّاهِرِ بِحَمْراءَ وصَفْراءَ، وألْزَمَهُ الزَّجّاجُ أنْ لا يَنْصَرِفَ أسْماءٌ وأبْناءٌ، وعِنْدِي أنَّ سُؤالَ الزَّجّاجِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ لِلْكِسائِيِّ أنْ يَقُولَ: القِياسُ يَقْتَضِي ذَلِكَ في أبْناءٍ وأسْماءٍ، إلّا أنَّهُ تُرِكَ العَمَلُ بِهِ لِلنَّصِّ؛ لِأنَّ النَّصَّ أقْوى مِنَ القِياسِ، ولَمْ يُوجَدِ النَّصُّ في لَفْظِ أشْياءَ فَوَجَبَ الجَرْيُ فِيهِ عَلى القِياسِ، ولِأنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ العِلَلَ النَّحْوِيَّةَ لا تُوجِبُ الِاطِّرادَ، ألا تَرى أنّا إذا قُلْنا: الفاعِلِيَّةُ تُوجِبُ الرَّفْعَ، لَزِمَنا أنْ نَحْكُمَ

صفحة ٨٨

بِحُصُولِ الرَّفْعِ في جَمِيعِ المَواضِعِ، كَقَوْلِنا جاءَنِي هَؤُلاءِ وضَرَبَنِي هَذا؛ بَلْ نَقُولُ: القِياسُ ذَلِكَ، فَيُعْمَلُ بِهِ إلّا إذا عارَضَهُ نَصٌّ، فَكَذا القَوْلُ فِيما أوْرَدَهُ الزَّجّاجُ عَلى الكِسائِيِّ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: «رَوى أنَسٌ أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ فَأكْثَرُوا المَسْألَةَ، فَقامَ عَلى المِنبَرِ فَقالَ: سَلُونِي فَواللَّهِ لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ ما دُمْتُ في مَقامِي هَذا إلّا حَدَّثْتُكم بِهِ، فَقامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ السَّهْمِيُّ وكانَ يُطْعَنُ في نَسَبِهِ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ مَن أبِي ؟ فَقالَ: أبُوكَ حُذافَةُ بْنُ قَيْسٍ، وقالَ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ - ويُرْوى عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ - يا رَسُولَ اللَّهِ، الحَجُّ عَلَيْنا في كُلِّ عامٍ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أعادَ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثَةً، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”ويْحَكَ وما يُؤَمِّنُكَ أنْ أقُولَ نَعَمْ، واللَّهِ لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ لَتَرَكْتُمْ، ولَوْ تَرَكْتُمْ لَكَفَرْتُمْ، فاتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكم؛ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، فَإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فائْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ“ وقامَ آخَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْنَ أبِي ؟ فَقالَ: ”فِي النّارِ“ ولَمّا اشْتَدَّ غَضَبُ الرَّسُولِ ﷺ قامَ عُمَرُ وقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

واعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ عَنِ الأشْياءِ رُبَّما يُؤَدِّي إلى ظُهُورِ أحْوالٍ مَكْتُومَةٍ يُكْرَهُ ظُهُورُها ورُبَّما تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ تَكالِيفُ شاقَّةٌ صَعْبَةٌ، فالأوْلى بِالعاقِلِ أنْ يَسْكُتَ عَمّا لا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ فِيهِ، ألا تَرى أنَّ الَّذِي سَألَ عَنْ أبِيهِ فَإنَّهُ لَمْ يَأْمَن أنْ يُلْحِقَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِغَيْرِ أبِيهِ فَيَفْتَضِحَ، وأمّا السّائِلُ عَنِ الحَجِّ فَقَدْ كادَ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ: ”«إنَّ أعْظَمَ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن كانَ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ حَلالٍ» “ إذْ لَمْ يُؤْمَن أنْ يَقُولَ في الحَجِّ إيجابٌ في كُلِّ عامٍ. وكانَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ أحَلَّ وحَرَّمَ، فَما أحَلَّ فاسْتَحِلُّوهُ وما حَرَّمَ فاجْتَنِبُوهُ، وتَرَكَ بَيْنَ ذَلِكَ أشْياءَ لَمْ يُحَلِّلْها ولَمْ يُحَرِّمْها، فَذَلِكَ عَفْوٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ أبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ: إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، ونَهى عَنْ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، وعَفا عَنْ أشْياءَ مِن غَيْرِ نِسْيانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها.

* *

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ بَيَّنَ بِالآيَةِ الأُولى أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سَألُوا عَنْها إنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم، ثُمَّ بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها أُبْدِيَتْ لَهم، فَكانَ حاصِلُ الكَلامِ أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها أُبْدِيَتْ لَهم، وإنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم، فَيَلْزَمُ مِن مَجْمُوعِ المُقَدِّمَتَيْنِ أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها ظَهَرَ لَهم ما يَسُوءُهم ولا يَسُرُّهم.

والوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أنَّ السُّؤالَ عَلى قِسْمَيْنِ، أحَدُهُما: السُّؤالُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَهَذا السُّؤالُ مَنهِيٌّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ .

والنَّوْعُ الثّانِي مِنَ السُّؤالِ: السُّؤالُ عَنْ شَيْءٍ نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ لَكِنَّ السّامِعَ لَمْ يَفْهَمْهُ كَما يَنْبَغِي فَهاهُنا

صفحة ٨٩

السُّؤالُ واجِبٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ والفائِدَةُ في ذِكْرِ هَذا القِسْمِ أنَّهُ لَمّا مَنَعَ في الآيَةِ الأُولى مِنَ السُّؤالِ أوْهَمَ أنَّ جَمِيعَ أنْواعِ السُّؤالِ مَمْنُوعٌ مِنهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ تَمْيِيزًا لِهَذا القِسْمِ عَنْ ذَلِكَ القِسْمِ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها﴾ هَذا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأشْياءِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ فَكَيْفَ يُعْقَلُ في (أشْياءَ) بِأعْيانِها أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعًا وجائِزًا مَعًا ؟

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنْها مَمْنُوعًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ بِها ومَأْمُورًا بِهِ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ بِها.

والثّانِي: أنَّهُما وإنْ كانا نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إلّا أنَّهُما في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَسْئُولًا عَنْهُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَلِهَذا الوَجْهِ حَسُنَ اتِّحادُ الضَّمِيرِ وإنْ كانا في الحَقِيقَةِ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ دَلَّ عَلى سُؤالاتِهِمْ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها﴾ أيْ وإنْ تَسْألُوا عَنْ تِلْكَ السُّؤالاتِ حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ يُبَيَّنْ لَكم أنَّ تِلْكَ السُّؤالاتِ هَلْ هي جائِزَةٌ أمْ لا ؟ والحاصِلُ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَجِبُ السُّؤالُ أوَّلًا، وأنَّهُ هَلْ يَجُوزُ السُّؤالُ عَنْ كَذا وكَذا أمْ لا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ مِن مَسائِلِكم وإغْضابِكم لِلرَّسُولِ بِسَبَبِها، فَلا تَعُودُوا إلى مِثْلِها.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سَألُوا عَنْها إنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم، فَقالَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ يَعْنِي عَمّا ظَهَرَ عِنْدَ تِلْكَ السُّؤالاتِ مِمّا يَسُوءُكم ويَثْقُلُ ويَشُقُّ في التَّكْلِيفِ عَلَيْكم.

الثّالِثُ: في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ عَفا اللَّهُ عَنْها في الآيَةِ ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الكَلامَ إذا اسْتَقامَ مِن غَيْرِ تَغْيِيرِ النَّظْمِ لَمْ يَجُزِ المَصِيرُ إلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ أيْ أمْسَكَ عَنْها وكَفَّ عَنْ ذِكْرِها ولَمْ يُكَلِّفْ فِيها بِشَيْءٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«عَفَوْتُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ، والرَّقِيقِ» “ أيْ خَفَّفْتُ عَنْكم بِإسْقاطِها.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ ما ذَكَرْناهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي قَوْمَ صالِحٍ سَألُوا النّاقَةَ ثُمَّ عَقَرُوها، وقَوْمُ مُوسى قالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فَصارَ ذَلِكَ وبالًا عَلَيْهِمْ، وبَنُو إسْرائِيلَ ﴿قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ و﴿قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٧] فَسَألُوها ثُمَّ كَفَرُوا بِها، وقَوْمُ عِيسى سَألُوا المائِدَةَ ثُمَّ كَفَرُوا بِها، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أُولَئِكَ سَألُوا فَلَمّا أُعْطُوا سُؤْلَهم ساءَهم ذَلِكَ فَلا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ فَلَعَلَّكم إنْ أُعْطِيتُمْ سُؤْلَكم ساءَكم ذَلِكَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ ثُمَّ قالَ هاهُنا: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وكانَ الأوْلى أنْ يَقُولَ: قَدْ سَألَ عَنْها قَوْمٌ فَما السَّبَبُ في ذَلِكَ ؟

صفحة ٩٠

قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ السُّؤالَ عَنِ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ السُّؤالِ عَنْ حالَةٍ مِن أحْوالِهِ وصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ، وسُؤالُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ طَلَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، يُقالُ: سَألْتُهُ دِرْهَمًا؛ أيْ طَلَبْتُ مِنهُ الدِّرْهَمَ، ويُقالُ: سَألْتُهُ عَنِ الدِّرْهَمِ؛ أيْ سَألْتُهُ عَنْ صِفَةِ الدِّرْهَمِ وعَنْ نَعْتِهِ، فالمُتَقَدِّمُونَ إنَّما سَألُوا مِنَ اللَّهِ إخْراجَ النّاقَةِ مِنَ الصَّخْرَةِ، وإنْزالَ المائِدَةِ مِنَ السَّماءِ، فَهم سَألُوا نَفْسَ الشَّيْءِ، وأمّا أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهم ما سَألُوا ذَلِكَ، وإنَّما سَألُوا عَنْ أحْوالِ الأشْياءِ وصِفاتِها، فَلَمّا اخْتَلَفَ السُّؤالانِ في النَّوْعِ اخْتَلَفَتِ العِبارَةُ أيْضًا، إلّا أنَّ كِلا القِسْمَيْنِ يَشْتَرِكانِ في وصْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّهُ خَوْضٌ في الفُضُولِ، وشُرُوعٌ فِيما لا حاجَةَ إلَيْهِ، وفِيهِ خَطَرُ المَفْسَدَةِ، والشَّيْءُ الَّذِي لا يُحْتاجُ إلَيْهِ ويَكُونُ فِيهِ خَطَرُ المَفْسَدَةِ يَجِبُ عَلى العاقِلِ الِاحْتِرازُ عَنْهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ قَوْمَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في السُّؤالِ عَنْ أحْوالِ الأشْياءِ مُشابِهُونَ لِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ في سُؤالِ تِلْكَ الأشْياءِ في كَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فُضُولًا وخَوْضًا فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ.

والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ أنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ سَألَها﴾ غَيْرُ عائِدَةٍ إلى الأشْياءِ الَّتِي سَألُوا عَنْها، بَلْ عائِدَةٌ إلى سُؤالاتِهِمْ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ، والتَّقْدِيرُ: قَدْ سَألَ تِلْكَ السُّؤالاتِ الفاسِدَةَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم، فَلَمّا أُجِيبُوا عَنْها أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ.

5:103Page 124

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٣

Allāh has not appointed [such innovations as] baḥīrah or sā’ibah or waṣīlah or ḥām.1 But those who disbelieve invent falsehood about Allāh, and most of them do not reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ النّاسَ مِنَ البَحْثِ عَنْ أُمُورٍ ما كُلِّفُوا بِالبَحْثِ عَنْها، كَذَلِكَ مَنَعَهم عَنِ التِزامِ أُمُورٍ ما كُلِّفُوا التِزامَها، ولَمّا كانَ الكُفّارُ يُحَرِّمُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِهَذِهِ الحَيَواناتِ وإنْ كانُوا في غايَةِ الِاحْتِياجِ إلى الِانْتِفاعِ بِها، بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ فَقالَ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: فَعَلَ وعَمِلَ وطَفِقَ وجَعَلَ وأنْشَأ وأقْبَلَ، وبَعْضُها أعَمُّ مِن بَعْضٍ، وأكْثَرُها عُمُومًا فَعَلَ؛ لِأنَّهُ واقِعٌ عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ وأعْمالِ القُلُوبِ، أمّا إنَّهُ واقِعٌ عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ فَظاهِرٌ، وأمّا إنَّهُ واقِعٌ عَلى أعْمالِ القُلُوبِ، فَدَلِيلٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٣٣] وأمّا (عَمِلَ) فَإنَّهُ أخَصُّ مِن فَعَلَ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ إلّا عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ، ولا يَقَعُ عَلى الهَمِّ والعَزْمِ والقَصْدِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ» “ جَعَلَ النِّيَّةَ خَيْرًا مِنَ العَمَلِ، فَلَوْ كانَتِ النِّيَّةُ عَمَلًا، لَزِمَ كَوْنُ النِّيَّةِ خَيْرًا مِن نَفْسِها، وأمّا ”جَعَلَ“ فَلَهُ وُجُوهٌ:

أحَدُها: الحُكْمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] .

وثانِيها: الخَلْقُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنْعامِ: ١] . وثالِثُها: بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: (إنّا)

صفحة ٩١

﴿جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾ أيْ ما حَكَمَ اللَّهُ بِذَلِكَ ولا شَرَعَ ولا أمَرَ بِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا أرْبَعَةَ أشْياءَ:

أوَّلُها: البَحِيرَةُ، وهي فَعِيلَةٌ مِنَ البَحْرِ وهو الشَّقُّ، يُقالُ: بَحَرَ ناقَتَهُ: إذا شَقَّ أُذُنَها، وهي بِمَعْنى المَفْعُولِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وكانَ آخِرُها ذَكَرًا شَقُّوا أُذُنَ النّاقَةِ وامْتَنَعُوا مِن رُكُوبِها وذَبْحِها وسَيَّبُوها لِآلِهَتِهِمْ، ولا يُجَزُّ لَها وبَرٌ، ولا يُحْمَلُ عَلى ظَهْرِها، ولا تُطْرَدُ عَنْ ماءٍ، ولا تُمْنَعُ عَنْ مَرْعًى، ولا يُنْتَفَعُ بِها، وإذا لَقِيَها المُعْيى لَمْ يَرْكَبْها تَحْرِيجًا.

وأمّا السّائِبَةُ: فَهي فاعِلَةٌ مِن سابَ: إذا جَرى عَلى وجْهِ الأرْضِ، يُقالُ: سابَ الماءُ وسابَتِ الحَيَّةُ، فالسّائِبَةُ هي الَّتِي تُرِكَتْ حَتّى تَسِيبَ إلى حَيْثُ شاءَتْ، وهي المُسَيَّبَةُ، كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ، بِمَعْنى مَرْضِيَّةٍ، وذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا:

أحَدُها: ما ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وهو أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا مَرِضَ أوْ قَدِمَ مِن سَفَرٍ أوْ نَذَرَ نَذْرًا أوْ شَكَرَ نِعْمَةً سَيَّبَ بَعِيرًا، فَكانَ بِمَنزِلَةِ البَحِيرَةِ في جَمِيعِ ما حَكَمُوا لَها.

وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: إذا ولَدَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ كُلُّهُنَّ إناثٌ، سُيِّبَتْ فَلَمْ تُرْكَبْ ولَمْ تُحْلَبْ ولَمْ يُجَزَّ لَها وبَرٌ، ولَمْ يَشْرَبْ لَبَنَها إلّا ولَدٌ أوْ ضَيْفٌ.

وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السّائِبَةُ هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْأصْنامِ؛ أيْ تُعْتَقُ لَها، وكانَ الرَّجُلُ يُسَيِّبُ مِن مالِهِ ما يَشاءُ، فَيَجِيءُ بِهِ إلى السَّدَنَةِ وهم خَدَمُ آلِهَتِهِمْ فَيُطْعِمُونَ مِن لَبَنِها أبْناءَ السَّبِيلِ.

ورابِعُها: السّائِبَةُ هو العَبْدُ يُعْتَقُ عَلى أنْ لا يَكُونَ عَلَيْهِ ولاءٌ ولا عَقْلٌ ولا مِيراثٌ.

وأمّا الوَصِيلَةُ، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: إذا ولَدَتِ الشّاةُ أُنْثى فَهي لَهم، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا فَهو لِآلِهَتِهِمْ، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها. وأمّا الحامُ فَيُقالُ: حَماهُ يَحْمِيهِ: إذا حَفِظَهُ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: الفَحْلُ إذا رُكِبَ ولَدُ ولَدِهِ قِيلَ: حَمى ظَهْرَهُ؛ أيْ حَفِظَهُ عَنِ الرُّكُوبِ، فَلا يُرْكَبُ ولا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ولا يُمْنَعُ مِن ماءٍ ولا مَرْعًى إلى أنْ يَمُوتَ، فَحِينَئِذٍ تَأْكُلُهُ الرِّجالُ والنِّساءُ.

وثانِيها: إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ قالُوا: حَمَتْ ظَهْرَها، حَكاهُ أبُو مُسْلِمٍ.

وثالِثُها: الحامُ هو الفَحْلُ الَّذِي يَضْرِبُ في الإبِلِ عَشْرَ سِنِينَ فَيُخَلّى، وهو مِنَ الأنْعامِ الَّتِي حُرِّمَتْ ظُهُورُها، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

فَإنْ قِيلَ: إذا جازَ إعْتاقُ العَبِيدِ والإماءِ فَلِمَ لا يَجُوزُ إعْتاقُ هَذِهِ البَهائِمِ مِنَ الذَّبْحِ والإتْعابِ والإيلامِ ؟

قُلْنا: الإنْسانُ مَخْلُوقٌ لِخِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى وعُبُودِيَّتِهِ، فَإذا تَمَرَّدَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى عُوقِبَ بِضَرْبِ الرِّقِّ عَلَيْهِ، فَإذا أُزِيلَ الرِّقُّ عَنْهُ تَفَرَّغَ لِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ عِبادَةً مُسْتَحْسَنَةً، وأمّا هَذِهِ الحَيَواناتُ فَإنَّها مَخْلُوقَةٌ لِمَنافِعِ المُكَلَّفِينَ، فَتَرْكُها وإهْمالُها يَقْتَضِي فَواتَ مَنفَعَةٍ عَلى مالِكِها مِن غَيْرِ أنْ يَحْصُلَ في مُقابَلَتِها فائِدَةٌ، فَظَهَرَ الفَرْقُ، وأيْضًا الإنْسانُ إذا كانَ عَبْدًا فَأُعْتِقَ قَدَرَ عَلى تَحْصِيلِ مَصالِحِ نَفْسِهِ، وأمّا البَهِيمَةُ إذا أُعْتِقَتْ وتُرِكَتْ لَمْ تَقْدِرْ عَلى رِعايَةِ مَصالِحِ نَفْسِها فَوَقَعَتْ في أنْواعٍ مِنَ المِحْنَةِ أشَدَّ وأشَقَّ مِمّا كانَتْ فِيها حالَ ما كانَتْ مَمْلُوكَةً، فَظَهَرَ الفَرْقُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ .

صفحة ٩٢

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ الخُزاعِيَّ كانَ قَدْ مَلَكَ مَكَّةَ، وكانَ أوَّلَ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ، فاتَّخَذَ الأصْنامَ ونَصَبَ الأوْثانَ وشَرَعَ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامَ.

قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«فَلَقَدْ رَأيْتُهُ في النّارِ يُؤْذِي أهْلَ النّارِ بِرِيحِ قُصْبِهِ» “ والقُصْبُ المِعى وجَمْعُهُ الأقْصابُ، ويُرْوى يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ يُرِيدُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وأصْحابَهُ، يَقُولُونَ عَلى اللَّهِ هَذِهِ الأكاذِيبَ والأباطِيلَ في تَحْرِيمِهِمْ هَذِهِ الأنْعامَ، والمَعْنى أنَّ الرُّؤَساءَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ عَلى الكَذِبِ، فَأمّا الأتْباعُ والعَوامُّ فَأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ، فَلا جَرَمَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ هَذِهِ الأكاذِيبَ مِن أُولَئِكَ الرُّؤَساءِ.

5:104Page 125

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٠٤

And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ .

والمَعْنى مَعْلُومٌ، وهو رَدٌّ عَلى أصْحابِ التَّقْلِيدِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ فِيهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.

واعْلَمْ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ واوُ الحالِ قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ، وتَقْدِيرُهُ: أحْسُبُهم كَذَلِكَ ولَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ.

واعْلَمْ أنَّ الِاقْتِداءَ إنَّما يَجُوزُ بِالعالِمِ المُهْتَدِي، وإنَّما يَكُونُ عالِمًا مُهْتَدِيًا إذا بَنى قَوْلَهُ عَلى الحُجَّةِ والدَّلِيلِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عالِمًا مُهْتَدِيًا، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الِاقْتِداءُ بِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском