Ar-RaziAl‑Ma'idah · 5:59–63

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:59–63

5:59Page 118

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ ٥٩

Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allāh and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ وجْهَ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَ الإسْلامِ هُزُوًا ولَعِبًا قالَ لَهم: ما الَّذِي تَنْقِمُونَ مِن هَذا الدِّينِ ؟ وما الَّذِي تَجِدُونَ فِيهِ مِمّا يُوجِبُ اتِّخاذَهُ هُزُوًا ولَعِبًا ؟ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ (هَلْ تَنْقَمُونَ) بِفَتْحِ القافِ، والفَصِيحُ كَسْرُها، يُقالُ: نَقِمْتُ الشَّيْءَ ونَقَمْتُهُ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِها إذا أنْكَرْتَهُ، ولِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا: هَلْ تَعِيبُونَ ؟ هَلْ تُنْكِرُونَ ؟ هَلْ

صفحة ٣٠

تَكْرَهُونَ ؟ قالَ بَعْضُهم: سُمِّيَ العِقابُ نِقْمَةً؛ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلى ما يُنْكَرُ مِنَ الفِعْلِ.

وقالَ آخَرُونَ: الكَراهَةُ الَّتِي يَتْبَعُها سُخْطٌ مِنَ الكارِهِ تُسَمّى نِقْمَةً؛ لِأنَّها تَتْبَعُها النِّقْمَةُ الَّتِي هي العَذابُ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ لَفْظُ النِّقْمَةِ مَوْضُوعٌ أوَّلًا لِلْمَكْرُوهِ، ثُمَّ سُمِّيَ العَذابُ نِقْمَةً لِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا، وعَلى القَوْلِ الثّانِي لَفْظُ النِّقْمَةِ مَوْضُوعٌ لِلْعَذابِ، ثُمَّ سَمِّيَ المُنْكَرُ والمَكْرُوهُ نِقْمَةً؛ لِأنَّهُ يَتْبَعُهُ العَذابُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ يَقُولُ لِأهْلِ الكِتابِ: لِمَ اتَّخَذْتُمْ هَذا الدِّينَ هُزُوًا ولَعِبًا، ثُمَّ قالَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ: هَلْ تَجِدُونَ في هَذا الدِّينِ إلّا الإيمانَ بِاللَّهِ والإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والإيمانَ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُحَمَّدٍ ؟ يَعْنِي أنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا يُنْقَمُ، أمّا الإيمانُ بِاللَّهِ فَهو رَأْسُ جَمِيعِ الطّاعاتِ، وأمّا الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ وبِجَمِيعِ الأنْبِياءِ فَهو الحَقُّ والصِّدْقُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الطَّرِيقُ إلى تَصْدِيقِ بَعْضِ الأنْبِياءِ في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ هو المُعْجِزُ، ثُمَّ رَأيْنا أنَّ المُعْجِزَ حَصَلَ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَبَ الإقْرارُ بِكَوْنِهِ رَسُولًا، فَأمّا الإقْرارُ بِالبَعْضِ وإنْكارُ البَعْضِ فَذَلِكَ كَلامٌ مُتَناقِضٌ، ومَذْهَبٌ باطِلٌ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ هو الدِّينُ الحَقُّ والطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ، فَلِمَ تَنْقِمُونَهُ عَلَيْنا ؟ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَقالَ: أُومِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ إلى قَوْلِهِ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وقالُوا: واللَّهِ ما نَعْلَمُ أهْلَ دِينٍ أقَلَّ حَظًّا في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنكم ولا دِينًا شَرًّا مِن دِينِكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وما بَعْدَها» .

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ فالقِراءَةُ العامَّةُ (أنَّ) بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ (إنَّ) بِالكَسْرِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يَنْقِمُ اليَهُودُ عَلى المُسْلِمِينَ مَعَ كَوْنِ أكْثَرِ اليَهُودِ فاسِقِينَ ؟

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ تَخْصِيصٌ لَهم بِالفِسْقِ، فَيَدُلُّ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ أنَّهم لَمْ يَتَبِّعُوهم عَلى فِسْقِهِمْ، فَكانَ المَعْنى: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا، وما فَسَقْنا مِثْلَكم.

الثّانِي: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما يَنْقِمُ اليَهُودُ عَلَيْهِمْ مِنَ الإيمانِ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يُنْقَمُ، ذَكَرَ في مُقابِلِهِ فِسْقَهم، وهو مِمّا يُنْقَمُ، ومِثْلُ هَذا حَسَنٌ في الِازْدِواجِ، يَقُولُ القائِلُ: هَلْ تَنْقِمُ مِنِّي إلّا أنِّي عَفِيفٌ وأنَّكَ فاجِرٌ، وأنِّي غَنِيٌّ وأنْتَ فَقِيرٌ، فَيَحْسُنُ ذَلِكَ لِإتْمامِ المَعْنى عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الواوُ بِمَعْنى (مَعَ) أيْ وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ بِاللَّهِ مَعَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، فَإنَّ أحَدَ الخَصْمَيْنِ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِالصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ واكْتَسَبَ الثّانِي شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، كانَ اكْتِسابُهُ لِلصِّفاتِ الحَمِيدَةِ مَعَ كَوْنِ خَصْمِهِ مُكْتَسِبًا لِلصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ أشَدَّ تَأْثِيرًا في وُقُوعِ البُغْضِ والحَسَدِ في قَلْبِ الخَصْمِ.

والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ، أيْ واعْتِقادُ أنَّكم فاسِقُونَ.

الخامِسُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا بِأنْ آمَنّا بِاللَّهِ وبِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، يَعْنِي بِسَبَبِ فِسْقِكم نَقَمْتُمُ الإيمانَ عَلَيْنا.

السّادِسُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا مَعْطُوفًا عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ لِقِلَّةِ إنْصافِكم، ولِأجْلِ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ.

السُّؤالُ الثّانِي: اليَهُودُ كُلُّهم فُسّاقٌ وكُفّارٌ، فَلِمَ خَصَّ الأكْثَرَ بِوَصْفِ الفِسْقِ ؟

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: يَعْنِي أنَّ أكْثَرَكم إنَّما يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ طَلَبًا لِلرِّياسَةِ والجاهِ وأخْذِ الرِّشْوَةِ والتَّقَرُّبِ إلى المُلُوكِ، فَأنْتُمْ في دِينِكم فُسّاقٌ لا عُدُولٌ، فَإنَّ الكافِرَ والمُبْتَدِعَ قَدْ

صفحة ٣١

يَكُونُ عَدْلَ دِينِهِ، وقَدْ يَكُونُ فاسِقَ دِينِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّهم ما كانُوا كَذَلِكَ فَلِذَلِكَ خُصَّ أكْثَرُهم بِهَذا الحُكْمِ.

والثّانِي: ذُكِرَ أكْثَرُهم لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ مَن آمَنَ مِنهم داخِلٌ في ذَلِكَ.

5:60Page 118

قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٦٠

Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that1 as penalty from Allāh? [It is that of] those whom Allāh has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of ṭāghūt.2 Those are worse in position and further astray from the sound way."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (مِن ذَلِكُ) إشارَةٌ إلى المُنْقِمِ، ولا بُدَّ مِن حَذْفِ المُضافِ، وتَقْدِيرُهُ: بِشَرٍّ مِن أهْلِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ ولا يُقالُ: المَلْعُونُ شَرٌّ مِن ذَلِكَ الدِّينِ، بَلْ يُقالُ: إنَّهُ شَرٌّ مِمَّنْ لَهُ ذَلِكَ الدِّينُ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ المَوْصُوفِينَ بِذَلِكَ الدِّينِ مَحْكُومًا عَلَيْهِمْ بِالشَّرِّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

قُلْنا: إنَّما خَرَجَ الكَلامُ عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ واعْتِقادِهِمْ، فَإنَّهم حَكَمُوا بِأنَّ اعْتِقادَ ذَلِكَ الدِّينِ شَرٌّ، فَقِيلَ لَهم: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ ولَكِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ وغَضَبَهُ ومَسْخَ الصُّوَرِ شَرٌّ مِن ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿مَثُوبَةً﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، ووَزْنُها مَفُعْلَةٌ كَقَوْلِكَ: مَقُولَةٌ ومَجُوزَةٌ، وهو بِمَعْنى المَصْدَرِ، وقَدْ جاءَتْ مَصادِرُ عَلى مَفْعُولٍ كالمَعْقُولِ والمَيْسُورِ.

فَإنْ قِيلَ: المَثُوبَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالإحْسانِ، فَكَيْفَ جاءَتْ في الإساءَةِ ؟

قُلْنا: هَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢١] وقَوْلِ الشّاعِرِ:

تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: مَن ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: هو مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ﴾ [الحَجِّ: ٧٢] كَأنَّهُ قالَ: هو النّارُ.

الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِن (شَرٍّ) والمَعْنى أُنَبِّئُكم بِمَن لَعَنَهُ اللَّهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن صِفاتِهِمْ أنْواعًا:

أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى لَعَنَهم.

وثانِيها: أنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِمْ.

وثالِثُها: أنَّهُ جَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ، قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: عَنى بِالقِرَدَةِ أصْحابَ السَّبْتِ، وبِالخَنازِيرِ كُفّارَ مائِدَةِ عِيسى، ورُوِيَ أيْضًا أنَّ المَسْخَيْنِ كانا في أصْحابِ السَّبْتِ، لِأنَّ شُبّانَهم مُسِخُوا قِرَدَةً، ومَشايِخَهم مُسِخُوا خَنازِيرَ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ أنْواعًا مِنَ القِراءاتِ:

أحَدُها: قَرَأ

صفحة ٣٢

أُبَيٌّ: وعَبَدُوا الطّاغُوتَ.

وثانِيها: قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ومَن عَبَدُوا.

وثالِثُها: وعابِدُ الطّاغُوتِ عَطْفًا عَلى القِرَدَةِ.

ورابِعُها: وعابِدِي.

وخامِسُها: وعَبّادُ.

وسادِسُها: وعَبْدَ.

وسابِعُها: وعَبَّدَ، بِوَزْنِ حَطَّمَ.

وثامِنُها: وعَبِيدُ.

وتاسِعُها: وعُبُدُ ”بِضَمَّتَيْنِ“ جَمْعُ عَبِيدٍ.

وعاشِرُها: وعَبَدَةُ بِوَزْنِ كَفَرَةٍ.

والحادِيَ عَشَرَ: وعَبَدُ، وأصْلُهُ عَبَدَةٌ، فَحُذِفَتِ التّاءُ لِلْإضافَةِ، أوْ هو كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ.

والثّانِيَ عَشَرَ: عَبَدَ.

والثّالِثَ عَشَرَ: عِبادُ.

والرّابِعَ عَشَرَ: وأعْبُدُ.

والخامِسَ عَشَرَ: وعُبِدَ الطّاغُوتُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الرّاجِعُ، بِمَعْنى وعُبِدَ الطّاغُوتُ فِيهِمْ أوْ بَيْنَهم.

والسّادِسَ عَشَرَ: وعَبَدَ الطّاغُوتُ، بِمَعْنى صارَ الطّاغُوتُ مَعْبُودًا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِكَ: أمَرَ إذا صارَ أمِيرًا.

والسّابِعَ عَشَرَ: قَرَأ حَمْزَةُ: عَبُدَ الطّاغُوتِ بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الباءِ ونَصْبِ الدّالِ وجَرِّ الطّاغُوتِ، وعابُوا هَذِهِ القِراءَةَ عَلى حَمْزَةَ ولَحَّنُوهُ ونَسَبُوهُ إلى ما لا يَجُوزُ ذِكْرُهُ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّها لَيْسَتْ بِلَحْنٍ ولا خَطَأٍ، وذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ العَبْدَ هو العَبُدُ إلّا أنَّهم ضَمُّوا الباءَ لِلْمُبالَغَةِ، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ حَذُرٌ وفَطُنٌ لِلْبَلِيغِ في الحَذَرِ والفِطْنَةِ، فَتَأْوِيلُ عَبُدَ الطّاغُوتِ أنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ في طاعَةِ الشَّيْطانِ، وهَذا أحْسَنُ الوُجُوهِ.

والثّانِي: أنَّ العَبْدَ، والعَبُدَ لُغَتانِ كَقَوْلِهِمْ: سَبْعٌ وسَبُعٌ.

والثّالِثُ: أنَّ العَبُدَ جَمْعُهُ عِبادٌ، والعِبادُ جَمْعُهُ عُبُدٌ كَثِمارٍ وثُمُرٍ، ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا ضَمَّتَيْنِ مُتَوالِيَتَيْنِ فَأُبْدِلَتِ الأُولى بِالفَتْحَةِ.

الرّابِعُ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ أعْبُدُ الطّاغُوتَ، فَيَكُونُ مِثْلَ فَلَسَ وأفْلَسَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ.

الخامِسُ: يُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ: وعَبَدَةَ الطّاغُوتِ كَما قُرِئَ، ثُمَّ حَذَفَ الهاءَ وضَمَّ الباءَ لِئَلّا يُشْتَبَهُ بِالفِعْلِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَأْوِيلُهُ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ ومَن عَبَدَ الطّاغُوتَ، فَعَلى هَذا: المَوْصُولُ مَحْذُوفٌ.

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ بِقَضاءِ اللَّهِ، قالُوا: لِأنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ وجَعَلَ اللَّهُ مِنهم مَن عَبَدَ الطّاغُوتَ، وإنَّما يُعْقَلُ مَعْنى هَذا الجَعْلِ إذا كانَ هو الَّذِي جَعَلَ فِيهِمْ تِلْكَ العِبادَةَ، إذْ لَوْ كانَ جَعْلُ تِلْكَ العِبادَةِ مِنهم لَكانَ اللَّهُ تَعالى ما جَعَلَهم عَبَدَةَ الطّاغُوتِ، بَلْ كانُوا هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا أنْفُسَهم كَذَلِكَ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ الآيَةِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ووَصَفَهم بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] والكَلامُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا.

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قِيلَ: الطّاغُوتُ العِجْلُ، وقِيلَ: الطّاغُوتُ الأحْبارُ، وكُلُّ مَن أطاعَ أحَدًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَقَدْ عَبَدَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ أُولَئِكَ المَلْعُونُونَ المَمْسُوخُونَ شَرٌّ مَكانًا مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفي لَفْظِ المَكانِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لِأنَّ مَكانَهم سَقَرُ، ولا مَكانَ أشَدُّ شَرًّا مِنهُ.

والثّانِي: أنَّهُ أُضِيفَ الشَّرُّ في اللَّفْظِ إلى المَكانِ وهو في الحَقِيقَةِ لِأهْلِهِ، وهو مِن بابِ الكِنايَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ طَوِيلُ النِّجادِ كَثِيرُ الرَّمادِ، ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى الإشارَةِ إلى الشَّيْءِ بِذِكْرِ لَوازِمِهِ وتَوابِعِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ أيْ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ والدِّينِ الحَقِّ، قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَيَّرَ المُسْلِمُونَ أهْلَ الكِتابِ وقالُوا: يا إخْوانَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، فافْتَضَحُوا ونَكَّسُوا رُؤُوسَهم.

5:61Page 118

وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ ٦١

And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allāh is most knowing of what they were concealing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ناسٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُظْهِرُونَ لَهُ الإيمانَ نِفاقًا، فَأخْبَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِشَأْنِهِمْ وأنَّهم يَخْرُجُونَ مِن مَجْلِسِكَ كَما دَخَلُوا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقَلْبِهِمْ شَيْءٌ مِن دَلائِلِكَ وتَقْرِيراتِكَ ونَصائِحِكَ وتَذْكِيراتِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ يُفِيدُ بَقاءَ الكُفْرِ مَعَهم حالَتَيِ الدُّخُولِ والخُرُوجِ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ ولا تَغْيِيرٍ فِيهِ ألْبَتَّةَ، كَما تَقُولُ: دَخَلَ زَيْدٌ بِثَوْبِهِ وخَرَجَ بِهِ، أيْ بَقِيَ ثَوْبُهُ حالَ الخُرُوجِ كَما كانَ حالَ الدُّخُولِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ عِنْدَ الدُّخُولِ كَلِمَةَ: ”قَدْ“ فَقالَ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ﴾ وذَكَرَ عِنْدَ الخُرُوجِ كَلِمَةَ ”هم“ فَقالَ: ﴿وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ قالُوا: الفائِدَةُ في ذِكْرِ كَلِمَةِ ”قَدْ“ تَقْرِيبُ الماضِي مِنَ الحالِ، والفائِدَةُ في ذِكْرِ كَلِمَةِ ”هم“ التَّأْكِيدُ في إضافَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ، ونَفْيُ أنْ يَكُونَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ فِعْلٌ، أيْ لَمْ يَسْمَعُوا مِنكَ يا مُحَمَّدُ عِنْدَ جُلُوسِهِمْ مَعَكَ ما يُوجِبُ كُفْرًا، فَتَكُونَ أنْتَ الَّذِي ألْقَيْتَهم في الكُفْرِ، بَلْ هُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا بِالكُفْرِ بِاخْتِيارِ أنْفُسِهِمْ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى أضافَ الكُفْرَ إلَيْهِمْ حالَتَيِ الدُّخُولِ والخُرُوجِ عَلى سَبِيلِ الذَّمِّ، وبالَغَ في تَقْرِيرِ تِلْكَ الإضافَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ مِنَ العَبْدِ لا مِنَ اللَّهِ.

والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ والغَرَضُ مِنهُ المُبالَغَةُ فِيما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِدِّ والِاجْتِهادِ في المَكْرِ بِالمُسْلِمِينَ والكَيْدِ بِهِمْ والبُغْضِ والعَداوَةِ لَهم.

5:62–63Page 118

وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٢

And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.

لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ٦٣

Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.

ثُمَّ قالَ تَعالى:

﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

المُسارَعَةُ في الشَّيْءِ الشُّرُوعُ فِيهِ بِسُرْعَةٍ، قِيلَ: الإثْمُ الكَذِبُ، والعُدْوانُ الظُّلْمُ، وقِيلَ: الإثْمُ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ، والعُدْوانُ ما يَتَعَدّاهم إلى غَيْرِهِمْ، وأمّا أكْلُ السُّحْتِ فَهو أخْذُ الرِّشْوَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِقْصاءُ في

صفحة ٣٤

تَفْسِيرِ السُّحْتِ، وفي الآيَةِ فَوائِدُ:

الفائِدَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ والسَّبَبُ أنَّ كُلَّهم ما كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، بَلْ كانَ بَعْضُهم يَسْتَحِي فَيَتْرُكُ.

الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ لَفْظَ المُسارَعَةِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في أكْثَرِ الأمْرِ في الخَيْرِ، قالَ تَعالى: ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٤]، وقالَ تَعالى: ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٥٦] فَكانَ اللّائِقُ بِهَذا المَوْضِعِ لَفْظَ العَجَلَةِ، إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ لَفْظَ المُسارَعَةِ لِفائِدَةٍ، وهي أنَّهم كانُوا يُقْدِمُونَ عَلى هَذِهِ المُنْكَراتِ كَأنَّهم مُحِقُّونَ فِيهِ.

الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: لَفْظُ الإثْمِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَعاصِي والمَنهِيّاتِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَهُ العُدْوانَ وأكْلَ السُّحْتِ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أعْظَمُ أنْواعِ المَعْصِيَةِ والإثْمِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾

مَعْنى (لَوْلا) هَهُنا التَّخْصِيصُ والتَّوْبِيخُ، وهو بِمَعْنى هَلّا، والكَلامُ في تَفْسِيرِ الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ قَدْ تَقَدَّمَ،قالَ الحَسَنُ: الرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ أهْلِ الإنْجِيلِ، والأحْبارُ عُلَماءُ أهْلِ التَّوْراةِ، وقالَ غَيْرُهُ: كُلُّهُ في اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَبْعَدَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ أنَّهم ما نَهَوْا سَفَلَتَهم وعَوامَّهم عَنِ المَعاصِي، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تارِكَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِمَنزِلَةِ مُرْتَكِبِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ الفَرِيقَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، بَلْ نَقُولُ: إنَّ ذَمَّ تارِكِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أقْوى؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في المُقْدِمِينَ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِ السُّحْتِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقالَ في العُلَماءِ التّارِكِينَ لِلنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ والصُّنْعُ أقْوى مِنَ العَمَلِ؛ لِأنَّ العَمَلَ إنَّما يُسَمّى صِناعَةً إذا صارَ مُسْتَقِرًّا راسِخًا مُتَمَكِّنًا، فَجَعَلَ جُرْمَ العامِلِينَ ذَنْبًا غَيْرَ راسِخٍ، وذَنْبَ التّارِكِينَ لِلنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ذَنْبًا راسِخًا، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَعْصِيَةَ مَرَضُ الرُّوحِ، وعِلاجُهُ العِلْمُ بِاللَّهِ وبِصِفاتِهِ وبِأحْكامِهِ، فَإذا حَصَلَ هَذا العِلْمُ وما زالَتِ المَعْصِيَةُ كانَ مِثْلَ المَرَضِ الَّذِي شَرِبَ صاحِبُهُ الدَّواءَ فَما زالَ، فَكَما أنَّ هُناكَ يَحْصُلُ العِلْمُ بِأنَّ المَرَضَ صَعْبٌ شَدِيدٌ لا يَكادُ يَزُولُ، فَكَذَلِكَ العالِمُ إذا أقْدَمَ عَلى المَعْصِيَةِ دَلَّ عَلى أنَّ مَرَضَ القَلْبِ في غايَةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هي أشَدُّ آيَةٍ في القُرْآنِ، وعَنِ الضَّحّاكِ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أخْوَفَ عِنْدِي مِنها واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском