Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Qaf 50:33–37
50:33Page 519
مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ ٣٣
Who feared the Most Merciful in the unseen and came with a heart returning [in repentance].
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ وفِي”مَن“ وُجُوهٌ:
أحَدُها: وهو أغْرَبُها أنَّهُ مُنادى كَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ ادْخَلُوها بِسَلامٍ وحَذْفُ حَرْفِ النِّداءِ شائِعٌ.
وثانِيها: ”مَن“ بَدَلٌ عَنْ كُلٍّ في قَوْلِهِ تَعالى: (لِكُلِّ أوّابٍ) مِن غَيْرِ إعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ تَقْدِيرُهُ أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِمَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ.
ثالِثُها: في قَوْلِهِ تَعالى: (أوّابٍ حَفِيظٍ) مَوْصُوفٌ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَذْكُورٍ كَأنَّهُ يَقُولُ لِكُلِّ شَخْصٍ أوّابٍ أوْ عَبْدٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ بَدَلٌ عَنْ ذَلِكَ المَوْصُوفِ.
هَذِهِ وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ أوّابٍ أوْ حَفِيظٍ لِأنَّ ”أوّابٍ“ و”حَفِيظٍ“ قَدْ وُصِفَ بِهِ مَوْصُوفٌ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَذْكُورٍ كَما بَيَّناهُ، والبَدَلُ في حُكْمِ المُبْدَلِ مِنهُ، فَتَكُونُ ”مَن“ مَوْصُوفًا بِها ومَن لا يُوصَفُ بِها لا يُقالُ: الرَّجُلُ مَن جاءَنِي جالَسَنِي، كَما يُقالُ الرَّجُلُ الَّذِي جاءَنِي جالَسَنِي، هَذا تَمامُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، فَإنْ قالَ قائِلٌ إذا كانَ مَن والَّذِي يَشْتَرِكانِ في كَوْنِهِما مِنَ المَوْصُولاتِ فَلِماذا لا يَشْتَرِكانِ في جَوازِ الوَصْفِ بِهِما ؟ نَقُولُ: الأمْرُ مَعْقُولٌ نُبَيِّنُهُ في ”ما“، ومِنهُ يَتَبَيَّنُ الأمْرُ فِيهِ فَنَقُولُ: ما اسْمٌ مُبْهَمٌ يَقَعُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَمَفْهُومُهُ هو شَيْءٌ لَكِنَّ الشَّيْءَ هو أعَمَّ الأشْياءِ فَإنَّ الجَوْهَرَ شَيْءٌ والعَرَضَ شَيْءٌ والواجِبَ شَيْءٌ والمُمْكِنَ شَيْءٌ، والأعَمُّ قَبْلَ الأخَصِّ في الفَهْمِ لِأنَّكَ إذا رَأيْتَ مِنَ البُعْدِ شَبَحًا تَقُولُ أوَّلًا إنَّهُ شَيْءٌ ثُمَّ إذا ظَهَرَ لَكَ مِنهُ ما يَخْتَصُّ بِالنّاسِ تَقُولُ إنْسانٌ فَإذا بانَ ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرٌ قُلْتَ هو رَجُلٌ فَإذا وجَدْتَهُ ذا قُوَّةٍ تَقُولُ شُجاعٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فالأعَمُّ أعْرَفُ وهو قَبْلَ الأخَصِّ في الفَهْمِ فَمَفْهُومُ ما قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِأنَّ الصِّفَةَ بَعْدَ المَوْصُوفِ هَذا مِن حَيْثُ
صفحة ١٥٣
المَعْقُولُ، وأمّا مِن حَيْثُ النَّحْوِ فَلِأنَّ الحَقائِقَ لا يُوصَفُ بِها، فَلا يُقالُ جِسْمٌ رَجُلٌ جاءَنِي كَما يُقالُ جِسْمٌ ناطِقٌ جاءَنِي؛ لِأنَّ الوَصْفَ يَقُومُ بِالمَوْصُوفِ والحَقِيقَةَ تَقُومُ بِنَفْسِها لا بِغَيْرِها وكُلُّ ما يَقَعُ وصْفًا لِلْغَيْرِ يَكُونُ مَعْناهُ شَيْءٌ لَهُ كَذا، فَقَوْلُنا عالِمٌ مَعْناهُ شَيْءٌ لَهُ عِلْمٌ أوْ عالَمِيَّةٌ فَيَدْخُلُ في مَفْهُومِ الوَصْفِ شَيْءٌ مَعَ أمْرٍ آخَرَ وهو لَهُ كَذا لَكِنْ ما لِمُجَرَّدِ شَيْءٍ فَلا يُوجَدُ فِيهِ ما يَتِمُّ بِهِ الوَصْفُ وهو الأمْرُ الآخَرُ الَّذِي مَعْناهُ ذُو كَذا فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ صِفَةً وإذا بانَ القَوْلُ فَـ”مَن“ في العُقَلاءِ كَ ”ما“ في غَيْرِهِمْ وفِيهِمْ فَـ”مَن“ مَعْناهُ إنْسانٌ أوْ مَلِكٌ أوْ غَيْرُهُما مِنَ الحَقائِقِ العاقِلَةِ، والحَقائِقِ لا تَقَعُ صِفاتٍ، وأمّا الَّذِي يَقَعُ عَلى الحَقائِقِ والأوْصافِ ويَدْخُلُ في مَفْهُومِهِ تَعْرِيفٌ أكْثَرَ مِمّا يَدْخُلُ في مَجازِ الوَصْفِ بِ”ما“ دُونَ مَن.
وفِي الآيَةِ لَطائِفُ مَعْنَوِيَّةٌ:
الأوَّلُ: الخَشْيَةُ والخَوْفُ مَعْناهُما واحِدٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، لَكِنْ بَيْنَهُما فَرْقٌ وهو أنَّ الخَشْيَةَ مِن عَظَمَةِ المَخْشِيِّ، وذَلِكَ لِأنَّ تَرْكِيبَ حُرُوفِ خ ش ي في تَقالِيبِها يَلْزَمُهُ مَعْنى الهَيْبَةِ يُقالُ شَيْخٌ لِلسَّيِّدِ والرَّجُلِ الكَبِيرِ السِّنِّ وهم جَمِيعًا مَهِيبانِ، والخَوْفَ خَشْيَةٌ مِن ضَعْفِ الخاشِي وذَلِكَ لِأنَّ تَرْكِيبَ خ و ف في تَقالِيبِها يَدُلُّ عَلى الضَّعْفِ تَدُلُّ عَلَيْهِ الخِيفَةُ والخُفْيَةُ ولَوْلا قُرْبُ مَعْناهُما لَما ورَدَ في القُرْآنِ ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ [الأنعام: ٦٣] و﴿تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ والمَخْفِيُّ فِيهِ ضَعْفٌ كالخائِفِ إذا عَلِمْتَ هَذا تَبَيَّنَ لَكَ اللَّطِيفَةَ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ ذَكَرَ لَفْظَ الخَشْيَةِ حَيْثُ كانَ الخَوْفُ مِن عَظَمَةِ المَخْشِيِّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وقالَ: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] فَإنَّ الجَبَلَ لَيْسَ فِيهِ ضَعْفٌ يَكُونُ الخَوْفُ مِن ضَعْفِهِ، وإنَّما اللَّهُ عَظِيمٌ يَخْشاهُ كُلُّ قَوِيٍّ و﴿هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] مَعَ أنَّ المَلائِكَةَ أقْوِياءُ وقالَ تَعالى: ﴿وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] أيْ تَخافُهم إعْظامًا لَهم إذْ لا ضَعْفَ فِيكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وقالَ تَعالى: ﴿لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ [العنكبوت: ٣٣] أيْ لا تَخَفْ ضَعْفًا فَإنَّهم لا عَظَمَةَ لَهم وقالَ: (يَخافُونَ يَوْمًا) [ النُّورِ: ٣٧ ] حَيْثُ كانَ عَظَمَةُ اليَوْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَظَمَةِ اللَّهِ ضَعِيفَةً وقالَ: ﴿ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت: ٣٠] أيْ بِسَبَبٍ مَكْرُوهٍ يَلْحَقُكم مِنَ الآخِرَةِ فَإنَّ المَكْرُوهاتِ كُلَّها مَدْفُوعَةٌ عَنْكم، وقالَ تَعالى: ﴿خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١] وقالَ: ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] لِوَحْدَتِهِ وضَعْفِهِ وقالَ هارُونُ: (إنِّي خَشِيتُ) [طه: ٩٤] لِعَظَمَةِ مُوسى في عَيْنِ هارُونَ لا لِضَعْفٍ فِيهِ وقالَ: ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠] حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِضَعْفٍ فِيهِ، وحاصِلُ الكَلامِ أنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ اسْتِعْمالَ الخَشْيَةِ وجَدْتَها مُسْتَعْمَلَةً لِخَوْفٍ بِسَبَبِ عَظَمَةِ المَخْشِيِّ، وإذا نَظَرْتَ إلى اسْتِعْمالِ الخَوْفِ وجَدْتَهُ مُسْتَعْمَلًا لِخَشْيَةٍ مِن ضَعْفِ الخائِفِ، وهَذا في الأكْثَرِ ورُبَّما يَتَخَلَّفُ المُدَّعى عَنْهُ لَكِنَّ الكَثْرَةَ كافِيَةٌ.
الثّانِيَةُ: قالَ اللَّهُ تَعالى هَهُنا: ﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ مَعَ أنَّ وصْفَ الرَّحْمَةِ غالِبًا يُقابِلُ الخَشْيَةَ إشارَةً إلى مَدْحِ المُتَّقِي حَيْثُ لَمْ تَمْنَعْهُ الرَّحْمَةُ مِنَ الخَوْفِ بِسَبَبِ العَظَمَةِ، وقالَ تَعالى: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] إشارَةً إلى ذَمِّ الكافِرِ حَيْثُ لَمْ تَحْمِلْهُ الأُلُوهِيَّةُ الَّتِي تُنْبِئُ عَنْها لَفْظَةُ اللَّهِ وفِيها العَظَمَةُ عَلى خَوْفِهِ وقالَ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] لِأنَّ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ فَكانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الجاهِلَ لا يَخْشاهُ فَذَكَرَ ”اللَّهَ“ لِيُبَيِّنَ أنَّ عَدَمَ خَشْيَتِهِ مَعَ قِيامِ المُقْتَضى وعَدَمَ المانِعِ وهو الرَّحْمَةُ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في سُورَةِ يس ونَزِيدُ هَهُنا شَيْئًا آخَرَ، وهو أنْ نَقُولَ لَفْظَةُ ”الرَّحْمَنِ“ إشارَةٌ إلى مُقْتَضى لا إلى المانِعِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّحْمَنَ مَعْناهُ واهِبُ الوُجُودِ بِالخَلْقِ، والرَّحِيمُ واهِبُ البَقاءِ بِالرِّزْقِ وهو في الدُّنْيا رَحْمانٌ حَيْثُ أوْجَدَنا بِالرَّحْمَةِ، ورَحِيمٌ حَيْثُ أبْقى بِالرِّزْقِ، ولا يُقالُ لِغَيْرِهِ رَحِيمٌ لِأنَّ
صفحة ١٥٤
البَقاءَ بِالرِّزْقِ قَدْ يُظَنُّ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَأْتِي مِمَّنْ يُطْعِمُ المُضْطَرَّ، فَيُقالُ فُلانٌ هو الَّذِي أبْقى فُلانًا، وهو في الآخِرَةِ أيْضًا رَحْمانٌ حَيْثُ يُوجِدُنا، ورَحِيمٌ حَيْثُ يَرْزُقُنا، وذَكَرْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ حَيْثُ قُلْنا قالَ:”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ إشارَةً إلى كَوْنِهِ رَحْمانًا في الدُّنْيا حَيْثُ خَلَقَنا، رَحِيمًا في الدُّنْيا حَيْثُ رَزَقَنا رَحْمَةً ثُمَّ قالَ مَرَّةً أُخْرى بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتِحَةِ: ٢- ٣ ] أيْ هو رَحْمَنٌ مَرَّةً أُخْرى في الآخِرَةِ بِخَلْقِنا ثانِيًا، واسْتَدْلَلْنا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] أيْ يَخْلُقُنا ثانِيًا، ورَحِيمٌ يَرْزُقُنا ويَكُونُ هو المالِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَمَن يَكُونُ مِنهُ وُجُودُ الإنْسانِ لا يَكُونُ خَوْفُهُ خَشْيَةً مِن غَيْرِهِ، فَإنَّ القائِلَ يَقُولُ لِغَيْرِهِ أخافُ مِنكَ أنْ تَقْطَعَ رِزْقِي أوْ تُبَدِّلَ حَياتِي، فَإذا كانَ اللَّهُ تَعالى رَحْمانًا مِنهُ الوُجُودُ يَنْبَغِي أنْ يُخْشى، فَإنَّ مَن بِيَدِهِ الوُجُودُ بِيَدِهِ العَدَمُ، وقالَ ﷺ: «”خَشْيَةُ اللَّهِ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ“» وذَلِكَ لِأنَّ الحَكِيمَ إذا تَفَكَّرَ في غَيْرِ اللَّهِ وجَدَهُ مَحَلَّ التَّغَيُّرِ يَجُوزُ عَلَيْهِ العَدَمُ في كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ، ورُبَّما يُقَدِّرُ اللَّهُ عَدَمَهُ قَبْلَ أنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الإضْرارِ؛ لِأنَّ غَيْرَ اللَّهِ إنْ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ أنْ يَضُرَّ لا يَقْدِرُ عَلى الضَّرَرِ، وإنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ فَسَيَزُولُ الضَّرَرُ بِمَوْتِ المُعَذَّبِ أوِ المُعَذِّبِ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَلا رادَّ لِما أرادَ ولا آخِرَ لِعَذابِهِ، وقالَ تَعالى: (بِالغَيْبِ) أيْ كانَتْ خَشْيَتُهم قَبْلَ ظُهُورِ الأُمُورِ حَيْثُ تُرى رَأْيَ العَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ إشارَةٌ إلى صِفَةِ مَدْحٍ أُخْرى، وذَلِكَ لِأنَّ الخاشِيَ قَدْ يَهْرُبُ ويَتْرُكُ القُرْبَ مِنَ المَخْشِيِّ ولا يَنْتَفِعُ، وإذا عَلِمَ المَخْشِيُّ أنَّهُ تَحْتَ حُكْمِهِ تَعالى؛ عَلِمَ أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ الهَرَبُ، فَيَأْتِي المَخْشِيُّ وهو [ غَيْرُ ] خاشٍ فَقالَ: (وجاءَ) ولَمْ يَذْهَبْ كَما يَذْهَبُ الآبِقُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ الباءُ فِيهِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا ذَكَرْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩] .
أحَدُها: التَّعْدِيَةُ أيْ أحْضَرَ قَلْبًا سَلِيمًا، كَما يُقالُ ذَهَبَ بِهِ إذا أذْهَبَهُ.
ثانِيها: المُصاحَبَةُ يُقالُ: اشْتَرى فُلانٌ الفَرَسَ بِسَرْجِهِ أيْ مَعَ سَرْجِهِ، وجاءَ فُلانٌ بِأهْلِهِ أيْ مَعَ أهْلِهِ.
ثالِثُها: وهو أعْرَفُها الباءُ لِلسَّبَبِ يُقالُ: ما أخَذَ فُلانٌ إلّا بِقَوْلِ فُلانٍ وجاءَ بِالرَّجاءِ لَهُ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: جاءَ وما جاءَ إلّا بِسَبَبِ إنابَةٍ في قَلْبِهِ عَلِمَ أنَّهُ لا مَرْجِعَ إلّا إلى اللَّهِ فَجاءَ بِسَبَبِ قَلْبِهِ المُنِيبِ، والقَلْبُ المُنِيبُ كالقَلْبِ السَّلِيمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤] أيْ: سَلِيمٍ مِنَ الشِّرْكِ، ومَن سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ يَتْرُكُ غَيْرَ اللَّهِ ويَرْجِعُ إلى اللَّهِ فَكانَ مُنِيبًا، ومَن أنابَ إلى اللَّهِ بَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ فَكانَ سَلِيمًا.
50:34–35Page 519
ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُلُودِ ٣٤
Enter it in peace. This is the Day of Eternity."
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيۡنَا مَزِيدٞ ٣٥
They will have whatever they wish therein, and with Us is more.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ .
فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الجَنَّةِ الَّتِي في ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ﴾ أيْ لَمّا تَكامَلَ حُسْنُها وقُرْبُها وقِيلَ لَهم إنَّها مَنزِلُكم بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ أُذِنَ لَهم في دُخُولِها وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الخِطابُ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: إنْ قُرِئَ: ”ما تُوعَدُونَ“ بِالتّاءِ فَهو ظاهِرٌ إذْ لا يَخْفى أنَّ الخِطابَ مَعَ المَوْعُودِينَ، وإنْ قُرِئَ بِالياءِ فالخِطابُ مَعَ المُتَّقِينَ أيْ يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ ادْخُلُوها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلى الإذْنِ، وفِيهِ مِنَ الِانْتِظارِ ما لا يَلِيقُ بِالإكْرامِ، نَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ مَن دَعا مُكْرَمًا إلى بُسْتانِهِ يَفْتَحُ لَهُ البابَ ويَجْلِسُ في مَوْضِعِهِ، ولا يَقِفُ عَلى البابِ مَن
صفحة ١٥٥
يُرَحِّبُهُ، ويَقُولُ إذا بَلَغْتَ بُسْتانِي فادْخُلْهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ أحَدٌ يَكُونُ قَدْ أخَلَّ بِإكْرامِهِ بِخِلافِ مَن يَقِفُ عَلى بابِ قَوْمٍ يَقُولُونَ: ادْخُلْ بِاسْمِ اللَّهِ، يَدُلُّ عَلى الإكْرامِ قَوْلُهُ تَعالى: (بِسَلامٍ) كَما يَقُولُ المُضِيفُ: ادْخُلْ مُصاحَبًا بِالسَّلامَةِ والسَّعادَةِ والكَرامَةِ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ في مَعْنى الحالِ، أيْ سالِمِينَ مَقْرُونِينَ بِالسَّلامَةِ، أوْ مَعْناهُ ادْخُلُوها مُسَلَّمًا عَلَيْكم، ويُسَلِّمُ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ عَلَيْكم، ويَحْتَمِلُ عِنْدِي وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إرْشادًا لِلْمُؤْمِنِينَ إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ كَما أُرْشِدُوا إلَيْها في الدُّنْيا، حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النور: ٢٧] فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: هَذِهِ دارُكم ومَنزِلُكم، ولَكِنْ لا تَتْرُكُوا حَسَنَ عادَتِكم، ولا تُخِلُّوا بِمَكارِمِ أخْلاقِكم، فادْخُلُوها بِسَلامٍ، ويَصِيحُونَ سَلامًا عَلى مَن فِيها، ويُسَلِّمُ مِن فِيها عَلَيْهِمْ، ويَقُولُونَ: السَّلامُ عَلَيْكم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] أيْ يُسَلِّمُونَ عَلى مَن فِيها، ويُسَلِّمُ مَن فِيها عَلَيْهِمْ، وهَذا الوَجْهُ إنْ كانَ مَنقُولًا فَنِعْمَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَنقُولًا فَهو مُناسِبٌ مَعْقُولٌ أيَّدَهُ دَلِيلٌ مَنقُولٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ .
حَتّى لا يَدْخُلَ في قَلْبِهِمْ أنَّ ذَلِكَ رُبَّما يَنْقَطِعُ عَنْهم فَتَبْقى في قَلْبِهِمْ حَسْرَتُهُ، فَإنْ قِيلَ المُؤْمِنُ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ إذا دَخَلَ الجَنَّةَ خُلِّدَ فِيها، فَما الفائِدَةُ في التَّذْكِيرِ ؟ والجَوابُ: عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ قَوْلٌ قالَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا إعْلامًا وإخْبارًا، ولَيْسَ ذَلِكَ قَوْلًا يَقُولُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (ادْخُلُوها) فَكَأنَّهُ تَعالى أخْبَرَنا في يَوْمِنا أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ .
ثانِيهِما: اطْمِئْنانُ القَلْبِ بِالقَوْلِ أكْثَرُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ يَوْمُ تَقْدِيرِ الخُلُودِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ اليَوْمُ يُذَكَّرُ، ويُرادُ الزَّمانُ المُطْلَقُ سَواءٌ كانَ يَوْمًا أوْ لَيْلًا، نَقُولُ: يَوْمَ يُولَدُ لِفُلانٍ ابْنٌ يَكُونُ السُّرُورُ العَظِيمُ، ولَوْ وُلِدَ لَهُ بِاللَّيْلِ لَكانَ السُّرُورُ حاصِلًا، فَتُرِيدُ بِهِ الزَّمانَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ذَلِكَ زَمانٌ الإقامَةِ الدّائِمَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ .
وفِي الآيَةِ تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَدَأ بِبَيانِ إكْرامِهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: قُرِّبَ المُتَّقُونَ مِنَ الجَنَّةِ بَيانًا لِلْإكْرامِ حَيْثُ جَعَلَهم مِمَّنْ تُنْقَلُ إلَيْهِمُ الجِنانُ بِما فِيها مِنَ الحِسانِ، ثُمَّ قالَ لَهم هَذا لَكم، بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ أجْرُ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ قَوْلُهُ: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ فَإنَّ تَصَرُّفَ المالِكِ الَّذِي مَلَكَ شَيْئًا بِعِوَضٍ أتَمُّ فِيهِ مِن تَصَرُّفِ مَن مَلَكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، لِإمْكانِ الرُّجُوعِ في التَّمْلِيكِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، ثُمَّ زادَ في الإكْرامِ بِقَوْلِهِ: (ادْخُلُوها) كَما بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ إكْرامٌ؛ لِأنَّ مَن فَتَحَ بابَهُ لِلنّاسِ، ولَمْ يَقِفْ بِبابِهِ مَن يُرَحِّبُ الدّاخِلِينَ، لا يَكُونُ قَدْ أتى بِالإكْرامِ التّامِّ، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ أيْ لا تَخافُوا ما لَحِقَكم مِن قَبْلُ حَيْثُ أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنها، فَهَذا دُخُولٌ لا خُرُوجَ بَعْدَهُ مِنها.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنَّهم (فِيها خالِدُونَ) قالَ: لا تَخافُوا انْقِطاعَ أرْزاقِكم وبَقاءَكم في حاجَةٍ، كَما كُنْتُمْ في الدُّنْيا مَن كانَ يُعَمَّرُ يُنَكَّسُ ويَحْتاجُ، بَلْ لَكُمُ الخُلُودُ، ولا يَنْفَدُ ما تَتَمَتَّعُونَ بِهِ فَلَكم ما تَشاءُونَ في أيِّ وقْتٍ تَشاءُونَ، وإلى اللَّهِ المُنْتَهى، وعِنْدَ الوُصُولِ إلَيْهِ، والمُثُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلا يُوَصَفُ ما لَدَيْهِ، ولا يَطَّلِعُ أحَدٌ عَلَيْهِ، وعَظَمَةُ مَن عِنْدَهُ تَدُلُّكَ عَلى فَضِيلَةِ ما عِنْدَهُ، هَذا هو التَّرْتِيبُ، وأمّا التَّفْسِيرُ، فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
صفحة ١٥٦
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ تَعالى: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ عَلى سَبِيلِ المُخاطَبَةِ، ثُمَّ قالَ: (لَهم) ولَمْ يَقُلْ لَكم ما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ الجَوابُ: عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (ادْخُلُوها) مُقَدَّرٌ فِيهِ يُقالُ لَهم، أيْ يُقالُ لَهم: (ادْخُلُوها) فَلا يَكُونُ عَلى هَذا التِفاتًا.
الثّانِي: هو أنَّهُ مِن بابِ الِالتِفاتِ والحِكْمَةِ الجَمْعُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أكْرَمَهم بِهِ في حُضُورِهِمْ، فَفي حُضُورِهِمُ الحُبُورُ، وفي غَيْبَتِهِمُ الحُورُ والقُصُورُ.
والثّالِثُ: هو أنْ يُقالَ قَوْلُهُ تَعالى: (لَهم) جازَ أنْ يَكُونَ كَلامًا مَعَ المَلائِكَةِ، يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ: تَوَكَّلُوا بِخِدْمَتِهِمْ، واعْلَمُوا أنَّ لَهم ما يَشاءُونَ فِيها، فَأحْضِرُوا بَيْنَ أيْدِيهِمْ ما يَشاءُونَ، وأمّا أنا فَعِنْدِي ما لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ، ولا تَقْدِرُونَ أنْتُمْ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ لَفْظَ ﴿مَزِيدٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ الزِّيادَةَ، فَيَكُونُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ عِنْدِنا ما نَزِيدُهُ عَلى ما يَرْجُونَ وما يَكُونُ مِمّا يَشْتَهُونَ:
50:36–37Page 520
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا فَنَقَّبُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ ٣٦
And how many a generation before them did We destroy who were greater than them in [striking] power and had explored throughout the lands. Is there any place of escape?
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ ٣٧
Indeed in that is a reminder for whoever has a heart or who listens while he is present [in mind].
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ .
لَمّا أنْذَرَهم بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ اليَوْمِ العَظِيمِ والعَذابِ الألِيمِ، أنْذَرَهم بِما يُعَجَّلُ لَهم مِنَ العَذابِ المُهْلِكِ والإهْلاكِ المُدْرِكِ، وبَيَّنَ لَهم حالَ مَن تَقَدَّمَهم، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في مَواضِعَ، والَّذِي يَخْتَصُّ بِهَذا المَوْضِعِ أُمُورٌ:
أحَدُها: إذا كانَ ذَلِكَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الإنْذارِ بِالعَذابِ العاجِلِ والعِقابِ الآجِلِ، فَلِمَ تَوَسَّطَهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ ؟ نَقُولُ لِيَكُونَ ذَلِكَ دُعاءً بِالخَوْفِ والطَّمَعِ، فَذَكَرَ حالَ الكَفُورِ المُعانِدِ، وحالَ الشَّكُورِ العابِدِ في الآخِرَةِ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِنَ العَذابِ الأبَدِيِّ الدّائِمِ، فَما أنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ العَذابِ العاجِلِ المُهْلِكِ الَّذِي أهْلَكَ أمْثالَكم، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ في العاجِلَةِ، كَما جَمَعَ بَيْنَهُما في الآجِلَةِ، ولَمْ يَذْكُرْ حالَ مَن أسْلَمَ مِن قَبْلُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ، كَما ذَكَرَ حالَ مَن أشْرَكَ بِهِ فَأهْلَكَهُ، نَقُولُ: لِأنَّ النِّعْمَةَ كانَتْ قَدْ وصَلَتْ إلَيْهِمْ، وكانُوا مُتَقَلِّبِينَ في النِّعَمِ، فَلَمْ يَذْكُرْهم بِهِ، وإنَّما كانُوا غافِلِينَ عَنِ الهَلاكِ فَأنْذَرَهم بِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ، فَكانُوا غافِلِينَ عَنِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، فَأخْبَرَهم بِهِما.
الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ .
فِي مَعْناهُ وُجُوهٌ:
أحَدُها: هو ما قالَهُ تَعالى في حَقِّ ثَمُودَ: ﴿الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِي﴾ [الفجر: ٩] مِن قُوَّتِهِمْ خَرَقُوا الطُّرُقَ ونَقَبُوها، وقَطَعُوا الصُّخُورَ وثَقَبُوها.
ثانِيها: نَقَبُوا، أيْ سارُوا في الأسْفارِ ولَمْ يَجِدُوا مَلْجَأً ومَهْرَبًا، وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أهْلَ مَكَّةَ، أيْ هم سارُوا في الأسْفارِ، ورَأوْا ما فِيها مِنَ الآثارِ.
ثالِثُها: ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ أيْ صارُوا نُقَباءَ في الأرْضِ أرادَ ما أفادَهم بَطْشُهم وقُوَّتُهم، ويَدُلُّ عَلى هَذا الفاءُ؛ لِأنَّها تَصِيرُ حِينَئِذٍ مُفِيدَةً تَرَتُّبَ الأمْرِ عَلى مُقْتَضاهُ، تَقُولُ كانَ زَيْدٌ أقْوى مِن عَمْرٍو فَغَلَبَهُ، وكانَ عَمْرٌو مَرِيضًا
صفحة ١٥٧
فَغَلَبَهُ زَيْدٌ، كَذَلِكَ هَهُنا قالَ تَعالى: ﴿هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ فَصارُوا نُقَباءَ في الأرْضِ، وقُرِئَ: ﴿فَنَقَّبُوا﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا في الوَجْهِ الثّالِثِ؛ لِأنَّ التَّنْقِيبَ البَحْثُ، وهو مِن نَقُبَ بِمَعْنى صارَ نَقِيبًا.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ .
يَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلاثَةً:
الأوَّلُ: عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ هو مَفْعُولٌ، أيْ بَحَثُوا عَنِ المَحِيصِ ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ .
الثّانِي: عَلى القِراءاتِ جَمِيعًا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ أيْ لَمْ يَكُنْ لَهم مَحِيصٌ.
الثّالِثُ: هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِقَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ هم أُهْلِكُوا مَعَ قُوَّةِ بَطْشِهِمْ ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ لَكم تَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ ”والمَحِيصُ“ كالمَحِيدِ غَيْرَ أنْ ”المَحِيصَ“ مَعْدَلٌ ومَهْرَبٌ عَنِ الشِّدَّةِ، يَدُلُّكَ عَلَيْهِ قَوْلُهم وقَعُوا في حَيْصَ بَيْصَ أيْ في شِدَّةٍ وضِيقٍ، والمَحِيدُ مَعْدَلٌ، وإنْ كانَ لَهم بِالِاخْتِيارِ يُقالُ حادَ عَنِ الطَّرِيقِ نَظَرًا، ولا يُقالُ حاصَ عَنِ الأمْرِ نَظَرًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ .
الإشارَةُ إلى الإهْلاكِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ هو إشارَةٌ إلى ما قالَهُ مِن إزْلافِ الجَنَّةِ ومَلْءِ جَهَنَّمَ وغَيْرِهِما، والذِّكْرى اسْمُ مَصْدَرٍ هو التَّذَكُّرُ والتَّذْكِرَةُ وهي في نَفْسِها مَصْدَرُ ذَكَرَهُ يَذْكُرُهُ ذِكْرًا وذِكْرى وقَوْلَهُ ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ قِيلَ: المُرادُ قَلْبٌ مَوْصُوفٌ بِالوَعْيِ، أيْ ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ واعٍ يُقالُ لِفُلانٍ مالٌ أيْ كَثِيرٌ فالتَّنْكِيرُ يَدُلُّ عَلى مَعْنًى في الكَمالِ، والأوْلى أنْ يُقالَ هو لِبَيانِ وُضُوحِ الأمْرِ بَعْدَ الذِّكْرِ وأنْ لا خَفاءَ فِيهِ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ ما ولَوْ كانَ غَيْرَ كامِلٍ، كَما يُقالُ أعْطِهِ شَيْئًا ولَوْ كانَ دِرْهَمًا، ونَقُولُ الجَنَّةُ لِمَن عَمِلَ خَيْرًا ولَوْ حَسَنَةً، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ في ذَلِكَ لِذِكْرى لِمَن يَصِحُّ أنْ يُقالَ ﴿لَهُ قَلْبٌ﴾ وحِينَئِذٍ فَمَن لا يَتَذَكَّرُ لا قَلْبَ لَهُ أصْلًا. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] حَيْثُ لَمْ تَكُنْ آذانُهم وألْسِنَتُهم وأعْيُنُهم مُفِيدَةً لِما يُطْلَبُ مِنها كَذَلِكَ مَن لا يَتَذَكَّرُ كَأنَّهُ لا قَلْبَ لَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] أيْ هم كالجَمادِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] أيْ لَهم صُوَرٌ ولَيْسَ لَهم قَلْبٌ لِلذِّكْرِ ولا لِسانٌ لِلشُّكْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ أيِ اسْتَمَعَ وإلْقاءُ السَّمْعِ كِنايَةٌ في الِاسْتِماعِ؛ لِأنَّ مَن لا يَسْمَعُ فَكَأنَّهُ حَفِظَ سَمْعَهُ وأمْسَكَهُ فَإذا أرْسَلَهُ حَصَلَ الِاسْتِماعُ، فَإنْ قِيلَ عَلى قَوْلِ مَن قالَ التَّنْكِيرُ في القَلْبِ لِلتَّكْثِيرِ يَظْهَرُ حُسْنُ تَرْتِيبٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ يَصِيرُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّ في ذَلِكَ لِذِكْرى لِمَن كانَ ذا قَلْبٍ واعٍ ذَكِيٍّ يَسْتَخْرِجُ الأُمُورَ بِذَكائِهِ أوْ ألْقى السَّمْعَ ويَسْتَمِعُ مِنَ المُنْذِرِ فَيَتَذَكَّرُ، وأمّا عَلى قَوْلِكَ المُرادُ مَن صَحَّ أنَّ يُقالَ (لَهُ قَلْبٌ) ولَوْ كانَ غَيْرَ واعٍ لا يَظْهَرُ هَذا الحُسْنَ، نَقُولُ عَلى ما ذَكَرْنا رُبَّما يَكُونُ التَّرْتِيبُ أحْسَنَ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّقْدِيرَ يَصِيرُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: فِيهِ ذِكْرى لِكُلِّ مَن كانَ لَهُ قَلْبٌ ذَكِيٌّ يَسْتَمِعُ ويَتَعَلَّمُ ونَحْنُ نَقُولُ التَّرْتِيبُ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى كَأنَّهُ يَقُولُ: فِيهِ ذِكْرى لِكُلِّ واحِدٍ كَيْفَ كانَ لَهُ قَلْبٌ لِظُهُورِ الأمْرِ، فَإنْ كانَ لا يَحْصُلُ لِكُلِّ أحَدٍ فَلِمَن يَسْتَمِعُ حاصِلٌ ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ أوِ اسْتَمَعَ لِأنَّ الِاسْتِماعَ يُنْبِئُ عَنْ طَلَبٍ زائِدٍ، وأمّا إلْقاءُ السَّمْعِ فَمَعْناهُ أنَّ الذِّكْرى حاصِلَةٌ لِمَن لا يُمْسِكُ سَمْعَهُ بَلْ يُرْسِلُهُ إرْسالًا، وإنْ لَمْ يَقْصِدِ السَّماعَ كالسّامِعِ في الصَّوْتِ الهائِلِ، فَإنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ مُجَرَّدِ فَتْحِ الأُذُنِ وإنْ لَمْ يَقْصِدِ السَّماعَ، والصَّوْتُ الخَفِيُّ لا يُسْمَعُ إلّا بِاسْتِماعٍ وتَطَلُّبٍ، فَنَقُولُ: الذِّكْرى حاصِلَةٌ لِمَن كانَ
صفحة ١٥٨
لَهُ قَلْبٌ كَيْفَ كانَ قَلْبُهُ لِظُهُورِها فَإنْ لَمْ تَحْصُلْ فَلِمَن لَهُ أُذُنٌ غَيْرُ مَسْدُودَةٍ كَيْفَ كانَ حالُهُ سَواءٌ اسْتَمَعَ بِاجْتِهادِهِ أوْ لَمْ يَجْتَهِدْ في سَماعِهِ، فَإنْ قِيلَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ لِلْحالِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ إلْقاءَ السَّمْعِ بِمُجَرَّدِهِ غَيْرُ كافٍ، نَقُولُ هَذا يُصَحِّحُ ما ذَكَرْناهُ لِأنّا قُلْنا بِأنَّ الذِّكْرى حاصِلَةٌ لِمَن لَهُ قَلْبٌ ما، فَإنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ فَتَحْصُلْ لَهُ إذا ألْقى السَّمْعَ وهو حاضِرٌ بِبالِهِ مِنَ القَلْبِ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَمَعْناهُ مَن لَيْسَ لَهُ قَلْبٌ واعٍ، يَحْصُلُ لَهُ الذِّكْرُ إذا ألْقى السَّمْعَ وهو حاضِرٌ بِقَلْبِهِ فَيَكُونُ عِنْدَ الحُضُورِ بِقَلْبِهِ يَكُونُ لَهُ قَلْبٌ واعٍ، وقَدْ فُرِضَ عَدَمُهُ هَذا إذا قُلْنا بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ بِمَعْنى الحالِ، وإذا لَمْ نَقُلْ بِهِ فَلا يُرَدُّ ما ذُكِرَ وهو يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ، بَيانُهُ هو أنْ يُقالَ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ وتَقْرِيرُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ق: ١ -٢] وذَكَرَ ما يَدْفَعُ تَعَجُّبَهم وبَيَّنَ كَوْنَهُ مُنْذِرًا صادِقًا وكَوْنَ الحَشْرِ أمْرًا واقِعًا ورَغَّبَ وأرْهَبَ بِالثَّوابِ والعَذابِ آجِلًا وعاجِلًا وأتَمَّ الكَلامَ قالَ: (إنَّ في ذَلِكَ) أيِ القُرْآنِ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ: ﴿لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أوْ لِمَن يَسْتَمِعُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيِ المُنْذِرُ الَّذِي تَعَجَّبْتُمْ مِنهُ شَهِيدٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ [الفتح: ٨] وقالَ تَعالى: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences