Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Adh-Dhariyat 51:28–39
51:28–32Page 521
فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٢٨
And he felt from them apprehension.1 They said, "Fear not," and gave him good tidings of a learned boy.
فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ ٢٩
And his wife approached with a cry [of alarm] and struck her face and said, "[I am] a barren old woman!"
قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٠
They said, "Thus has said your Lord; indeed, He is the Wise, the Knowing."
۞ قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣١
[Abraham] said, "Then what is your business [here], O messengers?"
قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ ٣٢
They said, "Indeed, we have been sent to a people of criminals1
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ثُمَّ أدَبُ الضَّيْفِ أنَّهُ إذا أكَلَ حَفِظَ حَقَّ المُؤاكَلَةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ خافَهم حَيْثُ لَمْ يَأْكُلُوا، ثُمَّ وُجُوبُ إظْهارِ العُذْرِ عِنْدَ الإمْساكِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لا تَخَفْ﴾ ثُمَّ تَحْسِينُ العِبارَةِ في العُذْرِ وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَكُونُ مُحْتَمِيًا وأُحْضِرُ لَدَيْهِ الطَّعامُ فَهُناكَ أمْرانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الطَّعامَ لا يَصْلُحُ لَهُ لِكَوْنِهِ مُضِرًّا بِهِ.
الثّانِي: كَوْنُهُ ضَعِيفَ القُوَّةِ عَنْ هَضْمِ ذَلِكَ الطَّعامِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَقُولَ الضَّيْفُ هَذا طَعامٌ غَلِيظٌ لا يَصْلُحُ لِي بَلِ الحَسَنُ أنْ يَأْتِيَ بِالعِبارَةِ الأُخْرى ويَقُولَ: لِي مانِعٌ مِن أكْلِ الطَّعامِ وفي بَيْتِي لا آكُلُ أيْضًا شَيْئًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ﴾ حَيْثُ فَهَّمُوهُ أنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ يَأْكُلُونَ ولَمْ يَقُولُوا لا يَصْلُحُ لَنا الطَّعامُ والشَّرابُ، ثُمَّ أدَبٌ آخَرُ في البِشارَةِ أنْ لا يُخْبَرَ الإنْسانُ بِما يَسُرُّهُ دُفْعَةً فَإنَّهُ يُورِثُ مَرَضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهم جَلَسُوا واسْتَأْنَسَ بِهِمْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ قالُوا نُبَشِّرُكَ ثُمَّ ذَكَرُوا أشْرَفَ النَّوْعَيْنِ وهو الذِّكْرُ ولَمْ يَقْتَنِعُوا بِهِ حَتّى وصَفُوهُ بِأحْسَنِ الأوْصافِ فَإنَّ الِابْنَ يَكُونُ دُونَ البِنْتِ إذا كانَتِ البِنْتُ كامِلَةَ الخِلْقَةِ حَسَنَةَ الخُلُقِ والِابْنُ بِالضِّدِّ، ثُمَّ إنَّهم تَرَكُوا سائِرَ الأوْصافِ مِنَ الحُسْنِ والجَمالِ والقُوَّةِ والسَّلامَةِ واخْتارُوا العِلْمَ إشارَةً إلى أنَّ العِلْمَ رَأْسُ الأوْصافِ ورَئِيسُ النُّعُوتِ، وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَةَ تَقْدِيمِ البِشارَةِ عَلى الإخْبارِ عَنْ إهْلاكِهِمْ قَوْمَ لُوطٍ، لِيَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُهْلِكُهم إلى خَلَفٍ، ويَأْتِي بِبَدَلِهِمْ خَيْرًا مِنهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ .
أيْ أقْبَلَتْ عَلى أهْلِها، وذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ في خِدْمَتِهِمْ، فَلَمّا تَكَلَّمُوا مَعَ زَوْجِها بِوِلادَتِها اسْتَحْيَتْ وأعْرَضَتْ عَنْهم، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِلَفْظِ الإقْبالِ عَلى الأهْلِ، ولَمْ يَقُلْ بِلَفْظِ الإدْبارِ عَنِ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ أيْ صَيْحَةٍ، كَما جَرَتْ عادَةُ النِّساءِ حَيْثُ يَسْمَعْنَ شَيْئًا مِن أحْوالِهِنَّ يَصِحْنَ صَيْحَةً مُعْتادَةً
صفحة ١٨٥
لَهُنَّ عِنْدَ الِاسْتِحْياءِ أوِ التَّعَجُّبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ تِلْكَ الصَّيْحَةُ كانَتْ بِقَوْلِها يا ويْلَتا، تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ هُودٍ، وصَكُّ الوَجْهَ أيْضًا مِن عادَتِهِنَّ، واسْتَبْعَدَتْ ذَلِكَ لِوَصْفَيْنِ مِنِ اجْتِماعِهِما.
أحَدُهُما: كِبَرُ السِّنِّ.
والثّانِي: العُقْمُ؛ لِأنَّها كانَتْ لا تَلِدُ في صِغَرِ سِنِّها، وعُنْفُوانِ شَبابِها، ثُمَّ عَجَزَتْ وأيِسَتْ فاسْتَبْعَدَتْ، فَكَأنَّها قالَتْ: يا لَيْتَكم دَعَوْتُمْ دُعاءً قَرِيبًا مِنَ الإجابَةِ، ظَنًّا مِنها أنَّ ذَلِكَ مِنهم، كَما يَصْدُرُ مِنَ الضَّيْفِ عَلى سَبِيلِ الأخْبارِ مِنَ الأدْعِيَةِ كَقَوْلِ الدّاعِي: اللَّهُ يُعْطِيكَ مالًا ويَرْزُقُكَ ولَدًا، فَقالُوا: هَذا مِنّا لَيْسَ بِدُعاءٍ. وإنَّما ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ﴾ ثُمَّ دَفَعُوا اسْتِبْعادَها بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ .
وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُما مِرارًا، فَإنْ قِيلَ لِمْ قالَ هَهُنا: ﴿الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ وقالَ في هُودٍ: ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] نَقُولُ لِما بَيَّنّا أنَّ الحِكايَةَ هُناكَ أبْسَطُ، فَذَكَرُوا ما يَدْفَعُ الِاسْتِبْعادَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣] ثُمَّ لَمّا صَدَّقَتْ أرْشَدُوهم إلى القِيامِ بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ، وذَكَّرُوهم بِنِعْمَتِهِ بِقَوْلِهِمْ: (حَمِيدٌ) فَإنَّ الحَمِيدَ هو الَّذِي يَتَحَقَّقُ مِنهُ الأفْعالُ الحَسَنَةُ، وقَوْلُهم: ﴿مَجِيدٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الفائِقَ العالِيَ الهِمَّةَ لا يَحْمَدُهُ لِفِعْلِهِ الجَمِيلِ، وإنَّما يَحْمَدُهُ ويَسْبَحُ لَهُ لِنَفْسِهِ، وهَهُنا لَمّا لَمْ يَقُولُوا: ﴿أتَعْجَبِينَ﴾ إشارَةً إلى ما يَدْفَعُ تَعُجُّبَها مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى حُكْمِهِ وعِلْمِهِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ مُراعًى في السُّورَتَيْنِ، فالحَمِيدُ يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ، والمَجِيدُ يَتَعَلَّقُ بِالقَوْلِ، وكَذَلِكَ الحَكِيمُ هو الَّذِي فِعْلُهُ، كَما يَنْبَغِي لِعِلْمِهِ قاصِدًا لِذَلِكَ الوَجْهِ بِخِلافِ مَن يَتَّفِقُ فِعْلُهُ مُوافِقًا لِلْمَقْصُودِ اتِّفاقًا، كَمَن يَنْقَلِبُ عَلى جَنْبِهِ فَيَقْتُلُ حَيَّةً وهو نائِمٌ، فَإنَّهُ لا يُقالُ لَهُ حَكِيمٌ، وأمّا إذا فَعَلَ فِعْلًا قاصِدًا لِقَتْلِها بِحَيْثُ يَسْلَمُ عَنْ نَهْشِها، يُقالُ لَهُ حَكِيمٌ فِيهِ، والعَلِيمُ راجِعٌ إلى الذّاتِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ بِمَجْدِهِ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ فِعْلًا وهو قاصِدٌ لِعِلْمِهِ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ عَلى وفْقِ القاصِدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا عَلِمَ حالَهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مُنْكَرُونَ﴾ لِمَ لَمْ يَقْنَعْ بِما بَشَّرُوهُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِلْبِشارَةِ لا غَيْرُ ؟ نَقُولُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى بِما هو مِن آدابِ المُضِيفِ حَيْثُ يَقُولُ لِضَيْفِهِ إذا اسْتَعْجَلَ في الخُرُوجِ ما هَذِهِ العَجَلَةُ، وما شُغْلُكَ الَّذِي يَمْنَعُنا مِنَ التَّشَرُّفِ بِالِاجْتِماعِ بِكَ، ولا يَسْكُتُ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ يُوهِمُ اسْتِثْقالَهم، ثُمَّ إنَّهم أتَوْا بِما هو مِن آدابِ الصَّدِيقِ الَّذِي لا يُسِرُّ عَنِ الصَّدِيقِ الصَّدُوقِ، لا سِيَّما وكانَ ذَلِكَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لَهم في إطْلاعِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى إهْلاكِهِمْ، وجَبْرِ قَلْبِهِ بِتَقْدِيمِ البِشارَةِ بِخَيْرِ البَدَلِ، وهو أبُو الأنْبِياءِ إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الصَّحِيحِ، فَإنْ قِيلَ فَما الَّذِي اقْتَضى ذِكْرَهُ بِالفاءِ، ولَوْ كانَ كَما ذَكَرْتُمْ لَقالَ ما هَذا الِاسْتِعْجالُ، وما خَطْبُكُمُ المُعَجَّلُ لَكم ؟ نَقُولُ: لَوْ كانَ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً وخَرَجُوا مِن غَيْرِ بِشارَةٍ وإيناسٍ ما كانَ يَقُولُ شَيْئًا، فَلَمّا آنَسُوهُ قالَ: ما خَطْبُكم، أيْ بَعْدَ هَذا الأُنْسِ العَظِيمِ، ما هَذا الإيحاشُ الألِيمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَلْ في الخَطْبِ فائِدَةٌ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِ مِنَ الألْفاظِ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ، وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ الألْفاظَ المُفْرَدَةَ الَّتِي يَقْرُبُ مِنها الشُّغْلُ والأمْرُ والفِعْلُ وأمْثالُها، وكُلُّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى عِظَمِ الأمْرِ، وأمّا الخَطْبُ فَهو الأمْرُ العَظِيمُ، وعِظَمُ الشَّأْنِ يَدُلُّ عَلى عِظَمِ مَن عَلى يَدِهِ يَنْقَضِي، فَقالَ: ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ لِعَظَمَتِكم لا تُرْسَلُونَ إلّا في عَظِيمٍ، ولَوْ قالَ بِلَفْظٍ مُرَكَّبٍ بِأنْ يَقُولَ ما شُغْلُكُمُ الخَطِيرُ وأمْرُكُمُ العَظِيمُ لَلَزِمَ التَّطْوِيلُ، فالخَطْبُ أفادَ التَّعْظِيمَ مَعَ الإيجازِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مَن أيْنَ عُرِفَ كَوْنُهم مُرْسَلِينَ ؟ فَنَقُولُ ﴿قالُوا﴾ لَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ هَهُنا لِما بَيَّنّا أنَّ الحِكايَةَ بِبَسْطِها مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ هُودٍ، أوْ نَقُولُ لَمّا قالُوا لِامْرَأتِهِ: ﴿كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ﴾ عَلِمَ كَوْنَهم مُنْزَلِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَيْثُ كانُوا يَحْكُونَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى، يَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ قَوْلَهم: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ كانَ جَوابَ سُؤالِهِ مِنهم.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذِهِ الحِكايَةُ بِعَيْنِها هي المَحْكِيَّةُ في هُودٍ، وهُناكَ قالُوا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ بَعْدَما زالَ عَنْهُ الرَّوْعُ وبَشَّرُوهُ، وهُنا قالُوا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ بَعْدَما سَألَهم عَنِ الخَطْبِ، وأيْضًا قالُوا هُناكَ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] وقالُوا هَهُنا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ والحِكايَةُ مِن قَوْلِهِمْ، فَإنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ ورَدَ السُّؤالُ أيْضًا، فَنَقُولُ إذًا قالَ قائِلٌ حاكِيًا عَنْ زَيْدٍ: قالَ زَيْدٌ عَمْرٌو خَرَجَ، ثُمَّ يَقُولُ مَرَّةً أُخْرى: قالَ زَيْدٌ إنْ بَكْرًا خَرَجَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ صَدَرَ مِن زَيْدٍ قَوْلانِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ حاكِيًا ما قالَهُ زَيْدٌ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: هو أنَّهُ لَمّا خافَ جازَ أنَّهم ما قالُوا لَهُ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هُودٍ: ٧٠] فَلَمّا قالَ لَهم ماذا تَفْعَلُونَ بِهِمْ، كانَ لَهم أنْ يَقُولُوا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ لِنُهْلِكَهم، كَما يَقُولُ القائِلُ: خَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ، فَيُقالُ: لِماذا خَرَجْتَ ؟ فَيَقُولُ: خَرَجْتُ لِأتَّجِرَ، لَكِنَّ هَهُنا فائِدَةً مَعْنَوِيَّةً، وهي أنَّهم إنَّما قالُوا في جَوابِ ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ نُهْلِكُهم بِأمْرِ اللَّهِ، لِتُعْلَمَ بَراءَتُهم عَنْ إيلامِ البَرِيءِ، وإهْمالِ الرَّدِيءِ فَأعادُوا لَفْظَ الإرْسالِ، وأمّا عَنِ الثّانِي: نَقُولُ الحِكايَةُ قَدْ تَكُونُ حِكايَةَ اللَّفْظِ، كَما تَقُولُ: قالَ زَيْدٌ بِعَمْرٍو مَرَرْتُ، فَيَحْكِي لَفْظَهُ المَحْكِيَّ، وقَدْ يَكُونُ حِكايَةً لِكَلامِهِ بِمَعْناهُ تَقُولُ: زَيْدٌ قالَ عَمْرٌو خَرَجَ، ولَكَ أنَّ تُبَدِّلَ مَرَّةً أُخْرى في غَيْرِ تِلْكَ الحِكايَةِ بِلَفْظَةٍ أُخْرى، فَتَقُولُ لَمّا قالَ زَيْدٌ بَكْرٌ خَرَجَ، قُلْتُ كَيْتَ وكَيْتَ، كَذَلِكَ هَهُنا القُرْآنُ لَفْظٌ مُعْجِزٌ، وما صَدَرَ مِمَّنْ تَقَدَّمَ نَبِيَّنا عَلَيْهِ السَّلامُ سَواءً كانَ مِنهم، وسَواءً كانَ مُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُهُ مُعْجِزًا، فَيَلْزَمُ أنْ لا تَكُونَ هَذِهِ الحِكاياتُ بِتِلْكَ الألْفاظِ، فَكَأنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ وقالُوا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هُودٍ: ٧٠] ولَهُ أنْ يَقُولَ، إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ مَن آمَنَ بِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَحْكِي لَفْظَهم حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ واحِدًا، بَلْ يَحْكِي كَلامَهم بِمَعْناهُ ولَهُ عِباراتٌ كَثِيرَةٌ. ألا تَرى أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى لَفْظَهم في السَّلامِ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ في التَّفْسِيرِ، قالَ في المَوْضِعَيْنِ: سَلامًا وسَلامٌ ثُمَّ بَيَّنَ ما لِأجْلِهِ أُرْسِلُوا بِقَوْلِهِ: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ في العَنْكَبُوتِ، وقُلْنا: إنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الرَّمْيِ بِالحِجارَةِ عَلى اللّائِطِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أيُّ حاجَةٍ إلى قَوْمٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وواحِدٌ مِنهم كانَ يَقْلِبُ المَدائِنَ بِرِيشَةٍ مِن جَناحِهِ ؟ نَقُولُ: المَلِكُ القادِرُ قَدْ يَأْمُرُ الحَقِيرَ بِإهْلاكِ الرَّجُلِ الخَطِيرِ، ويَأْمُرُ الرَّجُلَ الخَطِيرَ بِخِدْمَةِ الشَّخْصِ الحَقِيرِ، إظْهارًا لِنَفاذِ أمْرِهِ، فَحَيْثُ أهْلَكَ الخَلْقَ الكَثِيرَ بِالقُمَّلِ والجَرادِ والبَعُوضِ بَلْ بِالرِّيحِ الَّتِي بِها الحَياةُ، كانَ أظْهَرَ في القُدْرَةِ وحَيْثُ أمَرَ الآلافَ مِنَ المَلائِكَةِ بِإهْلاكِ أهْلِ بَدْرٍ مَعَ قِلَّتِهِمْ كانَ أظْهَرَ في نَفاذِ الأمْرِ. وفِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى، وهي أنْ مَن يَكُونُ تَحْتَ طاعَةِ مَلِكٍ عَظِيمٍ، ويَظْهَرُ لَهُ عَدُوٌّ ويَسْتَعِينُ بِالمَلِكِ فَيُعِينُهُ بِأكابِرِ عَسْكَرِهِ، يَكُونُ ذَلِكَ تَعْظِيمًا مِنهُ لَهُ وكُلَّما كانَ العَدُوُّ أكْثَرَ والمَدَدُ أوْفَرَ كانَ التَّعْظِيمُ أتَمَّ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أعانَ لُوطًا بِعَشْرَةٍ ونَبِيِّنا عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَمْسَةِ آلافٍ، وبَيْنَ العَدَدَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ ما لا يَخْفى وقَدْ ذَكَرْنا نُبَذًا مِنهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [يس: ٢٨] .
صفحة ١٨٧
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفائِدَةُ في تَأْكِيدِ الحِجارَةِ بِكَوْنِها ﴿مِن طِينٍ﴾ ؟ نَقُولُ: لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ يُسَمِّي البَرَدَ حِجارَةً فَقَوْلُهُ: ﴿مِن طِينٍ﴾ يَدْفَعُ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ، واعْلَمْ أنَّ بَعْضَ مَن يَدَّعِي النَّظَرَ يَقُولُ: لا يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إلّا حِجارَةٌ مِن طِينٍ مُدَوَّراتٌ عَلى هَيْئَةِ البَرَدِ وهَيْئَةِ البَنادِقِ الَّتِي يَتَّخِذُها الرُّماةُ، قالُوا: وسَبَبُ ذَلِكَ هو أنَّ الإعْصارَ يُصْعِدُ الغُبارَ مِنَ الفَلَواتِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا عِمارَةَ فِيها، والرِّياحَ تَسُوقُها إلى بَعْضِ البِلادِ، ويَتَّفِقُ وُصُولُ ذَلِكَ إلى هَواءٍ نَدِيٍّ، فَيَصِيرُ طِينًا رَطْبًا، والرَّطْبُ إذا نَزَلَ وتَفَرَّقَ اسْتَدارَ، بِدَلِيلِ أنَّكَ إذا رَمَيْتَ الماءَ إلى فَوْقُ ثُمَّ نَظَرْتَ إلَيْهِ رَأيْتَهُ يَنْزِلُ كُراتٍ مُدَوَّراتٍ كاللَّآلِئِ الكِبارِ، ثُمَّ في النُّزُولِ إذا اتَّفَقَ أنْ تَضْرِبَهُ النِّيرانُ الَّتِي في الجَوِّ، جَعَلَتْهُ حِجارَةً كالآجُرِّ المَطْبُوخِ، فَيَنْزِلُ فَيُصِيبُ مَن قَدَّرَ اللَّهُ هَلاكَهُ، وقَدْ يَنْزِلُ كَثِيرًا في المَواضِعِ الَّتِي لا عِمارَةَ بِها فَلا يُرى ولا يُدْرى بِهِ، ولِهَذا قالَ: ﴿مِن طِينٍ﴾ لِأنَّ ما لا يَكُونُ ﴿مِن طِينٍ﴾ كالحَجَرِ الَّذِي في الصَّواعِقِ لا يَكُونُ كَثِيرًا بِحَيْثُ يُمْطِرُ وهَذا تَعَسُّفٌ، ومَن يَكُونُ كامِلَ العَقْلِ يُسْنِدُ الفِكْرَ إلى ما قالَهُ ذَلِكَ القائِلُ، فَيَقُولُ ذَلِكَ الإعْصارُ لَمّا وقَعَ فَإنْ وقَعَ بِحادِثٍ آخَرَ يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ ولا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى مُحْدِثٍ لَيْسَ بِحادِثٍ، فَذَلِكَ المُحْدِثُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ فاعِلًا مُخْتارًا، والمُخْتارُ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما ذَكَرَ ولَهُ أنْ يَخْلُقَ الحِجارَةَ مِن طِينٍ عَلى وجْهٍ آخَرَ مِن غَيْرِ نارٍ ولا غُبارٍ، لَكِنَّ العَقْلَ لا طَرِيقَ لَهُ إلى الجَزْمِ بِطَرِيقِ إحْداثِهِ وما لا يَصِلُ العَقْلَ إلَيْهِ يَجِبُ أخْذُهُ بِالنَّقْلِ، والنَّصُّ ورَدَ بِهِ فَأخَذْنا بِهِ ولا نَعْلَمُ الكَيْفِيَّةَ وإنَّما المَعْلُومُ أنَّ الحِجارَةَ الَّتِي مِن طِينٍ نُزُولُها مِنَ السَّماءِ أغْرَبُ وأعْجَبُ مَن غَيْرِها؛ لِأنَّها في العادَةِ لا بُدَّ لَها مِن مُكْثٍ في النّارِ.
51:34–36Page 522
مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُسۡرِفِينَ ٣٤
Marked in the presence of your Lord for the transgressors."
فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣٥
So We brought out whoever was in them [i.e., the cities] of the believers.
فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٦
And We found not within them other than a [single] house of Muslims.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ.
أحَدُها: مَكْتُوبٌ عَلى كُلٍّ واحِدٍ اسْمُ واحِدٍ يُقْتَلُ بِهِ.
ثانِيها: أنَّها خُلِقَتْ بِاسْمِهِمْ ولِتَعْذِيبِهِمْ بِخِلافِ سائِرِ الأحْجارِ فَإنَّها مَخْلُوقَةٌ لِلِانْتِفاعِ في الأبْنِيَةِ وغَيْرِها.
ثالِثُها: مُرْسَلَةٌ لِلْمُجْرِمِينَ لِأنَّ الإرْسالَ يُقالُ في السَّوائِمِ يُقالُ أرْسَلَها لِتَرْعى فَيَجُوزُ أنْ يَقُولَ سَوَّمَها بِمَعْنى أرْسَلَها وبِهَذا يُفَسَّرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] إشارَةً إلى الِاسْتِغْناءِ عَنْها وأنَّها لَيْسَتْ لِلرُّكُوبِ لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى الغِنى، كَما قالَ: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ إشارَةٌ إلى خِلافِ ما يَقُولُ الطَّبِيعِيُّونَ: إنَّ الحِجارَةَ إذا أصابَتْ واحِدًا مِنَ النّاسِ فَذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الِاتِّفاقِ فَإنَّها تَنْزِلُ بِطَبْعِها يَتَّفِقُ شَخْصٌ لَها فَتُصِيبُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أيْ في أوَّلِ ما خُلِقَ وأُرْسِلَ. إذا عُلِمَ هَذا فَإنَّما كانَ ذَلِكَ عَلى قَصْدِ إهْلاكِ المُسْرِفِينَ، فَإنْ قِيلَ: إذا كانَتِ الحِجارَةُ مُسَوَّمَةً لِلْمُسْرِفِينَ فَكَيْفَ قالُوا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ﴾ مَعَ أنَّ المُسْرِفَ غَيْرُ المُجْرِمِ في اللُّغَةِ ؟ نَقُولُ: المُجْرِمُ هو الآتِي بِالذَّنْبِ العَظِيمِ لِأنَّ الجُرْمَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى العِظَمِ ومِنهُ جُرْمُ الشَّيْءِ لِعَظَمَةِ مِقْدارِهِ، والمُسْرِفُ هو الآتِي بِالكَبِيرَةِ، ومَن أسْرَفَ ولَوْ في الصَّغائِرِ يَصِيرُ مُجْرِمًا لِأنَّ الصَّغِيرَ إلى الصَّغِيرِ إذا انْضَمَّ صارَ كَبِيرًا، ومَن أجْرَمَ فَقَدْ أسْرَفَ لِأنَّهُ أتى بِالكَبِيرَةِ ولَوْ دُفْعَةً واحِدَةً فالوَصْفانِ اجْتَمَعا فِيهِمْ. لَكِنَّ فِيهِ لَطِيفَةً مَعْنَوِيَّةً، وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى سَوَّمَها لِلْمُسْرِفِ المُصِرِّ الَّذِي لا يَتْرُكُ الجُرْمَ، والعِلْمُ بِالأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، يَعْلَمُ أنَّهم مُسْرِفُونَ فَأمَرَ المَلائِكَةَ بِإرْسالِها عَلَيْهِمْ، وأمّا المَلائِكَةُ فَعِلْمُهم تَعَلَّقَ بِالحاضِرِ وهم كانُوا مُجْرِمُونَ فَقالُوا: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ﴾ نَعْلَمُهم مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً خُلِقَتْ لِمَن لا يُؤْمِنُ ويُصِرُّ ويُسْرِفُ ولَزِمَ مِن هَذا عِلْمُنا بِأنَّهم لَوْ عاشُوا سِنِينَ لَتَمادَوْا في الإجْرامِ، فَإنْ قِيلَ اللّامُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ أوْ لِتَعْرِيفِ العَهْدِ ؟ نَقُولُ لِتَعْرِيفِ العَهْدِ أيْ مُسَوَّمَةً
صفحة ١٨٨
لِهَؤُلاءِ المُسْرِفِينَ إذْ لَيْسَ لِكُلِّ مُسْرِفٍ حِجارَةٌ مُسَوَّمَةٌ، فَإنْ قِيلَ ما إسْرافُهم ؟ نَقُولُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] أيْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَكم أحَدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ فِيهِ فائِدَتانِ:
إحْداهُما: بَيانُ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ فَإنَّ مَن يَقُولُ بِالِاتِّفاقِ يَقُولُ يُصِيبُ البَرَّ والفاجِرَ فَلَمّا مَيَّزَ اللَّهُ المُجْرِمَ عَنِ المُحْسِنِ دَلَّ عَلى الِاخْتِيارِ.
ثانِيها: بَيانُ أنَّهُ بِبَرَكَةِ المُحْسِنِ يَنْجُو المُسِيءُ فَإنَّ القَرْيَةَ ما دامَ فِيها المُؤْمِنُ لَمْ تَهْلِكْ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القَرْيَةِ مَعْلُومَةً وإنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً.
51:37Page 522
وَتَرَكۡنَا فِيهَآ ءَايَةٗ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٣٧
And We left therein a sign for those who fear the painful punishment.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الكُفْرَ إذا غَلَبَ والفِسْقَ إذا فَشا لا تَنْفَعُ مَعَهُ عِبادَةُ المُؤْمِنِينَ، بِخِلافِ ما لَوْ كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ عَلى الطَّرِيقَةِ المُسْتَقِيمَةِ وفِيهِمْ شِرْذِمَةٌ يَسِيرَةٌ يَسْرِقُونَ ويَزْنُونَ، وقِيلَ في مِثالِهِ إنَّ العالَمَ كَبَدَنٍ ووُجُودُ الصّالِحِينَ كالأغْذِيَةِ البارِدَةِ والحارَّةِ والكُفّارُ والفُسّاقُ كالسُّمُومِ الوارِدَةِ عَلَيْهِ الضّارَّةِ، ثُمَّ إنَّ البَدَنَ إنْ خَلا عَنِ المَنافِعِ وفِيهِ المَضارُّ هَلَكَ وإنَّ خَلا عَنِ المَضارِّ وفِيهِ المَنافِعُ طابَ عَيْشُهُ ونَما، وإنْ وُجِدَ فِيهِ كِلاهُما فالحُكْمُ لِلْغالِبِ. فَكَذَلِكَ البِلادُ والعِبادُ، والدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُسْلِمَ بِمَعْنى المُؤْمِنِ ظاهِرَةٌ، والحَقُّ أنَّ المُسْلِمَ أعَمُّ مِنَ المُؤْمِنِ وإطْلاقُ العامِّ عَلى الخاصِّ لا مانِعَ مِنهُ، فَإذا سُمِّيَ المُؤْمِنُ مُسْلِمًا لا يَدُلُّ عَلى اتِّحادِ مَفْهُومَيْهِما، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ أخْرَجْنا المُؤْمِنِينَ فَما وجَدْنا الأعَمَّ مِنهم إلّا بَيْتًا مِنَ المُسْلِمِينَ ويَلْزَمُ مِن هَذا أنْ لا يَكُونَ هُناكَ غَيْرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا كَما لَوْ قالَ قائِلٌ لِغَيْرِهِ: مَن في البَيْتِ مِنَ النّاسِ ؟ فَيَقُولُ لَهُ: ما في البَيْتِ مِنَ الحَيَواناتِ أحَدٌ غَيْرُ زَيْدٍ، فَيَكُونُ مُخْبِرًا لَهُ بِخُلُوِّ البَيْتِ عَنْ كُلِّ إنْسانٍ غَيْرِ زَيْدٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ .
وفِي الآيَةِ خِلافٌ. قِيلَ: هو ماءٌ أسْوَدُ مُنْتِنٌ انْشَقَّتْ أرْضُهم وخَرَجَ مِنها ذَلِكَ، وقِيلَ: حِجارَةٌ مَرْمِيَّةٌ في دِيارِهِمْ وهي بَيْنَ الشّامِ والحِجازِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ أيِ المُنْتَفِعِ بِها هو الخائِفُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [ العَنْكَبُوتِ: ٣٥] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وبَيْنَهُما في اللَّفْظِ فَرْقٌ قالَ هَهُنا: ﴿آيَةً﴾ وقالَ هُناكَ: ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ [ العَنْكَبُوتِ: ٣٥] وقالَ هُناكَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ﴾ فَهَلْ في المَعْنى فَرْقٌ ؟ نَقُولُ هُناكَ مَذْكُورٌ بِأبْلَغِ وجْهٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ حَيْثُ وصَفَها بِالظُّهُورِ، وكَذَلِكَ مِنها وفِيها فَإنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن نَفْسِها لَكم آيَةٌ باقِيَةٌ، وكَذَلِكَ قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فَإنَّ العاقِلَ أعَمُّ مِنَ الخائِفِ، فَكانَتِ الآيَةُ هُناكَ أظْهَرَ، وسَبَبُهُ ما ذَكَرْنا أنَّ القَصْدَ هُناكَ تَخْوِيفُ القَوْمِ، وهَهُنا تَسْلِيَةُ القَلْبِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ وقالَ هُناكَ: ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣] مِن غَيْرِ بَيانٍ وافٍ بِنَجاةِ المُسْلِمِينَ والمُؤْمِنِينَ بِأسْرِهِمْ.
51:38–39Page 522
وَفِي مُوسَىٰٓ إِذۡ أَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٣٨
And in Moses [was a sign], when We sent him to Pharaoh with clear authority.1
فَتَوَلَّىٰ بِرُكۡنِهِۦ وَقَالَ سَٰحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٞ ٣٩
But he turned away with his supporters and said, "A magician or a madman."
صفحة ١٨٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفِي مُوسى إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وقالَ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿وفِي مُوسى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَعْلُومٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَذْكُورٍ، أمّا الأوَّلُ فَفِيهِ وُجُوهٌ.
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ ذَلِكَ في إبْراهِيمَ وفي مُوسى؛ لِأنَّ مَن ذَكَرَ إبْراهِيمَ يَعْلَمُ ذَلِكَ.
الثّانِي: لِقَوْمِكَ في لُوطٍ وقَوْمِهِ عِبْرَةٌ، وفي مُوسى وفِرْعَوْنَ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ هُناكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: تَفَكَّرُوا في إبْراهِيمَ ولُوطٍ وقَوْمِهِما، وفي مُوسى وفِرْعَوْنَ، والكُلُّ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.
وأمّا الثّانِي فَفِيهِ أيْضًا وُجُوهٌ.
أحَدُها: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾، ﴿وفِي مُوسى﴾ وهو بَعِيدٌ لِبُعْدِهِ في الذِّكْرِ، ولِعَدَمِ المُناسِبَةِ بَيْنَهُما.
ثانِيها: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ﴾، ﴿وفِي مُوسى﴾ أيْ: وجَعَلْنا في مُوسى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا، وتَقَلَّدْتُ سَيْفًا ورُمْحًا، وهو أقْرَبُ، ولا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ إذا قُلْنا بِما قالَ بِهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا فِيها﴾ عائِدٌ إلى القَرْيَةِ.
ثالِثُها: أنْ نَقُولَ ”فِيها“ راجِعٌ إلى الحِكايَةِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وتَرَكْنا في حِكايَتِهِمْ آيَةً أوْ في قِصَّتِهِمْ، فَيَكُونُ: وفي قِصَّةِ مُوسى آيَةٌ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الِاحْتِمالِ الأوَّلِ، وهو العَطْفُ عَلى المَعْلُومِ.
رابِعُها: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ وتَقْدِيرُهُ: وفي مُوسى حَدِيثٌ إذْ أرْسَلْناهُ، وهو مُناسِبٌ إذْ جَمَعَ اللَّهُ كَثِيرًا مِن ذِكْرِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٦] وقالَ تَعالى: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ والسُّلْطانُ القُوَّةُ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، والمُبِينُ الفارِقُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما كانَ مَعَهُ مِنَ البَراهِينِ القاطِعَةِ الَّتِي حاجَّ بِها فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المُعْجِزُ الفارِقُ بَيْنَ سِحْرِ السّاحِرِ وأمْرِ المُرْسَلِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، والرَّكْنُ إشارَةٌ إلى القَوْمِ كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: أعْرَضَ مَعَ قَوْمِهِ، يُقالُ نَزَلَ فُلانٌ بِعَسْكَرِهِ عَلى كَذا، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات: ٢٢ - ٢٣] قالَ: ﴿أدْبَرَ﴾ وهو بِمَعْنى تَوَلّى وقَوْلُهُ: ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٣] في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِرُكْنِهِ﴾ .
الثّانِي: ﴿فَتَوَلّى﴾ أيِ اتَّخَذَ ولِيًّا، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ حِينَئِذٍ يَعْنِي تَقَوّى بِجُنْدِهِ.
والثّالِثُ: تَوَلّى أمْرَ مُوسى بِقُوَّتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: أقْتُلُ مُوسى لِئَلّا يُبَدِّلُ دِينَكم، ولا يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ، فَتَوَلّى أمْرَهُ بِنَفْسِهِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المَفْعُولُ غَيْرَ مَذْكُورٍ، ورُكْنُهُ هو نَفْسُهُ القَوِيَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن رُكْنِهِ هامانَ، فَإنَّهُ كانَ وزِيرَهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي أظْهَرُ.
﴿وقالَ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ أيْ هَذا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ساحِرٌ﴾ أيْ يَأْتِي الجِنَّ بِسِحْرِهِ أوْ يَقْرُبُ مِنهم، والجِنُّ يَقْرُبُونَ مِنهُ ويَقْصِدُونَهُ إنْ كانَ هو لا يَقْصِدُهم، فالسّاحِرُ والمَجْنُونُ كِلاهُما أمْرُهُ مَعَ الجِنِّ، غَيْرَ أنَّ السّاحِرَ يَأْتِيهِمْ بِاخْتِيارِهِ، والمَجْنُونَ يَأْتُونَهُ مِن غَيْرِ اخْتِيارِهِ، فَكَأنَّهُ أرادَ صِيانَةَ كَلامِهِ عَنِ الكَذِبِ. فَقالَ هو يَسْحَرُ الجِنَّ أوْ يُسْحَرُ، فَإنْ كانَ لَيْسَ عِنْدَهُ مِنهُ خَبَرٌ، ولا يَقْصِدُ ذَلِكَ فالجِنُّ يَأْتُونَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences