Ar-RaziAl‑Ma'idah · 5:38–43

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:38–43, continued

وأقُولُ: فِيهِ وجْهٌ آخَرُ يُبْطِلُ قَوْلَهم؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما حَسُنَ مِنهُ التَّعْذِيبُ تارَةً، والمَغْفِرَةُ أُخْرى؛ لِأنَّهُ مالِكُ الخَلْقِ ورَبُّهم وإلَهُهم، وهَذا هو مَذْهَبُ أصْحابِنا فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ ما يَشاءُ ويُرِيدُ؛ لِأجْلِ كَوْنِهِ مالِكًا لِجَمِيعِ المُحْدَثاتِ، والمالِكُ لَهُ أنْ يَتَصَرَّفَ في مِلْكِهِ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم يَقُولُونَ: حُسْنُ هَذِهِ الأفْعالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ لِأجْلِ كَوْنِهِ إلَهًا لِلْخَلْقِ ومالِكًا لَهم، بَلْ لِأجْلِ رِعايَةِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، وذَلِكَ يُبْطِلُهُ صَرِيحُ هَذِهِ الآيَةِ كَما قَرَّرْناهُ.

5:41Page 114

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٤١

O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief – of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you.1 They distort words beyond their [proper] places [i.e., usages], saying, "If you are given this,2 take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allāh intends fitnah3 - never will you possess [power to do] for him a thing against Allāh. Those are the ones for whom Allāh does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بَعْضَ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ، وكانَ قَدْ عَلِمَ مِن بَعْضِ النّاسِ كَوْنَهم مُتَسارِعِينَ إلى الكُفْرِ لا جَرَمَ صَبَّرَ رَسُولَهُ عَلى تَحَمُّلِ ذَلِكَ، وأمَرَهُ بِأنْ لا يَحْزَنَ لِأجْلِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى خاطَبَ مُحَمَّدًا ﷺ بِقَوْلِهِ: يا أيُّها النَّبِيُّ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، وما خاطَبَهُ

صفحة ١٨٣

بِقَوْلِهِ: يا أيُّها الرَّسُولُ إلّا في مَوْضِعَيْنِ:

أحَدُهُما: هَهُنا.

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ (المائِدَةِ: ٦٧) وهَذا الخِطابُ لا شَكَّ أنَّهُ خِطابُ تَشْرِيفٍ وتَعْظِيمٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ (لا يُحْزِنْكَ) بِضَمِّ الياءِ، و(يُسْرِعُونَ)، والمَعْنى لا تَهْتَمَّ ولا تُبالِ بِمُسارَعَةِ المُنافِقِينَ في الكُفْرِ؛ وذَلِكَ بِسَبَبِ احْتِيالِهِمْ في اسْتِخْراجِ وُجُوهِ الكَيْدِ والمَكْرِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ وفي مُبالَغَتِهِمْ في مُوالاةِ المُشْرِكِينَ فَإنِّي ناصِرُكَ عَلَيْهِمْ وكافِيكَ شَرَّهم. يُقالُ: أسْرَعَ فِيهِ الشَّيْبُ وأسْرَعَ فِيهِ الفَسادُ بِمَعْنى وقَعَ فِيهِ سَرِيعًا، فَكَذَلِكَ مُسارَعَتُهم في الكُفْرِ عِبارَةٌ عَنْ إلْقائِهِمْ أنْفُسَهم فِيهِ عَلى أسْرَعِ الوُجُوهِ مَتى وجَدُوا فِيهِ فُرْصَةً، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ قالُوا بِأفْواهِهِمْ آمَنّا ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ولا شَكَّ أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ هَهُنا وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الكَلامَ إنَّما يَتِمُّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ ثُمَّ يُبْتَدَأُ الكَلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ المُنافِقِينَ ومِنَ اليَهُودِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وصَفَ الكُلَّ بِكَوْنِهِمْ سَمّاعِينَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ مِن قَوْلِهِ ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ ﴿سَمّاعُونَ﴾ صِفَةُ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: ومِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ سَمّاعُونَ. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، يَعْنِي هم سَمّاعُونَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ الزَّجّاجُ في قَوْلِهِ ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ مَعْناهُ قابِلُونَ لِلْكَذِبِ، والسَّمْعُ يُسْتَعْمَلُ ويُرادُ مِنهُ القَبُولُ، كَما يُقالُ: لا تَسْمَعْ مِن فُلانٍ أيْ لا تَقْبَلْ مِنهُ، ومِنهُ ”سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ“، وذَلِكَ الكَذِبُ الَّذِي يَقْبَلُونَهُ هو ما يَقُولُهُ رُؤَساؤُهم مِنَ الأكاذِيبِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى في تَحْرِيفِ التَّوْراةِ، وفي الطَّعْنِ في مُحَمَّدٍ ﷺ .

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ نَفْسُ السَّماعِ، واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِلْكَذِبِ﴾ لامُ كَيْ، أيْ يَسْمَعُونَ مِنكَ لِكَيْ يَكْذِبُوا عَلَيْكَ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ فالمَعْنى أنَّهم أعْيُنٌ وجَواسِيسُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ولَمْ يَحْضُرُوا عِنْدَكَ لِيَنْقُلُوا إلَيْهِمْ أخْبارَكَ، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ قَوْلُهُ ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أيْ سَمّاعُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأجْلِ أنْ يَكْذِبُوا عَلَيْهِ بِأنْ يَمْزُجُوا ما سَمِعُوا مِنهُ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والتَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ، سَمّاعُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ لِأجْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ مِنَ اليَهُودِ، وهم عُيُونٌ لِيُبَلِّغُوهم ما سَمِعُوا مِنهُ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ هَؤُلاءِ اليَهُودَ بِصِفَةٍ أُخْرى فَقالَ ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ أنْ وضَعَهُ اللَّهُ مَواضِعَهُ، أيْ فَرَضَ فُرُوضَهُ وأحَلَّ حَلالَهُ وحَرَّمَ حَرامَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: «إنَّ رَجُلًا وامْرَأةً مِن أشْرافِ أهْلِ خَيْبَرَ زَنَيا، وكانَ حَدُّ الزِّنا في التَّوْراةِ الرَّجْمَ، فَكَرِهَتِ اليَهُودُ رَجْمَهُما لِشَرَفِهِما، فَأرْسَلُوا قَوْمًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَسْألُوهُ عَنْ حُكْمِهِ في الزّانِيَيْنِ إذا أُحْصِنا، وقالُوا: إنْ أمَرَكم بِالجَلْدِ فاقْبَلُوا، وإنْ أمَرَكم بِالرَّجْمِ فاحْذَرُوا ولا تَقْبَلُوا، فَلَمّا سَألُوا الرَّسُولَ ﷺ عَنْ ذَلِكَ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالرَّجْمِ فَأبَوْا أنْ يَأْخُذُوا بِهِ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ

صفحة ١٨٤

عَلَيْهِ السَّلامُ: اجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهم ”ابْنَ صُورِيا“ فَقالَ الرَّسُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ شابًّا أمْرَدَ أبْيَضَ أعْوَرَ يَسْكُنُ فَدَكَ يُقالُ لَهُ: ابْنُ صُورِيا ؟ قالُوا نَعَمْ وهو أعْلَمُ يَهُودِيٍّ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَرَضُوا بِهِ حَكَمًا، فَقالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ: ”أنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الَّذِي فَلَقَ البَحْرَ لِمُوسى ورَفَعَ فَوْقَكُمُ الطُّورَ وأنْجاكم وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ والَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكم كِتابَهُ وحَلالَهُ وحَرامَهُ هَلْ تَجِدُونَ فِيهِ الرَّجْمَ عَلى مَن أُحْصِنَ“ ؟ قالَ ابْنُ صُورِيا: نَعَمْ، فَوَثَبَتْ عَلَيْهِ سَفَلَةُ اليَهُودِ، فَقالَ: خِفْتُ إنْ كَذَّبْتُهُ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْنا العَذابُ، ثُمَّ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ أشْياءَ كانَ يَعْرِفُها مِن عَلاماتِهِ، فَقالابْنُ صُورِيا: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ العَرَبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ المُرْسَلُونَ، ثُمَّ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالزّانِيَيْنِ فَرُجِما عِنْدَ بابِ مَسْجِدِهِ» .

إذا عَرَفْتَ القِصَّةَ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ أيْ وضَعُوا الجَلْدَ مَكانَ الرَّجْمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾ أيْ إنْ أمَرَكم مُحَمَّدٌ بِالجَلْدِ فاقْبَلُوا، وإنْ أمَرَكم بِالرَّجْمِ فَلا تَقْبَلُوا.

واعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ الثَّيِّبَ الذِّمِّيَّ يُرْجَمُ. قالَ: لِأنَّهُ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ أمَرَ بِرَجْمِهِ، فَإنْ كانَ الأمْرُ بِرَجْمِ الثَّيِّبِ الذِّمِّيِّ مِن دِينِ الرَّسُولِ فَقَدْ ثَبَتَ المَقْصُودُ، وإنْ كانَ إنَّما أمَرَ بِذَلِكَ بِناءً عَلى ما ثَبَتَ في شَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَشْرُوعًا في دِينِنا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أفْتى عَلى وفْقِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ في هَذِهِ المَسْألَةِ كانَ الِاقْتِداءُ بِهِ في ذَلِكَ واجِبًا، لِقَوْلِهِ: (فاتَّبِعُوهُ) .

والثّانِي: أنَّ ما كانَ ثابِتًا في شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فالأصْلُ بَقاؤُهُ إلى طِرِّيانِ النّاسِخِ، ولَمْ يُوجَدْ في شَرْعِنا ما يَدُلُّ عَلى نَسْخِ هَذا الحُكْمِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ باقِيًا، وبِهَذا الطَّرِيقِ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (المائِدَةِ: ٤٥) حُكْمُهُ باقٍ في شَرْعِنا.

ولَمّا شَرَحَ اللَّهُ تَعالى فَضائِحَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ قالَ: ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الفِتْنَةِ مُحْتَمِلٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ المَفاسِدِ؛ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ هَذا اللَّفْظُ مَذْكُورًا عَقِيبَ أنْواعِ كُفْرِهِمُ الَّتِي شَرَحَها اللَّهُ تَعالى وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذِهِ الفِتْنَةِ تِلْكَ الكُفْرِيّاتِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالمُرادُ: ومَن يُرِدِ اللَّهُ كُفْرَهُ وضَلالَتَهُ فَلَنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ عَنْهُ.

ثُمَّ أكَّدَ تَعالى هَذا فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ .

قالَ أصْحابُنا: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى غَيْرُ مُرِيدٍ إسْلامَ الكافِرِ، وأنَّهُ لَمْ يُطَهِّرْ قَلْبَهُ مِنَ الشَّكِّ والشِّرْكِ، ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَآمَنَ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أشَدِّ الآياتِ عَلى القَدَرِيَّةِ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَإنَّهم ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الفِتْنَةِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ الفِتْنَةَ هي العَذابُ، قالَ تَعالى: ﴿عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ (الذّارِياتِ: ١٣) أيْ يُعَذَّبُونَ، فالمُرادُ هَهُنا: أنَّهُ يُرِيدُ عَذابَهُ لِكُفْرِهِ ونِفاقِهِ.

وثانِيها: الفِتْنَةُ الفَضِيحَةُ، يَعْنِي ومَن يُرِدِ اللَّهُ فَضِيحَتَهُ.

الثّالِثُ: فِتْنَتَهُ: إضْلالَهُ، والمُرادُ مِنَ الإضْلالِ الحُكْمُ بِضَلالِهِ وتَسْمِيَتِهِ ضالًّا.

ورابِعُها: الفِتْنَةُ الِاخْتِبارُ، يَعْنِي مَن يُرِدِ اللَّهَ اخْتِبارَهُ فِيما يَبْتَلِيهِ مِنَ التَّكالِيفِ، ثُمَّ إنَّهُ يَتْرُكُها ولا يَقُومُ بِأدائِها فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ ثَوابًا ولا نَفْعًا.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَمُدَّ قُلُوبَهم بِالألْطافِ؛ لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في تِلْكَ الألْطافِ لِأنَّها لا تَنْجَعُ في قُلُوبِهِمْ.

وثانِيها: لَمْ يُرِدِ اللَّهُ

صفحة ١٨٥

أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم عَنِ الحَرَجِ والغَمِّ والوَحْشَةِ الدّالَّةِ عَلى كُفْرِهِمْ.

وثالِثُها: أنَّ هَذا اسْتِعارَةٌ عَنْ سُقُوطِ وقْعِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ بِسَبَبِ قُبْحِ أفْعالِهِ وسُوءِ أعْمالِهِ، والكَلامُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ وخِزْيُ المُنافِقِينَ هَتْكُ سِتْرِهِمْ بِاطِّلاعِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى كَذِبِهِمْ وخَوْفِهِمْ مِنَ القَتْلِ، وخِزْيُ اليَهُودِ فَضِيحَتُهم بِظُهُورِ كَذِبِهِمْ في كِتْمانِ نَصِّ اللَّهِ تَعالى في إيجابِ الرَّجْمِ وأخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم.

﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو الخُلُودُ في النّارِ.

5:42Page 115

سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٤٢

[They are] avid listeners to falsehood, devourers of [what is] unlawful. So if they come to you, [O Muḥammad], judge between them or turn away from them. And if you turn away from them - never will they harm you at all. And if you judge, judge between them with justice. Indeed, Allāh loves those who act justly.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: السُّحُتُ بِضَمِّ السِّينِ والحاءِ حَيْثُ كانَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِرَفْعِ السِّينِ وسُكُونِ الحاءِ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ مِن: سَحَتَهُ، ونَقَلَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ السَّحَتِ بِفَتْحَتَيْنِ، والسِّحْتِ بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ الحاءِ، وكُلُّها لُغاتٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في لَفْظِ السُّحْتِ وُجُوهًا قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُهُ مِن سَحَتَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ (طه: ٦١) وسُمِّيَتِ الرِّشا الَّتِي كانُوا يَأْخُذُونَها بِالسُّحْتِ إمّا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُسْحِتُهم بِعَذابٍ، أيْ يَسْتَأْصِلُهم، أوْ لِأنَّهُ مَسْحُوتُ البَرَكَةِ، قالَ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ (البَقَرَةِ: ٢٧٦) .

الثّانِي: قالَ اللَّيْثُ: إنَّهُ حَرامٌ يَحْصُلُ مِنهُ العارُ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الشَّيْءِ يُسْحِتُ فَضِيلَةَ الإنْسانِ ويَسْتَأْصِلُها.

والثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: أصْلُ السُّحْتِ شِدَّةُ الجُوعِ، يُقالُ رَجُلٌ مَسْحُوتُ المَعِدَةِ إذا كانَ أكُولًا لا يُلْقى إلّا جائِعًا أبَدًا، فالسُّحْتُ حَرامٌ يُحْمَلُ عَلَيْهِ شِدَّةُ الشَّرَهِ كَشَرَهِ مَن كانَ مَسْحُوتَ المَعِدَةِ، وهَذا أيْضًا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّ مَن كانَ شَدِيدَ الجُوعِ شَدِيدَ الشَّرَهِ فَكَأنَّهُ يَسْتَأْصِلُ كُلَّ ما يَصِلُ إلَيْهِ مِنَ الطَّعامِ ويَشْتَهِيهِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: السُّحْتُ: الرَّشْوَةُ في الحُكْمِ، ومَهْرُ البَغِيِّ، وعَسْبُ الفَحْلِ، وكَسْبُ الحَجّامِ، وثَمَنُ الكَلْبِ، وثَمَنُ الخَمْرِ، وثَمَنُ المَيْتَةِ، وحُلْوانُ الكاهِنِ، والِاسْتِئْجارُ في المَعْصِيَةِ: رُوِيَ ذاكَ عَنْ عُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ ومُجاهِدٍ، وزادَ بَعْضُهم، ونَقَصَ بَعْضُهم، وأصْلُهُ يَرْجِعُ إلى الحَرامِ الخَسِيسِ الَّذِي لا يَكُونُ فِيهِ بَرَكَةٌ، ويَكُونُ في حُصُولِهِ عارٌ بِحَيْثُ يُخْفِيهِ صاحِبُهُ لا مَحالَةَ، ومَعْلُومٌ أنَّ أخْذَ الرَّشْوَةِ كَذَلِكَ، فَكانَ سُحْتًا لا مَحالَةَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ كانَ الحاكِمُ في بَنِي إسْرائِيلَ إذا أتاهُ مَن كانَ مُبْطِلًا في دَعْواهُ بِرَشْوَةٍ سَمِعَ كَلامَهُ ولا يَلْتَفِتُ إلى خَصْمِهِ، فَكانَ يَسْمَعُ الكَذِبَ ويَأْكُلُ السُّحْتَ.

الثّانِي: قالَ بَعْضُهم: كانَ فُقَراؤُهم يَأْخُذُونَ مِن أغْنِيائِهِمْ مالًا لِيُقِيمُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ اليَهُودِيَّةِ، فالفُقَراءُ كانُوا يَسْمَعُونَ أكاذِيبَ الأغْنِياءِ ويَأْكُلُونَ السُّحْتَ الَّذِي يَأْخُذُونَهُ مِنهم.

الثّالِثُ: سَمّاعُونَ لِلْأكاذِيبِ الَّتِي كانُوا يَنْسُبُونَها إلى التَّوْراةِ، أكّالُونَ لِلرِّبا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا﴾ (النِّساءِ: ١٦١) .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَيَّرَهُ بَيْنَ الحُكْمِ فِيهِمْ

صفحة ١٨٦

والإعْراضِ عَنْهم، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ في أمْرٍ خاصٍّ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والزُّهْرِيُّ: إنَّهُ في زِنا المُحْصَنِ وأنَّ حَدَّهُ هو الجَلْدُ والرَّجْمُ.

الثّانِي: أنَّهُ في قَتِيلٍ قُتِلَ مِنَ اليَهُودِ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وكانَ في بَنِي النَّضِيرِ شَرَفٌ وكانَتْ دِيَتُهم دِيَةً كامِلَةً، وفي قُرَيْظَةَ نِصْفَ دِيَةٍ، فَتَحاكَمُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلَ الدِّيَةَ سَواءً.

الثّالِثُ: أنَّ هَذا التَّخْيِيرَ مُخْتَصٌّ بِالمُعاهَدِينَ الَّذِينَ لا ذِمَّةَ لَهم، فَإنْ شاءَ حَكَمَ فِيهِمْ وإنْ شاءَ أعْرَضَ عَنْهم.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ مَن جاءَهُ الكُفّارُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ الحُكْمُ ثابِتٌ في سائِرِ الأحْكامِ غَيْرُ مَنسُوخٍ، وهو قَوْلُ النَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ وعَطاءٍ وأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ وأبِي مُسْلِمٍ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ (المائِدَةِ: ٤٩) وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ. ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يَجِبُ عَلى حاكِمِ المُسْلِمِينَ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أهْلِ الذِّمَّةِ إذا تَحاكَمُوا إلَيْهِ؛ لِأنَّ في إمْضاءِ حُكْمِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ صَغارًا لَهم، فَأمّا المُعاهَدُونَ الَّذِينَ لَهم مَعَ المُسْلِمِينَ عَهْدٌ إلى مُدَّةٍ فَلَيْسَ بِواجِبٍ عَلى الحاكِمِ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بَلْ يَتَخَيَّرُ في ذَلِكَ، وهَذا التَّخْيِيرُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ مَخْصُوصٌ بِالمُعاهَدِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تُعْرِضْ عَنْهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ والمَعْنى: أنَّهم كانُوا لا يَتَحاكَمُونَ إلَيْهِ إلّا لِطَلَبِ الأسْهَلِ والأخَفِّ، كالجَلْدِ مَكانَ الرَّجْمِ، فَإذا أعْرَضَ عَنْهم وأبى الحُكُومَةَ لَهم شَقَّ عَلَيْهِمْ إعْراضُهُ عَنْهم وصارُوا أعْداءً لَهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا تَضُرُّهُ عَداوَتُهم لَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ .

أيْ فاحْكم بَيْنَهم بِالعَدْلِ والِاحْتِياطِ كَما حَكَمْتَ بِالرَّجْمِ.

5:43Page 115

وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٣

But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allāh? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا تَعْجِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَحْكِيمِ اليَهُودِ إيّاهُ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِما في التَّوْراةِ مِن حَدِّ الزّانِي، ثُمَّ تَرْكِهِمْ قَبُولَ ذَلِكَ الحُكْمِ، فَعَدَلُوا عَمّا يَعْتَقِدُونَهُ حُكْمًا حَقًّا إلى ما يَعْتَقِدُونَهُ باطِلًا طَلَبًا لِلرُّخْصَةِ، فَلا جَرَمَ ظَهَرَ جَهْلُهم وعِنادُهم في هَذِهِ الواقِعَةِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: عُدُولُهم عَنْ حُكْمِ كِتابِهِمْ.

والثّانِي: رُجُوعُهم إلى حُكْمِ مَن كانُوا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ أنَّهُ مُبْطِلٌ.

والثّالِثُ: إعْراضُهم عَنْ حُكْمِهِ بَعْدَ أنْ حَكَّمُوهُ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حالَ جَهْلِهِمْ وعِنادِهِمْ؛ لِئَلّا يَغْتَرَّ بِهِمْ مُغْتَرٌّ أنَّهم أهْلُ كِتابِ اللَّهِ ومِنَ المُحافِظِينَ عَلى أمْرِ اللَّهِ، وهَهُنا سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ ﴿فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ ما مَوْضِعُهُ مِنَ الإعْرابِ ؟

الجَوابُ: إمّا أنْ يُنْصَبَ حالًا مِنَ التَّوْراةِ، وهي مُبْتَدَأٌ خَبَرُها (عِنْدَهم) وإمّا أنْ يَرْتَفِعَ خَبَرًا عَنْها كَقَوْلِكَ: وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ ناطِقَةٌ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، وإمّا أنْ لا يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ ويَكُونَ المَقْصُودُ أنَّ عِنْدَهم ما يُغْنِيهِمْ عَنِ التَّحْكِيمِ، كَما تَقُولُ: عِنْدَكَ زَيْدٌ يَنْصَحُكَ ويُشِيرُ عَلَيْكَ بِالصَّوابِ فَما تَصْنَعُ بِغَيْرِهِ ؟

السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ أنَّثَ التَّوْراةَ ؟ والجَوابُ: الأمْرُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ جَماعَةٌ مِنَ الحَنَفِيَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ حُكْمَ التَّوْراةِ وشَرائِعَ مَن قَبْلَنا لازِمٌ عَلَيْنا ما

صفحة ١٨٧

لَمْ يُنْسَخْ وهو ضَعِيفٌ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ حُكْمُ التَّوْراةِ كَحُكْمِ القُرْآنِ في وُجُوبِ طَلَبِ الحُكْمِ مِنهُ، لَكِنَّ الشَّرْعَ نَهى عَنِ النَّظَرِ فِيها. بَلِ المُرادُ هَذا الأمْرُ الخاصُّ وهو الرَّجْمُ؛ لِأنَّهم طَلَبُوا الرُّخْصَةَ بِالتَّحْكِيمِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يُحَكِّمُونَكَ﴾ .

وقَوْلُهُ: (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي في التَّوْراةِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى التَّحْكِيمِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أيْ وما هم بِالمُؤْمِنِينَ بِالتَّوْراةِ، وإنْ كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِها.

والثّانِي: ما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ: إخْبارٌ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا وهو خَبَرٌ عَنِ المُسْتَأْنَفِ لا عَنِ الماضِي.

الثّالِثُ: أنَّهم وإنْ طَلَبُوا الحُكْمَ مِنكَ فَما هم بِمُؤْمِنِينَ بِكَ ولا بِمُعْتَقِدِينَ في صِحَّةِ حُكْمِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا إيمانَ لَهم بِشَيْءٍ وأنَّ كُلَّ مَقْصُودِهِمْ تَحْصِيلُ مَصالِحِ الدُّنْيا فَقَطْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском