Ar-RaziAdh-Dhariyat · 51:20–27

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Adh-Dhariyat 51:20–27

51:20Page 521

وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ ٢٠

And on the earth are signs for the certain [in faith]

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾، ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ تَدُلُّهم عَلى أنَّ الحَشْرَ كائِنٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ [فُصِّلَتْ: ٣٩ ] .

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأفْعالِ المُتَّقِينَ، فَإنَّهم خافُوا اللَّهَ فَعَظَّمُوهُ فَأظْهَرُوا الشَّفَقَةَ عَلى عِبادِهِ، وكانَ لَهم آياتٌ في الأرْضِ، وفي أنْفُسِهِمْ عَلى إصابَتِهِمُ الحَقَّ في ذَلِكَ، فَإنَّ مَن يَكُونُ لَهُ في الأرْضِ الآياتُ العَجِيبَةُ يَكُونُ لَهُ القُدْرَةُ التّامَّةُ فَيُخْشى ويُتَّقى، ومَن لَهُ في أنْفُسِ النّاسِ حِكَمٌ بالِغَةٌ ونِعَمٌ سابِغَةٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ ويُتْرُكَ الهُجُوعُ لِعِبادَتِهِ، وإذا قابَلَ العَبْدُ العِبادَةَ بِالنِّعْمَةِ يَجِدُها دُونَ حَدِّ الشُّكْرِ فَيَسْتَغْفِرُ عَلى التَّقْصِيرِ، وإذا عَلِمَ أنَّ الرِّزْقَ مِنَ السَّماءِ لا يَبْخَلُ بِمالِهِ، فالآياتُ الثَّلاثَةُ المُتَأخِّرَةُ فِيها تَقْرِيرُ ما تَقَدَّمَ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الذاريات: ٢٣] يَكُونُ عَوْدُ الكَلامِ بَعْدَ اعْتِراضِ الكَلامِ الأوَّلِ أقْوى وأظْهَرَ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: كَيْفَ خَصَّصَ المُوقِنِينَ بِكَوْنِ الآياتِ لَهم مَعَ أنَّ الآياتِ حاصِلَةٌ لِلْكُلِّ قالَ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ [يس: ٣٣] نَقُولُ قَدْ ذَكَرْنا أنَّ اليَمِينَ آخَرُ ما يَأْتِي بِهِ المُبَرْهِنُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ أوَّلًا يَأْتِي بِالبُرْهانِ، فَإنْ صُدِّقَ فَذَلِكَ وإنْ لَمْ يُصَدَّقْ لا بُدَّ لَهُ مِن أنْ يَنْسُبَهُ الخَصْمُ إلى إصْرارٍ عَلى الباطِلِ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى قَدْحٍ فِيهِ ولَمْ يُصَدِّقْهُ يَعْتَرِفْ لَهُ بِقُوَّةِ الجَدَلِ ويَنْسُبْهُ إلى المُكابَرَةِ فَيَتَعَيَّنُ طَرِيقُهُ في اليَمِينِ، فَإذًا آياتُ الأرْضِ لَمْ تُفْدِهم لِأنَّ اليَمِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ دَلَّتْ عَلى سَبْقِ إقامَةِ البَيِّناتِ وذِكْرِ الآياتِ ولَمْ يُفِدْ فَقالَ فِيها: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ وإنْ لَمْ يَحْصُلْ لِلْمُصِرِّ المُعانِدِ مِنها فائِدَةٌ، وأمّا في سُورَةِ يس وغَيْرِها مِنَ المَواضِعِ الَّتِي جَعَلَ فِيها آياتِ الأرْضِ لِلْعامَّةِ لَمْ يَحْصُلْ فِيها اليَمِينُ وذِكْرُ الآياتِ قَبْلَهُ فَجازَ أنْ يُقالَ إنَّ الأرْضَ آياتٌ لِمَن يَنْظُرُ فِيها.

الجَوابُ الثّانِي: وهو الأصَحُّ أنَّ هُنا الآياتُ بِالفِعْلِ والِاعْتِبارِ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ حَصَلَ ذَلِكَ لَهم وحَيْثُ قالَ لِكُلٍّ مَعْناهُ إنَّ فِيها آياتٍ لَهم إنْ نَظَرُوا وتَأمَّلُوا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَهُنا قالَ: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ﴾ وقالَ هُناكَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ﴾ [يس: ٣٣] نَقُولُ لَمّا جَعَلَ الآيَةَ ﴿لِلْمُوقِنِينَ﴾ ذَكَرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّ المُوقِنَ لا يَغْفُلُ عَنِ اللَّهِ تَعالى في حالٍ ويَرى في كُلِّ شَيْءٍ آياتٍ دالَّةً، وأمّا الغافِلُ فَلا يَتَنَبَّهُ إلّا بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ فَيَكُونُ الكُلُّ لَهُ كالآيَةِ الواحِدَةِ.

51:21–23Page 521

وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٢١

And in yourselves. Then will you not see?

وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ ٢٢

And in the heaven is your provision and whatever you are promised.

فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُۥ لَحَقّٞ مِّثۡلَ مَآ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ ٢٣

Then by the Lord of the heaven and earth, indeed, it is truth - just as [sure as] it is that you are speaking.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ إشارَةً إلى دَلِيلِ الأنْفُسِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وإنَّما اخْتارَ مِن دَلائِلَ الآفاقِ ما في الأرْضِ لِظُهُورِها لِمَن عَلى ظُهُورِها فَإنَّ في أطْرافِها وأكْنافِها ما لا يُمْكِنُ عَدُّ أصْنافِها فَدَلِيلُ الأنْفُسِ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي أنْفُسِكُمْ﴾ عامٌّ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما أتى بِصِيغَةِ الخِطابِ لِأنَّها أظْهَرُ لِكَوْنِ عِلْمِ الإنْسانِ بِما في نَفْسِهِ أتَمَّ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي أنْفُسِكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وفِيكم، يُقالُ الحِجارَةُ في نَفْسِها صُلْبَةٌ ولا يُرادُ بِها النَّفْسُ الَّتِي هي مَنبَعُ الحَياةِ والحِسِّ والحَرَكاتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وفي نُفُوسِكُمُ الَّتِي بِها حَياتُكم آياتٌ وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ بِالِاسْتِفْهامِ إشارَةٌ إلى ظُهُورِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: في السَّحابِ المَطَرُ.

ثانِيها: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ مَكْتُوبٌ.

ثالِثُها: تَقْدِيرُ الأرْزاقِ كُلِّها مِنَ السَّماءِ ولَوْلاهُ لَما حَصَلَ في الأرْضِ حَبَّةُ قُوتٍ، وفي الآياتِ الثَّلاثِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ لَهُ أُمُورٌ يَحْتاجُ إلَيْها لا بُدَّ مِن سَبْقِها حَتّى يُوجَدَ هو في نَفْسِهِ وأُمُورٌ تُقارِنُهُ في الوُجُودِ وأُمُورٌ تَلْحَقُهُ وتُوجَدُ بَعْدَهُ لِيَبْقى بِها، فالأرْضُ هي المَكانُ وإلَيْهِ يَحْتاجُ الإنْسانُ ولا بُدَّ مِن سَبْقِها فَقالَ: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ﴾ ثُمَّ في نَفْسِ الإنْسانِ أُمُورٌ مِنَ الأجْسامِ والأعْراضِ فَقالَ: ﴿وفِي أنْفُسِكُمْ﴾ ثُمَّ بَقاؤُهُ بِالرِّزْقِ فَقالَ: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ ولَوْلا السَّماءُ لَما كانَ لِلنّاسِ البَقاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تُوعَدُونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: الجَنَّةُ المَوْعُودُ بِها لِأنَّها في السَّماءِ.

ثانِيها: هو مِنَ الإيعادِ لِأنَّ البِناءَ لِلْمَفْعُولِ مِن أوْعَدَ يُوعِدُ أيْ ﴿وما تُوعَدُونَ﴾ إمّا مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ﴾ فَيَكُونُ إيعادًا عامًّا، وإمّا مِنَ العَذابِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الخِطابُ مَعَ الكُفّارِ فَيَكُونُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ كافِيَةٌ، وأمّا أنْتُمْ أيُّها الكافِرُونَ فَفي أنْفُسِكم آياتٌ هي أظْهَرُ الآياتِ وتَكْفُرُونَ بِها لِحُطامِ الدُّنْيا وحُبِّ الرِّياسَةِ، وفي السَّماءِ الأرْزاقُ، فَلَوْ نَظَرْتُمْ وتَأمَّلْتُمْ حَقَّ التَّأمُّلِ، لَما تَرَكْتُمُ الحَقَّ لِأجْلِ الرِّزْقِ، فَإنَّهُ واصِلٌ بِكُلِّ طَرِيقٍ ولاجْتَنَبْتُمُ الباطِلَ اتِّقاءً لِما تُوعِدُونَ مِنَ العَذابِ النّازِلِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ .

وفِي المُقْسَمِ عَلَيْهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: ﴿وما تُوعَدُونَ﴾ أيْ ما تُوعَدُونَ لَحَقٌّ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ وعَلى هَذا يَعُودُ كُلُّ ما قُلْناهُ في وُجُوهِ ﴿وما تُوعَدُونَ﴾ إنْ قُلْنا إنَّ ذَلِكَ هو الجَنَّةُ فالمُقْسَمُ عَلَيْهِ هو هي.

ثانِيها: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ أيْ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ وفِيما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ دَلِيلُ هَذِهِ وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ مَعْناهُ تَكَلَّمَ بِهِ المَلَكُ النّازِلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهِ مِثْلَ ما أنَّكم تَتَكَلَّمُونَ وسَنَذْكُرُهُ.

ثالِثُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى الدِّينِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ .

رابِعُها: أنَّهُ راجِعٌ إلى اليَوْمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُ اللَّهِ اليَوْمَ بِالحَقِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ [النبأ: ٣٩] .

خامِسُها: أنَّهُ راجِعٌ

صفحة ١٨٠

إلى القَوْلِ الَّذِي يُقالُ: ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وفي التَّفْسِيرِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: الفاءُ تَسْتَدْعِي تَعْقِيبَ أمْرٍ لِأمْرٍ فَما الأمْرُ المُتَقَدِّمُ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: الدَّلِيلُ المُتَقَدِّمُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ لَحَقٌّ بِالبُرْهانِ المُبِينِ، ثُمَّ بِالقَسَمِ واليَمِينِ.

ثانِيهِما: القَسَمُ المُتَقَدِّمُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿والذّارِياتِ﴾ ثُمَّ ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ﴾ وعَلى هَذا يَكُونُ الفاءُ حَرْفَ عَطْفٍ أُعِيدَ مَعَهُ حَرْفُ القَسَمِ كَما يُعادُ الفِعْلُ إذْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ ومَرَرْتُ بِعَمْرٍو، فَقَوْلُهُ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ عَطْفٌ مِن غَيْرِ إعادَةِ حَرْفِ القَسَمِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ﴾ مَعَ إعادَةِ حَرْفِهِ، والسَّبَبُ فِيهِ وُقُوعُ الفَصْلِ بَيْنَ القَسَمَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ الأمْرُ المُتَقَدِّمُ هو بَيانُ الثَّوابِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ﴾ وفِيهِ فائِدَةٌ، وهو أنَّ الفاءَ تَكُونُ تَنْبِيهًا عَلى أنْ لا حاجَةَ إلى اليَمِينِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَشْفِ المُبِينِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ ورَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ، كَما يَقُولُ القائِلُ بَعْدَما يُظْهِرُ دَعْواهُ هَذا واللَّهِ إنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُ فَيُؤَكِّدُ قَوْلَهُ بِاليَمِينِ، ويُشِيرُ إلى ثُبُوتِهِ مِن غَيْرِ يَمِينٍ.

البَحْثُ الثّانِي: أقْسَمَ مِن قَبْلُ بِالأُمُورِ الأرْضِيَّةِ وهي الرِّياحُ وبِالسَّماءِ في قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ ولَمْ يُقْسِمْ بِرَبِّها، وهَهُنا أقْسَمَ بِرَبِّها نَقُولُ كَذَلِكَ التَّرْتِيبُ يُقْسِمُ المُتَكَلِّمُ أوَّلًا بِالأدْنى فَإنْ لَمْ يُصَدَّقْ بِهِ يَرْتَقِي إلى الأعْلى، ولِهَذا قالَ بَعْضُ النّاسِ إذا قالَ قائِلٌ وحَياتِكَ واللَّهِ لا يَكْفُرُ وإذا قالَ: واللَّهِ وحَياتِكَ لا شَكَّ يَكْفُرُ وهَذا اسْتِشْهادٌ، وإنْ كانَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما قالَهُ ذَلِكَ القائِلُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ إمّا بِالقَلْبِ، أوْ بِاللَّفْظِ الظّاهِرِ في أمْرِ القَلْبِ، أوْ بِالفِعْلِ الظّاهِرِ، وما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِظاهِرٍ في تَعْظِيمِ جانِبِ غَيْرِ اللَّهِ، والعَجَبُ مِن ذَلِكَ القائِلِ أنَّهُ لا يَجْعَلُ التَّأْخِيرَ في الذِّكْرِ مُفِيدًا لِلتَّرْتِيبِ في الوُضُوءِ وغَيْرِهِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قُرِئَ ”مِثْلُ“ بِالرَّفْعِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ وصْفًا لِقَوْلِهِ ”لَحَقٌّ“ ومِثْلُ وإنْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ لا يُخْرِجُهُ عَنْ جَوازِ وصْفِ المُنْكَّرِ بِهِ، تَقُولُ رَأيْتُ رَجُلًا مِثْلَ عَمْرٍو؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُهُ تَعْرِيفًا لِأنَّهُ في غايَةِ الإبْهامِ وقُرِئَ:”مِثْلَ“ بِالنَّصْبِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَفْتُوحًا لِإضافَتِهِ إلى ما هو ضَعِيفٌ وإلّا جازَ أنْ يُقالَ زَيْدٌ قاتِلُ مَن يَعْرِفُهُ أوْ ضارِبُ مَن يَشْتُمُهُ.

ثانِيهِما: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى البَيانِ تَقْدِيرُهُ لَحَقٌّ حَقًّا مِثْلَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَعْلُومٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ، ووَجْهُهُ أنّا دَلَّلَنا أنَّ المُرادَ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ هو القُرْآنُ فَكَأنَّهُ قالَ إنَّ القُرْآنَ لَحَقٌّ نَطَقَ بِهِ المَلَكُ نُطْقًا ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ وما مَجْرُورٌ لا شَكَّ فِيهِ.

51:24Page 521

هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٤

Has there reached you the story of the honored guests of Abraham?1 -

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ إشارَةً إلى تَسْلِيَةِ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِبَيانِ أنَّ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانَ مِثْلَهُ، واخْتارَ إبْراهِيمَ لِكَوْنِهِ شَيْخَ المُرْسَلِينَ وكَوْنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى سُنَّتِهِ في بَعْضِ الأشْياءِ، وإنْذارًا لِقَوْمِهِ بِما جَرى مِنَ الضَّيْفِ، ومِن إنْزالِ الحِجارَةِ عَلى المُذْنِبِينَ المُضِلِّينَ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إذا كانَ المُرادُ ما ذَكَرْتَ مِنَ التَّسْلِيَةِ والإنْذارِ فَأيُّ فائِدَةٍ في حِكايَةِ الضِّيافَةِ ؟ نَقُولُ لِيَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى الفَرَجِ في حَقِّ الأنْبِياءِ، والبَلاءِ عَلى الجَهَلَةِ والأغْبِياءِ، إذا جاءَهم مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ.

صفحة ١٨١

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَبَرٌ مِن إنْزالِ العَذابِ مَعَ ارْتِفاعِ مَكانَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَيْفَ سَمّاهم ضَيْفًا ولَمْ يَكُونُوا ؟ نَقُولُ لَمّا حَسِبَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ضَيْفًا لَمْ يُكَذِّبْهُ اللَّهُ تَعالى في حِسابِهِ إكْرامًا لَهُ، يُقالُ في كَلِماتِ المُحَقِّقِينَ: الصّادِقُ يَكُونُ ما يَقُولُ، والصِّدِّيقِ يَقُولُ ما يَكُونُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”ضَيْفُ“ لَفْظٌ واحِدٌ والمُكْرَمِينَ جَمْعٌ، فَكَيْفَ وصَفَ الواحِدَ بِالجَمْعِ ؟ نَقُولُ الضَّيْفُ يَقَعُ عَلى القَوْمِ، يُقالُ قَوْمٌ ضَيْفٌ ولِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَيَكُونُ كَلَفْظِ الرِّزْقُ مَصْدَرًا، وإنَّما وصَفَهم بِالمُكْرَمِينَ إمّا لِكَوْنِهِمْ عِبادًا مُكْرَمِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] وإمّا لِإكْرامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم، فَإنْ قِيلَ: بِماذا أكْرَمَهم ؟ قُلْنا بِبَشاشَةِ الوَجْهِ أوَّلًا، وبِالإجْلاسِ في أحْسَنِ المَواضِعِ وألْطَفِها، ثانِيًا وتَعْجِيلِ القِرى ثالِثًا، وبَعْدُ التَّكْلِيفُ لِلضَّيْفِ بِالأكْلِ والجُلُوسِ. وكانُوا عِدَّةً مِنَ المَلائِكَةِ في قَوْلٍ: ثَلاثَةٌ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وثالِثٌ، وفي قَوْلٍ عَشَرَةٌ، وفي آخَرَ اثْنا عَشْرَةَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هم أُرْسِلُوا لِلْعَذابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] وهم لَمْ يَكُونُوا مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما كانُوا مِن قَوْمِ لُوطٍ فَما الحِكْمَةُ في مَجِيئِهِمْ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ نَقُولُ فِيهِ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، وبَيانُها مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْخُ المُرْسَلِينَ وكانَ لُوطٌ مِن قَوْمِهِ ومِن إكْرامِ المَلِكِ لِلَّذِي في عُهْدَتِهِ وتَحْتَ طاعَتِهِ إذا كانَ يُرْسِلُ رَسُولًا إلى غَيْرِهِ يَقُولُ لَهُ اعْبُرْ عَلى فُلانٍ المَلِكِ وأخْبِرْهُ بِرِسالَتِكَ وخُذْ فِيها رَأْيَهُ.

وثانِيهِما: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَدَّرَ أنْ يُهْلِكَ قَوْمًا كَثِيرًا وجَمًّا غَفِيرًا، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُحْزِنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَفَقَةً مِنهُ عَلى عِبادِهِ قالَ لَهم بَشِّرُوهُ بِغُلامٍ يَخْرُجُ مِن صُلْبِهِ أضْعافُ ما يَهْلِكُ، ويَكُونُ مِن صُلْبِهِ خُرُوجُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

51:25Page 521

إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ٢٥

When they entered upon him and said, "[We greet you with] peace." He answered, "[And upon you] peace; [you are] a people unknown."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما العامِلُ في إذْ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: ما في المُكْرَمِينَ مِنَ الإشارَةِ إلى الفِعْلِ إنْ قُلْنا وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ مُكْرَمِينَ بِناءً عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أكْرَمُهم فَيَكُونُ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أُكْرِمُوا إذْ دَخَلُوا، وهَذا مِن شَأْنِ الكَرِيمِ أنْ يُكْرِمَ ضَيْفَهُ وقْتَ الدُّخُولِ.

ثانِيها: ما في الضَّيْفِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الفِعْلِ؛ لِأنّا قُلْنا إنَّ الضَّيْفَ مَصْدَرٌ فَيَكُونُ كَأنَّهُ يَقُولُ: أضافَهم إذْ دَخَلُوا.

وثالِثُها: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ أتاكَ تَقْدِيرُهُ ما أتاكَ حَدِيثُهم وقْتَ دُخُولِهِمْ، فاسْمَعِ الآنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ”هَلْ“ لَيْسَ لِلِاسْتِفْهامِ في هَذا المَوْضِعِ حَقِيقَةً بَلْ لِلْإعْلامِ، وهَذا أوْلى لِأنَّهُ فِعْلٌ مُصَرَّحٌ بِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ اذْكُرْ إذْ دَخَلُوا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِماذا اخْتَلَفَ إعْرابُ السَّلامَيْنِ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ ؟ نَقُولُ: نُبَيِّنُ أوَّلًا وُجُوهَ النَّصْبِ والرَّفْعِ، ثُمَّ نُبَيِّنُ وُجُوهَ الِاخْتِلافِ في الإعْرابِ، أمّا النَّصْبُ فَيَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ السَّلامِ هو التَّحِيَّةَ وهو المَشْهُورُ، ونَصْبُهُ حِينَئِذٍ عَلى المَصْدَرِ تَقْدِيرُهُ نُسَلِّمُ سَلامًا.

ثانِيها: هو أنْ يَكُونَ السَّلامُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الكَلامِ وهو كَلامٌ سَلِمَ بِهِ المُتَكَلِّمُ مِن أنْ يَلْغُوَ أوْ يَأْثَمَ

صفحة ١٨٢

فَكَأنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا حَسَنًا سَلِمُوا مِنَ الإثْمِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مَفْعُولًا لِلْقَوْلِ لِأنَّ مَفْعُولَ القَوْلِ هو الكَلامُ، يُقالُ قالَ فُلانٌ كَلامًا، ولا يَكُونُ هَذا مِن بابِ ضَرْبَهُ سَوْطًا لِأنَّ المَضْرُوبَ هُناكَ لَيْسَ هو السَّوْطَ، وهَهُنا القَوْلُ هو الكَلامُ فَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] .

ثالِثُها: أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ نُبَلِّغُكَ سَلامًا، لا يُقالُ عَلى هَذا: إنَّ المُرادَ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَعَلِمَ كَوْنِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ عِنْدَ السَّلامِ فَما كانَ يَقُولُ: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ ولا كانَ يُقَرِّبُ إلَيْهِمُ الطَّعامَ، ولِما قالَ نَكِرَهم وأوْجَسَ لِأنّا نَقُولُ جازَ أنْ يُقالَ إنَّهم قالُوا: نُبَلِّغُكَ سَلامًا ولَمْ يَقُولُوا مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى أنْ سَألَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِمَّنْ تُبَلِّغُونَ لِيَ السَّلامَ، وذَلِكَ لِأنَّ الحَكِيمَ لا يَأْتِي بِالأمْرِ العَظِيمِ إلّا بِالتَّدْرِيجِ فَلَمّا كانَتْ هَيْبَتُهم عَظِيمَةً، فَلَوْ ضَمُّوا إلَيْهِ الأمْرَ العَظِيمَ الَّذِي هو مِنَ اللَّهِ تَعالى لانْزَعَجَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اشْتَغَلَ بِإكْرامِهِمْ عَنْ سُؤالِهِمْ وأخَّرَ السُّؤالَ إلى حِينِ الفَراغِ فَنَكِرَهم بَيْنَ السَّلامِ والسُّؤالِ عَمَّنْ مِنهُ السَّلامُ هَذا وجْهُ النَّصْبِ، وأمّا الرَّفْعُ فَنَقُولُ يَحْتَمِلُ أنَّ المُرادَ مِنهُ السَّلامُ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ وهو المَشْهُورُ أيْضًا، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ سَلامٌ عَلَيْكم، وكَوْنُ المُبْتَدَأِ نَكِرَةً يَحْتَمِلُ في قَوْلِ القائِلِ سَلامٌ عَلَيْكم ووَيْلٌ لَهُ، أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قالَ جَوابَهُ سَلامٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ قَوْلًا يُسَلِّمُ بِهِ أوْ يُنْبِئُ عَنِ السَّلامَةِ فَيَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أمْرِي سَلامٌ بِمَعْنى مُسالَمَةٍ لا تَعَلُّقَ بَيْنِي وبَيْنَكم لِأنِّي لا أعْرِفُكم، أوْ يَكُونُ المُبْتَدَأُ قَوْلَكم، وتَقْدِيرُهُ قَوْلُكم سَلامٌ يُنْبِئُ عَنِ السَّلامَةِ وأنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَما خَطْبُكم فَإنَّ الأمْرَ أُشْكِلَ عَلَيَّ، وهَذا ما يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ في النَّصْبِ والرَّفْعِ، وأمّا الفَرْقُ فَنَقُولُ أمّا عَلى التَّفْسِيرِ المَشْهُورِ وهو أنَّ السَّلامَ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ فَنَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَهُما مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ومِن حَيْثُ المَعْنى:

أمّا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ: فَنَقُولُ سَلامٌ عَلَيْكَ إنَّما جُوِّزَ واسْتُحْسِنَ لِكَوْنِهِ مُبْتَدَأً وهو نَكِرَةٌ، مِن حَيْثُ إنَّهُ كالمَتْرُوكِ عَلى أصْلِهِ لِأنَّ الأصْلَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى تَقْدِيرِ أُسَلِّمُ سَلامًا وعَلَيْكَ يَكُونُ لِبَيانِ مَن أُرِيدَ بِالسَّلامِ، ولا يَكُونُ لَعَلَيْكَ حَظٌّ مِنَ المَعْنى غَيْرَ ذَلِكَ البَيانِ فَيَكُونُ كالخارِجِ عَنِ الكَلامِ، والكَلامُ التّامُّ أُسَلِّمُ سَلامًا، كَما أنَّكَ تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا عَلى السَّطْحِ يَكُونُ عَلى السَّطْحِ خارِجًا عَنِ الفِعْلِ والفاعِلِ والمَفْعُولِ لِبَيانِ مُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ وكانَ السَّلامُ والأدْعِيَةُ كَثِيرَ الوُقُوعِ، قالُوا نَعْدِلُ عَنِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ ونَجْعَلُ لَعَلَيْكَ حَظًّا في الكَلامِ، فَنَقُولُ سَلامٌ عَلَيْكَ، فَتَصِيرُ عَلَيْكَ لِفائِدَةٍ لا بُدَّ مِنها، وهي الخَبَرِيَّةُ، ويُتْرَكُ السَّلامُ نَكِرَةً كَما كانَ حالُ النَّصْبِ، إذا عُلِمَ هَذا فالنَّصْبُ أصْلٌ والرَّفْعُ مَأْخُوذٌ مِنهُ، والأصْلُ مُقَدَّمٌ عَلى المَأْخُوذِ مِنهُ، فَقالَ: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ قُدِّمَ الأصْلُ عَلى المُتَفَرِّعِ مِنهُ.

وأمّا مِن حَيْثُ المَعْنى: فَذَلِكَ لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِالأحْسَنِ، فَأتى بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فَإنَّها أدَلُّ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، فَإنَّ قَوْلَنا جَلَسَ زَيْدٌ لا يُنْبِئُ عَنْهُ لِأنَّ الفِعْلَ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإنْباءِ عَنِ التَّجَدُّدِ والحُدُوثِ، ولِهَذا لَوْ قُلْتَ: اللَّهُ مَوْجُودٌ الآنَ لَأثْبَتَ العَقْلُ الدَّوامَ إذْ لا يُنْبِئُ عَنِ التَّجَدُّدِ، ولَوْ قالَ قائِلٌ: وُجِدَ اللَّهُ الآنَ لَكادَ يُنْكِرُهُ العاقِلُ لِما بَيَّنّا فَلَمّا قالُوا: سَلامًا قالَ: سَلامُ عَلَيْكم مُسْتَمِرٌّ دائِمٌ، وأمّا عَلى قَوْلِنا: المُرادُ القَوْلُ ذُو السَّلامَةِ فَظاهِرُ الفَرْقِ، فَإنَّهم قالُوا قَوْلًا ذا سَلامٍ، وقالَ لَهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ:

صفحة ١٨٣

سَلامٌ أيْ قَوْلُكم ذُو سَلامٍ وأنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فالتَبَسَ الأمْرُ عَلَيَّ، وإنْ قُلْنا المُرادُ أمْرُ مُسالَمَةٍ ومُتارَكَةٍ وهم سَلَّمُوا عَلَيْهِ تَسْلِيمًا، فَنَقُولُ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ: تَعْظِيمُ جانِبِ اللَّهِ، ورِعايَةُ قَلْبِ عِبادِ اللَّهِ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ: سَلامٌ عَلَيْكم وهو لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهم مِن عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ كانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ الرَّسُولُ قَدْ أمَّنَهم، فَإنَّ السَّلامَ أمانٌ وأمانُ الرَّسُولِ أمانُ المُرْسِلِ فَيَكُونُ فاعِلًا لِلْأمْرِ مِن غَيْرِ إذَنِ اللَّهِ نِيابَةً عَنِ اللَّهِ فَقالَ: أنْتُمْ سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ وأنا مُتَوَقِّفٌ أمْرِي مُتارَكَةٌ لا تَعَلُّقَ بَيْنَنا إلى أنَّ يَتَبَيَّنَ الحالُ، ويَدُلُّ عَلى هَذا هو أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ وقالَ في مِثْلِ هَذا المَعْنى لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩] ولَمْ يُقِلْ قُلْ سَلامًا، وذَلِكَ لِأنَّ الأخْيارَ المَذْكُورِينَ في القُرْآنِ لَوْ سَلَّمُوا عَلى الجاهِلِينَ لا يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُرْمَةِ التَّعَرُّضِ إلَيْهِمْ، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ لَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُرْمَةِ التَّعَرُّضِ إلَيْهِمْ، فَقالَ: قُلْ سَلامٌ أيْ أمْرِي مَعَكم مُتارَكَةٌ تَرَكْناهُ إلى أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ بِأمْرٍ، وأمّا عَلى قَوْلِنا بِمَعْنى نُبَلِّغُ سَلامًا فَنَقُولُ هم لَمّا قالُوا نُبَلِّغُكَ سَلامًا ولَمْ يَعْلَمْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ مِمَّنْ قالَ سَلامٌ أيْ إنْ كانَ مِنَ اللَّهِ فَإنَّ هَذا مِنهُ قَدِ ازْدادَ بِهِ شَرَفِي وإلّا فَقَدْ بَلَغَنِي مِنهُ سَلامٌ وبِهِ شَرَفِي ولا أتَشَرَّفُ بِسَلامِ غَيْرِهِ، وهَذا ما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيهِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ. والأوَّلُ والثّانِي عَلَيْهِما الِاعْتِمادُ فَإنَّهُما أقْوى وقَدْ قِيلَ بِهِما.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ في سُورَةِ هُودٍ: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ [هود: ٧٠] فَدَلَّ عَلى أنَّ إنْكارَهم كانَ حاصِلًا بَعْدَ تَقْرِيبِهِ العِجْلَ مِنهم وقالَ هَهُنا: ﴿قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ .

51:26–27Page 521

فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجۡلٖ سَمِينٖ ٢٦

Then he went to his family and came with a fat [roasted] calf.

فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٢٧

And placed it near them; he said, "Will you not eat?"

ثُمَّ قالَ تَعالى:

﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾ بِفاءِ التَّعْقِيبِ فَدَلَّ عَلى أنَّ تَقْرِيبَ الطَّعامِ مِنهم بَعْدَ حُصُولِ الإنْكارِ لَهم، فَما الوَجْهُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: جازَ أنْ يَحْصُلَ أوَّلًا عِنْدَهُ مِنهم نُكْرٌ ثُمَّ زادَ عِنْدَ إمْساكِهِمْ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى هَذا هو أنَّهم كانُوا عَلى شَكْلٍ وهَيْئَةٍ غَيْرَ ما يَكُونُ عَلَيْهِ النّاسُ وكانُوا في أنْفُسِهِمْ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مُنْكَرِينَ، واشْتَرَكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرُهُ فِيهِ، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ أنْكَرْتُكم، بَلْ قالَ: ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الحِجْرِ: ٦٢ ] في أنْفُسِكم عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مِنّا، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَفَرَّدَ بِمُشاهَدَةِ أمْرٍ مِنهم هو الإمْساكُ فَنَكِرَهم فَوْقَ ما كانَ مِنهم بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، لَكِنَّ الحالَةَ في سُورَةِ هُودٍ مَحْكِيَّةٌ عَلى وجْهٍ أبْسَطَ مِمّا ذَكَرَهُ هَهُنا، فَإنَّ هَهُنا لَمْ يُبَيِّنِ المُبَشَّرَ بِهِ، وهُناكَ ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ وهو إسْحاقُ، ولَمْ يُقِلْ هَهُنا إنَّ القَوْمَ قَوْمُ مَن وهُناكَ قالَ قَوْمُ لُوطٍ، وفي الجُمْلَةِ مَن يَتَأمَّلُ السُّورَتَيْنِ يَعْلَمُ أنَّ الحِكايَةَ مَحْكِيَّةٌ هُناكَ عَلى وجْهِ الإضافَةِ أبْسَطَ، فَذَكَرَ فِيها النُّكْتَةَ الزّائِدَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ هَهُنا. ولْنَعُدْ إلى بَيانِ ما أتى بِهِ مِن آدابِ الإضافَةِ وما أتَوْا بِهِ مِن آدابِ الضِّيافَةِ، فالإكْرامُ أوَّلًا مِمَّنْ جاءَهُ ضَيْفٌ قَبْلَ أنْ يَجْتَمِعَ بِهِ ويُسَلِّمَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ أنْواعٌ مِنَ الإكْرامِ وهي اللِّقاءُ الحَسَنُ والخُرُوجُ إلَيْهِ والتَّهَيُّؤُ لَهُ ثُمَّ السَّلامُ مِنَ الضَّيْفِ عَلى الوَجْهِ الحَسَنِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ النَّصْبُ في قَوْلِهِ: ﴿سَلامًا﴾ إمّا لِكَوْنِهِ مُؤَكَّدًا بِالمَصْدَرِ أوْ لِكَوْنِهِ مُبَلِّغًا مِمَّنْ هو أعْظَمُ مِنهُ، ثُمَّ الرَّدُّ الحَسَنُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الرَّفْعُ والإمْساكُ عَنِ الكَلامِ لا يَكُونُ فِيهِ وفاءٌ فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم بَلْ قالَ أمْرِي مُسالِمَةٌ أوْ قَوْلُكم سَلامٌ وسَلامُكم مُنْكَرٌ فَإنَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ مُخِلًّا بِالإكْرامِ، لَكِنَّ العُذْرَ لَيْسَ مِن شِيَمِ الكِرامِ، ومَوَدَّةُ أعْداءِ اللَّهِ لا تَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ثُمَّ تَعْجِيلُ القِرى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ﴾ [هود: ٦٩]

صفحة ١٨٤

وقَوْلُهُ هَهُنا: ﴿فَراغَ﴾ فَإنَّ الرَّوَغانَ يَدُلُّ عَلى السُّرْعَةِ والرَّوْغِ الَّذِي بِمَعْنى النَّظَرِ الخَفِيِّ أوِ الرَّواحِ المَخْفِيِّ أيْضًا كَذَلِكَ، ثُمَّ الإخْفاءُ فَإنَّ المُضِيفَ إذا أحْضَرَ شَيْئًا يَنْبَغِي أنْ يُخْفِيَهُ عَنِ الضَّيْفِ كَيْ لا يَمْنَعَهُ مِنَ الإحْضارِ بِنَفْسِهِ حَيْثُ راغَ هو ولَمْ يَقُلْ هاتُوا، وغَيْبَةُ المُضِيفِ لَحْظَةً مِنَ الضَّيْفِ مُسْتَحْسَنٌ لِيَسْتَرِيحَ ويَأْتِيَ بِدَفْعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ ويَمْنَعُهُ الحَياءُ مِنهُ. ثُمَّ اخْتِيارُ الأجْوَدِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَمِينٍ﴾ ثُمَّ تَقْدِيمُ الطَّعامِ إلَيْهِمْ لا نَقْلُهم إلى الطَّعامِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ﴾ لِأنَّ مَن قَدَّمَ الطَّعامَ إلى قَوْمٍ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مُسْتَقِرًّا في مَقَرِّهِ لا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ المَكانُ فَإنْ نَقَلَهم إلى مَكانِ الطَّعامِ رُبَّما يَحْصُلُ هُناكَ اخْتِلافُ جُلُوسٍ فَيُقَرَّبُ الأدْنى ويُضَيَّقُ عَلى الأعْلى. ثُمَّ العَرْضُ لا الأمْرُ حَيْثُ قالَ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ كُلُوا. ثُمَّ كَوْنُ المُضِيفِ مَسْرُورًا بِأكْلِهِمْ غَيْرَ مَسْرُورٍ بِتَرْكِهِمُ الطَّعامَ كَما يُوجَدُ في بَعْضِ البُخَلاءِ المُتَكَلِّفِينَ الَّذِينَ يُحْضِرُونَ طَعامًا كَثِيرًا، ويَكُونُ نَظَرُهُ ونَظَرُ أهْلِ بَيْتِهِ في الطَّعامِ مَتى يُمْسِكُ الضَّيْفُ يَدَهُ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском