Ar-RaziAdh-Dhariyat · 51:40–49

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Adh-Dhariyat 51:40–49

51:40–41Page 522

فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٞ ٤٠

So We took him and his soldiers and cast them into the sea, and he was blameworthy.

وَفِي عَادٍ إِذۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلۡعَقِيمَ ٤١

And in ʿAad [was a sign], when We sent against them the barren wind.1

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ وهو مُلِيمٌ﴾ وهو إشارَةٌ إلى بَعْضِ ما أتى بِهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: واتَّخَذَ الأوْلِياءَ فَلَمْ يَنْفَعُوهُ، وأخَذَهُ اللَّهُ وأخَذَ أرْكانَهُ وألْقاهم جَمِيعًا في اليَمِّ وهو البَحْرُ، والحِكايَةُ

صفحة ١٩٠

مَشْهُورَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ مُلِيمٌ﴾ نَقُولُ فِيهِ شَرَفُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أمّا شَرَفُهُ فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ بِأنَّهُ أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: إنِّي أُرِيدُ هَلاكَ أعْدائِكَ يا إلَهَ العالَمِينَ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ إلّا هَذا، أمّا فِرْعَوْنُ فَقالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] فَكانَ سَبَبُهُ تِلْكَ، وهَذا كَما قالَ القائِلُ: فُلانٌ عَيْبُهُ أنَّهُ سارِقٌ، أوْ قاتِلٌ، أوْ يُعاشِرُ النّاسَ فَيُؤْذِيهِمْ، وفُلانٌ عَيْبُهُ أنَّهُ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ لا يُعاشِرُ، فَتَكُونُ نِسْبَةُ العَيْبَيْنِ بَعْضِهِما إلى بَعْضٍ سَبَبًا لِمَدْحِ أحَدِهِما وذَمِّ الآخَرِ. وأمّا بِشارَةُ المُؤْمِنِينَ فَهو بِسَبَبِ أنَّ مَنِ التَقَمَهُ الحُوتُ وهو مُلِيمٌ نَجّاهُ اللَّهُ تَعالى بِتَسْبِيحِهِ، ومَن أهْلَكَهُ اللَّهُ بِتَعْذِيبِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ إيمانُهُ حِينَ قالَ: ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ وفِيهِ ما ذَكَرْنا مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها في عَطْفِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ أنَّ المَقْصُودَ هَهُنا تَسْلِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ وتَذْكِيرُهُ بِحالِ الأنْبِياءِ، ولَمْ يَذْكُرْ في عادٍ وثَمُودَ أنْبِياءَهم، كَما ذَكَرَ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، نَقُولُ في ذِكْرِ الآياتِ سِتُّ حِكاياتٍ: حِكايَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِشارَتِهِ، وحِكايَةُ قَوْمِ لُوطٍ ونَجاةِ مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ، وحِكايَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي هَذِهِ الحِكاياتِ الثَّلاثِ ذِكْرُ الرُّسُلِ والمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ النّاجِينَ فِيهِمْ كانُوا كَثِيرِينَ، أمّا في حَقِّ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ فَظاهِرٌ، وأمّا في قَوْمِ لُوطٍ فَلِأنَّ النّاجِينَ، وإنْ كانُوا أهْلَ بَيْتٍ واحِدٍ، ولَكِنَّ المُهْلَكِينَ كانُوا أيْضًا أهْلَ بُقْعَةٍ واحِدَةٍ.

وأمّا عادٌ وثَمُودُ وقَوْمُ نُوحٍ فَكانَ عَدَدُ المُهْلَكِينَ بِالنِّسْبَةِ إلى النّاجِينَ أضْعافَ ما كانَ عَدَدُ المُهْلَكِينَ بِالنِّسْبَةِ إلى النّاجِينَ مِن قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

فَذَكَرَ الحِكاياتِ الثَّلاثَ الأُوَلَ لِلتَّسْلِيَةِ بِالنَّجاةِ، وذَكَرَ الثَّلاثَ المُتَأخِّرَةَ لِلتَّسْلِيَةِ بِإهْلاكِ العَدُوِّ، والكُلُّ مَذْكُورٌ لِلتَّسْلِيَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ الآياتِ: ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٢] إلى أنْ قالَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٤ - ٥٥] .

وفِي هُودٍ قالَ بَعْدَ الحِكاياتِ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ [هُودٍ: ١٠٠] إلى أنْ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] فَذَكَرَ بَعْدَها ما يُؤَكِّدُ التَّهْدِيدَ، وذَكَرَ بَعْدَ الحِكاياتِ هَهُنا ما يُفِيدُ التَّسَلِّي، وقَوْلُهُ: ﴿العَقِيمَ﴾ أيْ لَيْسَتْ مِنَ اللَّواقِحِ لِأنَّها كانَتْ تَكْسِرُ وتَقْلَعُ فَكَيْفَ كانَتْ تُلَقِّحُ والفَعِيلُ لا يَلْحَقُ بِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ إذا كانَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وكَذَلِكَ إذا كانَ بِمَعْنى فاعِلٍ في بَعْضِ الصُّوَرِ، وقَدْ ذَكَرْنا سَبَبَهُ أنَّ فَعِيلًا لَمّا جاءَ لِلْمَفْعُولِ والفاعِلِ جَمِيعًا ولَمْ يَتَمَيَّزِ المَفْعُولُ عَنِ الفاعِلِ فَأوْلى أنْ لا يَتَمَيَّزَ المُؤَنَّثُ عَنِ المُذَكَّرِ فِيهِ لِأنَّهُ لَوْ تَمَيَّزَ لَتَمَيَّزَ الفاعِلُ عَنِ المَفْعُولِ قَبْلَ تَمَيُّزِ المُؤَنَّثِ والمُذَكَّرِ؛ لَأنَّ الفاعِلَ جُزْءٌ مِنَ الكَلامِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ فَأوَّلُ ما يَحْصُلُ في الفِعْلِ الفاعِلُ ثُمَّ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ يَصِيرُ كالصِّفَةِ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ، تَقُولُ فاعِلٌ وفاعِلَةٌ ومَفْعُولٌ ومُفَعْوِلَةٌ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ جُعِلَ بِحَرْفٍ مُمازِجٍ لِلْكَلِمَةِ فَقِيلَ فاعِلٌ بِألِفٍ فاصِلَةٍ بَيْنَ الفاءِ والعَيْنِ الَّتِي هي مِن أصْلِ الكَلِمَةِ، وقِيلَ مَفْعُولٌ بِواوٍ فاصِلَةٍ بَيْنَ العَيْنِ واللّامِ، والتَّأْنِيثُ كانَ بِحَرْفٍ في آخِرِ الكَلِمَةِ فالمُمَيِّزُ فِيهِما غَيَّرَ نَظْمَ الكَلِمَةِ لِشَدَّةِ الحاجَةِ وفي

صفحة ١٩١

التَّأْنِيثِ لَمْ يُؤَثِّرْ، ولِأنَّ التَّمْيِيزَ في الفاعِلِ والمَفْعُولِ كانَ بِأمْرَيْنِ يَخْتَصُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِأحَدِهِما فالألِفُ بَعْدَ الفاءِ يَخْتَصُّ بِالفاعِلِ والمِيمُ والواوُ يَخْتَصُّ بِالمَفْعُولِ والتَّمْيِيزُ في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ بِحَرْفٍ عِنْدَ وُجُودِهِ يُمَيَّزُ المُؤَنَّثُ وعِنْدَ عَدَمِهِ يَبْقى اللَّفْظُ عَلى أصْلِ التَّذْكِيرِ فَإذا لَمْ يَكُنْ فَعِيلٌ يَمْتازُ فِيهِ الفاعِلُ عَنِ المَفْعُولِ إلّا بِأمْرٍ مُنْفَصِلٍ كَذَلِكَ المُؤَنَّثُ والمُذَكَّرُ لا يَمْتازُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ إلّا بِحَرْفٍ غَيْرِ مُتَّصِلٍ بِهِ.

51:42–43Page 522

مَا تَذَرُ مِن شَيۡءٍ أَتَتۡ عَلَيۡهِ إِلَّا جَعَلَتۡهُ كَٱلرَّمِيمِ ٤٢

It left nothing of what it came upon but that it made it like disintegrated ruins.

وَفِي ثَمُودَ إِذۡ قِيلَ لَهُمۡ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٖ ٤٣

And in Thamūd, when it was said to them, "Enjoy yourselves for a time."

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلّا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

الأوَّلُ: في إعْرابِهِ وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: نُصِبَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ الرِّيحِ بَعْدَ صِفَةِ العَقِيمِ ذَكَرَ الواحِدِيُّ أنَّهُ وصْفٌ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ وصْفًا والمَعْرِفَةُ لا تُوصَفُ بِالجُمَلِ وما تَذْرُ جُمْلَةٌ ولا يُوصَفُ بِها إلّا النَّكِراتُ ؟ نَقُولُ الجَوابُ فِيهِ مِن وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَكُونُ بِإعادَةِ الرِّيحِ تَقْدِيرًا كَأنَّهُ يَقُولُ: وأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ رِيحًا ما تَذْرُ.

ثانِيهِما: هو أنَّ المُعَرَّفَ نَكِرَةٌ لِأنَّ تِلْكَ الرِّيحَ مُنْكَّرَةٌ كَأنَّهُ يَقُولُ: وأرْسَلْنا الرِّيحَ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مِنَ الرِّياحِ الَّتِي تَقَعُ ولا وقَعَ مِثْلُها فَهي لِشِدَّتِها مُنْكَّرَةٌ، ولِهَذا أكْثَرَ ما ذَكَرَها في القُرْآنِ ذَكَرَها مُنَكَّرَةً ووَصَفَها بِالجُمْلَةِ مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

الوَجْهُ الثّانِي: وهو الأصَحُّ أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ تَقُولُ جاءَنِي ما يَفْهَمُ شَيْئًا فَعَلَّمْتُهُ وفَهَّمْتُهُ أيْ حالُهُ كَذا، فَإنْ قِيلَ لَمْ تَكُنْ حالُ الإرْسالِ ما تَذْرُ والحالُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مَعَ ذِي الحالِ وقْتَ الفِعْلِ فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ جاءَنِي زَيْدٌ أمْسِ راكِبًا غَدًا، والرِّيحَ بَعْدَما أُرْسِلَتْ بِزَمانٍ صارَتْ ما تَذْرُ شَيْئًا. نَقُولُ المُرادُ بِهِ البَيانُ بِالصَّلاحِيَّةِ أيْ أرْسَلْناها وهي عَلى قُوَّةٍ وصَلاحِيَّةٍ أنْ لا تَذْرَ، نَقُولُ لِمَن جاءَ وأقامَ عِنْدَكَ أيّامًا ثُمَّ سَألَكَ شَيْئًا، جِئْتَنِي سائِلًا أيْ قَبْلَ السُّؤالِ بِالصَّلاحِيَةِ والإمْكانِ، هَذا إنْ قُلْنا إنَّهُ نُصِبَ وهو المَشْهُورُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هي ما تَذْرُ.

البَحْثُ الثّانِي: ﴿ما تَذَرُ﴾ لِلنَّفْيِ حالَ التَّكَلُّمِ يُقالُ ما يَخْرُجُ زَيْدٌ أيِ الآنَ، وإذا أرَدْتَ المُسْتَقْبَلَ تَقُولُ لا يَخْرُجُ أوْ لَنْ يَخْرُجَ، وأمّا الماضِي تَقُولُ ما خَرَجَ ولَمْ يَخْرُجْ، والرِّيحُ حالَةَ الكَلامِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ كانَتْ ما تَرَكَتْ شَيْئًا إلّا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ فَكَيْفَ قالَ بِلَفْظِ الحالَةِ: ﴿ما تَذَرُ﴾ ؟ نَقُولُ الحِكايَةُ مُقَدَّرَةٌ عَلى أنَّها مَحْكِيَّةٌ حالَ الوُقُوعِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨] مَعَ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ الماضِي لا يَعْمَلُ وإنَّما يَعْمَلُ ما كانَ مِنهُ بِمَعْنى الحالِ والِاسْتِقْبالِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: هَلْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ﴾ مُبالَغَةٌ ودُخُولُ تَخْصِيصٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ [الأحقاف: ٢٥] ؟ نَقُولُ هو كَما وقَعَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أتَتْ عَلَيْهِ﴾ وصْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿شَيْءٍ﴾ كَأنَّهُ قالَ كُلُّ شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ أوْ كُلُّ شَيْءٍ تَأْتِي عَلَيْهِ جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ ولا يَدْخُلُ فِيهِ السَّماواتُ لِأنَّها ما أتَتْ عَلَيْها وإنَّما يَدْخُلُ فِيهِ الأجْسامُ الَّتِي تَهُبُّ عَلَيْها الرِّياحُ، فَإنْ قِيلَ فالجِبالُ والصُّخُورُ أتَتْ عَلَيْها وما جَعَلَتْها كالرَّمِيمِ ؟ نَقُولُ المُرادُ أتَتْ عَلَيْهِ قَصْدًا وهو عادٌ وأبْنِيَتُهم وعُرُوشُهم وذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ مَأْمُورَةً بِأمْرٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَكَأنَّها كانَتْ قاصِدَةً إيّاهم فَما تَرَكَتْ شَيْئًا مِن تِلْكَ الأشْياءِ إلّا جَعَلْتَهُ كالرَّمِيمِ مَعَ أنَّ الصِّرَّ الرِّيحُ البارِدَةُ والمُكَرَّرُ لا يَنْفَكُّ عَنِ المَعْنى الَّذِي في اللَّفْظِ مِن غَيْرِ تَكْرِيرٍ، تَقُولُ حَثَّ وحَثْحَثَ وفِيهِ ما في حَثَّ نَقُولُ

صفحة ١٩٢

فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ بارِدَةً فَكانَتْ في أيّامِ العَجُوزُ وهي ثَمانِيَةُ أيّامٍ مِن آخَرِ شُباطَ وأوَّلِ أذارَ، والرِّيحُ البارِدَةُ مِن شِدَّةِ بَرْدِها تُحْرِقُ الأشْجارَ والثِّمارَ وغَيْرَهُما وتُسَوِّدُهُما.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ حارَةٌ والصِّرُّ هو الشَّدِيدُ لا البارِدُ وبِالشِّدَّةِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ أيْ في شِدَّةٍ مِنَ الحَرِّ.

البَحْثُ الرّابِعُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلّا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ لِأنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَذَرُ﴾ نَفْيُ التَّرْكِ مَعَ إثْباتِ الإتْيانِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ تَأْتِي عَلى أشْياءَ وما تَتْرُكُها غَيْرَ مُحَرَّقَةٍ وقَوْلُ القائِلِ: ما أتى عَلى شَيْءٍ إلّا جَعَلَهُ كَذا يَكُونُ نَفْيُ الإتْيانِ عَمّا لَمْ يَجْعَلْهُ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي ثَمُودَ﴾ والبَحْثُ فِيهِ وفي عادٍ هو ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي مُوسى﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قِيلَ لَهم تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ مِنهُ هو ما أمْهَلَهُمُ اللَّهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ بَعْدَ قَتْلِهِمُ النّاقَةَ وكانَتْ في تِلْكَ الأيّامِ تَتَغَيَّرُ ألْوانُهم فَتَصْفَرُّ وُجُوهُهم وتَسْوَدُّ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الذاريات: ٤٤] بِحَرْفِ الفاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ العُتُوَّ كانَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ فَإذَنِ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ هو ما قَدَّرَ اللَّهُ لِلنّاسِ مِنَ الآجالِ، فَما مِن أحَدٍ إلّا وهو مُمَهَّلٌ مُدَّةَ الأجَلِ يَقُولُ لَهُ تَمَتَّعْ إلى آخِرِ أجَلِكَ فَإنْ أحْسَنْتَ فَقَدْ حَصَلَ لَكَ التَّمَتُّعُ في الدّارَيْنِ وإلّا فَما لَكَ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ.

51:44–47Page 522

فَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٤٤

But they were insolent toward the command of their Lord, so the thunderbolt seized them while they were looking on.

فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مِن قِيَامٖ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ ٤٥

And they were unable to arise, nor could they defend themselves.

وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٤٦

And [We destroyed] the people of Noah before; indeed, they were a people defiantly disobedient.

وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ٤٧

And the heaven We constructed with strength,1 and indeed, We are [its] expander.

وقَوْلُهُ: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ﴾ فِيهِ بَحْثٌ وهو أنَّ عَتا يُسْتَعْمَلُ بِعَلى قالَ تَعالى: ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩] وهَهُنا اسْتُعْمِلَ مَعَ كَلِمَةِ عَنْ فَنَقُولُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِعْتاءِ فَحَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ كانَ كَقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وحَيْثُ قالَ عَلى كانَ كَقَوْلِ القائِلِ فُلانٌ يَتَكَبَّرُ عَلَيْنا، والصّاعِقَةُ فِيهِ وجْهانِ ذَكَرْناهُما هُنا.

أحَدُها: أنَّها الواقِعَةُ.

والثّانِي: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ إشارَةٌ إلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ إمّا بِمَعْنى تَسْلِيمِهِمْ وعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى الدَّفْعِ كَما يَقُولُ القائِلُ لِلْمَضْرُوبِ يَضْرِبُكَ فُلانٌ وأنْتَ تَنْظُرُ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَدْفَعُ، وإمّا بِمَعْنى أنَّ العَذابَ أتاهم لا عَلى غَفْلَةٍ بَلْ أُنْذِرُوا بِهِ مِن قَبْلُ بِثَلاثَةِ أيّامٍ وانْتَظَرُوهُ، ولَوْ كانَ عَلى غَفْلَةٍ لَكانَ لِمُتَوَهِّمٍ أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّهم أُخِذُوا عَلى غَفْلَةٍ أخْذَ العاجِلِ المُحْتاجِ، كَما يَقُولُ المُبارِزُ الشُّجاعُ أخْبَرْتُكَ بِقَصْدِي إيّاكَ فانْتَظَرَنِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لِبَيانِ عَجْزِهِمْ عَنِ الهَرَبِ والفِرارِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، فَإنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى قِيامٍ كَيْفَ يَمْشِي فَضْلًا عَنْ أنْ يَهْرُبَ، وعَلى هَذا فِيهِ لَطائِفُ لَفْظِيَّةٌ.

إحْداها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَطاعُوا﴾ فَإنَّ الِاسْتِطاعَةَ دُونَ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ في الِاسْتِطاعَةِ دَلالَةَ الطَّلَبِ وهو يُنْبِئُ عَنْ عَدَمِ القُدْرَةِ والِاسْتِقْلالِ، فَمَنِ اسْتَطاعَ شَيْئًا كانَ دُونَ مَن يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ولِهَذا يَقُولُ المُتَكَلِّمُونَ الِاسْتِطاعَةُ مَعَ الفِعْلِ أوْ قَبْلَ الفِعْلِ إشارَةٌ إلى قُدْرَةٍ مَطْلُوبَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَأْخُوذَةٍ مِنهُ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة: ١١٢] عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتّاءِ وقَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَطاعُوا﴾ أبْلَغُ مِن قَوْلِ القائِلِ ما قَدَرُوا عَلى قِيامٍ.

ثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قِيامٍ﴾ بِزِيادَةِ مِن، وقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ.

ثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿قِيامٍ﴾ بَدَلُ قَوْلِهِ ”هَرَبٍ“ لِما بَيَّنّا أنَّ العاجِزَ عَنِ القِيامِ أوْلى أنْ يَعْجِزَ عَنِ الهَرَبِ.

الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ المُرادَ

صفحة ١٩٣

”مِن قِيامٍ“ القِيامُ بِالأمْرِ، أيْ ما اسْتَطاعُوا مِن قِيامٍ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ أيْ ما اسْتَطاعُوا الهَزِيمَةَ والهَرَبَ، ومَن لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ يُقاتِلُ ويَنْتَصِرُ بِكُلِّ ما يُمْكِنُهُ لِأنَّهُ يَدْفَعُ عَنِ الرُّوحِ وهم مَعَ ذَلِكَ ما كانُوا مُنْتَصِرِينَ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ ما هو بِمُنْتَصِرٍ أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ ما انْتَصَرَ ولا يَنْتَصِرُ والجَوابُ تُرِكَ مَعَ كَوْنِهِ يَجِبُ تَقْدِيرُهُ وقَوْلُهُ: ﴿انْتَصَرَ﴾ [ الشُّورى: ٤١] أيْ لِشَيْءٍ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ، كَما تَقُولُ فُلانٌ لا يَنْصُرُ أوْ فُلانٌ لَيْسَ يَنْصُرُ.

* *

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ قُرِئَ:”قَوْمَ“ بِالجَرِّ والنَّصْبِ فَما وجْهُهُما ؟

نَقُولُ: أمّا الجَرُّ فَظاهِرٌ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: وفي عادٍ وفي مُوسى، تَقُولُ لَكَ في فُلانٍ عِبْرَةٌ وفي فُلانٍ وفُلانٍ، وأمّا النَّصْبُ فَعَلى تَقْدِيرِ: وأهْلَكْنا قَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ دَلَّ عَلى الهَلاكِ فَهو عَطْفٌ عَلى المَحَلِّ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ مَعْناهُ ظاهِرٌ كَأنَّهُ يَقُولُ: ”وأهْلَكْنا قَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ“ وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَتَقْدِيرُهُ: وفي قَوْمِ نُوحٍ لَكم عِبْرَةٌ مِن قَبْلِ ثَمُودَ وعادٍ وغَيْرِهِمْ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ . وهو بَيانٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ، وما تَقَدَّمَ كانَ بَيانًا لِلْحَشْرِ.

وأمّا قَوْلُهُ هَهُنا: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ وأنْتُمْ تَعْرِفُونَ أنَّ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما خَلَقُوا مِنها شَيْئًا فَلا يَصِحُّ الإشْراكُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ هَذا عَوْدٌ بَعْدَ التَّهْدِيدِ إلى إقامَةِ الدَّلِيلِ، وبِناءُ السَّماءِ دَلِيلٌ عَلى القُدْرَةِ عَلى خَلْقِ الأجْسامِ ثانِيًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: النَّصْبُ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ يُخْتارُ في مَواضِعَ، وإذا كانَ العَطْفُ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ فَما تِلْكَ الجُمْلَةُ ؟ نَقُولُ في بَعْضِ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعادٍ وثَمُودَ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٠ ] تَقْدِيرُهُ وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ عادٍ وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ ثَمُودَ، عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ وعَلى هَذا يَكُونُ ما تَقَدَّمَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً لا خَفاءَ فِيهِ، وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ الوَجْهِ فالجارُّ والمَجْرُورُ النَّصْبُ أقْرَبُ مِنهُ إلى الرَّفْعِ فَكانَ عَطْفًا عَلى ما بِالنَّصْبِ أوْلى، ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَنَبَذْناهُمْ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿أرْسَلْنا﴾ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ و﴿فَما اسْتَطاعُوا﴾ كُلُّها فِعْلِيّاتٌ فَصارَ النَّصْبُ مُخْتارًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَرَّرَ ذِكْرَ البِناءِ في السَّماواتِ، قالَ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] وقالَ تَعالى: ﴿أمِ السَّماءُ بَناها﴾ [النازعات: ٢٧] وقالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [غافر: ٦٥] فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: أنَّ البِناءَ باقٍ إلى قِيامِ القِيامَةِ لَمْ يَسْقُطْ مِنهُ شَيْءٌ ولَمْ يُعْدَمْ مِنهُ جُزْءٌ، وأمّا الأرْضُ فَهي في التَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ فَهي كالفَرْشِ الَّذِي يُبْسَطُ ويُطْوى ويُنْقَلُ، والسَّماءُ كالبِناءِ المَبْنِيِّ الثّابِتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبْعًا شِدادًا﴾ [النبأ: ١٢] وأمّا الأراضِي فَكَمْ مِنها ما صارَ بَحْرًا وعادَ أرْضًا مِن وقْتِ حُدُوثِها.

ثانِيها: أنَّ السَّماءَ تُرى كالقُبَّةِ المَبْنِيَّةِ فَوْقَ الرُّءُوسِ، والأرْضَ مَبْسُوطَةٌ مَدْحُوَّةٌ، والبِناءُ بِالمَرْفُوعِ ألْيَقُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ [النازعات: ٢٨] .

ثالِثُها: قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: السَّماءُ مَسْكَنُ الأرْواحِ والأرْضُ

صفحة ١٩٤

مَوْضِعُ الأعْمالِ والمَسْكَنُ ألْيَقُ بِكَوْنِهِ بِناءً واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الأصْلُ تَقْدِيمُ العامِلِ عَلى المَعْمُولِ والفِعْلُ هو العامِلُ فَقَوْلُهُ: ”بَنَيْنا“ عامِلٌ في السَّماءِ، فَما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى الفِعْلِ ولَوْ قالَ: وبَنَيْنا السَّماءَ بِأيْدٍ، كانَ أوْجَزَ ؟ نَقُولُ الصّانِعُ قَبْلَ الصُّنْعِ عِنْدَ النّاظِرِ في المَعْرِفَةِ، فَلَمّا كانَ المَقْصُودُ إثْباتُ العِلْمِ بِالصّانِعِ، قُدِّمَ الدَّلِيلُ فَقالَ والسَّماءَ المُزَيَّنَةَ الَّتِي لا تَشُكُّونَ فِيها بَنَيْناها فاعْرِفُونا بِها إنْ كُنْتُمْ لا تَعْرِفُونَنا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا كانَ المَقْصُودُ إثْباتَ التَّوْحِيدِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿بَنَيْناها﴾ ولَمْ يَقُلْ بَنَيْتُها أوْ بَناها اللَّهُ ؟ نَقُولُ قَوْلُهُ:”بَنَيْنا“ أدَلُّ عَلى عَدَمِ الشَّرِيكِ في التَّصَرُّفِ والِاسْتِبْدادِ، وقَوْلُهُ بَنَيْتُها يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيهِ تَشْرِيكٌ، وتَمامُ التَّقْرِيرِ هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَنَيْناها﴾ لا يُورِثُ إيهامًا بِأنَّ الآلِهَةَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها هي الَّتِي يَرْجِعُ إلَيْها الضَّمِيرُ في ﴿بَنَيْناها﴾ لِأنَّ تِلْكَ إمّا أصْنامٌ مَنحُوتَةٌ وإمّا كَواكِبُ جَعَلُوا الأصْنامَ عَلى صُوَرِها وطَبائِعِها، فَأمّا الأصْنامُ المَنحُوتَةُ فَلا يَشُكُّونَ أنَّها ما بَنَتْ مِنَ السَّماءِ شَيْئًا، وأمّا الكَواكِبُ فَهي في السَّماءِ مُحْتاجَةٌ إلَيْها فَلا تَكُونُ هي بانِيَتَها، وإنَّما يُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّما بُنِيَتْ لَها وجُعِلَتْ أماكِنُها، فَلَمّا لَمْ يُتَوَهَّمْ ما قالُوا قالَ بَنَيْنا نَحْنُ ونَحْنُ غَيْرُ ما يَقُولُونَ ويَدَعُونَهُ فَلا يَصْلُحُونَ لَنا شُرَكاءَ؛ لِأنَّ كُلَّ ما هو غَيْرُ السَّماءِ ودُونَ السَّماءِ في المَرْتَبَةِ فَلا يَكُونُ خالِقَ السَّماءِ وبانِيَها.

فَإذَنْ عُلِمَ أنَّ المُرادَ جَمْعُ التَّعْظِيمِ، وأفادَ النَّصُّ عَظَمَتَهُ، فالعَظَمَةُ أنْفى لِلشَّرِيكِ فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَنَيْناها﴾ أدَلُّ عَلى نَفْيِ الشَّرِيكِ مِن بَنَيْتُها وبَناها اللَّهُ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قُلْتَ: إنَّ الجَمْعَ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ ؟ قُلْنا: الجَوابُ مِنَ الوَجْهَيْنِ.

الأوَّلُ: أنَّ الكَلامَ عَلى قَدْرٍ فَهْمِ السّامِعِ، والسّامِعُ هو الإنْسانُ، والإنْسانُ يَقِيسُ الشّاهِدَ عَلى الغائِبِ، فَإنَّ الكَبِيرَ عِنْدَهم مَن يَفْعَلُ الشَّيْءَ بِجُنْدِهِ وخَدَمِهِ ولا يُباشِرُ بِنَفْسِهِ، فَيَقُولُ المَلِكُ فَعَلْنا أيْ فَعَلَهُ عِبادُنا بِأمْرِنا ويَكُونُ في ذَلِكَ تَعْظِيمٌ، فَكَذَلِكَ في حَقِّ الغائِبِ.

الوَجْهُ الآخَرُ: هو أنَّ القَوْلَ إذا وقَعَ مِن واحِدٍ وكانَ الغَيْرُ بِهِ راضِيًا يَقُولُ القائِلُ فَعَلْنا كُلُّنا كَذا وإذا اجْتَمَعَ جَمْعٌ عَلى فِعْلٍ لا يَقَعُ إلّا بِالبَعْضِ، كَما إذا خَرَجَ جَمٌّ غَفِيرٌ وجَمْعٌ كَثِيرٌ لِقَتْلِ سَبْعٍ وقَتَلُوهُ يُقالُ قَتَلَهُ أهْلُ بَلْدَةٍ كَذا لِرِضا الكُلِّ بِهِ وقَصْدِ الكُلِّ إلَيْهِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فاللَّهُ تَعالى كَيْفَما أمَرَ بِفِعْلِ شَيْءٍ لا يَكُونُ لِأحَدٍ رَدُّهُ وكانَ كُلُّ واحِدٍ مُنْقادًا لَهُ، يَقُولُ بَدَلَ فَعَلْتُ فَعَلْنا، ولِهَذا المَلِكِ العَظِيمِ أجْمَعْنا بِحَيْثُ لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ ولا يُرَدِّدُهُ نَفْسٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأيْدٍ﴾ أيْ قُوَّةٍ والأيْدُ القُوَّةُ هَذا هو المَشْهُورُ وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٧] يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ إنَّ المُرادَ جَمْعُ اليَدِ، ودَلِيلُهُ أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقالَ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١] وهو راجِعٌ في الحَقِيقَةِ إلى المَعْنى الأوَّلِ وعَلى هَذا فَحَيْثُ قالَ: ﴿خَلَقْتُ﴾ قالَ: ﴿بِيَدَيَّ﴾ وحَيْثُ قالَ: (بَنَيْنا) قالَ: ﴿بِأيْدٍ﴾ لِمُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، فَإنْ قِيلَ لَمْ يَقُلْ بَنَيْناها بِأيْدِينا وقالَ: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ ؟ نَقُولُ: لِفائِدَةٍ جَلِيلَةٍ، وهي أنَّ السَّماءَ لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، والأنْعامُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَقالَ هُناكَ: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [ص: ٧١] تَصْرِيحًا بِأنَّ الحَيَوانَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ وكَذَلِكَ ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥ ] وفي السَّماءِ ﴿بِأيْدٍ﴾ مِن غَيْرِ إضافَةٍ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْها وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى وهي أنَّ هُناكَ لَمّا أثْبَتَ الإضافَةَ بَعْدَ حَذْفِ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى المَفْعُولِ، فَلَمْ يَقُلْ خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ ولا قالَ عَمِلَتْهُ أيْدِينا وقالَ هَهُنا: ﴿بَنَيْناها﴾ لِأنَّ هُناكَ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِ أحَدٍ أنَّ الإنْسانَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وأنَّ الحَيَوانَ غَيْرُ مَعْمُولٍ فَلَمْ يَقُلْ خَلَقْتُهُ ولا عَمِلْتُهُ وأمّا السَّماءُ فَبَعْضُ الجُهّالِ يَزْعُمُ أنَّها غَيْرُ مَجْعُولَةٍ فَقالَ: ﴿بَنَيْناها﴾ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ تَصْرِيحًا بِأنَّها مَخْلُوقَةٌ.

صفحة ١٩٥

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ مِنَ السَّعَةِ أيْ أوْسَعْناها بِحَيْثُ صارَتِ الأرْضُ وما يُحِيطُ بِها مِنَ الماءِ والهَواءِ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماءِ وسَعَتِها كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ، والبِناءُ الواسِعُ الفَضاءِ عَجِيبٌ فَإنَّ القُبَّةَ الواسِعَةَ لا يَقْدِرُ عَلَيْها البَنّاءُونَ لِأنَّهم يَحْتاجُونَ إلى إقامَةِ آلَةٍ يَصِحُّ بِها اسْتِدارَتُها ويَثْبُتُ بِها تَماسُكُ أجْزائِها إلى أنْ يَتَّصِلَ بَعْضُها بِبَعْضٍ.

ثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ أيْ لَقادِرُونَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] أيْ قُدْرَتُها والمُناسَبَةُ حِينَئِذٍ ظاهِرَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ بِأنَّ ذَلِكَ حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى المَقْصُودِ الآخَرِ وهو الحَشْرُ كَأنَّهُ يَقُولُ: بَنَيْنا السَّماءَ، وإنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نَخْلُقَ أمْثالَها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] .

ثالِثُها: ﴿وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ الرِّزْقَ عَلى الخَلْقِ.

51:48–49Page 522

وَٱلۡأَرۡضَ فَرَشۡنَٰهَا فَنِعۡمَ ٱلۡمَٰهِدُونَ ٤٨

And the earth We have spread out, and excellent is the preparer.

وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٤٩

And of all things We created two mates [i.e., counterparts]; perhaps you will remember.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ اسْتِدْلالًا بِالأرْضِ وقَدْ عُلِمَ ما في قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ فَرَشْناها﴾ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ دَحْوَ الأرْضِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ؛ لِأنَّ بِناءَ البَيْتِ يَكُونُ في العادَةِ قَبْلَ الفَرْشِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ أيْ نَحْنُ أوْ فَنَعِمَ الماهِدُونَ ماهِدُوها.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ اسْتِدْلالًا بِما بَيْنَهُما والزَّوْجانِ إمّا الضِّدّانِ فَإنَّ الذَّكَرَ والأُنْثى كالضِّدَّيْنِ والزَّوْجانِ مِنهُما كَذَلِكَ، وإمّا المُتَشاكِلانِ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ شَبِيهٌ ونَظِيرٌ وضِدٌّ ونِدٌّ، قالَ المَنطِقِيُّونَ المُرادُ بِالشَّيْءِ الجِنْسُ وأقَلُّ ما يَكُونُ تَحْتَ الجِنْسِ نَوْعانِ فَمِن كُلِّ جِنْسٍ خَلَقَ نَوْعَيْنِ، مِنَ الجَوْهَرِ مَثَلًا المادِّيَّ والمُجَرَّدَ، ومِنَ المادِّيِّ النّامِيَ والجامِدَ ومِنَ النّامِي المُدْرِكَ والنَّباتَ ومِنَ المُدْرِكِ النّاطِقَ والصّامِتَ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَرْدٌ لا كَثْرَةَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ أنَّ خالِقَ الأزْواجِ لا يَكُونُ لَهُ زَوْجٌ وإلّا لَكانَ مُمْكِنًا فَيَكُونُ مَخْلُوقًا ولا يَكُونُ خالِقًا، أوْ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أنَّ خالِقَ الأزْواجِ لا يَعْجِزُ عَنْ حَشْرِ الأجْسامِ وجَمْعِ الأرْواحِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском