Ar-RaziAl‑Ma'idah · 5:67–70

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:67–70

5:67Page 119

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٧

O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allāh will protect you from the people. Indeed, Allāh does not guide the disbelieving people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ لا يَنْظُرَ إلى قِلَّةِ المُقْتَصِدِينَ وكَثْرَةِ الفاسِقِينَ ولا يَخْشى مَكْرُوهَهم، فَقالَ: (بَلِّغْ) أيْ واصْبِرْ عَلى تَبْلِيغِ ما أنْزَلْتُهُ إلَيْكَ مِن كَشْفِ أسْرارِهِمْ وفَضائِحِ أفْعالِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُكَ مِن كَيْدِهِمْ ويَصُونُكَ مِن مَكْرِهِمْ.

ورَوى الحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بِرِسالَتِهِ فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا وعَرَفْتُ أنَّ النّاسَ يُكَذِّبُونِي، واليَهُودُ والنَّصارى وقُرَيْشٌ يُخَوِّفُونِي، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ زالَ الخَوْفُ بِالكُلِّيَّةِ» ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ أيّامَ إقامَتِهِ بِمَكَّةَ يُجاهِرُ بِبَعْضِ القُرْآنِ ويُخْفِي بَعْضَهُ إشْفاقًا عَلى نَفْسِهِ مِن تَسَرُّعِ المُشْرِكِينَ إلَيْهِ وإلى أصْحابِهِ، فَلَمّا أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وأيَّدَهُ بِالمُؤْمِنِينَ قالَ لَهُ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ لا تُراقِبَنَّ أحَدًا، ولا تَتْرُكْ شَيْئًا مِمّا أُنْزِلَ إلَيْكَ خَوْفًا مِن أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ (رِسالاتِهِ) في هَذِهِ الآيَةِ وفي الأنْعامِ (حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ) [الأنْعامِ: ١٢٤] عَلى الجَمْعِ، وفي الأعْرافِ (بِرِسالَتِي) [الأعْرافِ: ١٤٤] عَلى الواحِدِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ عَلى الضِّدِّ، فَفي المائِدَةِ والأنْعامِ عَلى الواحِدِ، وفي الأعْرافِ عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في الجَمِيعِ عَلى الواحِدِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ كُلُّهُ عَلى الجَمْعِ.

حُجَّةُ مَن جَمَعَ أنَّ الرُّسُلَ يُبْعَثُونَ بِضُرُوبٍ مِنَ الرِّسالاتِ وأحْكامٍ مُخْتَلِفَةٍ في الشَّرِيعَةِ، وكُلُّ آيَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ ﷺ فَهي رِسالَةٌ، فَحَسُنَ لَفْظُ الجَمْعِ، وأمّا مَن أفْرَدَ فَقالَ: القُرْآنُ كُلُّهُ رِسالَةٌ واحِدَةٌ، وأيْضًا فَإنَّ لَفْظَ الواحِدِ قَدْ يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وإنْ لَمْ يُجْمَعْ كَقَوْلِهِ: ﴿وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ١٤] فَوَقَعَ الِاسْمُ الواحِدُ عَلى الجَمْعِ، وكَذا هَهُنا لَفْظُ الرِّسالَةِ، وإنْ كانَ واحِدًا إلّا أنَّ المُرادَ هو الجَمْعُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ مَعْناهُ فَإنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالَتَهُ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذا الكَلامِ ؟

أجابَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّ المُرادَ: إنَّكَ إنْ لَمْ تُبَلِّغْ واحِدًا مِنها كُنْتَ كَمَن لَمْ يُبَلِّغْ شَيْئًا مِنها، وهَذا الجَوابُ عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مَن أتى بِالبَعْضِ وتَرَكَ البَعْضَ لَوْ قِيلَ: إنَّهُ تَرَكَ الكُلَّ لَكانَ كَذِبًا ولَوْ قِيلَ أيْضًا: إنَّ مِقْدارَ الجُرْمِ في تَرْكِ البَعْضِ مِثْلُ مِقْدارِ الجُرْمِ في تَرْكِ الكُلِّ فَهو أيْضًا مُحالٌ مُمْتَنِعٌ، فَسَقَطَ هَذا الجَوابُ.

صفحة ٤٢

والأصَحُّ عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا خَرَجَ عَلى قانُونِ قَوْلِهِ:

أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي

ومَعْناهُ أنَّ شِعْرِي قَدْ بَلَغَ في الكَمالِ والفَصاحَةِ إلى حَيْثُ مَتى قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ شِعْرِي فَقَدِ انْتَهى مَدْحُهُ إلى الغايَةِ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يُزادَ عَلَيْها، فَهَذا الكَلامُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ التّامَّةَ مِن هَذا الوَجْهِ، فَكَذا هَهُنا: فَإنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالَتَهُ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، يَعْنِي أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُوصَفَ تَرْكُ التَّبْلِيغِ بِتَهْدِيدٍ أعْظَمَ مِن أنَّهُ تَرَكَ التَّبْلِيغَ، فَكانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى غايَةِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في قِصَّةِ الرَّجْمِ والقِصاصِ عَلى ما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ اليَهُودِ.

الثّانِي: نَزَلَتْ في عَيْبِ اليَهُودِ واسْتِهْزائِهِمْ بِالدِّينِ والنَّبِيُّ سَكَتَ عَنْهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الثّالِثُ: لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ﴾ [الأحْزابِ: ٢٨] فَلَمْ يَعْرِضْها عَلَيْهِنَّ خَوْفًا مِنَ اخْتِيارِهِنَّ الدُّنْيا فَنَزَلَتْ.

الرّابِعُ: نَزَلَتْ في أمْرِ زَيْدٍ وزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: مَن زَعَمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ ولَوْ كَتَمَ رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ قَوْلَهُ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٧] .

الخامِسُ: نَزَلَتْ في الجِهادِ، فَإنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَكْرَهُونَهُ، فَكانَ يُمْسِكُ أحْيانًا عَنْ حَثِّهِمْ عَلى الجِهادِ.

السّادِسُ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنْعامِ: ١٠٨] سَكَتَ الرَّسُولُ عَنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وقالَ: (بَلِّغْ) يَعْنِي مَعايِبَ آلِهَتِهِمْ ولا تُخْفِها عَنْهم، واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنهم.

السّابِعُ: نَزَلَتْ في حُقُوقِ المُسْلِمِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ في حَجَّةِ الوَداعِ لَمّا بَيَّنَ الشَّرائِعَ والمَناسِكَ: «”هَلْ بَلَّغْتُ ؟“ قالُوا نَعَمْ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”اللَّهُمَّ فاشْهَدْ“» .

الثّامِنُ: «رُوِيَ أنَّهُ ﷺ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ في بَعْضِ أسْفارِهِ وعَلَّقَ سَيْفَهُ عَلَيْها، فَأتاهُ أعْرابِيٌّ وهو نائِمٌ فَأخَذَ سَيْفَهُ واخْتَرَطَهُ، وقالَ: يا مُحَمَّدُ مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ فَقالَ ”اللَّهُ“ فَرَعَدَتْ يَدُ الأعْرابِيِّ وسَقَطَ السَّيْفُ مِن يَدِهِ وضَرَبَ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَةَ حَتّى انْتَثَرَ دِماغُهُ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ وبَيَّنَ أنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنَ النّاسِ.

التّاسِعُ: كانَ يَهابُ قُرَيْشًا واليَهُودَ والنَّصارى، فَأزالَ اللَّهُ عَنْ قَلْبِهِ تِلْكَ الهَيْبَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ.

العاشِرُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في فَضْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أخَذَ بِيَدِهِ، وقالَ: ”«مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ» “ فَلَقِيَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: هَنِيئًا لَكَ يا ابْنَ أبِي طالِبٍ أصْبَحْتَ مَوْلايَ ومَوْلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّواياتِ وإنْ كَثُرَتْ إلّا أنَّ الأوْلى حَمْلُهُ عَلى أنَّهُ تَعالى آمَنَهُ مِن مَكْرِ اليَهُودِ والنَّصارى، وأمَرَهُ بِإظْهارِ التَّبْلِيغِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ مِنهُ بِهِمْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ بِكَثِيرٍ وما بَعْدَها بِكَثِيرٍ لَمّا كانَ كَلامًا مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى امْتَنَعَ إلْقاءُ هَذِهِ الآيَةِ الواحِدَةِ في البَيْنِ عَلى وجْهٍ تَكُونُ أجْنَبِيَّةً عَمّا قَبْلَها وما بَعْدَها.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ كَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شُجَّ وجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ ؟

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ يَعْصِمُهُ مِنَ القَتْلِ، وفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ

صفحة ٤٣

يَحْتَمِلَ كُلَّ ما دُونَ النَّفْسِ مِن أنْواعِ البَلاءِ، فَما أشَدَّ تَكْلِيفَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ

وثانِيها: أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ.

واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن (النّاسِ) هَهُنا الكُفّارُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾

ومَعْناهُ أنَّهُ تَعالى لا يُمَكِّنُهم مِمّا يُرِيدُونَ، وعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْرُسُهُ سَعْدٌ وحُذَيْفَةُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأخْرَجَ رَأْسَهُ مِن قُبَّةِ أدَمٍ وقالَ: انْصَرِفُوا يا أيُّها النّاسُ فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ مِنَ النّاسِ» .

5:68Page 119

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٨

Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān]." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالتَّبْلِيغِ سَواءٌ طابَ لِلسّامِعِ أوْ ثَقُلَ عَلَيْهِ أمَرَ بِأنْ يَقُولَ لِأهْلِ الكِتابِ هَذا الكَلامَ وإنْ كانَ مِمّا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ جِدًّا فَقالَ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ مِنَ الدِّينِ ولا في أيْدِيكم شَيْءٌ مِنَ الحَقِّ والصَّوابِ، كَما تَقُولُ: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ إذا أرَدْتَ تَحْقِيرَهُ وتَصْغِيرَ شَأْنِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾

وهَذا مَذْكُورٌ فِيما قَبْلُ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: لا تَأْسَفْ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ زِيادَةِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ لا إلَيْكَ ولا إلى المُؤْمِنِينَ.

الثّانِي: لا تَتَأسَّفْ بِسَبَبِ نُزُولِ اللَّعْنِ والعَذابِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهم مِنَ الكافِرِينَ المُسْتَحِقِّينَ لِذَلِكَ. رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ «جاءَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ، وقالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تُقِرُّ أنَّ التَّوْراةَ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى ؟ قالَ: بَلى، قالُوا: فَإنّا مُؤْمِنُونَ بِها ولا نُؤْمِنُ بِغَيْرِها»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

5:69Page 119

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٩

Indeed, those who have believed [in Prophet Muḥammad (ﷺ)] and those [before him (ﷺ)] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾

قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَقِيَ هَهُنا مَسائِلُ:

صفحة ٤٤

المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الإعْرابِ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: والصّابِئِينَ، وهَكَذا قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ولِلنَّحْوِيِّينَ في عِلَّةِ القِراءَةِ المَشْهُورَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: وهو مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ ارْتَفَعَ الصّابِئُونَ بِالِابْتِداءِ عَلى نِيَّةِ التَّأْخِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ كَذَلِكَ، فَحُذِفَ خَبَرُهُ، والفائِدَةُ في عَدَمِ عَطْفِهِمْ عَلى مَن قَبْلَهم هو أنَّ الصّابِئِينَ أشَدُّ الفِرَقِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ ضَلالًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ هَؤُلاءِ الفِرَقِ إنْ آمَنُوا بِالعَمَلِ الصّالِحِ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهم وأنْزَلَ ذَنْبَهم، حَتّى الصّابِئُونَ فَإنَّهم إنْ آمَنُوا كانُوا أيْضًا كَذَلِكَ.

الوَجْهُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الفَرّاءِ أنَّ كَلِمَةَ (إنَّ) ضَعِيفَةٌ في العَمَلِ هَهُنا، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ (إنَّ) إنَّما تَعْمَلُ لِكَوْنِها مُشابِهَةً لِلْفِعْلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ المُشابَهَةَ بَيْنَ الفِعْلِ وبَيْنَ الحَرْفِ ضَعِيفَةٌ.

الثّانِي: أنَّها وإنْ كانَتْ تَعْمَلُ لَكِنْ إنَّما تَعْمَلُ في الِاسْمِ فَقَطْ، أمّا الخَبَرُ فَإنَّهُ بَقِيَ مَرْفُوعًا بِكَوْنِهِ خَبَرَ المُبْتَدَأِ، ولَيْسَ لِهَذا الحَرْفِ في رَفْعِ الخَبَرِ تَأْثِيرٌ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وقَدْ بَيَّناهُ بِالدَّلِيلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] .

الثّالِثُ: أنَّها إنَّما يَظْهَرُ أثَرُها في بَعْضِ الأسْماءِ، أمّا الأسْماءُ الَّتِي لا يَتَغَيَّرُ حالُها عِنْدَ اخْتِلافِ العَوامِلِ فَلا يَظْهَرُ أثَرُ هَذا الحَرْفِ فِيها، والأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الِاسْمَ هَهُنا هو قَوْلُهُ: (الَّذِينَ) وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا يَظْهَرُ فِيها أثَرُ الرَّفْعِ والنَّصْبِ والخَفْضِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ إذا كانَ اسْمُ (إنَّ) بِحَيْثُ لا يَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ الإعْرابِ، فالَّذِي يَعْطِفُ عَلَيْهِ يُجَوِّزُ النَّصْبَ عَلى إعْمالِ هَذا الحَرْفِ، والرَّفْعَ عَلى إسْقاطِ عَمَلِهِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ زَيْدًا وعَمْرٌو قائِمانِ؛ لِأنَّ زَيْدًا ظَهَرَ فِيهِ أثَرُ الإعْرابِ، لَكِنْ إنَّما يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ وإخْوَتُكَ يُكْرِمُونَنا، وإنَّ هَذا نَفْسُهُ شُجاعٌ، وإنَّ قَطامِ وهِنْدٌ عِنْدَنا، والسَّبَبُ في جَوازِ ذَلِكَ أنَّ كَلِمَةَ إنْ كانَتْ في الأصْلِ ضَعِيفَةَ العَمَلِ، وإذا صارَتْ بِحَيْثُ لا يَظْهَرُ لَها أثَرٌ في اسْمِها صارَتْ في غايَةِ الضَّعْفِ، فَجازَ الرَّفْعُ بِمُقْتَضى الحُكْمِ الثّابِتِ قَبْلَ دُخُولِ هَذا الحَرْفِ عَلَيْهِ، وهو كَوْنُهُ مُبْتَدَأً، فَهَذا تَقْرِيرُ قَوْلِ الفَرّاءِ، وهو مَذْهَبٌ حَسَنٌ وأوْلى مِن مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ الَّذِي قالُوهُ يَقْتَضِي أنَّ كَلامَ اللَّهِ عَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي ورَدَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وإنَّما تَحْصُلُ الصِّحَّةُ عِنْدَ تَفْكِيكِ هَذا النَّظْمِ، وأمّا عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ فَلا حاجَةَ إلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ أوْلى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: لا شَكَّ أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ مِنَ العَوامِلِ الدّاخِلَةِ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وكَوْنُ المُبْتَدَأِ مُبْتَدَأً والخَبَرِ خَبَرًا وصْفٌ حَقِيقِيٌّ ثابِتٌ حالَ دُخُولِ هَذا الحَرْفِ وقَبْلَهُ، وكَوْنُهُ مُبْتَدَأً يَقْتَضِي الرَّفْعَ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: المَعْطُوفُ عَلى اسْمِ ”إنَّ“ يَجُوزُ انْتِصابُهُ بِناءً عَلى إعْمالِ هَذا الحَرْفِ، ويَجُوزُ ارْتِفاعُهُ أيْضًا لِكَوْنِهِ في الحَقِيقَةِ مُبْتَدَأً مُحْدَثًا عَنْهُ ومُخْبَرًا عَنْهُ.

طَعَنَ صاحِبُ الكَشّافِ فِيهِ، وقالَ: إنَّما يَجُوزُ ارْتِفاعُهُ عَلى العَطْفِ عَلى مَحَلِّ ”إنَّ واسْمِها“ بَعْدَ ذِكْرِ الخَبَرِ، وتَقُولُ: إنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ وعَمْرًا، وعَمْرٌو، بِالنَّصْبِ عَلى اللَّفْظِ، والرَّفْعِ عَلى مَوْضِعِ ”إنَّ“ واسْمِها؛ لِأنَّ الخَبَرَ قَدْ تَقَدَّمَ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ الخَبَرِ فَهو غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنّا لَوْ رَفَعْناهُ عَلى مَحَلِّ ”إنَّ واسْمِها“ لَكانَ العامِلُ في خَبَرِهِما هو المُبْتَدَأُ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ العامِلُ في خَبَرِهِما هو الِابْتِداءُ؛ لِأنَّ الِابْتِداءَ هو المُؤَثِّرُ في المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مَعًا، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الخَبَرُ المُتَأخِّرُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِحَرْفِ ”إنَّ“ وبِمَعْنى الِابْتِداءِ فَيَجْتَمِعُ عَلى المَرْفُوعِ

صفحة ٤٥

الواحِدِ رافِعانِ مُخْتَلِفانِ، وإنَّهُ مُحالٌ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ ضَعِيفٌ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي تُسَمِّيها النَّحْوِيُّونَ: رافِعَةً وناصِبَةً لَيْسَ مَعْناها أنَّها كَذَلِكَ لِذَواتِها أوْ لِأعْيانِها، فَإنَّ هَذا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، بَلِ المُرادُ أنَّها مُعَرِّفاتٌ بِحَسَبِ الوَضْعِ والِاصْطِلاحِ لِهَذِهِ الحَرَكاتِ، واجْتِماعُ المُعَرِّفاتِ الكَثِيرَةِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ غَيْرُ مُحالٍ ألا تَرى أنَّ جَمِيعَ أجْزاءِ المُحْدَثاتِ دالَّةٌ عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى.

والوَجْهُ الثّانِي في ضَعْفِ هَذا الجَوابِ: أنَّهُ بَناهُ عَلى أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّ“ مُؤَثِّرَةٌ في نَصْبِ الِاسْمِ ورَفْعِ الخَبَرِ، والكُوفِيُّونَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ ويَقُولُونَ: لا تَأْثِيرَ لِهَذا الحَرْفِ في رَفْعِ الخَبَرِ ألْبَتَّةَ، وقَدْ أحْكَمْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ الأشْياءَ الكَثِيرَةَ إذا عُطِفَ بَعْضُها عَلى البَعْضِ فالخَبَرُ الواحِدُ لا يَكُونُ خَبَرًا عَنْها؛ لِأنَّ الخَبَرَ عَنِ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ تَعْرِيفِ حالِهِ وبَيانِ صِفَتِهِ، ومِنَ المُحالِ أنْ يَكُونَ حالُ الشَّيْءِ وصِفَتُهُ عَيْنَ حالِ الآخَرِ وصِفَتِهِ لِامْتِناعِ قِيامِ الصِّفَةِ الواحِدَةِ بِالذَّواتِ المُخْتَلِفَةِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ الخَبَرَ وإنْ كانَ في اللَّفْظِ واحِدًا إلّا أنَّهُ في التَّقْدِيرِ مُتَعَدِّدٌ، وهو لا مَحالَةَ مَوْجُودٌ بِحَسَبِ التَّقْدِيرِ والنِّيَّةِ، وإذا حَصَلَ التَّعَدُّدُ في الحَقِيقَةِ لَمْ يَمْتَنِعْ كَوْنُ البَعْضِ مُرْتَفِعًا بِالحَرْفِ والبَعْضِ بِالِابْتِداءِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ لَمْ يَلْزَمِ اجْتِماعُ الرّافِعَيْنِ عَلى مَرْفُوعٍ واحِدٍ، والَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أنَّهُ سَلَّمَ أنَّ بَعْدَ ذِكْرِ الِاسْمِ وخَبَرِهِ جازَ الرَّفْعُ والنَّصْبُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا المَعْطُوفَ إنَّما جازَ ذَلِكَ فِيهِ؛ لِأنّا نُضْمِرُ لَهُ خَبَرًا، وحَكَمْنا بِأنَّ ذَلِكَ الخَبَرَ المُضْمَرَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ.

وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنْ قُبِلَ ذِكْرُ الخَبَرِ إذا عَطَفْنا اسْمًا عَلى اسْمٍ، حَكَمَ صَرِيحُ العَقْلِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحُكْمِ بِتَقْدِيرِ الخَبَرِ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِإضْمارِ الأخْبارِ الكَثِيرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ ما ذُكِرَ مِنَ الِالتِزامِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ ما لَمْ يُؤْمِنُوا، بَيَّنَ أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ في الكُلِّ، وأنَّهُ لا يَحْصُلُ لِأحَدٍ فَضِيلَةٌ ولا مَنقَبَةٌ إلّا إذا آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا، وذَلِكَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ قُوَّتانِ: القُوَّةُ النَّظَرِيَّةُ، والقُوَّةُ العَمَلِيَّةُ، أمّا كَمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ فَلَيْسَ إلّا بِأنْ يَعْرِفَ الحَقَّ، وأمّا كَمالُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَلَيْسَ إلّا بِأنْ يَعْمَلَ الخَيْرَ، وأعْظَمُ المَعارِفِ شَرَفًا مَعْرِفَةُ أشْرَفِ المَوْجُوداتِ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وكَمالُ مَعْرِفَتِهِ إنَّما يَحْصُلُ بِكَوْنِهِ قادِرًا عَلى الحَشْرِ والنَّشْرِ، فَلا جَرَمَ كانَ أفْضَلُ المَعارِفِ هو الإيمانَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخَرِ، وأفْضَلُ الخَيْراتِ في الأعْمالِ أمْرانِ: المُواظَبَةُ عَلى الأعْمالِ المُشْعِرَةِ بِتَعْظِيمِ المَعْبُودِ، والسَّعْيُ في إيصالِ النَّفْعِ إلى الخَلْقِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ كُلَّ مَن أتى بِهَذا الإيمانِ وبِهَذا العَمَلِ فَإنَّهُ يَرِدُ القِيامَةَ مِن غَيْرِ خَوْفٍ ولا حَزَنٍ، والفائِدَةُ في ذِكْرِهِما أنَّ الخَوْفَ يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ، والحَزَنَ بِالماضِي، فَقالَ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ بِسَبَبِ ما يُشاهِدُونَ مِن أهْوالِ القِيامَةِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ بِسَبَبِ ما فاتَهم مِن طَيِّباتِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهم وجَدُوا أُمُورًا أعْظَمَ وأشْرَفَ وأطْيَبَ مِمّا كانَتْ لَهم حاصِلَةً في الدُّنْيا، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَحْزَنُ بِسَبَبِ طَيِّباتِ الدُّنْيا.

صفحة ٤٦

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْكِنُ خُلُوُّ المُكَلَّفِ الَّذِي لا يَكُونُ مَعْصُومًا عَنْ أهْوالِ القِيامَةِ ؟

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى شَرَطَ ذَلِكَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ولا يَكُونُ آتِيًا بِالعَمَلِ الصّالِحِ إلّا إذا كانَ تارِكًا لِجَمِيعِ المَعاصِي.

والثّانِي: أنَّهُ إنْ حَصَلَ خَوْفٌ فَذَلِكَ عارِضٌ قَلِيلٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى شَرَطَ عَدَمَ الخَوْفِ وعَدَمَ الحَزَنِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، والمَشْرُوطُ بِشَيْءٍ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، فَلَزِمَ أنَّ مَن لَمْ يَأْتِ مَعَ الإيمانِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ فَإنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الخَوْفُ والحَزَنُ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ العَفْوِ عَنْ صاحِبِ الكَبِيرَةِ.

والجَوابُ: أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يَقْطَعُ بِأنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْهُ لا مَحالَةَ، فَكانَ الخَوْفُ والحَزَنُ حاصِلًا قَبْلَ إظْهارِ العَفْوِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثُمَّ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وفي هَذا التَّكْرِيرِ فائِدَتانِ:

الأُولى: أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فالفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ إخْراجُهم عَنْ وعْدِ عَدَمِ الخَوْفِ وعَدَمِ الحَزَنِ.

الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى أطْلَقَ لَفْظَ الإيمانِ، والإيمانُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ أقْسامٌ، وأشْرَفُها الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَكانَتِ الفائِدَةُ في الإعادَةِ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ أشْرَفُ أقْسامِ الإيمانِ، وقَدْ ذَكَرْنا وُجُوهًا كَثِيرَةً في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وكُلُّها صالِحَةٌ لِهَذا المَوْضِعِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: الرّاجِعُ إلى اسْمِ (إنَّ) مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: مَن آمَنَ مِنهم، إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، واللَّهُ أعْلَمُ.

5:70Page 119

لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ ٧٠

We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ عُتُوِّ بَنِي إسْرائِيلَ وشِدَّةِ تَمَرُّدِهِمْ عَنِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِما افْتَتَحَ اللَّهُ بِهِ السُّورَةَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾، فَقالَ: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يَعْنِي خَلَقْنا الدَّلائِلَ وخَلَقْنا العَقْلَ الهادِي إلى كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ، وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا بِتَعْرِيفِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ. وقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما﴾

صفحة ٤٧

﴿لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ صِفَةً لِقَوْلِهِ (رُسُلًا) والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِنهم بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم، أيْ بِما يُخالِفُ أهْواءَهم وما يُضادُّ شَهَواتِهِمْ مِن مَشاقِّ التَّكْلِيفِ.

وهَهُنا سُؤالاتٌ:

الأوَّلُ: أيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ ؟ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِهَذا الشَّرْطِ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ الواحِدَ لا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ.

والجَوابُ: أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وإنَّما جازَ حَذْفُهُ؛ لِأنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ ناصَبُوهُ، ثُمَّ إنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ ناصَبُوهُ ؟ فَقِيلَ: فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ، وقَوْلُهُ: الرَّسُولُ الواحِدُ لا يَكُونُ فَرِيقَيْنِ، فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ﴾ يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الرُّسُلِ، فَلا جَرَمَ جَعَلَهم فَرِيقَيْنِ.

السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ ذُكِرَ أحَدُ الفِعْلَيْنِ ماضِيًا، والآخَرُ مُضارِعًا ؟

والجَوابُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهم كَيْفَ كانُوا يُكَذِّبُونَ عِيسى ومُوسى في كُلِّ مَقامٍ، وكَيْفَ كانُوا يَتَمَرَّدُونَ عَلى أوامِرِهِ وتَكالِيفِهِ، وأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما تُوُفِّيَ في التِّيهِ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِشُؤْمِ تَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ قَوْلِهِ في مُقاتَلَةِ الجَبّارِينَ.

وأمّا القَتْلُ فَهو ما اتَّفَقَ لَهم في حَقِّ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانُوا قَدْ قَصَدُوا أيْضًا قَتْلَ عِيسى وإنْ كانَ اللَّهُ مَنَعَهم عَنْ مُرادِهِمْ وهم يَزْعُمُونَ أنَّهم قَتَلُوهُ، فَذِكْرُ التَّكْذِيبِ بِلَفْظِ الماضِي هُنا إشارَةٌ إلى مُعامَلَتِهِمْ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ قَدِ انْقَضى مِن ذَلِكَ الزَّمانِ أدْوارٌ كَثِيرَةٌ، وذِكْرُ القَتْلِ بِلَفْظِ المُضارِعِ إشارَةٌ إلى مُعامَلَتِهِمْ مَعَ زَكَرِيّا، ويَحْيى، وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِكَوْنِ ذَلِكَ الزَّمانِ قَرِيبًا فَكانَ كالحاضِرِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ .

والجَوابُ: قَدْ عَرَفْتَ أنَّ التَّقْدِيمَ إنَّما يَكُونُ لِشِدَّةِ العِنايَةِ، فالتَّكْذِيبُ والقَتْلُ وإنْ كانا مُنْكَرَيْنِ إلّا أنَّ تَكْذِيبَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَتْلَهم أقْبَحُ، فَكانَ التَّقْدِيمُ لِهَذِهِ الفائِدَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском