Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:95–98, continued
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا قَتَلَ صَيْدًا لَهُ مِثْلٌ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هو مُخَيَّرٌ بَيْنَ ثَلاثَةِ أشْياءَ: إنْ شاءَ أخْرَجَ المِثْلَ، وإنْ شاءَ قَوَّمَ المِثْلَ بِدَراهِمَ ويَشْتَرِي بِها طَعامًا ويَتَصَدَّقُ بِهِ، وإنْ شاءَ صامَ، وأمّا الصَّيْدُ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ، فَهو مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، بَيْنَ أنْ يُقَوِّمَ الصَّيْدَ بِالدَّراهِمِ ويَشْتَرِيَ بِتِلْكَ الدَّراهِمِ طَعامًا ويَتَصَدَّقَ بِهِ وبَيْنَ أنْ يَصُومَ، فَعَلى ما ذَكَرْنا الصَّيْدُ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ إنَّما يَشْتَرِي الطَّعامَ بِقِيمَةِ مِثْلِهِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ رَحِمَهُما اللَّهُ: إنَّما يَشْتَرِي الطَّعامَ بِقِيمَتِهِ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ المِثْلَ مِنَ النَّعَمِ هو الجَزاءُ والطَّعامُ بِناءٌ عَلَيْهِ، فَيُعْدَلُ بِهِ كَما يُعْدَلُ عَنِ الصَّوْمِ بِالطَّعامِ، وأيْضًا تَقْوِيمُ مِثْلِ الصَّيْدِ أدْخَلُ في الضَّبْطِ مِن تَقْوِيمِ نَفْسِ الصَّيْدِ، وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ مِثْلَ المُتْلَفِ إذا وجَبَ اعْتُبِرَ بِالمُتْلَفِ لا بِغَيْرِهِ ما أمْكَنَ، والطَّعامُ إنَّما وجَبَ مِثْلًا لِلْمُتْلَفِ فَوَجَبَ أنْ يُقَدَّرَ بِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في مَوْضِعِ التَّقْوِيمِ، فَقالَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ: إنَّما يُقَوَّمُ في المَكانِ الَّذِي قُتِلَ الصَّيْدُ فِيهِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: يُقَوَّمُ بِمَكَّةَ بِثَمَنِ مَكَّةَ لِأنَّهُ يُكَفِّرُ بِها.
* * *
صفحة ٨٠
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الفَرّاءُ: العَدْلُ ما عادَلَ الشَّيْءَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، والعِدْلُ: المِثْلُ، تَقُولُ: عِنْدِي عِدْلُ غُلامِكَ أوْ شاتِكَ: إذا كانَ عِنْدَكَ غُلامٌ يَعْدِلُ غُلامًا أوْ شاةٌ تَعْدِلُ شاةً، أمّا إذا أرَدْتَ قِيمَتَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ نَصَبْتَ العَيْنَ فَقُلْتَ: عَدْلٌ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: العَدْلُ المِثْلُ، والعِدْلُ القِيمَةُ، والعَدْلُ اسْمُ حِمْلٍ مَعْدُولٍ بِحِمْلٍ آخَرَ مُسَوًّى بِهِ، والعِدْلُ تَقْوِيمُكَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأعْرابِيِّ: العَدْلُ والعِدْلُ سَواءٌ.
وقَوْلُهُ: (صِيامًا) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، كَما تَقُولُ: عِنْدِي رِطْلانِ عَسَلًا، ومِلْءُ بَيْتٍ كُتُبًا، والأصْلُ فِيهِ إدْخالُ حَرْفٍ (مِن) فِيهِ، فَإنْ لَمْ يُذْكَرْ نَصَبْتَهُ. تَقُولُ: رِطْلانِ مِنَ العَسَلِ وعَدْلُ ذَلِكَ مِنَ الصِّيامِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ يَصُومُ لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وهو قَوْلُ عَطاءٍ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ يَصُومُ لِكُلِّ نِصْفِ صاعٍ يَوْمًا، والأصْلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّهُما تَوافَقا عَلى أنَّ الصَّوْمَ مُقَدَّرٌ بِطَعامِ يَوْمٍ، إلّا أنَّ طَعامَ اليَوْمِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ مُقَدَّرٌ بِالمُدِّ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مُقَدَّرٌ بِنِصْفِ صاعٍ عَلى ما ذَكَرْناهُ في كَفّارَةِ اليَمِينِ.
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: زَعَمَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ أنَّ الخِيارَ في تَعْيِينِ أحَدِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ إلى قاتِلِ الصَّيْدِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: إلى الحَكَمَيْنِ. حُجَّةُ الجُمْهُورِ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى قاتِلِ الصَّيْدِ أحَدَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ عَلى التَّخْيِيرِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قاتِلُ الصَّيْدِ مُخَيَّرًا بَيْنَ أيِّها شاءَ، وحُجَّةُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الخِيارَ إلى الحَكَمَيْنِ فَقالَ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا﴾ أيْ كَذا وكَذا.
وجَوابُنا: أنَّ تَأْوِيلَ الآيَةِ: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا. وأمّا الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ فَهو تَعْيِينُ المِثْلِ، إمّا في القِيمَةِ أوْ في الخِلْقَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الوَبالُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَمّا فِيهِ مِنَ الثِّقْلِ والمَكْرُوهِ. يُقالُ: مَرْعًى وبِيلٌ: إذا كانَ فِيهِ وخامَةٌ، وماءٌ وبِيلٌ: إذا لَمْ يُسْتَمْرَأْ، والطَّعامُ الوَبِيلُ: الَّذِي يَثْقُلُ عَلى المَعِدَةِ فَلا يَنْهَضِمُ، قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلًا﴾ [المُزَّمِّلِ: ١٦] أيْ ثَقِيلًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّما سَمّى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وبالًا لِأنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ ثَلاثَةِ أشْياءَ: اثْنانِ مِنها تُوجِبُ تَنْقِيصَ المالِ، وهو ثَقِيلٌ عَلى الطَّبْعِ، وهُما الجَزاءُ بِالمِثْلِ والإطْعامُ، والثّالِثُ يُوجِبُ إيلامَ البَدَنِ وهو الصَّوْمُ، وذَلِكَ أيْضًا ثَقِيلٌ عَلى الطَّبْعِ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى قاتِلِ الصَّيْدِ أحَدَ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي كُلُّ واحِدٍ مِنها ثَقِيلٌ عَلى الطَّبْعِ حَتّى يَحْتَرِزَ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ في الحَرَمِ وفي حالِ الإحْرامِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: عَفا اللَّهُ عَمّا مَضى في الجاهِلِيَّةِ وعَمّا سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ في الإسْلامِ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ مَن لا يُوجِبُ الجَزاءَ إلّا في المَرَّةِ الأُولى، أمّا في المَرَّةِ الثّانِيَةِ فَإنَّهُ لا يُوجِبُ الجَزاءَ عَلَيْهِ ويَقُولُ: إنَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يُكَفِّرَهُ التَّصَدُّقُ بِالجَزاءِ، فَعَلى هَذا، المُرادُ: عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ في المَرَّةِ الأُولى بِسَبَبِ أداءِ الجَزاءِ، ومَن عادَ إلَيْهِ مَرَّةً ثانِيَةً فَلا كَفّارَةَ لِجُرْمِهِ بَلْ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ، وحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ
صفحة ٨١
الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ فاءُ الجَزاءِ، والجَزاءُ هو الكافِي، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ هَذا الِانْتِقامَ كافٍ في هَذا الذَّنْبِ، وكَوْنُهُ كافِيًا يَمْنَعُ مِن وُجُوبِ شَيْءٍ آخَرَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَجِبَ الجَزاءُ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٦] وفي قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ﴾ [الجِنِّ: ١٣] إنَّ في هَذِهِ الآياتِ إضْمارًا مُقَدَّرًا، والتَّقْدِيرُ: ومَن عادَ فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ، ومَن كَفَرَ فَأنا أُمَتِّعُهُ، ومَن يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ فَهو لا يَخافُ، وبِالجُمْلَةِ فَلا بُدَّ مِن إضْمارِ مُبْتَدَأٍ يَصِيرُ ذَلِكَ الفِعْلُ خَبَرًا عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ الفِعْلَ يَصِيرُ بِنَفْسِهِ جَزاءً، فَلا حاجَةَ إلى إدْخالِ حَرْفِ الجَزاءِ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ إدْخالُ حَرْفِ الفاءِ عَلى الفِعْلِ لَغْوًا، أمّا إذا أضْمَرْنا المُبْتَدَأ احْتَجْنا إلى إدْخالِ حَرْفِ الفاءِ عَلَيْهِ لِيَرْتَبِطَ بِالشَّرْطِ فَلا تَصِيرُ الفاءُ لَغْوًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
5:96Page 124
أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩٦
Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers,1 but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of iḥrām. And fear Allāh to whom you will be gathered.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِالصَّيْدِ المَصِيدُ، وجُمْلَةُ ما يُصادُ مِنَ البَحْرِ ثَلاثَةُ أجْناسٍ: الحِيتانُ وجَمِيعُ أنْواعِها حَلالٌ، والضَّفادِعُ وجَمِيعُ أنْواعِها حَرامٌ، واخْتَلَفُوا فِيما سِوى هَذَيْنِ. فَقالَأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهُ حَرامٌ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى والأكْثَرُونَ: إنَّهُ حَلالٌ، وتَمَسَّكُوا فِيهِ بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، والمُرادُ بِالبَحْرِ جَمِيعُ المِياهِ والأنْهارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى عَطَفَ طَعامَ البَحْرِ عَلى صَيْدِهِ والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ وهو الأحْسَنُ: ما ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ الصَّيْدَ ما صِيدَ بِالحِيلَةِ حالَ حَياتِهِ، والطَّعامُ ما يُوجَدُ مِمّا لَفَظَهُ البَحْرُ أوْ نَضَبَ عَنْهُ الماءُ مِن غَيْرِ مُعالَجَةٍ في أخْذِهِ، هَذا هو الأصَحُّ مِمّا قِيلَ في هَذا المَوْضِعِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ صَيْدَ البَحْرِ هو الطَّرِيُّ، وأمّا طَعامُ البَحْرِ فَهو الَّذِي جُعِلَ مُمَلَّحًا؛ لِأنَّهُ لَمّا صارَ عَتِيقًا سَقَطَ اسْمُ الصَّيْدِ عَنْهُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ومُقاتِلٍ والنَّخَعِيِّ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الَّذِي صارَ مالِحًا فَقَدْ كانَ طَرِيًّا وصَيْدًا في أوَّلِ الأمْرِ فَيَلْزَمُ التَّكْرارُ.
والثّالِثُ: أنَّ الِاصْطِيادَ قَدْ يَكُونُ لِلْأكْلِ وقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ مِثْلُ اصْطِيادِ الصَّدَفِ لِأجْلِ اللُّؤْلُؤِ، واصْطِيادِ بَعْضِ الحَيَواناتِ البَحْرِيَّةِ لِأجْلِ عِظامِها وأسْنانِها، فَقَدْ حَصَلَ التَّغايُرُ بَيْنَ الِاصْطِيادِ مِنَ البَحْرِ وبَيْنَ الأكْلِ مِن طَعامِ البَحْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: السَّمَكَةُ الطّافِيَةُ في البَحْرِ مُحَلَّلَةٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مُحَرَّمَةٌ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ القُرْآنُ والخَبَرُ، أمّا القُرْآنُ فَهو أنَّهُ يُمْكِنُ أكْلُهُ فَيَكُونُ طَعامًا فَوَجَبَ أنْ يَحِلَّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في البَحْرِ: ”«هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» “ .
صفحة ٨٢
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: (ولِلسَّيّارَةِ) يَعْنِي أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ لِلْمُقِيمِ والمُسافِرِ، فالطَّرِيُّ لِلْمُقِيمِ، والمالِحُ لِلْمُسافِرِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ وجْهانِ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ انْتَصَبَ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا، إلّا أنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ كانَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ مُنْعَمٌ بِهِ، كَما أنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٣] كانَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ كَتَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ: كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكم.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: انْتَصَبَ لِكَوْنِهِ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ أُحِلَّ لَكم تَمْتِيعًا لَكم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ عَلى المُحْرِمِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ ومِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: صَيْدُ البَحْرِ هو الَّذِي لا يَعِيشُ إلّا في الماءِ، أمّا الَّذِي لا يَعِيشُ إلّا في البَرِّ والَّذِي يُمْكِنُهُ أنْ يَعِيشَ في البَرِّ تارَةً وفي البَحْرِ أُخْرى، فَذاكَ كُلُّهُ صَيْدُ البَرِّ، فَعَلى هَذا السُّلَحْفاةُ والسَّرَطانُ والضِّفْدَعُ وطَيْرُ الماءِ، كُلُّ ذَلِكَ مِن صَيْدِ البَرِّ، ويَجِبُ عَلى قاتِلِهِ الجَزاءُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ المُحْرِمَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّيْدُ، واخْتَلَفُوا في الصَّيْدِ الَّذِي يَصِيدُهُ الحَلالُ هَلْ يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ ؟ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ، الأوَّلُ: وهو قَوْلُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وطاوُسٍ، وذَكَرَهُ الثَّوْرِيُّ وإسْحاقُ؛ أنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حالٍ، وعَوَّلُوا فِيهِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ صَيْدَ البَرِّ يَدْخُلُ فِيهِ ما اصْطادَهُ المُحْرِمُ وما اصْطادَهُ الحَلالُ، وكُلُّ ذَلِكَ صَيْدُ البَرِّ، ورَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ عَنْ أبِيهِ قالَ: «كانَ الحارِثُ خَلِيفَةَ عُثْمانَ عَلى الطّائِفِ فَصَنَعَ لِعُثْمانَ طَعامًا، وصَنَعَ فِيهِ الحَجَلَ واليَعاقِيبَ ولُحُومَ الوَحْشِ، فَبَعَثَ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجاءَهُ الرَّسُولُ فَجاءَ، فَقالُوا لَهُ: كُلْ، فَقالَ عَلِيٌّ: أطْعِمُونا قُوتًا حَلالًا فَإنّا حُرُمٌ، ثُمَّ قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْشُدُ اللَّهَ مَن كانَ هاهُنا مِن أشْجَعَ، أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ أهْدى إلَيْهِ رَجُلٌ حِمارَ وحْشٍ وهو مُحْرِمٌ فَأبى أنْ يَأْكُلَهُ ؟ فَقالُوا: نَعَمْ» .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ لَحْمَ الصَّيْدِ مُباحٌ لِلْمُحْرِمِ بِشَرْطِ أنْ لا يَصْطادَهُ المُحْرِمُ ولا يُصْطادَ لَهُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، والحُجَّةُ فِيهِ ما رَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «صَيْدُ البَرِّ لَكم حَلالٌ ما لَمْ تَصِيدُوهُ أوْ يُصَدْ لَكم» .
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ إذا صِيدَ لِلْمُحْرِمِ بِغَيْرِ إعانَتِهِ وإشارَتِهِ حَلَّ لَهُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، رُوِيَ «عَنْ أبِي قَتادَةَ أنَّهُ اصْطادَ حِمارَ وحْشٍ وهو حَلالٌ في أصْحابٍ مُحْرِمِينَ لَهُ، فَسَألُوا الرَّسُولَ ﷺ عَنْهُ فَقالَ: هَلْ أشَرْتُمْ، هَلْ أعَنْتُمْ ؟ فَقالُوا: لا. فَقالَ: هَلْ بَقِيَ مِن لَحْمِهِ شَيْءٌ» ؟ أوْجَبَ الإباحَةَ عِنْدَ عَدَمِ الإشارَةِ والإعانَةِ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
صفحة ٨٣
واعْلَمْ أنَّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ مُفَرَّعانِ عَلى تَخْصِيصِ عُمُومِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ.
والثّانِي في غايَةِ الضَّعْفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّهْدِيدُ لِيَكُونَ المَرْءُ مُواظِبًا عَلى الطّاعَةِ مُحْتَرِزًا عَنِ المَعْصِيَةِ.
5:97Page 124
۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَٰٓئِدَۚ ذَٰلِكَ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٩٧
Allāh has made the Kaʿbah, the Sacred House, standing1 for the people and [has sanctified] the sacred months and the sacrificial animals and the garlands [by which they are identified]. That is so you may know that Allāh knows what is in the heavens and what is in the earth and that Allāh is Knowing of all things.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ اتِّصالَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ الِاصْطِيادَ عَلى المُحْرِمِ، فَبَيَّنَ أنَّ الحَرَمَ كَما أنَّهُ سَبَبٌ لِأمْنِ الوَحْشِ والطَّيْرِ، فَكَذَلِكَ هو سَبَبٌ لِأمْنِ النّاسِ عَنِ الآفاتِ والمُخافاتِ، وسَبَبٌ لِحُصُولِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (قَيِّمًا) بِغَيْرِ ألِفٍ، ومَعْناهُ المُبالَغَةُ في كَوْنِهِ قائِمًا بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ النّاسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنْعامِ: ١٦١] والباقُونَ بِالألِفِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في سُورَةِ النِّساءِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (جَعَلَ) فِيهِ قَوْلانِ، الأوَّلُ: أنَّهُ بَيَّنَ وحَكَمَ.
الثّانِي: أنَّهُ صَيَّرَ، فالأوَّلُ بِالأمْرِ والتَّعْرِيفِ.
والثّانِي بِخَلْقِ الدَّواعِي في قُلُوبِ النّاسِ لِتَعْظِيمِهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: سُمِّيَتِ الكَعْبَةُ كَعْبَةً لِارْتِفاعِها، يُقالُ لِلْجارِيَةِ إذا نَتَأ ثَدْيُها وخَرَجَ: كاعِبٌ وكَعابٌ، وكَعْبُ الإنْسانِ يُسَمّى كَعْبًا لِنُتُوِّهِ مِنَ السّاقِ، فالكَعْبَةُ لَمّا ارْتَفَعَ ذِكْرُها في الدُّنْيا واشْتَهَرَ أمْرُها في العالَمِ سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهم يَقُولُونَ لِمَن عَظُمَ أمْرُهُ: فُلانٌ عَلا كَعْبُهُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ أصْلُهُ (قِوامٌ) لِأنَّهُ مِن قامَ يَقُومُ، وهو ما يَسْتَقِيمُ بِهِ الأمْرُ ويَصْلُحُ، ثُمَّ ذَكَرُوا هاهُنا في كَوْنِ الكَعْبَةِ سَبَبًا لِقِوامِ مَصالِحِ النّاسِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى حُضُورِ أهْلِ الآفاقِ عِنْدَهم لِيَشْتَرُوا مِنهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ طُولَ السَّنَةِ، فَإنَّ مَكَّةَ بَلْدَةٌ ضَيِّقَةٌ لا ضَرْعَ فِيها ولا زَرْعَ، وقَلَّما يُوجَدُ فِيها ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، فاللَّهُ تَعالى جَعَلَ الكَعْبَةَ مُعَظَّمَةً في القُلُوبِ حَتّى صارَ أهْلُ الدُّنْيا راغِبِينَ في زِيارَتِها، فَيُسافِرُونَ إلَيْها مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِأجْلِ التِّجارَةِ ويَأْتُونَ بِجَمِيعِ المَطالِبِ والمُشْتَهَياتِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْباغِ النِّعَمِ عَلى أهْلِ مَكَّةَ.
الثّانِي: أنَّ العَرَبَ كانُوا يَتَقاتَلُونَ ويُغِيرُونَ إلّا في الحَرَمِ، فَكانَ أهْلُ الحَرَمِ آمِنِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى أمْوالِهِمْ حَتّى لَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ أوِ ابْنِهِ في الحَرَمِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، ولَوْ جَنى الرَّجُلُ أعْظَمَ الجِناياتِ ثُمَّ التَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٧] الثّالِثُ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ صارُوا بِسَبَبِ الكَعْبَةِ أهْلَ اللَّهِ وخاصَّتَهُ وسادَةَ الخَلْقِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وكُلُّ أحَدٍ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ ويُعَظِّمُهم.
الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الكَعْبَةَ قِوامًا لِلنّاسِ في دِينِهِمْ بِسَبَبِ ما جَعَلَ فِيها مِنَ المَناسِكِ العَظِيمَةِ والطّاعاتِ الشَّرِيفَةِ، وجَعَلَ تِلْكَ المَناسِكَ سَبَبًا لِحَطِّ الخَطِيئاتِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ وكَثْرَةِ الكَراماتِ.
صفحة ٨٤
واعْلَمْ أنَّهُ لا يَبْعُدُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّ قِوامَ المَعِيشَةِ إمّا بِكَثْرَةِ المَنافِعِ وهو الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وإمّا بِدَفْعِ المَضارِّ وهو الوَجْهُ الثّانِي، وإمّا بِحُصُولِ الجاهِ والرِّياسَةِ وهو الوَجْهُ الثّالِثُ، وإمّا بِحُصُولِ الدِّينِ وهو الوَجْهُ الرّابِعُ، فَلَمّا كانَتِ الكَعْبَةُ سَبَبًا لِحُصُولِ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ، وثَبَتَ أنَّ قِوامَ المَعِيشَةِ لَيْسَ إلّا بِهَذِهِ الأرْبَعَةِ، ثَبَتَ أنَّ الكَعْبَةَ سَبَبٌ لِقَوامِ النّاسِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ أيْ لِبَعْضِ النّاسِ وهُمُ العَرَبُ، وإنَّما حَسُنَ هَذا المَجازُ؛ لِأنَّ أهْلَ كُلِّ بَلَدٍ إذا قالُوا: النّاسُ فَعَلُوا كَذا وصَنَعُوا كَذا، فَإنَّهم لا يُرِيدُونَ إلّا أهْلَ بَلْدَتِهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ خُوطِبُوا بِهَذا الخِطابِ عَلى وفْقِ عادَتِهِمْ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ أرْبَعَةَ أشْياءَ سَبَبًا لِقِيامِ النّاسِ وقِوامِهِمْ، الأوَّلُ: الكَعْبَةُ، وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى كَوْنِها سَبَبًا لِقِيامِ النّاسِ، وأمّا الثّانِي: فَهو الشَّهْرُ الحَرامُ، ومَعْنى كَوْنِهِ سَبَبًا لِقِيامِ النّاسِ هو أنَّ العَرَبَ كانَ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا في سائِرِ الأشْهُرِ، ويُغِيرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَإذا دَخَلَ الشَّهْرُ الحَرامُ زالَ الخَوْفُ وقَدَرُوا عَلى الأسْفارِ والتِّجاراتِ وصارُوا آمِنِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وكانُوا يُحَصِّلُونَ في الشَّهْرِ الحَرامِ مِنَ الأقْواتِ ما كانَ يَكْفِيهِمْ طُولَ السَّنَةِ، فَلَوْلا حُرْمَةُ الشَّهْرِ الحَرامِ لَهَلَكُوا وتَفانَوْا مِنَ الجُوعِ والشِّدَّةِ، فَكانَ الشَّهْرُ الحَرامُ سَبَبًا لِقِوامِ مَعِيشَتِهِمْ في الدُّنْيا أيْضًا، فَهو سَبَبٌ لِاكْتِسابِ الثَّوابِ العَظِيمِ بِسَبَبِ إقامَةِ مَناسِكِ الحَجِّ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أرادَ بِالشَّهْرِ الحَرامِ الأشْهُرَ الحُرُمَ الأرْبَعَةَ، إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الجِنْسِ.
وأمّا الثّالِثُ: فَهو الهَدْيُ، وهو إنَّما كانَ سَبَبًا لِقِيامِ النّاسِ؛ لِأنَّ الهَدْيَ ما يُهْدى إلى البَيْتِ ويُذْبَحُ هُناكَ ويُفَرَّقُ لَحْمُهُ عَلى الفُقَراءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نُسُكًا لِلْمُهْدِي وقِوامًا لِمَعِيشَةِ الفُقَراءِ.
وأمّا الرّابِعُ فَهو القَلائِدُ، والوَجْهُ في كَوْنِها قِيامًا لِلنّاسِ أنَّ مَن قَصَدَ البَيْتَ في الشَّهْرِ الحَرامِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أحَدٌ، ومَن قَصَدَهُ في غَيْرِ الشَّهْرِ الحَرامِ ومَعَهُ هَدْيٌ، وقَدْ قَلَّدَهُ وقَلَّدَ نَفْسَهُ مِن لِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ، لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أحَدٌ، حَتّى إنَّ الواحِدَ مِنَ العَرَبِ يَلْقى الهَدْيَ مُقَلَّدًا ويَمُوتُ مِنَ الجُوعِ، فَلا يَتَعَرَّضُ لَهُ البَتَّةَ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَها صاحِبُها أيْضًا، وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْقَعَ في قُلُوبِهِمْ تَعْظِيمَ البَيْتِ الحَرامِ، فَكُلُّ مَن قَصَدَهُ أوْ تَقَرَّبَ إلَيْهِ صارَ آمِنًا مِن جَمِيعِ الآفاتِ والمَخافاتِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ ذَكَرَ بَعْدَهُ هَذِهِ الثَّلاثَةَ، وهي الشَّهْرُ الحَرامُ والهَدْيُ والقَلائِدُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ إنَّما صارَتْ سَبَبًا لِقِوامِ المَعِيشَةِ لِانْتِسابِها إلى البَيْتِ الحَرامِ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى عَظَمَةِ هَذا البَيْتِ وغايَةِ شَرَفِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ في الأزَلِ أنَّ مُقْتَضى طِباعِ العَرَبِ الحِرْصُ الشَّدِيدُ عَلى القَتْلِ والغارَةِ، وعَلِمَ أنَّهُ لَوْ دامَتْ بِهِمْ هَذِهِ الحالَةُ لَعَجَزُوا عَنْ تَحْصِيلِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن مَنافِعِ المَعِيشَةِ، ولَأدّى ذَلِكَ إلى فَنائِهِمْ وانْقِطاعِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، دَبَّرَ في ذَلِكَ تَدْبِيرًا لَطِيفًا، وهو أنَّهُ ألْقى في قُلُوبِهِمِ اعْتِقادًا قَوِيًّا في تَعْظِيمِ البَيْتِ الحَرامِ وتَعْظِيمِ مَناسِكِهِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُصُولِ الأمْنِ في البَلَدِ الحَرامِ وفي الشَّهْرِ الحَرامِ، فَلَمّا حَصَلَ الأمْنُ في هَذا المَكانِ وفي هَذا الزَّمانِ قَدَرُوا عَلى تَحْصِيلِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في هَذا الزَّمانِ وفي هَذا المَكانِ، فاسْتَقامَتْ مَصالِحُ مَعاشِهِمْ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّدْبِيرِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَ تَعالى في الأزَلِ
صفحة ٨٥
عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ الشَّرَّ غالِبٌ عَلى طِباعِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي بِهِمْ إلى الفَناءِ وانْقِطاعِ النَّسْلِ، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ دَفْعُ ذَلِكَ إلّا بِهَذا الطَّرِيقِ اللَّطِيفِ، وهو إلْقاءُ تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ في قُلُوبِهِمْ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُصُولِ الأمانِ في بَعْضِ الأمْكِنَةِ وفي بَعْضِ الأزْمِنَةِ، فَحِينَئِذٍ تَسْتَقِيمُ مَصالِحُ مَعاشِهِمْ في ذَلِكَ المَكانِ وفي ذَلِكَ الزَّمانِ، وهَذا هو بِعَيْنِهِ الدَّلِيلُ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ المُتَكَلِّمُونَ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا، فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ أفْعالَهُ مُحْكَمَةٌ مُتْقَنَةٌ مُطابِقَةٌ لِلْمَصالِحِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ إلْقاءَ تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ في قُلُوبِ العَرَبِ لِأجْلِ أنْ يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُصُولِ الأمْنِ في بَعْضِ الأمْكِنَةِ وفي بَعْضِ الأزْمِنَةِ، لِيَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبَ اقْتِدارِهِمْ عَلى تَحْصِيلِ مَصالِحِ المَعِيشَةِ، فِعْلٌ في غايَةِ الإتْقانِ والإحْكامِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا قاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا عَلى أنَّ صانِعَ العالَمِ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾ أيْ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ اللَّطِيفُ لِأجْلِ أنْ تَتَفَكَّرُوا فِيهِ، فَتَعْلَمُوا أنَّهُ تَدْبِيرٌ لَطِيفٌ وفِعْلٌ مُحْكَمٌ مُتْقَنٌ، فَتَعْلَمُوا ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ثُمَّ إذا عَرَفْتُمْ ذَلِكَ عَرَفْتُمْ أنَّ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى صِفَةٌ قَدِيمَةٌ أزَلِيَّةٌ واجِبَةُ الوُجُودِ، وما كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَما أحْسَنَ هَذا التَّرْتِيبَ في هَذا التَّقْدِيرِ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ.
5:98Page 124
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٨
Know that Allāh is severe in penalty and that Allāh is Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يَتِمُّ إلّا بِالرَّجاءِ والخَوْفِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لَوْ وُزِنَ خَوْفُ المُؤْمِنِ ورَجاؤُهُ لاعْتَدَلا» “ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ، وهو كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ أغْلَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ فِيما قَبْلُ أنْواعَ رَحْمَتِهِ وكَرَمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ وصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الرَّحْمَةِ وهو كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى دَقِيقَةٍ وهي أنَّ ابْتِداءَ الخَلْقِ والإيجادِ كانَ لِأجْلِ الرَّحْمَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الخَتْمَ لا يَكُونُ إلّا عَلى الرَّحْمَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences