Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:92–94
5:92Page 123
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٩٢
And obey Allāh and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.
وسابِعُها: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ ذَلِكَ:
صفحة ٦٩
﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ .
﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا﴾ فَظاهِرُهُ أنَّ المُرادَ وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن أمْرِهِما بِالِاجْتِنابِ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وقَوْلُهُ: (واحْذَرُوا) أيِ احْذَرُوا عَنْ مُخالَفَتِهِما في هَذِهِ التَّكالِيفِ. وثامِنُها: قَوْلُهُ:
﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ في حَقِّ مَن خالَفَ في هَذا التَّكْلِيفِ وأعْرَضَ فِيهِ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وبَيانِهِ، يَعْنِي أنَّكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فالحُجَّةُ قَدْ قامَتْ عَلَيْكم، والرَّسُولُ قَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّبْلِيغِ والإعْذارِ والإنْذارِ، فَأمّا ما وراءَ ذَلِكَ مِن عِقابِ مَن خالَفَ هَذا التَّكْلِيفَ وأعْرَضَ عَنْهُ فَذاكَ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا شَكَّ أنَّهُ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، فَصارَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّمانِيَةِ دَلِيلًا قاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا في تَحْرِيمِ الخَمْرِ.
واعْلَمْ أنَّ مَن أنْصَفَ وتَرَكَ الِاعْتِسافَ عَلِمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَرَتَّبَ النَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ عَلى كَوْنِ الخَمْرِ مُشْتَمِلَةً عَلى تِلْكَ المَفاسِدِ، ومِنَ المَعْلُومِ في بَدائِهِ العُقُولِ أنَّ تِلْكَ المَفاسِدَ إنَّما تَوَلَّدَتْ مِن كَوْنِها مُؤَثِّرَةً في السُّكْرِ وهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِأنَّ عِلَّةَ قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ هي كَوْنُ الخَمْرِ مُؤَثِّرًا في الإسْكارِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، ومَن أحاطَ عَقْلُهُ بِهَذا التَّقْدِيرِ وبَقِيَ مُصِرًّا عَلى قَوْلِهِ فَلَيْسَ لِعِنادِهِ عِلاجٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
5:93Page 123
لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٣
There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allāh and believe and do righteous deeds, and then fear Allāh and believe, and then fear Allāh and do good; and Allāh loves the doers of good.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ قالَتِ الصَّحابَةُ: إنَّ إخْوانَنا كانُوا قَدْ شَرِبُوا الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ قُتِلُوا، فَكَيْفَ حالُهم ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: لا إثْمَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ لِأنَّهم شَرِبُوها حالَ ما كانَتْ مُحَلَّلَةً، وهَذِهِ الآيَةُ مُشابِهَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في نَسْخِ القِبْلَةِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] أيْ أنَّكم حِينَ اسْتَقْبَلْتُمْ بَيْتَ المَقْدِسِ فَقَدِ اسْتَقْبَلْتُمُوهُ بِأمْرِي فَلا أُضِيعُ ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] .
صفحة ٧٠
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّعامُ في الأغْلَبِ مِنَ اللُّغَةِ خِلافُ الشَّرابِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الطُّعْمُ خِلافَ الشُّرْبِ، إلّا أنَّ اسْمَ الطَّعامِ قَدْ يَقَعُ عَلى المَشْرُوباتِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٩] وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ أيْ شَرِبُوا الخَمْرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الطُّعْمِ راجِعًا إلى التَّلَذُّذِ بِما يُؤْكَلُ ويُشْرَبُ، وقَدْ تَقُولُ العَرَبُ: تَطَعَّمْ تَطْعَمْ، أيْ ذُقْ حَتّى تَشْتَهِيَ، وإذا كانَ مَعْنى الكَلِمَةِ راجِعًا إلى الذَّوْقِ صَلُحَ لِلْمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ مَعًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زَعَمَ بَعْضُ الجُهّالِ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الخَمْرِ أنَّها مُحَرَّمَةٌ عِنْدَما تَكُونُ مُوقِعَةً لِلْعَداوَةِ والبَغْضاءِ وصادَّةً عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا جُناحَ عَلى مَن طَعِمَها إذا لَمْ يَحْصُلْ مَعَهُ شَيْءٌ مِن تِلْكَ المَفاسِدِ، بَلْ حَصَلَ مَعَهُ أنْواعُ المَصالِحِ مِنَ الطّاعَةِ والتَّقْوى والإحْسانِ إلى الخَلْقِ، قالُوا: ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى أحْوالِ مَن شَرِبَ الخَمْرَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ التَّحْرِيمِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَقالَ: ما كانَ جُناحٌ عَلى الَّذِينَ طَعِمُوا، كَما ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ في آيَةِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ فَقالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] ولَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، بَلْ قالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا﴾ ولا شَكَّ أنَّ (إذا) لِلْمُسْتَقْبَلِ لا لِلْماضِي.
واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ مَرْدُودٌ بِإجْماعِ كُلِّ الأُمَّةِ، وقَوْلُهم: إنَّ كَلِمَةَ إذا (إذا) لِلْمُسْتَقْبَلِ لا لِلْماضِي، فَجَوابُهُ ما «رَوى أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وقَدْ شَرِبُوا الخَمْرَ وفَعَلُوا القِمارَ، وكَيْفَ بِالغائِبِينَ عَنّا في البُلْدانِ لا يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ وهم يَطْعَمُونَها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآياتِ»، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالحِلُّ قَدْ ثَبَتَ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ عَنْ وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَكِنْ في حَقِّ الغائِبِينَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغْهم هَذا النَّصُّ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى شَرَطَ لِنَفْيِ الجُناحِ حُصُولَ التَّقْوى والإيمانِ مَرَّتَيْنِ، وفي المَرَّةِ الثّالِثَةِ حُصُولَ التَّقْوى والإحْسانِ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثِ عَلى وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: عَمَلُ الِاتِّقاءِ.
والثّانِي: دَوامُ الِاتِّقاءِ والثَّباتُ عَلَيْهِ، والثّالِثُ: اتِّقاءُ ظُلْمِ العِبادِ مَعَ ضَمِّ الإحْسانِ إلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ اتِّقاءُ جَمِيعِ المَعاصِي قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
والثّانِي: اتِّقاءُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ وما في هَذِهِ الآيَةِ.
والثّالِثُ: اتِّقاءُ ما يَحْدُثُ تَحْرِيمُهُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا قَوْلُ الأصَمِّ، القَوْلُ الثّالِثُ: اتِّقاءُ الكُفْرِ ثُمَّ الكَبائِرِ ثُمَّ الصَّغائِرِ، القَوْلُ الرّابِعُ: ما ذَكَرَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قالَ: التَّقْوى الأُولى عِبارَةٌ عَنِ الِاتِّقاءِ مِنَ القَدْحِ في صِحَّةِ النَّسْخِ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ يَقُولُونَ: النَّسْخُ يَدُلُّ عَلى البَداءِ، فَأوْجَبَ عَلى المُؤْمِنِينَ عِنْدَ سَماعِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُباحَةً أنْ يَتَّقُوا عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الفاسِدَةِ، والتَّقْوى الثّانِيَةُ الإتْيانُ بِالعَمَلِ المُطابِقِ لِهَذِهِ الآيَةِ وهي الِاحْتِرازُ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ، والتَّقْوى الثّالِثَةُ عِبارَةٌ عَنِ المُداوَمَةِ عَلى التَّقْوى المَذْكُورَةِ في الأُولى والثّانِيَةِ ثُمَّ يُضَمُّ إلى هَذِهِ التَّقْوى الإحْسانُ إلى الخَلْقِ.
والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا التَّكْرِيرِ التَّأْكِيدُ والمُبالَغَةُ في الحَثِّ عَلى الإيمانِ والتَّقْوى، فَإنْ قِيلَ: لِمَ شَرَطَ رَفْعَ الجُناحِ عَنْ تَناوُلِ المَطْعُوماتِ بِشَرْطِ الإيمانِ والتَّقْوى مَعَ أنَّ المَعْلُومَ أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن ومَن لَمْ يَتَّقِ ثُمَّ تَناوَلَ شَيْئًا مِنَ المُباحاتِ فَإنَّهُ لا جُناحَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ التَّناوُلِ، بَلْ عَلَيْهِ جُناحٌ في تَرْكِ الإيمانِ وفي تَرْكِ التَّقْوى، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِتَناوُلِ ذَلِكَ المُباحِ فَذِكْرُ هَذا الشَّرْطِ في هَذا المَعْرِضِ غَيْرُ جائِزٍ.
صفحة ٧١
قُلْنا: لَيْسَ هَذا لِلِاشْتِراطِ بَلْ لِبَيانِ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ ثَناءً عَلَيْهِمْ وحَمْدًا لِأحْوالِهِمْ في الإيمانِ والتَّقْوى والإحْسانِ، ومِثالُهُ أنْ يُقالَ لَكَ: هَلْ عَلى زَيْدٍ فِيما فَعَلَ جُناحٌ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ مُباحٌ فَتَقُولُ: لَيْسَ عَلى أحَدٍ جُناحٌ في المُباحِ إذا اتَّقى المَحارِمَ وكانَ مُؤْمِنًا مُحْسِنًا؛ تُرِيدُ أنَّ زَيْدًا إنْ بَقِيَ مُؤْمِنًا مُحْسِنًا فَإنَّهُ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِما فَعَلَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمّا جَعَلَ الإحْسانَ شَرْطًا في نَفْيِ الجُناحِ بَيَّنَ أنَّ تَأْثِيرَ الإحْسانِ لَيْسَ في نَفْيِ الجُناحِ فَقَطْ، بَلْ وفي أنْ يُحِبَّهُ اللَّهُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الدَّرَجَةَ أشْرَفُ الدَّرَجاتِ وأعْلى المَقاماتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى لِعِبادِهِ.
5:94Page 123
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٤
O you who have believed, Allāh will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allāh may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الأحْكامِ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى كَما قالَ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٨٧] ثُمَّ اسْتَثْنى الخَمْرَ والمَيْسِرَ عَنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ اسْتَثْنى هَذا النَّوْعَ مِنَ الصَّيْدِ عَنِ المُحَلَّلاتِ، وبَيَّنَ دُخُولَهُ في المُحَرَّماتِ.
وهاهُنا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ لامُ القَسَمِ، لِأنَّ اللّامَ والنُّونَ قَدْ يَكُونانِ جَوابًا لِلْقَسَمِ، وإذا تُرِكَ القَسَمُ جِيءَ بِهِما دَلِيلًا عَلى القَسَمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواوُ في قَوْلِهِ: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ) مَفْتُوحَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ) أيْ لَيَخْتَبِرَنَّ طاعَتَكم مِن مَعْصِيَتِكم، أيْ لَيُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْدِ وهم مُحْرِمُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ حَتّى كانَتِ الوَحْشُ والطَّيْرُ تَغْشاهم في رِحالِهِمْ، فَيَقْدِرُونَ عَلى أخْذِها بِالأيْدِي وصَيْدِها بِالرِّماحِ، وما رَأوْا مِثْلَ ذَلِكَ قَطُّ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْها ابْتِلاءً. قالَ الواحِدِيُّ: الَّذِي تَنالُهُ الأيْدِي مِنَ الصَّيْدِ، الفِراخُ والبَيْضُ وصِغارُ الوَحْشِ، والَّذِي تَنالُهُ الرِّماحُ: الكِبارُ، وقالَ بَعْضُهم: هَذا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ لِلْمُتَوَحِّشِ المُمْتَنِعِ دُونَ ما لَمْ يَمْتَنِعْ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: مَعْنى التَّقْلِيلِ والتَّصْغِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ بِفِتْنَةٍ مِنَ الفِتَنِ العِظامِ الَّتِي يَكُونُ التَّكْلِيفُ فِيها صَعْبًا شاقًّا، كالِابْتِلاءِ بِبَذْلِ الأرْواحِ والأمْوالِ، وإنَّما هو ابْتِلاءٌ سَهْلٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى امْتَحَنَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِصَيْدِ البَرِّ كَما امْتَحَنَ بَنِي إسْرائِيلَ بِصَيْدِ البَحْرِ، وهو صَيْدُ السَّمَكِ.
صفحة ٧٢
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: المُرادُ صَيْدُ البَرِّ دُونَ البَحْرِ. والثّانِي: صَيْدُ الإحْرامِ دُونَ صَيْدِ الإحْلالِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحَجِّ: ٣٠] .
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: أرادَ بِالصَّيْدِ المَفْعُولَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ والصَّيْدُ إذا كانَ بِمَعْنى المَصْدَرِ يَكُونُ حَدَثًا، وإنَّما يُوصَفُ بِنَيْلِ اليَدِ والرِّماحِ ما كانَ عَيْنًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ هَذا مَجازٌ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ واخْتَلَفُوا في مَعْناهُ، فَقِيلَ: نُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يَطْلُبُ أنْ يَعْلَمَ، وقِيلَ: لِيَظْهَرَ المَعْلُومُ وهو خَوْفُ الخائِفِ، وقِيلَ: هَذا عَلى حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: لِيَعْلَمَ أوْلِياءُ اللَّهِ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (بِالغَيْبِ) فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: مَن يَخافُهُ حالَ إيمانِهِ بِالغَيْبِ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ في أوَّلِ كِتابِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ .
الثّانِي: مَن يَخافُ بِالغَيْبِ؛ أيْ يَخافُهُ بِإخْلاصٍ وتَحْقِيقٍ ولا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ حُضُورِ أحَدٍ أوْ غَيْبَتِهِ، كَما في حَقِّ المُنافِقِينَ الَّذِينَ إذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: (بِالغَيْبِ) في مَحَلِّ النَّصْبِ بِالحالِ والمَعْنى مَن يَخافُهُ حالَ كَوْنِهِ غائِبًا عَنْ رُؤْيَتِهِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ [ق: ٣٣]، ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [فاطِرٍ: ١٨] وأمّا مَعْنى الغَيْبِ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ والمُرادُ عَذابُ الآخِرَةِ والتَّعْزِيرُ في الدُّنْيا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا العَذابُ هو أنْ يُضْرَبَ بَطْنُهُ وظَهْرُهُ ضَرْبًا وجِيعًا ويُنْزَعَ ثِيابُهُ. قالَ القَفّالُ: وهَذا جائِزٌ لِأنَّ اسْمَ العَذابِ قَدْ يَقَعُ عَلى الضَّرْبِ كَما سَمّى جَلْدَ الزّانِيَيْنِ عَذابًا فَقالَ: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ﴾ [النُّورِ: ٢] وقالَ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النِّساءِ: ٢٥] وقالَ حاكِيًا عَنْ سُلَيْمانَ في الهُدْهُدِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences