Ar-RaziQaf · 50:9–20

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Qaf 50:9–20

50:9–11Page 518

وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٩

And We have sent down blessed rain from the sky and made grow thereby gardens and grain from the harvest

وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ١٠

And lofty palm trees having fruit arranged in layers -

رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ ١١

As provision for the servants, and We have given life thereby to a dead land. Thus is the emergence [i.e., resurrection].

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ .

إشارَةً إلى دَلِيلٍ آخَرَ وهو ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَيَكُونُ الِاسْتِدْلالُ بِالسَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، وذَلِكَ إنْزالُ [ الماءِ مِن ] السَّماءِ مِن فَوْقُ، وإخْراجُ النَّباتِ مِن تَحْتُ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا الِاسْتِدْلالُ قَدْ تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ فَما الفائِدَةُ في إعادَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ: (فَأنْبَتْنا) اسْتِدْلالٌ بِنَفْسِ النَّباتِ أيِ الأشْجارِ تَنْمُو وتَزِيدُ، فَكَذَلِكَ بَدَنُ الإنْسانِ بَعْدَ المَوْتِ يَنْمُو ويَزِيدُ بِأنْ يُرْجِعَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ قُوَّةَ النُّشُوءِ والنَّماءِ كَما يُعِيدُها إلى الأشْجارِ بِواسِطَةِ ماءِ السَّماءِ ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وحَبَّ الزَّرْعِ الحَصِيدِ، وهو المَحْصُودُ، أيْ

صفحة ١٣٦

أنْشَأْنا جَنّاتٍ يُقْطَفُ ثِمارُها وأُصُولُها باقِيَةٌ، وزَرْعًا يُحْصَدُ كُلَّ سَنَةٍ ويُزْرَعُ في كُلِّ عامٍ أوْ عامَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: التَّقْدِيرُ: ونُنْبِتُ الحَبَّ الحَصِيدَ، والأوَّلُ هو المُخْتارُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ إشارَةٌ إلى المُخْتَلِطِ مِن جِنْسَيْنِ؛ لِأنَّ الجَنّاتِ تُقْطَفُ ثِمارُها وتُثْمِرُ مِن غَيْرِ زِراعَةٍ كُلَّ سَنَةٍ، لَكِنَّ النَّخْلَ يُؤَبَّرُ، ولَوْلا التَّأْبِيرُ لَمْ

يُثْمِرْ، فَهو جِنْسٌ مُخْتَلِطٌ مِنَ الزَّرْعِ والشَّجَرِ، وخُلِقَ المُرَكَّبُ مِن جِنْسَيْنِ في الأثْمارِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الثِّمارِ فاكِهَةً ولا قُوتَ فِيهِ، وأكْثَرُ الزَّرْعِ قُوتٌ والثَّمَرُ فاكِهَةٌ وقُوتٌ، والباسِقاتُ الطِّوالُ مِنَ النَّخِيلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿باسِقاتٍ﴾ يُؤَكِّدُ كَمالَ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ الزَّرْعَ إنْ قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقْطَفَ مِن ثَمَرَتِهِ لِضَعْفِهِ وضَعْفِ حَجْمِهِ، فَكَذَلِكَ يَحْتاجُ إلى إعادَتِهِ كُلَّ سَنَةٍ، والجَنّاتُ لِكِبَرِها وقُوَّتِها تَبْقى وتُثْمِرُ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ، فَيُقالُ: ألَيْسَ النَّخْلُ الباسِقاتُ أكْثَرَ وأقْوى مِنَ الكَرْمِ الضَّعِيفِ، والنَّخْلُ مُحْتاجَةٌ كُلَّ سَنَةٍ إلى عَمَلِ عامِلٍ، والكَرْمُ غَيْرُ مُحْتاجٍ، فاللَّهُ تَعالى هو الَّذِي قَدَّرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ لا لِلْكِبَرِ والصِّغَرِ والطُّولِ والقِصَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أيْ مَنضُودٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ في أكْمامِها في سُنْبُلِهِ الزَّرْعُ وهو عَجِيبٌ، فَإنَّ الأشْجارَ الطِّوالَ أثْمارُها بارِزُها مُتَمَيِّزٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، لِكُلِّ واحِدٍ مِنها أصْلٌ يَخْرُجُ مِنهُ كالجَوْزِ واللَّوْزِ وغَيْرِهِما، والطَّلْعُ كالسُّنْبُلَةِ الواحِدَةِ يَكُونُ عَلى أصْلٍ واحِدٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ الإنْباتَ رِزْقٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: أنْبَتْناها لِلْعِبادِ.

والثّانِي: نَصْبٌ عَلى كَوْنِهِ مَفْعُولًا لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: أنْبَتْناها لِرِزْقِ العِبادِ، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ: ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى﴾ وفي الثِّمارِ قالَ: (رِزْقًا) والثِّمارُ أيْضًا فِيها تَبْصِرَةٌ، وفي السَّماءِ والأرْضِ أيْضًا مَنفَعَةٌ غَيْرُ التَّبْصِرَةِ والتَّذْكِرَةِ، فَما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ الأمْرَيْنِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ، أحَدُها: أنْ نَقُولَ: الِاسْتِدْلالُ وقَعَ لِوُجُودِ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما الإعادَةُ.

والثّانِي البَقاءُ بَعْدَ الإعادَةِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُخْبِرُهم بِحَشْرٍ وجَمْعٍ يَكُونُ بَعْدَهُ الثَّوابُ الدّائِمُ والعِقابُ الدّائِمُ، وأنْكَرُوا ذَلِكَ، فَأمّا الأوَّلُ فاللَّهُ القادِرُ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ قادِرٌ عَلى خَلْقِ الخَلْقِ بَعْدَ الفَناءِ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ البَقاءَ في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ، والقادِرُ عَلى إخْراجِ الأرْزاقِ مِنَ النَّجْمِ والشَّجَرِ قادِرٌ عَلى أنْ يَرْزُقَ العَبْدَ في الجَنَّةِ ويَبْقى، فَكَأنَّ الأوَّلَ تَبْصِرَةٌ وتَذْكِرَةٌ بِالخَلْقِ، والثّانِي تَذْكِرَةٌ بِالبَقاءِ بِالرِّزْقِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا الفَصْلِ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى﴾ حَيْثُ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ الآيَتَيْنِ، ثُمَّ بَدَأ بِذِكْرِ الماءِ وإنْزالِهِ وإنْباتِهِ النَّباتَ.

ثانِيها: أنَّ مَنفَعَةَ الثِّمارِ الظّاهِرَةِ هي الرِّزْقُ، فَذَكَرَها، ومَنفَعَةَ السَّماءِ الظّاهِرَةِ لَيْسَتْ أمْرًا عائِدًا إلى انْتِفاعِ العِبادِ لِبُعْدِها عَنْ ذِهْنِهِمْ، حَتّى أنَّهم لَوْ تَوَهَّمُوا عَدَمَ الزَّرْعِ والثَّمَرِ لَظَنُّوا أنْ يَهْلَكُوا، ولَوْ تَوَهَّمُوا عَدَمَ السَّماءِ فَوْقَهم لَقالُوا: لا يَضُرُّنا ذَلِكَ مَعَ أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ أوْلى؛ لِأنَّ السَّماءَ سَبَبُ الأرْزاقِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وفِيها غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ، والثِّمارُ وإنْ لَمْ تَكُنْ [ ما ] كانَ العَيْشُ، كَما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى قَوْمٍ المَنَّ والسَّلْوى وعَلى قَوْمٍ المائِدَةَ مِنَ السَّماءِ، فَذَكَرَ الأظْهَرَ لِلنّاسِ في هَذا المَوْضِعِ، ثالِثُها: قَوْلُهُ: (رِزْقًا) إشارَةٌ إلى كَوْنِهِ مُنْعِمًا لِكَوْنِ تَكْذِيبِهِمْ في غايَةِ القُبْحِ، فَإنَّهُ يَكُونُ إشارَةً [ لِلتَّكْذِيبِ ] بِالمُنْعِمِ، وهو أقْبَحُ ما يَكُونُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ فَقَيَّدَ العَبْدَ بِكَوْنِهِ مُنِيبًا وجَعَلَ خَلْقَها ﴿تَبْصِرَةً﴾ لِعِبادِهِ المُخْلِصِينَ، وقالَ: ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ مُطْلَقًا؛ لِأنَّ الرِّزْقَ حَصَلَ لِكُلِّ أحَدٍ، غَيْرَ أنَّ المُنِيبَ يَأْكُلُ ذاكِرًا شاكِرًا لِلْإنْعامِ، وغَيْرَهُ يَأْكُلُ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ فَلَمْ يُخَصِّصِ الرِّزْقَ بِقَيْدٍ.

صفحة ١٣٧

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورًا ثَلاثَةً أيْضًا وهي: إنْباتُ الجَنّاتِ والحَبِّ والنَّخِيلِ، كَما ذَكَرَ في السَّماءِ والأرْضِ في كُلِّ واحِدَةٍ أُمُورًا ثَلاثَةً، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ في الآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ مُتَناسِبَةٌ، فَهَلْ هي كَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ ؟ نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ الأُمُورَ الثَّلاثَةَ إشارَةٌ إلى الأجْناسِ الثَّلاثَةِ، وهي الَّتِي يَبْقى أصْلُها سِنِينَ، ولا تَحْتاجُ إلى عَمَلِ عامِلٍ، والَّتِي لا يَبْقى أصْلُها وتَحْتاجُ كُلَّ سَنَةٍ إلى عَمَلِ عامِلٍ، والَّتِي يَجْتَمِعُ فِيها الأمْرانِ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الثِّمارِ والزُّرُوعِ خارِجًا عَنْهُ أصْلًا، كَما أنَّ أُمُورَ الأرْضِ مُنْحَصِرَةٌ في ثَلاثَةٍ: ابْتِداءٌ وهو المَدُّ، ووَسَطٌ وهو النَّباتُ بِالجِبالِ الرّاسِيَةِ، وثالِثُها هو غايَةُ الكَمالِ وهو الإنْباتُ والتَّزْيِينُ بِالزَّخارِفِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ عَطْفًا عَلى (أنْبَتْنا بِهِ) وفِيهِ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: إنْ قُلْنا: إنَّ الِاسْتِدْلالَ بِإنْباتِ الزَّرْعِ وإنْزالِ الماءِ كانَ لِإمْكانِ البَقاءِ بِالرِّزْقِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ دَلِيلٌ عَلى الإعادَةِ كَما أنَّهُ دَلِيلٌ عَلى البَقاءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُكَ اسْتِدْلالًا وإنْزالُ الماءِ كانَ لِبَيانِ البَقاءِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ وقالَ: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ فَيَكُونُ الِاسْتِدْلالُ عَلى البَقاءِ قَبْلَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الإحْياءِ، والإحْياءُ سابِقٌ عَلى الإبْقاءِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُبَيِّنَ أوَّلًا أنَّهُ يُحْيِي المَوْتى ثُمَّ يُبَيِّنَ أنَّهُ يُبْقِيهِمْ ؟

نَقُولُ: لَمّا كانَ الِاسْتِدْلالُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ عَلى الإعادَةِ كافِيًا بَعْدَ ذِكْرِ دَلِيلِ الإحْياءِ، ذَكَرَ دَلِيلَ الإبْقاءِ، ثُمَّ عادَ واسْتَدْرَكَ فَقالَ: هَذا الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى الإبْقاءِ دالٌّ عَلى الإحْياءِ، وهو غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْهِ؛ لِسَبْقِ دَلِيلَيْنِ قاطِعَيْنِ، فَبَدَأ بِبَيانِ البَقاءِ وقالَ: ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ ثُمَّ ثَنّى بِإعادَةِ ذِكْرِ الإحْياءِ فَقالَ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ﴾ وإنْ قُلْنا: إنَّ الِاسْتِدْلالَ بِإنْزالِ الماءِ وإنْباتِ الزَّرْعِ لا لِبَيانِ إمْكانِ الحَشْرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ﴾ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِقَوْلِهِ: (فَأنْبَتْنا بِهِ) بِخِلافِ ما لَوْ قُلْنا بِالقَوْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ الإحْياءَ وإنْ كانَ غَيْرَ الإنْباتِ لَكِنَّ الِاسْتِدْلالَ لَمّا كانَ بِهِ عَلى أمْرَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ جازَ العَطْفُ، تَقُولُ: خَرَجَ لِلتِّجارَةِ وخَرَجَ لِلزِّيارَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: خَرَجَ لِلتِّجارَةِ وذَهَبَ لِلتِّجارَةِ إلّا إذا كانَ الذَّهابُ غَيْرَ الخُرُوجِ، فَنَقُولُ: الإحْياءُ غَيْرُ إنْباتِ الرِّزْقِ؛ لِأنَّ بِإنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ يَخْضَرُّ وجْهُ الأرْضِ ويَخْرُجُ مِنها أنْواعٌ مِنَ الأزْهارِ، ولا يُتَغَذّى بِهِ ولا يُقْتاتُ، وإنَّما يَكُونُ بِهِ زِينَةُ وجْهِ الأرْضِ، وهو أعَمُّ مِنَ الزَّرْعِ والشَّجَرِ؛ لِأنَّهُ يُوجَدُ في كُلِّ مَكانٍ، والزَّرْعُ والثَّمَرُ لا يُوجَدانِ في كُلِّ مَكانٍ، فَكَذَلِكَ هَذا الإحْياءُ، فَإنْ قِيلَ: فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَدَّمَ في الذِّكْرِ لِأنَّ اخْضِرارَ وجْهِ الأرْضِ يَكُونُ قَبْلَ حُصُولِ الزَّرْعِ والثَّمَرِ؛ ولِأنَّهُ يُوجَدُ في كُلِّ مَكانٍ بِخِلافِ الزَّرْعِ والثَّمَرِ، نَقُولُ: لَمّا كانَ إنْباتُ الزَّرْعِ والثَّمَرِ أكْمَلَ نِعْمَةً قَدَّمَهُ في الذِّكْرِ.

الثّانِي: في قَوْلِهِ: ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ نَقُولُ: جازَ إثْباتُ التّاءِ في المَيْتِ وحَذْفُها عِنْدَ وصْفِ المُؤَنَّثِ بِها؛ لِأنَّ المَيْتَ تَخْفِيفٌ لِلْمَيِّتِ، والمَيِّتُ فَيْعِلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، فَيَجُوزُ فِيهِ إثْباتُ التّاءِ؛ لِأنَّ التَّسْوِيَةَ في الفَعِيلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] فَإنْ قِيلَ: لِمَ سَوّى بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ في الفَعِيلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ الحاجَةَ إلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ أشَدُّ مِنَ الحاجَةِ إلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ المَفْعُولِ المُذَكَّرِ والمَفْعُولِ المُؤَنَّثِ نَظَرًا إلى المَعْنى ونَظَرًا إلى اللَّفْظِ، فَأمّا المَعْنى فَظاهِرٌ، وأمّا اللَّفْظُ فَلِأنَّ المُخالَفَةَ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ لَهُ، إذا عُلِمَ هَذا فَنَقُولُ: في الفَعِيلِ لَمْ يَتَمَيَّزِ الفاعِلُ بِحَرْفٍ، فَإنَّ فَعِيلًا جاءَ بِمَعْنى الفاعِلِ كالنَّصِيرِ والبَصِيرِ، وبِمَعْنى المَفْعُولِ كالكَسِيرِ والأسِيرِ، ولا يَتَمَيَّزُ بِحَرْفٍ عِنْدَ المُخالَفَةِ إلّا الأقْوى، فَلا يَتَمَيَّزُ عِنْدَ المُخالَفَةِ الأدْنى، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ فَعِيلًا وُضِعَ لِمَعْنًى لَفْظِيٍّ، والمَفْعُولَ وُضِعَ لِمَعْنًى حَقِيقِيٍّ

صفحة ١٣٨

فَكَأنَّ القائِلَ قالَ: اسْتَعْمَلُوا لَفْظَ المَفْعُولِ لِلْمَعْنى الفُلانِيِّ، واسْتَعْمَلُوا لَفْظَ الفَعِيلِ مَكانَ لَفْظِ المَفْعُولِ، فَصارَ فَعِيلٌ كالمَوْضُوعِ لِلْمَفْعُولِ، والمَفْعُولُ كالمَوْضُوعِ لِلْمَعْنى، ولَمّا كانَ تَغَيُّرُ اللَّفْظِ تابِعًا لِتَغَيُّرِ المَعْنى تَغَيَّرَ المَفْعُولُ لِكَوْنِهِ بِإزاءِ المَعْنى، ولَمْ يَتَغَيَّرِ الفَعِيلُ لِكَوْنِهِ بِإزاءِ اللَّفْظِ في أوَّلِ الأمْرِ، فَإنْ قِيلَ: فَما الفَرْقُ بَيْنَ هَذا المَوْضِعِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ [يس: ٣٣] حَيْثُ أثْبَتَ التّاءَ هُناكَ ؟ نَقُولُ: الأرْضُ أرادَ بِها الوَصْفَ فَقالَ: ﴿الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ لِأنَّ مَعْنى الفاعِلِيَّةِ ظاهِرٌ هُناكَ، والبَلْدَةُ الأصْلُ فِيها الحَياةُ؛ لِأنَّ الأرْضَ إذا صارَتْ حَيَّةً صارَتْ آهِلَةً، وأقامَ بِها النّاسُ وعَمَّرُوها، فَصارَتْ بَلْدَةً فَأسْقَطَ التّاءَ؛ لِأنَّ مَعْنى الفاعِلِيَّةِ ثَبَتَ فِيها، والَّذِي بِمَعْنى الفاعِلِ لا يَثْبُتُ فِيهِ التّاءُ، وتَحْقِيقُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ [سبأ: ١٥] حَيْثُ أثْبَتَ التّاءَ حَيْثُ ظَهَرَ بِمَعْنى الفاعِلِ، ولَمْ يَثْبُتْ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ، وهَذا بَحْثٌ عَزِيزٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ أيْ كالإحْياءِ (الخُرُوجُ) فَإنْ قِيلَ: الإحْياءُ يُشَبَّهُ بِهِ الإخْراجُ لا الخُرُوجُ، فَنَقُولُ: تَقْدِيرُهُ: أحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا فَتَشَقَّقَتْ وخَرَجَ مِنها النَّباتُ كَذَلِكَ تَشَقَّقُ ويَخْرُجُ مِنها الأمْواتُ، وهَذا يُؤَكِّدُ قَوْلَنا: الرَّجْعُ بِمَعْنى الرُّجُوعِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهم ما اسْتَبْعَدُوهُ فَلَوِ اسْتَبْعَدُوا الرَّجْعَ الَّذِي هو مِنَ المُتَعَدِّي لَناسَبَ أنْ يَقُولَ: كَذَلِكَ الإخْراجُ، ولَمّا قالَ: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ فُهِمَ أنَّهم أنْكَرُوا الرُّجُوعَ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ نَقُولُ: فِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ عَلى القَوْلِ الآخَرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا الرَّجْعَ الَّذِي هو مِنَ المُتَعَدِّي بِمَعْنى الإخْراجِ، واللَّهُ تَعالى أثْبَتَ الخُرُوجَ، وفِيهِما مُبالِغَةٌ تَنْبِيهًا عَلى بَلاغَةِ القُرْآنِ مَعَ أنَّها مُسْتَغْنِيَةٌ عَنِ البَيانِ، ووَجْهُها هو أنَّ الرَّجْعَ والإخْراجَ كالسَّبَبِ لِلرُّجُوعِ والخُرُوجِ، والسَّبَبُ إذا انْتَفى يَنْتَفِي المُسَبَّبُ جَزْمًا، وإذا وُجِدَ قَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ المُسَبَّبُ لِمانِعٍ، تَقُولُ: كَسَرْتُهُ فَلَمْ يَنْكَسِرْ، وإنْ كانَ مَجازًا والمُسَبَّبُ إذا وُجِدَ فَقَدْ وُجِدَ سَبَبُهُ، وإذا انْتَفى لا يَنْتَفِي السَّبَبُ؛ لِما تَقَدَّمَ، إذا عُلِمَ هَذا فَهم أنْكَرُوا وُجُودَ السَّبَبِ ونَفَوْهُ، ويَنْتَفِي المُسَبَّبُ عِنْدَ انْتِفائِهِ جَزْمًا فَبالَغُوا وأنْكَرُوا الأمْرَ جَمِيعًا؛ لِأنَّ نَفْيَ السَّبَبِ نَفْيُ المُسَبَّبِ، فَأثْبَتَ اللَّهُ الأمْرَيْنِ بِالخُرُوجِ كَما نَفُوا الأمْرَيْنِ جَمِيعًا بِنَفْيِ الإخْراجِ.

50:12–15Page 518

كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢

The people of Noah denied before them,1 and the companions of the well2 and Thamūd

وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ ١٣

And ʿAad and Pharaoh and the brothers [i.e., people] of Lot

وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤

And the companions of the thicket and the people of Tubbaʿ. All denied the messengers, so My threat was justly fulfilled.

أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٥

Did We fail in the first creation? But they are in confusion over a new creation.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ وإخْوانُ لُوطٍ﴾ ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ .

ذَكَرَ المُكَذِّبِينَ تَذْكِيرًا لَهم بِحالِهِمْ ووَبالِهِمْ، وأنْذَرَهم بِإهْلاكِهِمْ واسْتِئْصالِهِمْ، وتَفْسِيرُهُ ظاهِرٌ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وتَنْبِيهٌ بِأنَّ حالَهُ كَحالِ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ، كُذِّبُوا وصَبَرُوا فَأهْلَكَ اللَّهُ مُكَذِّبِيهِمْ ونَصَرَهم ﴿وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ فِيهِمْ وُجُوهٌ: مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ، ومِنهم مَن قالَ: هُمُ الَّذِينَ جاءَهم مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى وهم قَوْمُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهم مَن قالَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، والرَّسُّ مَوْضِعٌ نُسِبُوا إلَيْهِ أوْ فِعْلٌ وهو حَفْرُ البِئْرِ، يُقالُ: رَسَّ إذا حَفَرَ بِئْرًا، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفُرْقانِ ذَلِكَ، وقالَ هَهُنا: (إخْوانُ لُوطٍ) وقالَ: (قَوْمِ نُوحٍ) لِأنَّ لُوطًا كانَ مُرْسَلًا إلى طائِفَةٍ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعارِفَ لُوطٍ،

صفحة ١٣٩

ونُوحٌ كانَ مُرْسَلًا إلى خَلْقٍ عَظِيمٍ، وقالَ: (فِرْعَوْنُ) ولَمْ يَقُلْ: قَوْمُ فِرْعَوْنَ، وقالَ: ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ هو المُغْتَرَّ المُسْتَخِفَّ بِقَوْمِهِ المُسْتَبِدَّ بِأمْرِهِ، وتُبَّعٌ كانَ مُعْتَمِدًا بِقَوْمِهِ، فَجَعَلَ الِاعْتِبارَ لِفِرْعَوْنَ، ولَمْ يَقُلْ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ .

يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ كُلَّ واحِدٍ كَذَّبَ رَسُولَهُ فَهم كَذَّبُوا الرُّسُلَ، واللّامُ حِينَئِذٍ لِتَعْرِيفِ العَهْدِ.

وثانِيهِما: وهو الأصَحُّ هو أنَّ كُلَّ واحِدٍ كَذَّبَ جَمِيعَ الرُّسُلِ، واللّامُ حِينَئِذٍ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، وهو عَلى وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُكَذِّبَ لِلرَّسُولِ مُكَذِّبٌ لِكُلِّ رَسُولٍ.

وثانِيهِما - وهو الأصَحُّ -: أنَّ المَذْكُورِينَ كانُوا مُنْكِرِينَ لِلرِّسالَةِ والحَشْرِ بِالكُلِّيَّةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ ما وعَدَ اللَّهُ مِن نُصْرَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ وإهْلاكِهِمْ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .

وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِدَلائِلِ الأنْفُسِ؛ لِأنّا ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ الدَّلائِلَ آفاقِيَّةٌ ونَفْسِيَّةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] ولَمّا قَرَنَ اللَّهُ تَعالى دَلائِلَ الآفاقِ عَطَفَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ بِحَرْفِ الواوِ، فَقالَ: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ وفي غَيْرِ ذَلِكَ ذَكَرَ الدَّلِيلَ النَّفْسِيَّ، وعَلى هَذا فِيهِ لَطائِفُ لَفْظِيَّةٌ ومَعْنَوِيَّةٌ.

أمّا (اللَّفْظِيَّةُ) فَهي أنَّهُ تَعالى في الدَّلائِلِ الآفاقِيَّةِ عَطَفَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ بِحَرْفِ الواوِ فَقالَ: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ وقالَ: ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ ثُمَّ في الدَّلِيلِ النَّفْسِيِّ ذَكَرَ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ، والفاءُ بَعْدَها إشارَةٌ إلى أنَّ تِلْكَ الدَّلائِلَ مِن جِنْسٍ وهَذا مِن جِنْسٍ، فَلَمْ يَجْعَلْ هَذا تَبَعًا لِذَلِكَ، ومِثْلُ هَذا مُراعًى في أواخِرِ يس، حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ﴾ [يس: ٧٧] ثُمَّ لَمْ يَعْطِفِ الدَّلِيلَ الآفاقِيَّ هَهُنا ؟ نَقُولُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: هَهُنا وُجِدَ مِنهُمُ الِاسْتِبْعادُ بِقَوْلِ: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ فاسْتَدَلَّ بِالأكْبَرِ وهو خَلْقُ السَّماواتِ، ثُمَّ نَزَلَ كَأنَّهُ قالَ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ بَلْ في أنْفُسِهِمْ دَلِيلُ جَوازِ ذَلِكَ، وفي سُورَةِ يس لَمْ يَذْكُرِ اسْتِبْعادَهم فَبَدَأ بِالأدْنى وارْتَقى إلى الأعْلى.

والوَجْهُ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالخَلْقِ الأوَّلِ هو خَلْقُ السَّماواتِ؛ لِأنَّهُ هو الخَلْقُ الأوَّلُ، وكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أفَعَيِينا﴾ بِهَذا الخَلْقِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ فَهو كالِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ الإنْسانِ، وهو مَعْطُوفٌ بِحَرْفِ الواوِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الخَلْقِ، وهو بِناءُ السَّماءِ، ومَدُّ الأرْضِ، وتَنْزِيلُ الماءِ، وإنْباتُ الجَنّاتِ، وفي تَعْرِيفِ الخَلْقِ الأوَّلِ وتَنْكِيرِ خَلْقٍ جَدِيدٍ وجْهانِ:

أحَدُهُما: ما عَلَيْهِ الأمْرانِ؛ لِأنَّ الأوَّلَ عَرَفَهُ كُلُّ واحِدٍ وعُلِمَ لِنَفْسِهِ، والخَلْقُ الجَدِيدُ لَمْ يُعْلَمْ لِنَفْسِهِ ولَمْ يَعْرِفْهُ كُلُّ أحَدٍ؛ ولِأنَّ الكَلامَ عَنْهم وهم لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِالخَلْقِ الجَدِيدِ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لِبَيانِ إنْكارِهِمْ لِلْخَلْقِ الثّانِي مِن كُلِّ وجْهٍ، كَأنَّهم قالُوا: أيَكُونُ لَنا خَلْقٌ ما عَلى وجْهِ الإنْكارِ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: ما عَيِينا بَلْ هم في شَكٍّ مَن خَلْقٍ جَدِيدٍ، يَعْنِي لا مانِعَ مِن جِهَةِ الفاعِلِ، فَيَكُونُ مِن جانِبِ المَفْعُولِ وهو الخَلْقُ الجَدِيدُ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ذَلِكَ مُحالٌ، وامْتِناعُ وُقُوعِ المُحالِ بِالفاعِلِ لا يُوجِبُ عَجْزًا فِيهِ، ويُقالُ لِلْمَشْكُوكِ فِيهِ: مُلْتَبِسٌ، كَما يُقالُ لِلْيَقِينِ: إنَّهُ ظاهِرٌ

صفحة ١٤٠

وواضِحٌ، ثُمَّ إنَّ اللَّبْسَ يُسْنَدُ إلى الأمْرِ كَما قُلْنا: إنَّهُ يُقالُ: إنَّ هَذا أمْرٌ ظاهِرٌ وهَذا أمْرٌ مُلْتَبِسٌ، وهَهُنا أسْنَدَ الأمْرَ إلَيْهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿هم في لَبْسٍ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ وراءَ حِجابٍ والنّاظِرَ إلَيْهِ بَصِيرٌ، فَيَخْتَفِي الأمْرُ مِن جانِبِ الرّائِي، فَقالَ هَهُنا: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ﴾ و”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يُفِيدُ فائِدَةً، وهي ابْتِداءُ الغايَةِ، كَأنَّ اللَّبْسَ كانَ حاصِلًا لَهم مِن ذَلِكَ.

50:16Page 519

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ ١٦

And We have already created man and know what his soul whispers to him, and We are closer1 to him than [his] jugular vein.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ اسْتِدْلالٍ بِخَلْقِ الإنْسانِ، وهَذا عَلى قَوْلِنا: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ مَعْناهُ خَلْقُ السَّماواتِ، وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ تَتْمِيمَ بَيانِ خَلْقِ الإنْسانِ، وعَلى هَذا قَوْلُنا: الخَلْقُ الأوَّلُ هو خَلْقُ الإنْسانِ أوَّلَ مَرَّةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: هو تَنْبِيهٌ عَلى أمْرٍ يُوجِبُ عَوْدَهم عَنْ مَقالِهِمْ، وبَيانُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ ويَعْلَمُ ذَواتَ صُدُورِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ .

بَيانٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ، والوَرِيدُ العِرْقُ الَّذِي هو مَجْرى الدَّمِ يَجْرِي فِيهِ ويَصِلُ إلى كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ البَدَنِ، واللَّهُ أقْرَبُ مِن ذَلِكَ بِعِلْمِهِ؛ لِأنَّ العِرْقَ تَحْجُبُهُ أجْزاءُ اللَّحْمِ ويَخْفى عَنْهُ، وعِلْمُ اللَّهِ تَعالى لا يُحْجَبُ عَنْهُ شَيْءٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ بِتَفَرُّدِ قُدْرَتِنا فِيهِ يَجْرِي فِيهِ أمْرُنا كَما يَجْرِي الدَّمُ في عُرُوقِهِ.

50:17–18Page 519

إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ ١٧

When the two receivers [i.e., recording angels] receive,1 seated on the right and on the left.

مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ١٨

He [i.e., man] utters no word except that with him is an observer prepared [to record].

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ .

(إذْ) ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُكَلَّفَ غَيْرُ مَتْرُوكٍ سُدًى؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَلِكَ إذا أقامَ كِتابًا عَلى أمْرٍ اتَّكَلَ عَلَيْهِمْ، فَإنْ كانَ لَهُ غَفْلَةٌ عَنْهُ فَيَكُونُ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَتَّكِلُ عَلَيْهِمْ، وإذا كانَ عِنْدَ إقامَةِ الكِتابِ لا يَبْعُدُ عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ ولا يَغْفَلُ عَنْهُ، فَهو عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ أقْرَبُ إلَيْهِ وأشَدُّ إقْبالًا عَلَيْهِ، فَنَقُولُ: اللَّهُ في وقْتِ أخْذِ المَلَكَيْنِ مِنهُ فِعْلَهُ، وقَوْلَهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن عِرْقِهِ المَخالِطِ لَهُ، فَعِنْدَما يَخْفى عَلَيْهِما شَيْءٌ يَكُونُ حِفْظُنا بِحالِهِ أكْمَلَ وأتَمَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: التَّلَقِّي مِنَ الِاسْتِقْبالِ، يُقالُ: فُلانٌ يَتَلَقّى الرَّكْبَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَيَكُونُ مَعْناهُ وقْتَ ما يَتَلَقّاهُ المُتَلَقِّيانِ يَكُونُ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ قَعِيدٌ، فالمُتَلَقِّيانِ عَلى هَذا الوَجْهِ هُما المَلَكانِ اللَّذانِ يَأْخُذانِ رُوحَهُ مِن مَلَكِ المَوْتِ، أحَدُهُما يَأْخُذُ أرْواحَ الصّالِحِينَ ويَنْقُلُها إلى السُّرُورِ والحُبُورِ إلى يَوْمِ النُّشُورِ، والآخَرُ يَأْخُذُ أرْواحَ الطّالِحِينَ ويَنْقُلُها إلى الوَيْلِ والثُّبُورِ إلى يَوْمِ الحَشْرِ مِنَ القُبُورِ، فَقالَ تَعالى وقْتَ تَلَقِّيهِما وسُؤالِهِما: إنَّهُ مِن أيِّ القَبِيلَيْنِ يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ قَعِيدٌ عَنِ اليَمِينِ

صفحة ١٤١

وقَعِيدٌ عَنِ الشِّمالِ، يَعْنِي المَلَكانِ يَنْزِلانِ وعِنْدَهُ مَلَكانِ آخَرانِ كاتِبانِ لِأعْمالِهِ يَسْألانِهِما مِن أيِّ القَبِيلَيْنِ كانَ، فَإنْ كانَ مِنَ الصّالِحِينَ يَأْخُذُ رُوحَهُ مَلَكُ السُّرُورِ، ويَرْجِعُ إلى المَلَكِ الآخَرِ مَسْرُورًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَسْرُورًا مِمَّنْ يَأْخُذُها هو، وإنْ كانَ مِنَ الطّالِحِينَ يَأْخُذُها مَلَكُ العَذابِ ويَرْجِعُ إلى الآخَرِ مَحْزُونًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَأْخُذُها هو، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] فالشَّهِيدُ هو القَعِيدُ، والسّائِقُ هو المُتَلَقِّي يَتَلَقّى أخْذَ رُوحِهِ مِن مَلَكِ المَوْتِ فَيَسُوقُهُ إلى مَنزِلِهِ وقْتَ الإعادَةِ. وهَذا أعْرَفُ الوَجْهَيْنِ وأقْرَبُهُما إلى الفَهْمِ، وقَوْلُ القائِلِ: جَلَسْتُ عَنْ يَمِينِ فُلانٍ فِيهِ إنْباءٌ عَنْ تَنَحٍّ ما عَنْهُ احْتِرامًا لَهُ واجْتِنابًا مِنهُ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ المَخالِطِ لِأجْزائِهِ المُداخِلِ في أعْضائِهِ والمَلَكُ مُتَنَحٍّ عَنْهُ، فَيَكُونُ عِلْمُنا بِهِ أكْمَلَ مِن عِلْمِ الكاتِبِ، لَكِنَّ مَن أجْلَسَ عِنْدَهُ أحَدًا لِيَكْتُبَ أفْعالَهُ وأقْوالَهُ، ويَكُونُ الكاتِبُ ناهِضًا خَبِيرًا، والمَلِكُ الَّذِي أجْلَسَ الرَّقِيبَ يَكُونُ جَبّارًا عَظِيمًا، فَنَفْسُهُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنَ الكاتِبِ بِكَثِيرٍ، والقَعِيدُ هو الجَلِيسُ كَما أنَّ قَعَدَ بِمَعْنى جَلَسَ.

50:19Page 519

وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ ١٩

And the intoxication of death will bring the truth; that is what you were trying to avoid.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ .

أيْ شِدَّتُهُ الَّتِي تُذْهِبُ العُقُولَ وتُذْهِلُ الفِطَنَ، وقَوْلُهُ: (بِالحَقِّ) يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ المَوْتَ فَإنَّهُ حَقٌّ، كَأنَّ شِدَّةَ المَوْتِ تُحْضِرُ المَوْتَ والباءُ حِينَئِذٍ لِلتَّعْدِيَةِ، يُقالُ: جاءَ فُلانٌ بِكَذا أيْ أحْضَرَهُ. وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحَقِّ ما أتى بِهِ مِنَ الدِّينِ؛ لِأنَّهُ حَقٌّ وهو يَظْهَرُ عِنْدَ شِدَّةِ المَوْتِ، وما مِن أحَدٍ إلّا وهو في تِلْكَ الحالَةِ يُظْهِرُ الإيمانَ، لَكِنَّهُ لا يُقْبَلُ إلّا مِمَّنْ سَبَقَ مِنهُ ذَلِكَ وآمَنَ بِالغَيْبِ، ومَعْنى المَجِيءِ بِهِ هو أنَّهُ يُظْهِرُهُ، كَما يُقالُ: الدِّينُ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أيْ أظْهَرَهُ. ولَمّا كانَتْ شِدَّةُ المَوْتِ مُظْهِرَةً لَهُ قِيلَ فِيهِ: جاءَ بِهِ. والباءُ حِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها مُلْبِسَةً، يُقالُ: جِئْتُكَ بِأمَلٍ فَسِيحٍ وقَلْبٍ خاشِعٍ. وقَوْلُهُ: (ذَلِكَ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى المَوْتِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الحَقِّ، وحادَ عَنِ الطَّرِيقِ أيْ مالَ عَنْهُ، والخِطابُ قِيلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وهو مُنْكِرٌ، وقِيلَ مَعَ الكافِرِينَ وهو أقْرَبُ، والأقْوى أنْ يُقالَ: هو خِطابٌ عامٌّ مَعَ السّامِعِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ أيُّها السّامِعُ.

50:20Page 519

وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ ٢٠

And the Horn will be blown. That is the Day of [carrying out] the threat.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ والمُرادُ مِنهُ إمّا النَّفْخَةُ الأُولى فَيَكُونُ بَيانًا لِما يَكُونُ عِنْدَ مَجِيءِ سَكْرَةِ المَوْتِ أوِ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وهو أظْهَرُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ بِالنَّفْخَةِ الثّانِيَةِ ألْيَقُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ إشارَةً إلى الإماتَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ إشارَةً إلى الإعادَةِ والإحْياءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (ذَلِكَ) ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ إشارَةٌ إلى المَصْدَرِ الَّذِي مِن قَوْلِهِ: (ونُفِخَ) أيْ وقْتُ ذَلِكَ النَّفْخِ يَوْمَ الوَعِيدِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ يَوْمَ لَوْ كانَ مَنصُوبًا لَكانَ ما ذَكَرْنا ظاهِرًا، وأمّا رَفْعُ يَوْمٍ فَيُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ نَفْسُ اليَوْمِ، والمَصْدَرُ لا يَكُونُ نَفْسَ الزَّمانِ، وإنَّما يَكُونُ في الزَّمانِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الزَّمانِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ:

صفحة ١٤٢

(ونُفِخَ) لِأنَّ الفِعْلَ كَما يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ يَدُلُّ عَلى الزَّمانِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ذَلِكَ الزَّمانُ يَوْمُ الوَعِيدِ. والوَعِيدُ هو الَّذِي أوْعَدَ بِهِ مِنَ الحَشْرِ والإيتاءِ والمُجازاةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском