Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:27–31
5:27Page 112
۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧
And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both made an offering [to Allāh], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allāh only accepts from the righteous [who fear Him].
قَوْلُهُ تَعالى ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ (المائِدَةِ: ١١) فَذَكَرَ تَعالى أنَّ الأعْداءَ يُرِيدُونَ إيقاعَ البَلاءِ والمِحْنَةِ بِهِمْ لَكِنَّهُ تَعالى يَحْفَظُهم بِفَضْلِهِ ويَمْنَعُ أعْداءَهم مِن إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لِأجْلِ التَّسْلِيَةِ وتَخْفِيفِ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى القَلْبِ ذَكَرَ قِصَصًا كَثِيرَةً في أنَّ كُلَّ مَن خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِالنِّعَمِ العَظِيمَةِ في الدِّينِ والدُّنْيا فَإنَّ النّاسَ يُنازِعُونَهُ حَسَدًا وبَغْيًا، فَذَكَرَ أوَّلًا قِصَّةَ النُّقَباءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وأخْذِ اللَّهِ تَعالى المِيثاقَ مِنهم، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ نَقَضُوا ذَلِكَ المِيثاقَ حَتّى وقَعُوا في اللَّعْنِ والقَساوَةِ، وذَكَرَ بَعْدَهُ شِدَّةَ إصْرارِ النَّصارى عَلى كُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ بِالتَّثْلِيثِ بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ عَلى فَسادِ ما هم عَلَيْهِ، وما ذاكَ إلّا لِحَسَدِهِمْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قِصَّةَ مُوسى في مُحارَبَةِ الجَبّارِينَ وإصْرارِ قَوْمِهِ عَلى التَّمَرُّدِ والعِصْيانِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ قِصَّةَ ابْنَيْ آدَمَ أنَّ أحَدَهُما قَتَلَ الآخَرَ حَسَدًا مِنهُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَبِلَ قُرْبانَهُ، وكُلُّ هَذِهِ القِصَصِ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ، فَلَمّا كانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ أعْظَمَ النِّعَمِ لا جَرَمَ لَمْ يَبْعُدِ اتِّفاقُ الأعْداءِ عَلى اسْتِخْراجِ أنْواعِ المَكْرِ والكَيْدِ في حَقِّهِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَصِ تَسْلِيَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ لَمّا هَمَّ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ أنْ يَمْكُرُوا بِهِ وأنْ يُوقِعُوا بِهِ آفَةً ومِحْنَةً.
والثّانِي: أنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (المائِدَةِ: ١٥) وهَذِهِ القِصَّةُ وكَيْفِيَّةُ إيجابِ القَصاصِ عَلَيْها مِن أسْرارِ التَّوْراةِ.
والثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، وهي قِصَّةُ مُحارَبَةِ الجَبّارِينَ، أيِ اذْكُرْ لِلْيَهُودِ حَدِيثَ ابْنَيْ آدَمَ لِيَعْلَمُوا أنَّ سَبِيلَ أسْلافِهِمْ في النَّدامَةِ والحَسْرَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى المَعْصِيَةِ كانَ مِثْلَ سَبِيلِ ابْنَيْ آدَمَ في إقْدامِ أحَدِهِما عَلى قَتْلِ الآخَرِ.
والرّابِعُ: قِيلَ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنِ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ (المائِدَةِ: ١٨) أيْ لا يَنْفَعُهم كَوْنُهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ مَعَ كُفْرِهِمْ كَما لَمْ يَنْتَفِعْ ولَدُ آدَمَ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ بِكَوْنِ أبِيهِ نَبِيًّا مُعَظَّمًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
الخامِسُ: لَمّا كَفَرَ أهْلُ الكِتابِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَسَدًا أخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِخَبَرِ ابْنِ آدَمَ وأنَّ الحَسَدَ أوْقَعَهُ في سُوءِ العاقِبَةِ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّحْذِيرُ عَنِ الحَسَدِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: واتْلُ عَلى النّاسِ.
والثّانِي: واتْلُ عَلى أهْلِ
صفحة ١٦١
الكِتابِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ابْنَيْ آدَمَ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُما ابْنا آدَمَ مِن صُلْبِهِ، وهُما هابِيلُ وقابِيلُ. وفي سَبَبِ وُقُوعِ المُنازَعَةِ بَيْنَهُما قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ هابِيلَ كانَ صاحِبَ غَنَمٍ، وقابِيلَ كانَ صاحِبَ زَرْعٍ، فَقَرَّبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قُرْبانًا، فَطَلَبَ هابِيلُ أحْسَنَ شاةٍ كانَتْ في غَنَمِهِ وجَعَلَها قُرْبانًا، وطَلَبَ قابِيلُ شَرَّ حِنْطَةٍ في زَرْعِهِ فَجَعَلَها قُرْبانًا، ثُمَّ تَقَرَّبَ كُلُّ واحِدٍ بِقُرْبانِهِ إلى اللَّهِ فَنَزَلَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فاحْتَمَلَتْ قُرْبانَ هابِيلَ ولَمْ تَحْمِلْ قُرْبانَ قابِيلَ، فَعَلِمَ قابِيلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَبِلَ قُرْبانَ أخِيهِ ولَمْ يَقْبَلْ قُرْبانَهُ فَحَسَدَهُ وقَصَدَ قَتْلَهُ.
وثانِيهِما: ما رُوِيَ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُولَدُ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ غُلامٌ وجارِيَةٌ وكانَ يُزَوِّجُ البِنْتَ مِن بَطْنٍ بِالغُلامِ مِن بَطْنٍ آخَرَ، فَوُلِدَ لَهُ قابِيلُ وتَوْأمَتُهُ، وبَعْدَهُما هابِيلُ وتَوْأمَتُهُ، وكانَتْ تَوْأمَةُ قابِيلَ أحْسَنَ النّاسِ وجْهًا، فَأرادَ آدَمُ أنْ يُزَوِّجَها مِن هابِيلَ، فَأبى قابِيلُ ذَلِكَ وقالَ: أنا أحَقُّ بِها، وهو أحَقُّ بِأُخْتِهِ، ولَيْسَ هَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما هو رَأْيُكَ، فَقالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُما: قَرِّبا قُرْبانًا، فَأيُّكُما قُبِلَ قُرْبانُهُ زَوَّجْتُها مِنهُ، فَقَبِلَ اللَّهُ تَعالى قُرْبانَ هابِيلَ بِأنْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى قُرْبانِهِ نارًا، فَقَتَلَهُ قابِيلُ حَسَدًا لَهُ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ والضَّحّاكِ: أنَّ ابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ قَرَّبا قُرْبانًا ما كانا ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ وإنَّما كانا رَجُلَيْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. قالا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائِدَةِ: ٣٢) إذْ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ صُدُورَ هَذا الذَّنْبِ مِن أحَدِ ابْنَيْ آدَمَ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِإيجابِ القَصاصِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أمّا لَمّا أقْدَمَ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ أمْكَنَ جَعْلُ ذَلِكَ سَبَبًا لِإيجابِ القَصاصِ عَلَيْهِمْ زَجْرًا لَهم عَنِ المُعاوَدَةِ إلى مِثْلِ هَذا الذَّنْبِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ بَيانُ إصْرارِ اليَهُودِ أبَدًا مِن قَدِيمِ الدَّهْرِ عَلى التَّمَرُّدِ والحَسَدِ حَتّى بَلَغَ بِهِمْ شِدَّةُ الحَسَدِ إلى أنَّ أحَدَهُما لَمّا قَبِلَ اللَّهُ قُرْبانَهُ حَسَدَهُ الآخَرُ وأقْدَمَ عَلى قَتْلِهِ، ولا شَكَّ أنَّها رُتْبَةٌ عَظِيمَةٌ في الحَسَدِ، فَإنَّهُ لَمّا شاهَدَ أنَّ قُرْبانَ صاحِبِهِ مَقْبُولٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ مِمّا يَدْعُوهُ إلى حُسْنِ الِاعْتِقادِ فِيهِ والمُبالَغَةِ في تَعْظِيمِهِ، فَلَمّا أقْدَمَ عَلى قَتْلِهِ، وقَتَلَهُ مَعَ هَذِهِ الحالَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ بَلَغَ في الحَسَدِ إلى أقْصى الغاياتِ، وإذا كانَ المُرادُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ القِصَّةِ بَيانَ أنَّ الحَسَدَ دَأْبٌ قَدِيمٌ في بَنِي إسْرائِيلَ وجَبَ أنْ يُقالَ: هَذانِ الرَّجُلانِ كانا مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ هو الَّذِي اخْتارَهُ أكْثَرُ أصْحابِ الأخْبارِ، وفي الآيَةِ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ القاتِلَ جَهِلَ ما يَصْنَعُ بِالمَقْتُولِ حَتّى تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِن عَمَلِ الغُرابِ، ولَوْ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَما خَفِيَ عَلَيْهِ هَذا الأمْرُ، وهو الحَقُّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (بِالحَقِّ) فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: بِالحَقِّ، أيْ تِلاوَةً مُتَلَبِّسَةً بِالحَقِّ والصِّحَّةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: أيْ تِلاوَةً مُتَلَبِّسَةً بِالصِّدْقِ والحَقِّ مُوافِقَةً لِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
الثّالِثُ: بِالحَقِّ، أيْ بِالغَرَضِ الصَّحِيحِ وهو تَقْبِيحُ الحَسَدِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ وأهْلَ الكِتابِ كانُوا يَحْسُدُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَبْغُونَ عَلَيْهِ.
الرّابِعُ: بِالحَقِّ، أيْ لِيَعْتَبِرُوا بِهِ لا لِيَحْمِلُوهُ عَلى اللَّعِبِ والباطِلِ مِثْلَ كَثِيرٍ مِنَ الأقاصِيصِ الَّتِي لا فائِدَةَ فِيها، وإنَّما هي لَهْوُ الحَدِيثِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ مِنَ الأقاصِيصِ والقَصَصِ في القُرْآنِ العِبْرَةُ لا مُجَرَّدُ الحِكايَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ (يُوسُفَ: ١١١) .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ١٦٢
المَسْألَةُ الأُولى: إذْ: نُصِبَ بِماذا ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ نُصِبَ بِالنَّبَأِ، أيْ قِصَّتُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ النَّبَأِ أيْ واتْلُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبَأِ نَبَأ ذَلِكَ الوَقْتِ، عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القُرْبانُ: اسْمٌ لِما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن ذَبِيحَةٍ أوْ صَدَقَةٍ، ومَضى الكَلامُ عَلى القُرْبانِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ قَرَّبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما قُرْبانًا إلّا أنَّهُ جَمَعَهُما في الفِعْلِ وأفْرَدَ الِاسْمَ؛ لِأنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِفِعْلِهِما عَلى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ قُرْبانًا. وقِيلَ: إنَّ القُرْبانَ اسْمُ جِنْسٍ فَهو يَصْلُحُ لِلْواحِدِ والعَدَدِ، وأيْضًا فالقُرْبانُ مَصْدَرٌ كالرُّجْحانِ والعُدْوانِ والكُفْرانِ والمَصْدَرُ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ.
5:28–30Page 112
لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨
If you should raise your hand toward me to kill me - I shall not raise my hand toward you to kill you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds.
إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩
Indeed, I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."
فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠
And his soul permitted to him1 the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: كانَتْ عَلامَةُ القَبُولِ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: عَلامَةُ الرَّدِّ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ، والأوَّلُ أوْلى لِاتِّفاقِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: ما كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ فَقِيرٌ يَدْفَعُ إلَيْهِ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَتِ النّارُ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما صارَ أحَدُ القُرْبانَيْنِ مَقْبُولًا والآخَرُ مَرْدُودًا؛ لِأنَّ حُصُولَ التَّقْوى شَرْطٌ في قَبُولِ الأعْمالِ. قالَ تَعالى هَهُنا حِكايَةً عَنِ المُحِقِّ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وقالَ فِيما أمَرَنا بِهِ مِنَ القُرْبانِ بِالبُدْنِ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ (الحَجِّ: ٣٧) فَأخْبَرَ أنَّ الَّذِي يَصِلُ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ لَيْسَ إلّا التَّقْوى، والتَّقْوى مِن صِفاتِ القُلُوبِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«التَّقْوى هَهُنا» “ وأشارَ إلى القَلْبِ، وحَقِيقَةُ التَّقْوى أُمُورٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ عَلى خَوْفٍ ووَجَلٍ مِن تَقْصِيرِ نَفْسِهِ في تِلْكَ الطّاعَةِ فَيَتَّقِيَ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ عَنْ جِهاتِ التَّقْصِيرِ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ في غايَةِ الِاتِّقاءِ مِن أنْ يَأْتِيَ بِتِلْكَ الطّاعَةِ لِغَرَضٍ سِوى طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.
وثالِثُها: أنَّ يَتَّقِيَ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهِ شَرِكَةٌ، وما أصْعَبَ رِعايَةَ هَذِهِ الشَّرائِطِ وقِيلَ في هَذِهِ القِصَّةِ: إنَّ أحَدَهُما جَعَلَ قُرْبانَهُ أحْسَنَ ما كانَ مَعَهُ، والآخَرَ جَعَلَ قُرْبانَهُ أرْدَأ ما كانَ مَعَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ أضْمَرَ أنَّهُ لا يُبالِي سَواءً قُبِلَ أوْ لَمْ يُقْبَلْ، ولا يُزَوِّجُ أُخْتَهُ مِن هابِيلَ. وقِيلَ: كانَ قابِيلُ لَيْسَ مِن أهْلِ التَّقْوى والطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ قُرْبانَهُ.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قابِيلَ أنَّهُ قالَ لِهابِيلَ: ﴿لَأقْتُلَنَّكَ﴾ فَقالَ هابِيلُ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ وفي الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّ هابِيلَ قالَ: لِمَ تَقْتُلُنِي ؟ قالَ لِأنَّ قُرْبانَكَ صارَ مَقْبُولًا، فَقالَ هابِيلُ: وما ذَنْبِي ؟ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ. وقِيلَ: هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ اعْتِراضًا بَيْنَ القِصَّةِ، كَأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ إنَّما لَمْ يَقْبَلْ قُرْبانَهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَّقِيًا.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنِ الأخِ المَظْلُومِ أنَّهُ قالَ:
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾
والسُّؤالُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ لِمَ لَمْ يَدْفَعِ القاتِلَ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ أنَّ الدَّفْعَ عَنِ النَّفْسِ واجِبٌ ؟ وهَبْ أنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ فَلا أقَلَّ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ، فَلِمَ قالَ ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ .
صفحة ١٦٣
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: لاحَ لِلْمَقْتُولِ بِأماراتٍ تَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ، يَعْنِي أنا لا أُجَوِّزُ مِن نَفْسِي أنْ أبْدَأكَ بِالقَتْلِ الظُّلْمِ العُدْوانِ، وإنَّما لا أفْعَلُهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما ذَكَرَ لَهُ هَذا الكَلامَ قَبْلَ إقْدامِ القاتِلِ عَلى قَتْلِهِ، وكانَ غَرَضُهُ مِنهُ تَقْبِيحَ القَتْلِ العَمْدِ في قَلْبِهِ، ولِهَذا يُرْوى أنَّ قابِيلَ صَبَرَ حَتّى نامَ هابِيلُ فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ فَقَتَلَهُ.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ﴾ يَعْنِي لا أبْسُطُ يَدِيَ إلَيْكَ لِغَرَضِ قَتْلِكَ، وإنَّما أبْسُطُ يَدِيَ إلَيْكَ لِغَرَضِ الدَّفْعِ. وقالَ أهْلُ العِلْمِ: الدّافِعُ عَنْ نَفْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَدْفَعَ بِالأيْسَرِ فالأيْسَرِ، ولَيْسَ لَهُ أنْ يَقْصِدَ القَتْلَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَقْصِدَ الدَّفْعَ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلّا بِالقَتْلِ جازَ لَهُ ذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: المَقْصُودُ بِالقَتْلِ إنْ أرادَ أنْ يَسْتَسْلِمَ جازَ لَهُ ذَلِكَ، وهَكَذا فَعَلَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ: ”«ألْقِ كُمَّكَ عَلى وجْهِكَ وكُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ» “ .
الوَجْهُ الرّابِعُ: وُجُوبُ الدَّفْعِ عَنِ النَّفْسِ أمْرٌ يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ. وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الدَّفْعَ عَنِ النَّفْسِ ما كانَ مُباحًا في ذَلِكَ الوَقْتِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ جاءَ الشَّرْطُ بِلَفْظِ الفِعْلِ، والجَزاءُ بِلَفْظِ اسْمِ الفاعِلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ﴾ .
والجَوابُ: لِيُفِيدَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ما يَكْتَسِبُ بِهِ هَذا الوَصْفَ الشَّنِيعَ، ولِذَلِكَ أكَّدَهُ بِالباءِ المُؤَكِّدِ لِلنَّفْيِ.
* ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾
وفِيهِ سُؤالانِ:
الأوَّلُ: كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَبُوءَ القاتِلُ بِإثْمِ المَقْتُولِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، (فاطِرٍ: ١٨) .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: مَعْناهُ تَحْمِلُ إثْمَ قَتْلِي وإثْمَكَ الَّذِي كانَ مِنكَ قَبْلَ قَتْلِي، وهَذا بِحَذْفِ المُضافِ.
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، فَلِمَ قالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ .
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما دارَ بَيْنَهُما عِنْدَما غَلَبَ عَلى ظَنِّ المَقْتُولِ أنَّهُ
صفحة ١٦٤
يُرِيدُ قَتْلَهُ، وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ إقْدامِ القاتِلِ عَلى إيقاعِ القَتْلِ بِهِ، وكَأنَّهُ لَمّا وعَظَهُ ونَصَحَهُ قالَ لَهُ: وإنْ كُنْتَ لا تَنْزَجِرُ عَنْ هَذِهِ الكَبِيرَةِ بِسَبَبِ هَذِهِ النَّصِيحَةِ فَلا بُدَّ وأنْ تَتَرَصَّدَ قَتْلِي في وقْتٍ أكُونُ غافِلًا عَنْكَ وعاجِزًا عَنْ دَفْعِكَ، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُنِي أنْ أدْفَعَكَ عَنْ قَتْلِي إلّا إذا قَتَلْتُكَ ابْتِداءً بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ والحُسْبانِ، وهَذا مِنِّي كَبِيرَةٌ ومَعْصِيَةٌ، وإذا دارَ الأمْرُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ فاعِلُ هَذِهِ المَعْصِيَةِ أنا وبَيْنَ أنْ يَكُونَ أنْتَ، فَأنا أُحِبُّ أنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الكَبِيرَةُ لَكَ لا لِي، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ إرادَةَ صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الغَيْرِ في هَذِهِ الحالَةِ وعَلى هَذا الشَّرْطِ لا يَكُونُ حَرامًا، بَلْ هو عَيْنُ الطّاعَةِ ومَحْضُ الإخْلاصِ.
والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ المُرادَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِعُقُوبَةِ قَتْلِي، ولا شَكَّ أنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أنْ يُرِيدَ مِنَ اللَّهِ عِقابَ ظالِمِهِ.
والثّالِثُ: رُوِيَ أنَّ الظّالِمَ إذا لَمْ يَجِدْ يَوْمَ القِيامَةِ ما يُرْضِي خَصْمَهُ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ المَظْلُومِ وحُمِلَ عَلى الظّالِمِ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي في أنَّهُ يُحْمَلُ عَلَيْكَ يَوْمَ القِيامَةِ إذا لَمْ تَجِدْ ما يُرْضِينِي، وبِإثْمِكَ في قَتْلِكَ إيّايَ، وهَذا يَصْلُحُ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
ثُمَّ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَهَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ. ومِنهم مَن قالَ شَجَّعَتْهُ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ الإنْسانَ إذا تَصَوَّرَ مِنَ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ كَوْنَهُ مِن أعْظَمِ الكَبائِرِ، فَهَذا الِاعْتِقادُ يَصِيرُ صارِفًا لَهُ عَنْ فِعْلِهِ، فَيَكُونُ هَذا الفِعْلُ كالشَّيْءِ العاصِي المُتَمَرِّدِ عَلَيْهِ الَّذِي لا يُطِيعُهُ بِوَجْهٍ البَتَّةَ، فَإذا أوْرَدَتِ النَّفْسُ أنْواعَ وساوِسِها صارَ هَذا الفِعْلُ سَهْلًا عَلَيْهِ، فَكَأنَّ النَّفْسَ جَعَلَتْ بِوَساوِسِها العَجِيبَةِ هَذا الفِعْلَ كالمُطِيعِ لَهُ بَعْدَ أنْ كانَ كالعاصِي المُتَمَرِّدِ عَلَيْهِ. فَهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ خالِقُ الكُلِّ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَ ذَلِكَ التَّزْيِينُ والتَّطْوِيعُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى لا إلى النَّفْسِ.
وجَوابُهُ: أنَّهُ لَمّا أُسْنِدَتِ الأفْعالُ إلى الدَّواعِي، وكانَ فاعِلُ تِلْكَ الدَّواعِي هو اللَّهُ تَعالى فَكانَ فاعِلُ الأفْعالِ كُلِّها هو اللَّهُ تَعالى.
ثُمَّ قالَ تَعالى: (فَقَتَلَهُ) قِيلَ: لَمْ يَدْرِ قابِيلُ كَيْفَ يَقْتُلُ هابِيلَ، فَظَهَرَ لَهُ إبْلِيسُ وأخَذَ طَيْرًا وضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ، فَتَعَلَّمَ قابِيلُ ذَلِكَ مِنهُ، ثُمَّ إنَّهُ وجَدَ هابِيلَ نائِمًا يَوْمًا فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ فَماتَ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها وذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» “ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَسِرَ دُنْياهُ وآخِرَتَهُ، أمّا الدُّنْيا فَهو أنَّهُ أسْخَطَ والِدَيْهِ وبَقِيَ مَذْمُومًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمّا الآخِرَةُ فَهو العِقابُ العَظِيمُ. قِيلَ: إنَّ قابِيلَ لَمّا قَتَلَ أخاهُ هَرَبَ إلى عَدَنَ مِن أرْضِ اليَمَنِ، فَأتاهُ إبْلِيسُ وقالَ: إنَّما أكَلَتِ النّارُ قُرْبانَ هابِيلَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَخْدُمُ النّارَ ويَعْبُدُها، فَإنْ عَبَدْتَ النّارَ أيْضًا حَصَلَ مَقْصُودُكَ، فَبَنى بَيْتَ نارٍ وهو أوَّلُ مَن عَبَدَ النّارَ. ورُوِيَ أنَّ هابِيلَ قُتِلَ وهو ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وكانَ قَتْلُهُ عِنْدَ عُقْبَةِ حِراءٍ، وقِيلَ بِالبَصْرَةِ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ الأعْظَمِ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ اسْوَدَّ جَسَدُهُ وكانَ أبْيَضَ، فَسَألَهُ آدَمُ عَنْ أخِيهِ، فَقالَ ما كُنْتُ عَلَيْهِ وكِيلًا، فَقالَ بَلْ قَتَلْتَهُ، ولِذَلِكَ اسْوَدَّ جَسَدُكَ، ومَكَثَ آدَمُ بَعْدَهُ مِائَةَ سَنَةٍ لَمْ يَضْحَكْ قَطُّ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ يُرْوى أنَّهُ رَثاهُ بِشِعْرٍ. قالَ وهو كَذِبٌ بَحْتٌ، وما الشِّعْرُ إلّا مَنحُولٌ مَلْحُونٌ، والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ عَنِ الشِّعْرِ، وصَدَقَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ فِيما قالَ. فَإنَّ ذَلِكَ الشِّعْرَ في غايَةِ الرَّكاكَةِ لا يَلِيقُ بِالحَمْقى مِنَ المُعَلِّمِينَ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلى مَن جَعَلَ اللَّهُ عِلْمَهُ حُجَّةً عَلى المَلائِكَةِ.
5:31Page 112
فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ٣١
Then Allāh sent a crow searching [i.e., scratching] in the ground to show him how to hide the disgrace1 of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the disgrace [i.e., body] of my brother?" And he became of the regretful.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأةَ أخِيهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ: لَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ بِهِ، ثُمَّ خافَ عَلَيْهِ السِّباعَ فَحَمَلَهُ في جِرابٍ عَلى ظَهْرِهِ سَنَةً حَتّى تَغَيَّرَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: بَعَثَ اللَّهُ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا، فَقَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ، فَحَفَرَ لَهُ بِمِنقارِهِ ورِجْلَيْهِ ثُمَّ ألْقاهُ في الحُفْرَةِ، فَتَعَلَّمَ قابِيلُ ذَلِكَ مِنَ الغُرابِ.
الثّانِي: قالَ الأصَمُّ: لَمّا قَتَلَهُ وتَرَكَهُ بَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَحْثُو التُّرابَ عَلى المَقْتُولِ، فَلَمّا رَأى القاتِلُ أنَّ اللَّهَ كَيْفَ يُكْرِمُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ نَدِمَ وقالَ: يا ويْلَتى.
الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: عادَةُ الغُرابِ دَفْنُ الأشْياءِ فَجاءَ غُرابٌ فَدَفَنَ شَيْئًا فَتَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿لِيُرِيَهُ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: لِيُرِيَهُ اللَّهُ أوْ لِيُرِيَهُ الغُرابُ، أيْ لِيُعَلِّمَهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ سَبَبُ تَعَلُّمِهِ فَكَأنَّهُ قَصَدَ تَعْلِيمَهُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿سَوْأةَ أخِيهِ﴾ عَوْرَةَ أخِيهِ، وهو ما لا يَجُوزُ أنْ يَنْكَشِفَ مِن جَسَدِهِ، والسَّوْأةُ الفَضِيحَةُ لِقُبْحِها. وقِيلَ ”سَوْأةَ أخِيهِ“ أيْ جِيفَةَ أخِيهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ ياوَيْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياوَيْلَتا﴾ كَلِمَةُ تَحَسُّرٍ وتَلَهُّفٍ، وفي الآيَةِ احْتِمالانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ ما كانَ يَعْلَمُ كَيْفَ يُدْفَنُ المَقْتُولُ، فَلَمّا تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنَ الغُرابِ عَلِمَ أنَّ الغُرابَ أكْثَرُ عِلْمًا مِنهُ، وعَلِمَ أنَّهُ إنَّما أقْدَمَ عَلى قَتْلِ أخِيهِ بِسَبَبِ جَهْلِهِ وقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ، فَنَدِمَ وتَلَهَّفَ وتَحَسَّرَ عَلى فِعْلِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ عالِمًا بِكَيْفِيَّةِ دَفْنِهِ، فَإنَّهُ يَبْعُدُ في الإنْسانِ أنْ لا يَهْتَدِيَ إلى هَذا القَدْرِ مِنَ العِلْمِ، إلّا أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالعَراءِ اسْتِخْفافًا بِهِ، ولَمّا رَأى الغُرابَ يَدْفِنُ الغُرابَ الآخَرَ رَقَّ قَلْبُهُ وقالَ: إنَّ الغُرابَ جاءَ، وكانَ يَحْثِي التُّرابَ عَلى المَقْتُولِ، فَلَمّا رَأى أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ حالَ حَياتِهِ بِقَبُولِ قُرْبانِهِ. وأكْرَمَهُ بَعْدَ مَماتِهِ بِأنْ بَعَثَ هَذا الغُرابَ لِيَدْفِنَهُ تَحْتَ الأرْضِ عَلِمَ أنَّهُ عَظِيمُ الدَّرَجَةِ عِنْدَ اللَّهِ فَتَلَهَّفَ عَلى فِعْلِهِ، وعَلِمَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى التَّقَرُّبِ إلى أخِيهِ إلّا بِأنْ يَدْفِنَهُ في الأرْضِ، فَلا جَرَمَ قالَ: يا ويْلَتى أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ياوَيْلَتا﴾ اعْتِرافٌ عَلى نَفْسِهِ بِاسْتِحْقاقِ العَذابِ، وهي كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ وُقُوعِ الدّاهِيَةِ العَظِيمَةِ، ولَفْظُها لَفْظُ النِّداءِ، وكَأنَّ الوَيْلَ غَيْرُ حاضِرٍ لَهُ فَناداهُ لِيَحْضُرَهُ، أيْ أيُّها الوَيْلُ احْضُرْ، فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وذِكْرُ ”يا“ زِيادَةُ بَيانٍ كَما في قَوْلِهِ ﴿ياوَيْلَتى أألِدُ﴾ (هُودٍ: ٧٢) واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَفْظُ النَّدَمِ وُضِعَ لِلُّزُومِ، ومِنهُ سُمِّيَ النَّدِيمُ نَدِيمًا؛ لِأنَّهُ يُلازِمُ المَجْلِسَ. وفِيهِ سُؤالٌ:
صفحة ١٦٦
وهُوَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«النَّدَمُ تَوْبَةٌ» “ فَلَمّا كانَ مِنَ النّادِمِينَ كانَ مِنَ التّائِبِينَ فَلِمَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ ؟
أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا لَمْ يَعْلَمِ الدَّفْنَ إلّا مِنَ الغُرابِ صارَ مِنَ النّادِمِينَ عَلى حَمْلِهِ عَلى ظَهْرِهِ سَنَةً.
والثّانِي: أنَّهُ صارَ مِنَ النّادِمِينَ عَلى قَتْلِ أخِيهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِقَتْلِهِ، وسَخِطَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ أبُوهُ وإخْوَتُهُ، فَكانَ نَدَمُهُ لِأجْلِ هَذِهِ الأسْبابِ لا لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً.
والثّالِثُ: أنَّ نَدَمَهُ كانَ لِأجْلِ أنَّهُ تَرَكَهُ بِالعَراءِ اسْتِخْفافًا بِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ، فَلَمّا رَأى أنَّ الغُرابَ لَمّا قَتَلَ الغُرابَ دَفَنَهُ نَدِمَ عَلى قَساوَةِ قَلْبِهِ، وقالَ: هَذا أخِي وشَقِيقِي ولَحْمُهُ مُخْتَلِطٌ بِلَحْمِي ودَمُهُ مُخْتَلِطٌ بِدَمِي، فَإذا ظَهَرَتِ الشَّفَقَةُ مِنَ الغُرابِ عَلى الغُرابِ ولَمْ تَظْهَرْ مِنِّي عَلى أخِي كَنْتُ دُونَ الغُرابِ في الرَّحْمَةِ والأخْلاقِ الحَمِيدَةِ فَكانَ نَدَمُهُ لِهَذِهِ الأسْبابِ، لا لِأجْلِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا جَرَمَ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ النَّدَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences