Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:78–88
5:78–81Page 121
لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨
Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.
كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩
They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.
تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠
You see many of them becoming allies of those who disbelieved [i.e., the polytheists]. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allāh has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.
وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨١
And if they had believed in Allāh and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا خاطَبَ أهْلَ الكِتابِ بِهَذا الخِطابِ وصَفَ أسْلافَهم، فَقالَ تَعالى:
صفحة ٥٤
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: يَعْنِي أصْحابَ السَّبْتِ، وأصْحابَ المائِدَةِ، أمّا أصْحابُ السَّبْتِ فَهو أنَّ قَوْمَ داوُدَ، وهم أهْلُ ”أيْلَةَ“ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ بِأخْذِ الحِيتانِ عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ الأعْرافِ، قالَ داوُدُ: اللَّهُمَّ العَنْهم واجْعَلْهم آيَةً فَمُسِخُوا قِرَدَةً، وأمّا أصْحابُ المائِدَةِ فَإنَّهم لَمّا أكَلُوا مِنَ المائِدَةِ ولَمْ يُؤْمِنُوا قالَ عِيسى: اللَّهُمَّ العَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ اليَهُودَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِأنّا مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ لِتَدُلَّ عَلى أنَّهم مَلْعُونُونَ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: إنَّ داوُدَ وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ بَشَّرا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولَعَنا مَن يُكَذِّبُهُ وهو قَوْلُ الأصَمِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ اللَّعْنَ كانَ بِسَبَبِ أنَّهم يَعْصُونَ ويُبالِغُونَ في ذَلِكَ العِصْيانِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى فَسَّرَ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ:
﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ولِلتَّناهِي هَهُنا مَعْنَيانِ:
أحَدُهُما: وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ تَفاعُلٌ مِنَ النَّهْيِ، أيْ كانُوا لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ فَهو مِنهم، ومَن كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهو مِنهم» .
والمَعْنى الثّانِي في التَّناهِي: أنَّهُ بِمَعْنى الِانْتِهاءِ، يُقالُ: انْتَهى عَنِ الأمْرِ، وتَناهى عَنْهُ إذا كَفَّ عَنْهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ اللّامُ في (لَبِئْسَ) لامُ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: أُقْسِمُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو ارْتِكابُ المَعاصِي والعُدْوانُ، وتَرْكُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
فَإنْ قِيلَ: الِانْتِهاءُ عَنِ الشَّيْءِ بَعْدَ أنْ صارَ مَفْعُولًا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلِمَ ذَمَّهم عَلَيْهِ ؟
صفحة ٥٥
قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ
الثّانِي: لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ أرادُوا فِعْلَهُ وأحْضَرُوا آلاتِهِ وأدَواتِهِ.
الثّالِثُ: لا يَتَناهَوْنَ عَنِ الإصْرارِ عَلى مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ أسْلافَهم بِما تَقَدَّمَ وصَفَ الحاضِرِينَ مِنهم بِأنَّهم يَتَوَلَّوْنَ الكُفّارَ وعَبَدَةَ الأوْثانِ، والمُرادُ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ حِينَ اسْتَجاشُوا المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، وذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النِّساءِ: ٥١] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ بِئْسَ ما قَدَّمُوا مِنَ العَمَلِ لِمَعادِهِمْ في دارِ الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ مَحَلُّ (أنْ) رَفْعٌ، تَقُولُ: بِئْسَ رَجُلًا زَيْدٌ، ورَفْعُهُ كَرَفْعِ زَيْدٍ، وفي زَيْدٍ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ويَكُونُ ”بِئْسَ“ وما عَمِلَتْ فِيهِ خَبَرَهُ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ لَمّا قالَ: بِئْسَ رَجُلًا، قِيلَ: ما هو ؟ فَقالَ: زَيْدٌ، أيْ هو زَيْدٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ والمَعْنى: لَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ كَما يَدَّعُونَ ما اتَّخَذُوا المُشْرِكِينَ أوْلِياءَ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَ ذَلِكَ مُتَأكِّدٌ في التَّوْراةِ وفي شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ مُرادُهم تَقْرِيرَ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ مُرادُهُمُ الرِّياسَةُ والجاهُ فَيَسْعَوْنَ في تَحْصِيلِهِ بِأيِّ طَرِيقٍ قَدَرُوا عَلَيْهِ؛ فَلِهَذا وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالفِسْقِ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ القَفّالُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَوْ كانَ هَؤُلاءِ المُتَوَلُّونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ ما اتَّخَذَهم هَؤُلاءِ اليَهُودُ أوْلِياءَ، وهَذا الوَجْهُ حَسَنٌ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدْفَعُهُ.
5:82Page 121
۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٨٢
You will surely find the most intense of the people in animosity toward the believers [to be] the Jews and those who associate others with Allāh; and you will find the nearest of them in affection to the believers those who say, "We are Christians." That is because among them are priests and monks and because they are not arrogant.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن أحْوالِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ما ذَكَرَهُ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ في غايَةِ العَدَواةِ مَعَ المُسْلِمِينَ؛ ولِذَلِكَ جَعَلَهم قُرَناءَ لِلْمُشْرِكِينَ في شِدَّةِ العَدَواةِ، بَلْ نَبَّهَ عَلى أنَّهم أشَدُّ في العَدَواةِ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن جِهَةِ أنَّهُ قَدَّمَ ذِكْرَهم عَلى ذِكْرِ المُشْرِكِينَ، ولَعَمْرِي إنَّهم كَذَلِكَ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«ما خَلا يَهُودِيّانِ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمّا بِقَتْلِهِ» “ وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ النَّصارى ألْيَنُ عَرِيكَةً مِنَ اليَهُودِ وأقْرَبُ إلى المُسْلِمِينَ مِنهم.
صفحة ٥٦
وهَهُنا مَسْألَتانِ:
الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ والسُّدِّيُّ: المُرادُ بِهِ النَّجاشِيُّ وقَوْمُهُ الَّذِينَ قَدِمُوا مِنَ الحَبَشَةِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ وآمَنُوا بِهِ، ولَمْ يُرِدْ جَمِيعَ النَّصارى مَعَ ظُهُورِ عَداوَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وقالَ آخَرُونَ: مَذْهَبُ اليَهُودِ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إيصالُ الشَّرِّ إلى مَن يُخالِفُهم في الدِّينِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، فَإنْ قَدَرُوا عَلى القَتْلِ فَذاكَ، وإلّا فَبِغَصْبِ المالِ أوْ بِالسَّرِقَةِ أوْ بِنَوْعٍ مِنَ المَكْرِ والكَيْدِ والحِيلَةِ، وأمّا النَّصارى فَلَيْسَ مَذْهَبُهم ذاكَ بَلِ الإيذاءُ في دِينِهِمْ حَرامٌ، فَهَذا هو وجْهُ التَّفاوُتِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَقْصُودُ مِن بَيانِ هَذا التَّفاوُتِ تَخْفِيفُ أمْرِ اليَهُودِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ، واللّامُ في قَوْلِهِ: (لَتَجِدَنَّ) لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: قَسَمًا إنَّكَ تَجِدُ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ أشَدَّ النّاسِ عَدَواةً مَعَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ شَرَحْتُ لَكَ أنَّ هَذا التَّمَرُّدَ والمَعْصِيَةَ عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَهم، فَفَرِّغْ خاطِرَكَ عَنْهم ولا تُبالِ بِمَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى سَبَبَ هَذا التَّفاوُتِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾
وفِي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
الأُولى: عِلَّةُ هَذا التَّفاوُتِ أنَّ اليَهُودَ مَخْصُوصُونَ بِالحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى الدُّنْيا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [البَقَرَةِ: ٩٦] فَقَرَنَهم في الحِرْصِ بِالمُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِلْمَعادِ، والحِرْصُ مَعْدِنُ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ؛ لِأنَّ مَن كانَ حَرِيصًا عَلى الدُّنْيا طَرَحَ دِينَهُ في طَلَبِ الدُّنْيا وأقْدَمَ عَلى كُلِّ مَحْظُورٍ ومُنْكَرٍ بِطَلَبِ الدُّنْيا، فَلا جَرَمَ تَشْتَدُّ عَداوَتُهُ مَعَ كُلِّ مَن نالَ مالًا أوْ جاهًا، وأمّا النَّصارى فَإنَّهم في أكْثَرِ الأمْرِ مُعْرِضُونَ عَنِ الدُّنْيا مُقْبِلُونَ عَلى العِبادَةِ وتَرْكِ طَلَبِ الرِّياسَةِ والتَّكَبُّرِ والتَّرَفُّعِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَحْسُدُ النّاسَ ولا يُؤْذِيهِمْ ولا يُخاصِمُهم بَلْ يَكُونُ لَيِّنَ العَرِيكَةِ في طَلَبِ الحَقِّ سَهْلَ الِانْقِيادِ لَهُ، فَهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ في هَذا البابِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ .
وهَهُنا دَقِيقَةٌ نافِعَةٌ في طَلَبِ الدِّينِ وهو أنَّ كُفْرَ النَّصارى أغْلَظُ مِن كُفْرِ اليَهُودِ؛ لِأنَّ النَّصارى يُنازِعُونَ في الإلَهِيّاتِ وفي النُّبُوّاتِ، واليَهُودُ لا يُنازِعُونَ إلّا في النُّبُوّاتِ، ولا شَكَّ في أنَّ الأوَّلَ أغْلَظُ، ثُمَّ إنَّ النَّصارى مَعَ غِلْظِ كُفْرِهِمْ لَمّا لَمْ يَشْتَدَّ حِرْصُهم عَلى طَلَبِ الدُّنْيا بَلْ كانَ في قَلْبِهِمْ شَيْءٌ مِنَ المَيْلِ إلى الآخِرَةِ شَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ وأمّا اليَهُودُ مَعَ أنَّ كُفْرَهم أخَفُّ في جَنْبِ كُفْرِ النَّصارى طَرَدَهم وخَصَّهُمُ اللَّهُ بِمَزِيدِ اللَّعْنِ، وما ذاكَ إلّا بِسَبَبِ حِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا، وذَلِكَ يُنَبِّهُكَ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ ﷺ: «حُبُّ الدُّنْيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ» " .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القَسُّ والقِسِّيسُ اسْمٌ لِرَئِيسِ النَّصارى، والجَمْعُ القِسِّيسُونَ، وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: صَنَعَتِ النَّصارى الإنْجِيلَ وأدْخَلَتْ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ وبَقِيَ واحِدٌ مِن عُلَمائِهِمْ عَلى الحَقِّ والدِّينِ، وكانَ اسْمُهُ قِسِّيسًا، فَمَن كانَ عَلى هَدْيِهِ ودِينِهِ فَهو قِسِّيسٌ، قالَ قُطْرُبٌ: القَسُّ والقِسِّيسُ العالِمُ بِلُغَةِ الرُّومِ، وهَذا مِمّا وقَعَ الوِفاقُ فِيهِ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ، وأمّا الرُّهْبانُ فَهو جَمْعُ راهِبٍ كَرُكْبانٍ وراكِبٍ، وفُرْسانٍ وفارِسٍ، وقالَ بَعْضُهم: الرُّهْبانُ واحِدٌ، وجَمْعُهُ رَهابِينُ كَقُرْبانٍ وقَرابِينَ، وأصْلُهُ مِنَ الرَّهْبَةِ بِمَعْنى المَخافَةِ.
صفحة ٥٧
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها﴾ [الحَدِيدِ: ٢٧] وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا رَهْبانِيَّةَ في الإسْلامِ» .
قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ صارَ مَمْدُوحًا في مُقابَلَةِ طَرِيقَةِ اليَهُودِ في القَساوَةِ والغِلْظَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن هَذا القَدْرِ كَوْنُهُ مَمْدُوحًا عَلى الإطْلاقِ.
5:83–86Page 122
وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨٣
And when they hear what has been revealed to the Messenger, you see their eyes overflowing with tears because of what they have recognized of the truth. They say, "Our Lord, we have believed, so register us among the witnesses.
وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤
And why should we not believe in Allāh and what has come to us of the truth? And we aspire that our Lord will admit us [to Paradise] with the righteous people."
فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٥
So Allāh rewarded them for what they said1 with gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of doers of good.
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٨٦
But those who disbelieved and denied Our signs - they are the companions of Hellfire.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (سَمِعُوا) يَرْجِعُ إلى القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم و(ما أُنْزِلَ) يَعْنِي: القُرْآنَ ﴿إلى الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جَعْفَرًا الطَّيّارَ قَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَأخَذَ النَّجاشِيُّ تَبِنَةً مِنَ الأرْضِ وقالَ: واللَّهِ ما زادَ عَلى ما قالَ اللَّهُ في الإنْجِيلِ مِثْلَ هَذا، وما زالُوا يَبْكُونَ حَتّى فَرَغَ جَعْفَرٌ مِنَ القِراءَةِ، وأمّا قَوْلُهُ ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ أعْيُنَهم تَمْتَلِئُ مِنَ الدَّمْعِ حَتّى تَفِيضَ؛ لِأنَّ الفَيْضَ أنْ يَمْتَلِئَ الإناءُ وغَيْرُهُ حَتّى يَطَلُعَ ما فِيهِ مِن جَوانِبِهِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِالبُكاءِ فَجُعِلَتْ أعْيُنُهم كَأنَّها تَفِيضُ بِأنْفُسِها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ: مِمّا نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ.
فَإنْ قِيلَ: أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ ”مِن“ وبَيْنَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ .
قُلْنا: الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّ فَيْضَ الدَّمْعِ إنَّما ابْتُدِئَ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وكانَ مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، يَعْنِي أنَّهم عَرَفُوا بَعْضَ الحَقِّ وهو القُرْآنُ فَأبْكاهُمُ اللَّهُ، فَكَيْفَ لَوْ عَرَفُوا كُلَّهُ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ أيْ بِما سَمِعْنا وشَهِدْنا أنَّهُ حَقٌّ ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: يُرِيدُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ .
والثّانِي: أيْ مَعَ كُلِّ مَن شَهِدَ مِن أنْبِيائِكَ ومُؤْمِنِي عِبادِكَ بِأنَّكَ لا إلَهَ غَيْرُكَ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾
صفحة ٥٨
فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: مَحَلُّ ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ النَّصْبُ عَلى الحالِ بِمَعْنى غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِكَ قائِمًا، والواوُ في قَوْلِهِ: (ونَطْمَعُ) واوُ الحالِ.
فَإنْ قِيلَ: فَما العامِلُ في الحالِ الأُولى والثّانِيَةِ ؟
قُلْنا: العامِلُ في الأُولى ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وفي الثّانِي مَعْنى هَذا الفِعْلِ ولَكِنْ مُقَيَّدًا بِالحالِ الأُولى؛ لِأنَّكَ لَوْ أزَلْتَها وقُلْتَ: وما لَنا ونَطْمَعُ لَمْ يَكُنْ كَلامًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ونَطْمَعُ) حالًا مِن ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم لا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ ويَطْمَعُونَ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَصْحَبُوا الصّالِحِينَ، وأنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ عَلى مَعْنى: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ التَّثْلِيثِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ويُدْخِلُنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ جَنَّتَهُ ودارَ رِضْوانِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحَجِّ: ٥٩] إلّا أنَّهُ حَسُنَ الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ الثَّوابَ بِمُجَرَّدِ القَوْلِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ القَوْلِ لا يُفِيدُ الثَّوابَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ الفاسِقَ لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ وهَذا الإحْسانُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَعْرِفَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائِدَةِ: ٨٣]، ومِنَ الإقْرارِ بِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ هَذِهِ المَعْرِفَةَ وهَذا الإقْرارَ يُوجِبُ أنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذا الثَّوابُ، وصاحِبُ الكَبِيرَةِ لَهُ هَذِهِ المَعْرِفَةُ وهَذا الإقْرارُ، فَوَجَبَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذا الثَّوابُ، فَأمّا أنْ يُنْقَلَ مِنَ الجَنَّةِ إلى النّارِ وهو باطِلٌ بِالإجْماعِ، أوْ يُقالَ: يُعاقَبُ عَلى ذَنْبِهِ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى الجَنَّةِ وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ.
الثّانِي: هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ: أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ لا غَيْرُهم، والمُصاحِبُ لِلشَّيْءِ هو المُلازِمُ لَهُ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، فَهَذا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا الدَّوامِ بِالكُفّارِ، فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الخُلُودَ في النّارِ لا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ الفاسِقِ.
5:87Page 122
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٨٧
O you who have believed, do not prohibit the good things which Allāh has made lawful to you and do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا اسْتَقْصى في المُناظَرَةِ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى، عادَ بَعْدَهُ إلى بَيانِ الأحْكامِ وذَكَرَ جُمْلَةً مِنها.
النَّوْعُ الأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِحِلِّ المَطاعِمِ والمَشارِبِ واللَّذّاتِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الطَّيِّباتُ: اللَّذِيذاتُ الَّتِي تَشْتَهِيها النُّفُوسُ وتَمِيلُ إلَيْها القُلُوبُ، وفي الآيَةِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: رُوِيَ أنَّهُ ﷺ وصَفَ يَوْمَ القِيامَةِ لِأصْحابِهِ في بَيْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وبالَغَ وأشْبَعَ الكَلامَ في الإنْذارِ والتَّحْذِيرِ، فَعَزَمُوا عَلى أنْ يَرْفُضُوا الدُّنْيا ويُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ المَطاعِمَ الطَّيِّبَةَ والمُشارِبَ اللَّذِيذَةَ، وأنْ يَصُومُوا النَّهارَ ويَقُومُوا اللَّيْلَ، وأنْ لا يَنامُوا عَلى الفُرُشِ، ويَخْصُوا أنْفُسَهم، ويَلْبَسُوا المُسُوحَ، ويَسِيحُوا في الأرْضِ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ، فَقالَ لَهم: ”«إنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، إنَّ لِأنْفُسِكم عَلَيْكم حَقًّا، فَصُومُوا وأفْطِرُوا وقُومُوا ونامُوا، فَإنِّي أقُومُ وأنامُ وأصُومُ وأُفْطِرُ وآكُلُ اللَّحْمَ والدَّسَمَ وآتِي النِّساءَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» “ .
وبِهَذا الكَلامِ ظَهَرَ وجْهُ النَّظْمِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما قَبْلَها؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى مَدَحَ النَّصارى بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا، وعادَتُهُمُ الِاحْتِرازُ عَنْ طَيِّباتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، فَلَمّا مَدَحَهم أوْهَمَ ذَلِكَ المَدْحُ تَرْغِيبَ المُسْلِمِينَ في مِثْلِ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ، فَذَكَرَ تَعالى [ ذَلِكَ ] عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ إزالَةً لِذَلِكَ الوَهْمِ، لِيُظْهِرَ لِلْمُسْلِمِينَ أنَّهم لَيْسُوا مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في هَذا النَّهْيِ، فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ حُبَّ الدُّنْيا مُسْتَوْلٍ عَلى الطِّباعِ والقُلُوبِ، فَإذا تَوَسَّعَ الإنْسانُ في اللَّذّاتِ والطَّيِّباتِ اشْتَدَّ مَيْلُهُ إلَيْها وعَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيها، وكُلَّما كانَتْ تِلْكَ النِّعَمُ أكْثَرَ وأدْوَمَ كانَ ذَلِكَ المَيْلُ أقْوى وأعْظَمَ، وكُلَّما ازْدادَ المَيْلُ قُوَّةً ورَغْبَةً ازْدادَ حِرْصُهُ في طَلَبِ الدُّنْيا واسْتِغْراقُهُ في تَحْصِيلِها، وذَلِكَ يَمْنَعُهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي طاعَتِهِ، ويَمْنَعُهُ عَنْ طَلَبِ سَعاداتِ الآخِرَةِ، وأمّا إذا أعْرَضَ عَنْ لَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، فَكُلَّما كانَ ذَلِكَ الإعْراضُ أتَمَّ وأدْوَمَ كانَ ذَلِكَ المَيْلُ أضْعَفَ والرَّغْبَةُ أقَلَّ، وحِينَئِذٍ تَتَفَرَّغُ النَّفْسُ لِطَلَبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغْراقِ في خِدْمَتِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَما الحِكْمَةُ في نَهْيِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الرَّهْبانِيَّةِ ؟
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الرَّهْبانِيَّةَ المُفْرِطَةَ والِاحْتِرازَ التّامَّ عَنِ الطَّيِّباتِ واللَّذّاتِ مِمّا يُوقِعُ الضَّعْفَ في الأعْضاءِ الرَّئِيسَةِ الَّتِي هي القَلْبُ والدِّماغُ، وإذا وقَعَ الضَّعْفُ فِيهِما اخْتَلَّتِ الفِكْرَةُ وتَشَوَّشَ العَقْلُ. ولا شَكَّ أنَّ أكْمَلَ السَّعاداتِ وأعْظَمَ القُرُباتِ إنَّما هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى، فَإذا كانَتِ الرَّهْبانِيَّةُ الشَّدِيدَةُ
صفحة ٦٠
مِمّا يُوقِعُ الخَلَلَ في ذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الَّذِي بَيَّنّاهُ لا جَرَمَ وقَعَ النَّهْيُ عَنْها.
والثّانِي: وهو أنَّ حاصِلَ ما ذَكَرْتُمْ أنَّ اشْتِغالَ النَّفْسِ بِطَلَبِ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ يَمْنَعُها عَنِ الِاسْتِكْمالِ بِالسَّعاداتِ العَقْلِيَّةِ، وهَذا مُسَلَّمٌ لَكِنْ في حَقِّ النُّفُوسِ الضَّعِيفَةِ، أمّا النُّفُوسُ المُسْتَعْلِيَةُ الكامِلَةُ فَإنَّها لا يَكُونُ اسْتِعْمالُها في الأعْمالِ الحِسِّيَّةِ مانِعًا لَها مِنَ الِاسْتِكْمالِ بِالسَّعاداتِ العَقْلِيَّةِ، فَإنّا نُشاهِدُ النُّفُوسَ قَدْ تَكُونُ ضَعِيفَةً بِحَيْثُ مَتى اشْتَغَلَتْ بِمُهِمٍّ امْتَنَعَ عَلَيْها الِاشْتِغالُ بِمُهِمٍّ آخَرَ، وكُلَّما كانَتِ النَّفْسُ أقْوى كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ أكْمَلَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ الرَّهْبانِيَّةُ الخالِصَةُ دَلِيلًا عَلى نَوْعٍ مِنَ الضَّعْفِ والقُصُورِ، وإنَّما الكَمالُ في الوَفاءِ بِالجِهَتَيْنِ والِاسْتِكْمالِ في النّاسِ.
الثّالِثُ: وهو أنَّ مَنِ اسْتَوْفى اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةَ كانَ غَرَضُهُ مِنها الِاسْتِعانَةَ بِها عَلى اسْتِيفاءِ اللَّذّاتِ العَقْلِيَّةِ، فَإنَّ رِياضَتَهُ ومُجاهَدَتَهُ أتَمُّ مِن رِياضَةِ مَن أعْرَضَ عَنِ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ، لِأنَّ صَرْفَ حِصَّةِ النَّفْسِ إلى جانِبِ الطّاعَةِ أشَقُّ وأشَدُّ مِنَ الإعْراضِ عَنْ حِصَّةِ النَّفْسِ بِالكُلِّيَّةِ، فَكانَ الكَمالُ في هَذا أتَمَّ.
الرّابِعُ: وهو أنَّ الرَّهْبانِيَّةَ التّامَّةَ تُوجِبُ خَرابَ الدُّنْيا وانْقِطاعَ الحَرْثِ والنَّسْلِ، وأمّا تَرْكَ الرَّهْبانِيَّةِ مَعَ المُواظَبَةِ عَلى المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والطّاعاتِ فَإنَّهُ يُفِيدُ عِمارَةَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ الحالَةُ أكْمَلَ، فَهَذا جُمْلَةُ الكَلامِ في هَذا الوَجْهِ.
القَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ، وهو أنَّهُ تَعالى قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] فَبَيَّنَ أنَّهُ كَما لا يَجُوزُ اسْتِحْلالُ المُحَرَّمِ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ تَحْرِيمُ المُحَلَّلِ، وكانَتِ العَرَبُ تُحَرِّمُ مِنَ الطَّيِّباتِ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ تَعالى، وهي البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامُ، وقَدْ حَكى تَعالى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ الأنْعامِ، وكانُوا يُحَلِّلُونَ المَيْتَةَ والدَّمَ وغَيْرَهُما، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ لا يُحَرِّمُوا ما أحَلَّ اللَّهُ ولا يُحَلِّلُوا ما حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَدْخُلُوا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: لا تَعْتَقِدُوا تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى لَكم.
وثانِيها: لا تُظْهِرُوا بِاللِّسانِ تَحْرِيمَ ما أحَلَّهُ اللَّهُ لَكم.
وثالِثُها: لا تَجْتَنِبُوا عَنْها اجْتِنابًا شَبِيهَ الِاجْتِنابِ مِنَ المُحَرَّماتِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى الِاعْتِقادِ والقَوْلِ والعَمَلِ.
ورابِعُها: لا تُحَرِّمُوا عَلى غَيْرِكم بِالفَتْوى.
وخامِسُها: لا تَلْتَزِمُوا تَحْرِيمَها بِنَذْرٍ أوْ يَمِينٍ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] .
وسادِسُها: أنْ يَخْلِطَ المَغْصُوبَ بِالمَمْلُوكِ خَلْطًا لا يُمْكِنُهُ التَّمْيِيزُ، وحِينَئِذٍ يَحْرُمُ الكُلُّ، فَذَلِكَ الخَلْطُ سَبَبٌ لِتَحْرِيمِ ما كانَ حَلالًا لَهُ، وكَذَلِكَ القَوْلُ فِيما إذا خُلِطَ النَّجِسُ بِالطّاهِرِ، والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِكُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ، ولا يَبْعُدُ حَمْلُها عَلى الكُلِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ تَحْرِيمَ الطَّيِّباتِ اعْتِداءً وظُلْمًا، فَنَهى عَنِ الِاعْتِداءِ لِيَدْخُلَ تَحْتَهُ النَّهْيُ عَنْ تَحْرِيمِها.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا أباحَ الطَّيِّباتِ حَرَّمَ الإسْرافَ فِيها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] .
الثّالِثُ: يَعْنِي لِما أحَلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتِ فاكْتَفُوا بِهَذِهِ المُحَلَّلاتِ ولا تَتَعَدُّوها إلى ما حَرَّمَ عَلَيْكم.
5:88Page 122
وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٨٨
And eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And fear Allāh, in whom you are believers.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ .
صفحة ٦١
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (وكُلُوا) صِيغَةُ أمْرٍ، وظاهِرُها لِلْوُجُوبِ لا أنَّ المُرادَ هاهُنا الإباحَةُ والتَّحْلِيلُ. واحْتَجَّ أصْحابُ الشّافِعِيِّ بِهِ في أنَّ التَّطَوُّعَ لا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وقالُوا: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي إباحَةَ الأكْلِ عَلى الإطْلاقِ فَيَتَناوَلُ ما بَعْدَ الشُّرُوعِ في الصَّوْمِ، غايَتُهُ أنَّهُ خُصَّ في بَعْضِ الصُّوَرِ إلّا أنَّ العامَّ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿حَلالًا طَيِّبًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالأكْلِ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالمَأْكُولِ، فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: كُلُوا حَلالًا طَيِّبًا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي: كُلُوا مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي يَكُونُ حَلالًا طَيِّبًا، أمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَإنَّهُ حُجَّةٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَلى أنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ إلّا حَلالًا، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ دالَّةٌ عَلى الإذْنِ في أكْلِ كُلِّ ما رَزَقَ اللَّهُ تَعالى وإنَّما يَأْذَنُ اللَّهُ تَعالى في أكْلِ الحَلالِ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما كانَ رِزْقًا كانَ حَلالًا، وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي فَإنَّهُ حُجَّةٌ لِأصْحابِنا عَلى أنَّ الرِّزْقَ قَدْ يَكُونُ حَرامًا لِأنَّهُ تَعالى خَصَّصَ إذْنَ الأكْلِ بِالرِّزْقِ الَّذِي يَكُونُ حَلالًا طَيِّبًا، ولَوْلا أنَّ الرِّزْقَ قَدْ لا يَكُونُ حَلالًا وإلّا لَمْ يَكُنْ لِهَذا التَّخْصِيصِ والتَّقْيِيدِ فائِدَةٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمْ يَقُلْ تَعالى: كُلُوا ما رَزَقَكم، ولَكِنْ قالَ: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ وكَلِمَةُ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اقْتَصِرُوا في الأكْلِ عَلى البَعْضِ واصْرِفُوا البَقِيَّةَ إلى الصَّدَقاتِ والخَيْراتِ لِأنَّهُ إرْشادٌ إلى تَرْكِ الإسْرافِ كَما قالَ: ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ تَكَفَّلَ بِرِزْقِ كُلِّ أحَدٍ، فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَكَفَّلْ بِرِزْقِهِ لَما قالَ: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ وإذا تَكَفَّلَ اللَّهُ بِرِزْقِهِ وجَبَ أنْ لا يُبالِغَ في الطَّلَبِ، وأنْ يُعَوِّلَ عَلى وعْدِ اللَّهِ تَعالى وإحْسانِهِ، فَإنَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يُخْلِفَ الوَعْدَ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ألا فاتَّقُوا اللَّهَ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ» أمّا قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فَهو تَأْكِيدٌ لِلتَّوْصِيَةِ بِما أمَرَ بِهِ، زادَهُ تَوْكِيدًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّ الإيمانَ بِهِ يُوجِبُ التَّقْوى في الِانْتِهاءِ إلى ما أمَرَ بِهِ وعَمّا نَهى عَنْهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences