Ar-RaziAl‑Ma'idah · 5:105–106

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:105–106

5:105Page 125

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥

O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allāh is your return all together; then He will inform you of what you used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ والأحْكامِ ثُمَّ قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن أنْواعِ المُبالَغَةِ في الإعْذارِ والإنْذارِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِشَيْءٍ مِنهُ بَلْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى جَهْلِهِمْ مُجِدِّينَ عَلى جَهالاتِهِمْ وضَلالَتِهِمْ، فَلا تُبالُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ بِجَهالَتِهِمْ وضَلالَتِهِمْ، بَلْ كُونُوا مُنْقادِينَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ مُطِيعِينَ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، فَلا يَضُرُّكم ضَلالَتُهم

صفحة ٩٣

وجَهالَتُهم، فَلِهَذا قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيِ احْفَظُوا أنْفُسَكم مِن مُلابَسَةِ المَعاصِي والإصْرارِ عَلى الذُّنُوبِ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: عَلَيْكَ وعِنْدَكَ ودُونَكَ، مِن جُمْلَةِ أسْماءِ الأفْعالِ؛ تَقُولُ العَرَبُ: عَلَيْكَ وعِنْدَكَ ودُونَكَ، فَيُعَدُّونَها إلى المَفْعُولِ ويُقِيمُونَها مُقامَ الفِعْلِ، ويَنْصِبُونَ بِها، فَيُقالُ: عَلَيْكَ زَيْدًا، كَأنَّهُ قِيلَ: خُذْ زَيْدًا فَقَدْ عَلاكَ، أيْ أشْرَفَ عَلَيْكَ، وعِنْدَكَ زَيْدًا، أيْ حَضَرَكَ فَخُذْهُ، ودُونَكَ؛ أيْ قَرُبَ مِنكَ فَخُذْهُ، فَهَذِهِ الأحْرُفُ الثَّلاثَةُ لا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في إجازَةِ النَّصْبِ بِها، ونَقَلَ صاحِبُ الكَشّافِ (عَلَيْكم أنْفُسُكم) بِالرَّفْعِ عَنْ نافِعٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا:

أحَدُها: ما رَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَبِلَ مِن أهْلِ الكِتابِ الجِزْيَةَ ولَمْ يَقْبَلْ مِنَ العَرَبِ إلّا الإسْلامَ أوِ السَّيْفَ، عَيَّرَ المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ مِن بَعْضِ الكُفّارِ دُونَ البَعْضِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْ ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ مَلامَةُ اللّائِمِينَ إذا كُنْتُمْ عَلى الهُدى» .

وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنِينَ كانَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ بَقاءُ الكُفّارِ في كُفْرِهِمْ وضَلالَتِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: عَلَيْكم أنْفُسَكم، وما كُلِّفْتُمْ مِن إصْلاحِها والمَشْيِ بِها في طَرِيقِ الهُدى ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ ضَلالُ الضّالِّينَ ولا جَهْلُ الجاهِلِينَ.

وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يَغْتَمُّونَ لِعَشائِرِهِمْ لَمّا ماتُوا عَلى الكُفْرِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنَّهُ لَمّا حَكى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ إذا قِيلَ لَهم: ﴿تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، والمَقْصُودُ مِنها بَيانُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الفاسِدَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا مُصِرِّينَ عَلى دِينِهِمْ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَضُرُّهم جَهْلُ أُولَئِكَ الجاهِلِينَ إذا كانُوا راسِخِينَ في دِينِهِمْ ثابِتِينَ فِيهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يُوهِمُ أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ غَيْرُ واجِبٍ.

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ وهو الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ النّاسِ، أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بَلْ تُوجِبُ أنَّ المُطِيعَ لِرَبِّهِ لا يَكُونُ مُؤاخَذًا بِذُنُوبِ العاصِي، فَأمّا وُجُوبُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَثابِتٌ بِالدَّلائِلِ، «خَطَبَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ وتَضَعُونَها غَيْرَ مَوْضِعِها وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”إنَّ النّاسَ إذا رَأوُا المُنْكَرَ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ يُوشِكُ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ» “ .

والوَجْهُ الثّانِي في تَأْوِيلِ الآيَةِ: ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ أنَّهُما قالا: قَوْلُهُ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ يَكُونُ هَذا في آخِرِ الزَّمانِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمّا قُرِئَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ: لَيْسَ هَذا بِزَمانِها، ما دامَتْ قُلُوبُكم واحِدَةً، ولَمْ تُلْبَسُوا شِيَعًا ولَمْ يَذُقْ بَعْضُكم بَأْسَ بَعْضٍ، فَأْمُرُوا وانْهَوْا، فَإذا اخْتَلَفَتِ القُلُوبُ والأهْواءُ وأُلْبِسْتُمْ شِيَعًا ووُكِّلَ كُلُّ امْرِئٍ ونَفْسَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ عامٌّ، وهو أيْضًا خِطابٌ مَعَ الحاضِرِينَ فَكَيْفَ يُخْرِجُ الحاضِرَ ويَخُصُّ الغائِبَ.

والوَجْهُ الثّالِثُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ: ما ذَهَبَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ فَقالَ: هَذِهِ أوْكَدُ آيَةٍ في وُجُوبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ يَعْنِي عَلَيْكم أهْلَ دِينِكم ولا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ مِنَ الكُفّارِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٥٤] يَعْنِي أهْلَ دِينِكم فَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ يَعْنِي بِأنْ يَعِظَ

صفحة ٩٤

بَعْضُكم بَعْضًا ويُرَغِّبُ بَعْضُكم بَعْضًا في الخَيْراتِ، ويُنَفِّرُهُ عَنِ القَبائِحِ والسَّيِّئاتِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ ما بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ مَعْناهُ احْفَظُوا أنْفُسَكم، فَكانَ ذَلِكَ أمْرًا بِأنْ نَحْفَظَ أنْفُسَنا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الحِفْظُ إلّا بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ كانَ ذَلِكَ واجِبًا.

والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ عُلِمَ أنَّهُ لا يَنْفَعُهُمُ الوَعْظُ، ولا يَتْرُكُونَ الكُفْرَ بِسَبَبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، فَهاهُنا لا يَجِبُ عَلى الإنْسانِ أنْ يَأْمُرَهم بِالمَعْرُوفِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ ما ذَكَرْنا في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في المُنافِقِينَ، حَيْثُ عَيَّرُوا المُسْلِمِينَ بِأخْذِ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ دُونَ المُشْرِكِينَ.

الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِما إذا خافَ الإنْسانُ عِنْدَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى عِرْضِهِ أوْ عَلى مالِهِ، فَهاهُنا عَلَيْهِ نَفْسُهُ لا تَضُرُّهُ ضَلالَةُ مَن ضَلَّ ولا جَهالَةُ مَن جَهِلَ، وكانَ ابْنُ شُبْرُمَةَ يَقُولُ: مَن فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، ومَن فَرَّ مِن ثَلاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ.

الوَجْهُ السّادِسُ: لا يَضُرُّكم - إذا اهْتَدَيْتُمْ فَأمَرْتُمْ بِالمَعْرُوفِ ونَهَيْتُمْ عَنِ المُنْكَرِ - ضَلالُ مَن ضَلَّ فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ.

الوَجْهُ السّابِعُ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ مِن أداءِ الواجِباتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ عِنْدَ القُدْرَةِ، فَإنْ لَمْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَسْتَوْحِشُوا مِن ذَلِكَ فَإنَّكم خَرَجْتُمْ عَنْ عُهْدَةِ تَكْلِيفِكم فَلا يَضُرُّكم ضَلالُ غَيْرِكم.

والوَجْهُ الثّامِنُ: أنَّهُ تَعالى قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ﴾ [النِّساءِ: ٨٤] وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ عَنِ الرَّسُولِ، فَكَذا هاهُنا.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قُرِئَ (لا يَضُرَّكُمْ) بِفَتْحِ الرّاءِ مَجْزُومًا عَلى جَوابِ قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ وقُرِئَ بِضَمِّ الرّاءِ، وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: عَلى وجْهِ الخَبَرِ؛ أيْ لَيْسَ يَضُرُّكم مَن ضَلَّ.

والثّانِي: أنَّ حَقَّها الفَتْحُ عَلى الجَوابِ، ولَكِنْ ضُمَّتِ الرّاءُ إتْباعًا لِضَمَّةِ الضّادِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ يُرِيدُ مَصِيرَكم ومَصِيرَ مَن خالَفَكم ﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي يُجازِيكم بِأعْمالِكم.

5:106Page 125

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ ١٠٦

O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allāh if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange it [i.e., our oath] for a price [i.e., worldly gain], even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of [i.e., ordained by] Allāh. Indeed, we would then be of the sinful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِحِفْظِ النَّفْسِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ أمَرَ بِحِفْظِ المالِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ وأخاهُ عَدِيًّا كانا نَصْرانِيَّيْنِ خَرَجا

صفحة ٩٥

إلى الشّامِ ومَعَهُما بَدِيلٌ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ وكانَ مُسْلِمًا مُهاجِرًا، خَرَجُوا لِلتِّجارَةِ، فَلَمّا قَدِمُوا الشّامَ مَرِضَ بَدِيلٌ فَكَتَبَ كِتابًا فِيهِ نُسْخَةُ جَمِيعِ ما مَعَهُ وألْقاهُ فِيما بَيْنَ الأقْمِشَةِ ولَمْ يُخْبِرْ صاحِبَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ أوْصى إلَيْهِما وأمَرَهُما أنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إذا رَجَعا إلى أهْلِهِ، وماتَ بَدِيلٌ فَأخَذا مِن مَتاعِهِ إناءً مِن فِضَّةٍ مَنقُوشًا بِالذَّهَبِ ثَلاثَمِائَةِ مِثْقالٍ، ودَفَعا باقِيَ المَتاعِ إلى أهْلِهِ لَمّا قَدِما، فَفَتَّشُوا فَوَجَدُوا الصَّحِيفَةَ وفِيها ذِكْرُ الإناءِ، فَقالُوا لِتَمِيمٍ وعَدِيٍّ: أيْنَ الإناءُ ؟ فَقالا: لا نَدْرِي، والَّذِي دَفَعَ إلَيْنا دَفَعْناهُ إلَيْكم، فَرَفَعُوا الواقِعَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ يَعْنِي شَهادَةَ ما بَيْنَكم، وما بَيْنَكم كِنايَةٌ عَنِ التَّنازُعِ والتَّشاجُرِ، وإنَّما أضافَ الشَّهادَةَ إلى التَّنازُعِ لِأنَّ الشُّهُودَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِمْ عِنْدَ وُقُوعِ التَّنازُعِ، وحَذْفُ (ما) مِن قَوْلِهِ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ جائِزٌ لِظُهُورِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكَهْفِ: ٧٨] أيْ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٩٤] في قِراءَةِ مَن نَصَبَ، وقَوْلُهُ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ يَعْنِي الشَّهادَةَ المُحْتاجَ إلَيْها عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، و﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ﴾ لِأنَّ زَمانَ حُضُورِ المَوْتِ هو زَمانُ حُضُورِ الوَصِيَّةِ، فَعُرِفَ ذَلِكَ الزَّمانُ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ الواقِعَيْنِ فِيهِ، كَما يُقالُ: ائْتِنِي إذا زالَتِ الشَّمْسُ حِينَ صَلاةِ الظُّهْرِ. والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ مُشارَفَتُهُ وظُهُورُ أماراتِ وُقُوعِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٠] قالُوا: وقَوْلُهُ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ زَمانَ حُضُورِ المَوْتِ غَيْرَ زَمانِ الوَصِيَّةِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ إذا كانا مُتَلازِمَيْنِ، وإنَّما تَحْصُلُ هَذِهِ المُلازَمَةُ عِنْدَ وُجُوبِ الوَصِيَّةِ.

﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ، والمُرادُ أنْ يَشْهَدَ ذَوا عَدْلٍ مِنكم، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: شَهادَةُ ما بَيْنَكم عِنْدَ المَوْتِ المَوْصُوفِ، هي أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم، وإنَّما حَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: (مِنكم) عَلى قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ: اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ، أيْ مِن أهْلِ دِينِكم ومِلَّتِكم، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ يَعْنِي أوْ شَهادَةَ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِ أهْلِ دِينِكم ومِلَّتِكم إذا كُنْتُمْ في السَّفَرِ، فالعَدْلانِ المُسْلِمانِ صالِحانِ لِلشَّهادَةِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وسَعِيدِ بْنِ

صفحة ٩٦

جُبَيْرٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ سِيرِينَ وابْنِ جُرَيْجٍ. قالُوا: إذا كانَ الإنْسانُ في الغُرْبَةِ، ولَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا يُشْهِدُهُ عَلى وصِيَّتِهِ، جازَ لَهُ أنْ يُشْهِدَ اليَهُودِيَّ أوِ النَّصْرانِيَّ أوِ المَجُوسِيَّ أوْ عابِدَ الوَثَنِ أوْ أيَّ كافِرٍ كانَ، وشَهادَتُهم مَقْبُولَةٌ، ولا يَجُوزُ شَهادَةُ الكافِرِينَ عَلى المُسْلِمِينَ إلّا في هَذِهِ الصُّورَةِ. قالَ الشَّعْبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَرِضَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في الغُرْبَةِ، فَلَمْ يَجِدْ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُ عَلى وصِيَّتِهِ، فَأشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَقَدِما الكُوفَةَ وأتَيا أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ وكانَ والِيًا عَلَيْها، فَأخْبَراهُ بِالواقِعَةِ وقَدَّما تَرِكَتَهُ ووَصِيَّتَهُ، فَقالَ أبُو مُوسى: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في عَهْدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ حَلَّفَهُما في مَسْجِدِ الكُوفَةِ بَعْدَ العَصْرِ بِاللَّهِ أنَّهُما ما كَذَبا ولا بَدَّلا، وأجازَ شَهادَتَهُما. ثُمَّ إنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ، مِنهم مَن قالَ: هَذا الحُكْمُ بَقِيَ مُحْكَمًا، ومِنهم مَن قالَ: صارَ مَنسُوخًا.

القَوْلُ الثّانِي، وهو قَوْلُ الحَسَنِ والزُّهْرِيِّ وجُمْهُورِ الفُقَهاءِ، أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ مِن أقارِبِكم، وقَوْلَهُ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ أيْ مِنَ الأجانِبِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ أيْ إنْ تُوُقِّعَ المَوْتُ في السَّفَرِ، ولَمْ يَكُنْ مَعَكم أحَدٌ مِن أقارِبِكم، فاسْتَشْهِدُوا أجْنَبِيَّيْنِ عَلى الوَصِيَّةِ. وجَعَلَ الأقارِبَ أوَّلًا لِأنَّهم أعْلَمُ بِأحْوالِ المَيِّتِ وهم بِهِ أشْفَقُ، وبِوَرَثَتِهِ أرْحَمُ وأرْأفُ. واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَعَمَّمَ بِهَذا الخِطابِ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا قالَ بَعْدَهُ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ كانَ المُرادُ أوْ آخَرانِ مِن جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ لا مَحالَةَ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ جَوازَ الِاسْتِشْهادِ بِهَذَيْنِ الآخَرَيْنِ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ المُسْتَشْهِدِ في السَّفَرِ، فَلَوْ كانَ هَذانِ الشّاهِدانِ مُسْلِمَيْنِ لَما كانَ جَوازُ الِاسْتِشْهادِ بِهِما مَشْرُوطًا بِالسَّفَرِ؛ لِأنَّ اسْتِشْهادَ المُسْلِمِ جائِزٌ في السَّفَرِ والحَضَرِ.

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الحَلِفِ عَلى هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ مِن بَعْدِ الصَّلاةِ، وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ الشّاهِدَ المُسْلِمَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَلِفُ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ لَيْسا مِنَ المُسْلِمِينَ.

الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرْناهُ مِن شَهادَةِ النَّصْرانِيَّيْنِ عَلى بَدِيلٍ وكانَ مُسْلِمًا.

الحُجَّةُ الخامِسَةُ: ما رُوِّينا أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ قَضى بِشَهادَةِ اليَهُودِيَّيْنِ بَعْدَ أنْ حَلَّفَهُما، وما أنْكَرَ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ، فَكانَ ذَلِكَ إجْماعًا.

الحُجَّةُ السّادِسَةُ: أنّا إنَّما نُجِيزُ إشْهادَ الكافِرِينَ إذا لَمْ نَجِدْ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ، والضَّرُوراتُ قَدْ تُبِيحُ المَحْظُوراتِ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى أجازَ التَّيَمُّمَ والقَصْرَ في الصَّلاةِ، والإفْطارَ في رَمَضانَ، وأكْلَ المَيْتَةِ في حالِ الضَّرُورَةِ، والضَّرُورَةُ حاصِلَةٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ لِأنَّ المُسْلِمَ إذا قَرُبَ أجْلُهُ في الغُرْبَةِ ولَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا يُشْهِدُهُ عَلى نَفْسِهِ ولَمْ تَكُنْ شَهادَةُ الكُفّارِ مَقْبُولَةً، فَإنَّهُ يُضَيِّعُ أكْثَرَ مُهِمّاتِهِ، فَإنَّهُ رُبَّما وجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَواتٌ وكَفّاراتٌ وما أدّاها، ورُبَّما كانَ عِنْدَهُ ودائِعُ أوْ دُيُونٌ كانَتْ في ذِمَّتِهِ. وكَما تَجُوزُ شَهادَةُ النِّساءِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ النِّساءِ، كالحَيْضِ والحَبَلِ والوِلادَةِ والِاسْتِهْلالِ؛ لِأجْلِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ وُقُوفُ الرِّجالِ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ، فاكْتَفَيْنا فِيها بِشَهادَةِ النِّساءِ لِأجْلِ الضَّرُورَةِ، فَكَذا هاهُنا. وأمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ بِأنَّ هَذا الحُكْمَ صارَ مَنسُوخًا، فَبَعِيدٌ؛ لِاتِّفاقِ أكْثَرِ الأُمَّةِ عَلى أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ، واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطَّلاقِ: ٢] والكافِرُ لا يَكُونُ عَدْلًا.

صفحة ٩٧

أجابَ الأوَّلُونَ عَنْهُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَدْلِ مَن كانَ عَدْلًا في الِاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ، لا مَن كانَ عَدْلًا في الدِّينِ والِاعْتِقادِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنّا أجْمَعْنا عَلى قَبُولِ شَهادَةِ أهْلِ الأهْواءِ والبِدَعِ، مَعَ أنَّهم لَيْسُوا عُدُولًا في مَذاهِبِهِمْ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا عُدُولًا في الِاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ قَبِلْنا شَهادَتَهم، فَكَذا هاهُنا. سَلَّمْنا أنَّ الكافِرَ لَيْسَ بِعَدْلٍ، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ عامٌّ، وقَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ خاصٌّ، فَإنَّهُ أوْجَبَ شَهادَةَ العَدْلِ الَّذِي يَكُونُ مِنّا في الحَضَرِ، واكْتَفى بِشَهادَةِ مَن لا يَكُونُ مِنّا في السَّفَرِ، فَهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ، والآيَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عامَّةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، لا سِيَّما إذا كانَ الخاصُّ مُتَأخِّرًا في النُّزُولِ، ولا شَكَّ أنَّ سُورَةَ المائِدَةِ مُتَأخِّرَةٌ، فَكانَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الآيَةِ الخاصَّةِ عَلى الآيَةِ العامَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها واجِبًا بِالِاتِّفاقِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ .

وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أوْ آخَرانِ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ﴾ والتَّقْدِيرُ: شَهادَةُ بَيْنِكم أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ بَيانُ أنَّ جَوازَ الِاسْتِشْهادِ بِآخَرَيْنِ مِن غَيْرِهِمْ مَشْرُوطٌ بِما إذا كانَ المُسْتَشْهِدُ مُسافِرًا ضارِبًا في الأرْضِ وحَضَرَتْ عَلاماتُ نُزُولِ المَوْتِ بِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: تَحْبِسُونَهُما، أيْ تُوقِفُونَهُما كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: مَرَّ بِي فُلانٌ عَلى فَرَسٍ فَحَبَسَ عَلَيَّ دابَّتَهُ؛ أيْ أوْقَفَها، وحَبَسْتُ الرَّجُلَ في الطَّرِيقِ أُكَلِّمُهُ؛ أيْ أوْقَفْتُهُ.

فَإنْ قِيلَ: ما مَوْقِعُ ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ ؟

قُلْنا: هو اسْتِئْنافٌ، كَأنَّهُ: قِيلَ كَيْفَ نَعْمَلُ إنْ حَصَلَتِ الرِّيبَةُ فِيهِما ؟ فَقِيلَ: تَحْبِسُونَهُما.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ فِيهِ أقْوالٌ، الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن بَعْدِ صَلاةِ أهْلِ دِينِهِما.

والثّانِي: قالَ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ: مِن بَعْدِ صَلاةِ العَصْرِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عُرِفَ أنَّ المُرادَ هو صَلاةُ العَصْرِ، مَعَ أنَّ المَذْكُورَ هو الصَّلاةُ المُطْلَقَةُ ؟

قُلْنا: إنَّما عُرِفَ هَذا التَّعْيِينُ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ هَذا الوَقْتَ كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهم بِالتَّحْلِيفِ بَعْدَها، فالتَّقْيِيدُ بِالمَعْرُوفِ المَشْهُورِ أغْنى عَنِ التَّقْيِيدِ بِاللَّفْظِ.

وثانِيها: ما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَلّى النَّبِيُّ ﷺ صَلاةَ العَصْرِ، ودَعا بِعَدِيٍّ وتَمِيمٍ، فاسْتَحْلَفَهُما عِنْدَ المِنبَرِ، فَصارَ فِعْلُ الرَّسُولِ دَلِيلًا عَلى التَّقْيِيدِ.

وثالِثُها: أنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيانِ يُعَظِّمُونَ هَذا الوَقْتَ ويَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ ويَحْتَرِزُونَ عَنِ الحَلِفِ الكاذِبِ، وأهْلُ الكِتابِ يُصَلُّونَ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها.

والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ بَعْدَ الظُّهْرِ أوْ بَعْدَ العَصْرِ؛ لِأنَّ أهْلَ الحِجازِ كانُوا يَقْعُدُونَ لِلْحُكُومَةِ بَعْدَهُما.

صفحة ٩٨

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ المُرادَ بَعْدَ أداءِ الصَّلاةِ أيَّ صَلاةٍ كانَتْ والغَرَضُ مِنَ التَّحْلِيفِ بَعْدَ إقامَةِ الصَّلاةِ هو أنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فَكانَ احْتِرازُ الحالِفِ عَنِ الكَذِبِ في ذَلِكَ الوَقْتِ أتَمَّ وأكْمَلَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الأيْمانُ تُغَلَّظُ في الدِّماءِ والطَّلاقِ والعَتاقِ، والمالِ إذا بَلَغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، في الزَّمانِ والمَكانِ، فَيَحْلِفُ بَعْدَ العَصْرِ بِمَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ، وبِالمَدِينَةِ عِنْدَ المِنبَرِ، وفي بَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وفي سائِرِ البُلْدانِ في أشْرَفِ المَساجِدِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَحْلِفُ مِن غَيْرِ أنْ يَخْتَصَّ الحَلِفُ بِزَمانٍ أوْ مَكانٍ، وهَذا عَلى خِلافِ الآيَةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّهْوِيلُ والتَّعْظِيمُ، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أقْوى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ لِلْجَزاءِ، يَعْنِي: تَحْبِسُونَهُما فَيُقْدِمانِ لِأجْلِ ذَلِكَ الحَبْسِ عَلى القَسَمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: إنِ ارْتَبْتُمْ في شَأْنِهِما واتَّهَمْتُمُوهُما فَحَلِّفُوهُما، وبِهَذا يَحْتَجُّ مَن يَقُولُ الآيَةُ نازِلَةٌ في إشْهادِ الكُفّارِ؛ لِأنَّ تَحْلِيفَ الشّاهِدِ المُسْلِمِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، ومَن قالَ: الآيَةُ نازِلَةٌ في حَقِّ المُسْلِمِ، قالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ، وعَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يُحَلِّفُ الشّاهِدَ والرّاوِيَ عِنْدَ التُّهْمَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ يَعْنِي يُقْسِمانِ بِاللَّهِ أنّا لا نَبِيعُ عَهْدَ اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا قائِلِينَ: لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٧٧] أيْ لا نَأْخُذُ ولا نَسْتَبْدِلُ، ومَن باعَ شَيْئًا فَقَدِ اشْتَرى ثَمَنَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أيْ لا نَبِيعُ عَهْدَ اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا، ولَوْ كانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَبْوَةَ ذِي قُرْبى أوْ نَفْسِهِ، وخَصَّ ذا القُرْبى بِالذِّكْرِ لِأنَّ المَيْلَ إلَيْهِمْ أتَمُّ والمُداهَنَةَ بِسَبَبِهِمْ أعْظَمُ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ [النِّساءِ: ١٣٥] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ يَعْنِي أنَّهُما يُقْسِمانِ حالَ ما يَقُولانِ: لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ؛ أيِ الشَّهادَةَ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِحِفْظِها وإظْهارِها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: نُقِلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ: (شَهادَةً) ثُمَّ ابْتَدَأ (آللَّهِ) بِالمَدِّ عَلى طَرْحِ حَرْفِ القَسَمِ وتَعْوِيضِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ مِنهُ، ورُوِيَ عَنْهُ بِغَيْرِ مَدٍّ عَلى ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ أنَّ مِنهم مَن يَقُولُ: اللَّهِ لَقَدْ كانَ كَذا، والمَعْنى تاللَّهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ يَعْنِي إذا كَتَمْناها كُنّا مِنَ الآثِمِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском