Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Adh-Dhariyat 51:57–60
51:57Page 523
مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧
I do not want from them any provision, nor do I want them to feed Me.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ وفِيهِ جَوابُ سُؤالٍ وهو أنَّ الخَلْقَ لِلْغَرَضِ يُنْبِئُ عَنِ الحاجَةِ، فَقالَ ما خَلَقْتُهم لِيُطْعِمُونِ، والنَّفْعُ فِيهِ لَهم لا لِي، وذَلِكَ لِأنَّ مَنفَعَةَ العَبْدِ في حَقِّ السَّيِّدِ أنْ يَكْتَسِبَ لَهُ، إمّا بِتَحْصِيلِ المالِ لَهُ أوْ بِحِفْظِ المالِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَبْدَ إنْ كانَ لِلْكَسْبِ فَغَرَضُ التَّحْصِيلِ فِيهِ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ لِلشُّغُلِ فَلَوْلا العَبْدُ لاحْتاجَ السَّيِّدُ إلى اسْتِئْجارِ مَن يَفْعَلُ الشُّغُلَ لَهُ فَيَحْتاجُ إلى إخْراجِ مالٍ، والعَبْدُ يَحْفَظُ مالَهُ عَلَيْهِ ويُغْنِيهِ عَنِ الإخْراجِ فَهو نَوْعُ كَسْبٍ فَقالَ تَعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ أيْ لَسْتُ كالسّادَةِ في طَلَبِ العِبادَةِ بَلْ هُمُ الرّابِحُونَ في عِبادَتِهِمْ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يُقالَ هَذا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِمْ مَخْلُوقِينَ لِلْعِبادَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ في العُرْفِ لا بُدَّ لَهُ مِن مَنفَعَةٍ، لَكِنَّ العَبِيدَ عَلى
صفحة ٢٠١
قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ مِنهم يَكُونُ لِلْعَظَمَةِ والجَمالِ كَمَمالِيكِ المُلُوكِ يُطْعِمُهُمُ المَلِكُ ويَسْقِيهِمْ ويُعْطِيهِمُ الأطْرافَ مِنَ البِلادِ ويُؤْتِيهِمُ الطِّرافَ بَعْدَ التِّلادِ، والمُرادُ مِنهُمُ التَّعْظِيمُ والمُثُولُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ووَضْعُ اليَمِينِ عَلى الشِّمالِ لَدَيْهِ، وقِسْمٌ مِنهم لِلِانْتِفاعِ بِهِمْ في تَحْصِيلِ الأرْزاقِ أوْ لِإصْلاحِها فَقالَ تَعالى إنِّي خَلَقْتُهم فَلا بُدَّ فِيهِمْ مِن مَنفَعَةٍ فَلْيَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ هَلْ هم مِن قَبِيلِ أنْ يُطْلُبَ مِنهم تَحْصِيلُ رِزْقٍ ولَيْسُوا كَذَلِكَ، فَما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ، أوْ هَلْ هم مِمَّنْ يُطْلَبُ مِنهم إصْلاحُ قُوتٍ كالطَّبّاخِ والخِوانِيِّ الَّذِي يُقَرُّبُ الطَّعامَ ولَيْسُوا كَذَلِكَ فَما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ، فَإذَنْ هم عَبِيدٌ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ أنْ لا يَتْرُكُوا التَّعْظِيمَ، وفِيهِ لِطائِفُ نَذْكُرُها في مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في تَكْرارِ الإرادَتَيْنِ، ومَن لا يُرِيدُ مِن أحَدٍ رِزْقًا لا يُرِيدُ أنْ يُطْعِمَهُ ؟ نَقُولُ هو لِما ذَكَرْناهُ مِن قَبْلُ، وهو أنَّ السَّيِّدَ قَدْ يَطْلُبُ مِنَ العَبْدِ الكَسْبَ لَهُ، وهو طَلَبُ الرِّزْقِ مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ لِلسَّيِّدِ مالٌ وافِرٌ يَسْتَغْنِي عَنِ الكَسْبِ لَكِنَّهُ يَطْلُبُ مِنهُ قَضاءَ حَوائِجَهُ بِمالِهِ مِنَ المالِ وإحْضارَ الطَّعامِ بَيْنَ يَدَيْهِ مِن مالِهِ، فالسَّيِّدُ قالَ لا أُرِيدُ ذَلِكَ ولا هَذا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِمَ قَدَّمَ طَلَبَ الرِّزْقِ عَلى طَلَبِ الإطْعامِ ؟ نَقُولُ ذَلِكَ مِن بابِ الِارْتِقاءِ كَقَوْلِ القائِلِ لا أطْلُبُ مِنكَ الإعانَةَ ولا مِمَّنْ هو أقْوى ولا يُعْكَسُ، ويُقالُ فُلانٌ يُكْرِمُهُ الأُمَراءُ بَلِ السَّلاطِينُ ولا يُعْكَسُ، فَقالَ هَهُنا لا أطْلُبُ مِنكم رِزْقًا ولا ما هو دُونَ ذَلِكَ وهو تَقْدِيمُ طَعامٍ بَيْنَ يَدَيِ السَّيِّدِ فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ كَثِيرُ الطَّلَبِ مِنَ العِبادِ وإنْ كانَ الكَسْبُ لا يُطْلَبُ مِنهم.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَوْ قالَ ما أُرِيدُ مِنهم أنْ يَرْزُقُونِ وما أُرِيدُ مِنهم مَنِ الطَّعامِ هَلْ تَحْصُلُ هَذِهِ الفائِدَةُ ؟ نَقُولُ: عَلى ما فَصَّلَ لا وذَلِكَ لِأنَّ بِالتَّكَسُّبِ يُطْلَبُ الغِنى لا الفِعْلُ فَإنِ اشْتَغَلَ بِشُغُلٍ، ولَمْ يَحْصُلْ لَهُ غِنًى لا يَكُونُ كَمَن حَصَلَ لَهُ غِنًى، وإنْ لَمْ يَشْتَغِلْ، كالعَبْدِ المُتَكَسِّبِ إذا تَرَكَ الشُّغُلَ لِحاجَتِهِ ووَجَدَ مَطْلَبًا يَرْضى مِنهُ السَّيِّدُ إذا كانَ شُغُلُهُ التَّكَسُّبَ، وأمّا مَن يُرادُ مِنهُ الفِعْلُ لِذاتِ الفِعْلِ، كالجائِعِ إذا بَعَثَ عَبْدَهُ لِإحْضارِ الطَّعامِ فاشْتَغَلَ بِأخْذِ المالِ مِن مَطْلَبٍ فَرُبَّما لا يَرْضى بِهِ السَّيِّدُ فالمَقْصُودُ مِنَ الرِّزْقِ الغِنى، فَلَمْ يَقُلْ بِلَفْظِ الفِعْلِ والمَقْصُودُ مِنَ الإطْعامِ الفِعْلُ نَفْسُهُ فَذُكِرَ بِلَفْظِ الفِعْلِ، ولَمْ يَقُلْ وما أُرِيدُ مِنهم مِن طَعامٍ هَذا مَعَ ما في اللَّفْظَيْنِ مِنَ الفَصاحَةِ والجَزالَةِ لِلتَّنْوِيعِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا كانَ المَعْنى بِهِ ما ذَكَرْتَ، فَما فائِدَةُ الإطْعامِ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ عَدَمُ طَلَبِ فِعْلٍ مِنهم غَيْرَ التَّعْظِيمِ ؟ نَقُولُ لَمّا عَمَّمَ في المَطْلَبِ الأوَّلِ اكْتَفى بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رِزْقٍ﴾ فَإنَّهُ يُفِيدُ العُمُومَ، وأشارَ إلى التَّعْظِيمِ فَذَكَرَ الإطْعامَ، وذَلِكَ لِأنَّ أدْنى دَرَجاتِ الأفْعالِ أنْ يَسْتَعِينَ السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ أوْ جارِيَتِهِ في تَهْيِئَةِ أمْرِ الطَّعامِ، ونَفْيُ الأدْنى يَسْتَتْبِعُهُ نَفْيُ الأعْلى بِطَرِيقِ الأوْلى فَصارَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما أُرِيدُ مِنهُمْ﴾ مِن عَيْنٍ ولا عَمَلٍ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: عَلى ما ذَكَرْتُ لا تَنْحَصِرُ المَطالِبُ فِيما ذَكَرَهُ؛ لِأنَّ السَّيِّدَ قَدْ يَشْتَرِي العَبْدَ لا لِطَلَبِ عَمَلٍ مِنهُ ولا لِطَلَبِ رِزْقٍ ولا لِلتَّعْظِيمِ، بَلْ يَشْتَرِيهِ لِلتِّجارَةِ والرِّبْحِ فِيهِ، نَقُولُ: عُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ﴾ يَتَناوَلُ ذَلِكَ فَإنَّ مَنِ اشْتَرى عَبَدًا لِيَتَّجِرَ فِيهِ فَقَدْ طَلَبَ مِنهُ رِزْقًا.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ”ما أُرِيدُ“ في العَرَبِيَّةِ يُفِيدُ النَّفْيَ في الحالِ، والتَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ يُوهِمُ نَفْيَ ما عَدا المَذْكُورِ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرِيدُ مِنهم رِزْقًا لا في الحالِ ولا في الِاسْتِقْبالِ، فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: ”لا أُرِيدُ مِنهم مِن
صفحة ٢٠٢
رِزْقٍ“ ؟ و”لا أُرِيدُ“ ؟ نَقُولُ ما لِلنَّفْيِ في الحالِ، ولا لِلنَّفْيِ في الِاسْتِقْبالِ، فالقائِلُ إذا قالَ فُلانٌ لا يَفْعَلُ هَذا الفِعْلَ وهو في الفِعْلِ لا يَصْدُقُ، لَكِنَّهُ إذا تَرَكَ مَعَ فَراغِهِ مِن قَوْلِهِ يَصْدُقُ القائِلُ، ولَوْ قالَ ما يَفْعَلُ لَما صَدَقَ فِيما ذَكَرْنا مِنَ الصُّورَةِ، مِثالُهُ إذا كانَ الإنْسانُ في الصَّلاةِ وقالَ قائِلٌ: إنَّهُ ما يُصَلِّي فانْظُرْ إلَيْهِ فَإذا كانَ نَظَرَ إلَيْهِ النّاظِرُ وقَدْ قَطَعَ صَلاةَ نَفْسِهِ صَحَّ أنْ يَقُولَ إنَّكَ لا تُصَلِّي، ولَوْ قالَ القائِلُ إنَّهُ ما يُصَلِّي في تِلْكَ الحالَةِ لَما صَدَقَ، فَإذا عَلِمْتَ هَذا فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ لِلنّافِيَةِ فِيهِ خُصُوصٌ لَكِنَّ النَّفْيَ في الحالِ أوْلى لِأنَّ المُرادَ مِنَ الحالِ الدُّنْيا، والِاسْتِقْبالُ هو في أمْرِ الآخِرَةِ فالدُّنْيا وأُمُورُها كُلُّها حالِيَّةٌ فَقَوْلُهُ: ﴿ما أُرِيدُ﴾ أيْ في هَذِهِ الحالَةِ الرّاهِنَةِ الَّتِي هي ساعَةُ الدُّنْيا، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ العَبْدَ بَعْدَ مَوْتِهِ لا يَصْلُحُ أنْ يُطْلَبَ مِنهُ رِزْقٌ أوْ عَمَلٌ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ما أُرِيدُ﴾ مُفِيدًا لِلنَّفْيِ العامِّ، ولَوْ قالَ لا أُرِيدُ لَما أفادَ ذَلِكَ.
51:58Page 523
إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ ٥٨
Indeed, it is Allāh who is the [continual] Provider,1 the firm possessor of strength.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ تَعْلِيلًا لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرَيْنِ، فَقَوْلُهُ هو الرَّزّاقُ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ طَلَبِ الرِّزْقِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُو القُوَّةِ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ طَلَبِ العَمَلِ؛ لِأنَّ مَن يَطْلُبُ رِزْقًا يَكُونُ فَقِيرًا مُحْتاجًا ومَن يَطْلُبُ عَمَلًا مِن غَيْرِهِ يَكُونُ عاجِزًا لا قُوَّةَ لَهُ، فَصارَ كَأنَّهُ يَقُولُ ما أُرِيدَ مِنهم مِن رِزْقٍ فَإنِّي أنا الرَّزّاقُ، ولا عَمَلَ فَإنِّي قَوِيٌّ وفِيهِ مَباحِثُ.
الأوَّلُ: قالَ: ﴿ما أُرِيدُ﴾ ولَمْ يَقُلْ إنِّي رَزّاقٌ بَلْ قالَ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ قَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ”إنِّي أنا الرَّزّاقُ» “ عَلى ما ذَكَرْتَ وأمّا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ فَفِيها وُجُوهٌ.
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ﴾ .
الثّانِي: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الِالتِفاتِ والرُّجُوعِ مِنَ التَّكَلُّمِ عَنِ النَّفْسِ إلى التَّكَلُّمِ عَنِ الغائِبِ، وفِيهِ هَهُنا فائِدَةٌ وهي أنَّ اسْمَ اللَّهِ يُفِيدُ كَوْنَهُ رَزّاقًا وذَلِكَ لِأنَّ الإلَهَ بِمَعْنى المَعْبُودِ كَما ذَكَرْنا مِرارًا وتَمَسَّكْنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] أيْ مَعْبُودِيكَ وإذا كانَ اللَّهُ هو المَعْبُودَ ورَزَقَ العَبْدَ اسْتَعْمَلَهُ مِن غَيْرِ الكَسْبِ إذْ رَزْقُهُ عَلى السَّيِّدِ وهَهُنا لَمّا قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فَقَدْ بَيَّنَ أنَّهُ اسْتَخْلَصَهم لِنَفْسِهِ وعِبادَتِهِ وكانَ عَلَيْهِ رِزْقُهم فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ﴾ بِلَفْظِ اللَّهِ الدّالِّ عَلى كَوْنِهِ رَزّاقًا، ولَوْ قالَ إنِّي أنا الرَّزّاقُ؛ لَحَصَلَتِ المُناسَبَةُ الَّتِي ذَكَرْتَ ولَكِنْ لا يَحْصُلُ ما ذَكَرْنا.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ ”قُلْ“ مُضْمَرًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنهُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ قُلْ يا مُحَمَّدُ: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ﴾ فَيَكُونُ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧] ويَكُونُ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ﴾ مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَقُلْ، بَلْ قالَ: ﴿ذُو القُوَّةِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْرِيرُ ما تَقَدَّمَ مِن عَدَمِ إرادَةِ الرِّزْقِ وعَدَمِ الِاسْتِعانَةِ بِالغَيْرِ، ولَكِنْ في عَدَمِ طَلَبِ الرِّزْقِ لا يَكْفِي كَوْنُ المُسْتَغْنِي بِحَيْثُ يَرْزُقُ واحِدًا فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَرْزُقُ ولَدَهُ وغَيْرَهُ ويَسْتَرْزِقُ والمَلِكُ يَرْزُقُ الجُنْدَ ويَسْتَرْزِقُ، فَإذا كَثُرَ مِنهُ الرِّزْقُ قَلَّ مِنهُ الطَّلَبُ؛ لِأنَّ المُسْتَرْزِقَ مِمَّنْ يُكْثِرُ الرِّزْقَ لا يُسْتَرْزَقُ مِن رِزْقِهِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ المَقْصُودُ يَحْصُلُ لَهُ إلّا بِالمُبالَغَةِ في وصْفِ الرِّزْقِ، فَقالَ: ﴿الرَّزّاقُ﴾ وأمّا ما يُغْنِي عَنِ الِاسْتِعانَةِ بِالغَيْرِ فَدُونَ ذَلِكَ: وذَلِكَ لِأنَّ القَوِيَّ إذا كانَ في غايَةِ القُوَّةِ يُعِينُ الغَيْرَ فَإذا كانَ دُونَ ذَلِكَ لا يُعِينَ غَيْرَهُ ولا يَسْتَعِينُ بِهِ، وإذا كانَ دُونَ ذَلِكَ يَسْتَعِينُ اسْتِعانَةً ما وتَتَفاوَتُ بَعْدَ ذَلِكَ، ولَمّا قالَ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ كَفاهُ بَيانُ نَفْسِ القُوَّةِ فَقالَ: ﴿ذُو القُوَّةِ﴾ إفادَةُ مَعْنى القُوَّةِ دُونَ القُوى لِأنَّ ذا لا يُقالُ في الوَصْفِ اللّازِمِ البَيِّنِ فَيُقالُ في الآدَمِيِّ ذُو مالٍ ومُتَمَوِّلٌ وذُو جَمالٍ وجَمِيلٌ وذُو خُلُقٍ حَسَنٌ وخَلِيقٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَلْزَمُهُ
صفحة ٢٠٣
لُزُومًا بَيِّنًا، ولا يُقالُ في الثَّلاثَةِ ذاتُ فَرْدِيَّةٍ ولا في الأرْبَعَةِ ذاتُ زَوْجِيَّةٍ، ولِهَذا لَمْ يَرِدْ في الأوْصافِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ مَأْخُوذَةً مِنَ الأفْعالِ ولِذا لَمْ يُسْمَعُ ذُو الوُجُودِ وذُو الحَياةِ ولا ذُو العِلْمِ ويُقالُ في الإنْسانِ ذُو عِلْمٍ وذُو حَياةٍ؛ لِأنَّها عَرَضٌ فِيهِ عارِضٌ لا لازِمٌ بَيِّنٌ، وفي صِفاتِ الفِعْلِ يُقالُ اللَّهُ تَعالى ذُو الفَضْلِ كَثِيرًا وذُو الخَلْقِ قَلِيلًا لِأنَّ ذا كَذا بِمَعْنى صاحِبِهِ ورَبِّهِ والصُّحْبَةُ لا يُفْهَمُ مِنها اللُّزُومُ فَضْلًا عَنِ اللُّزُومِ البَيِّنِ، والَّذِي يُؤَيِّدُ هَذا هو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] فَجَعَلَ غَيْرَهُ ذا عِلْمٍ ووَصَفَ نَفْسَهُ بِالفِعْلِ فَبَيْنَ ذِي العِلْمِ والعَلِيمِ فَرْقٌ وكَذَلِكَ بَيْنَ ذِي القُوَّةِ والقَوِيِّ، ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [غافر: ٢٢] وقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩] وقالَ تَعالى: ﴿لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١] لِأنَّ في هَذِهِ الصُّوَرِ كانَ المُرادُ بَيانَ القِيامِ بِالأفْعالِ العَظِيمَةِ، والمُرادُ هَهُنا عَدَمُ الِاحْتِياجِ ومَن لا يَحْتاجُ إلى الغَيْرِ يَكْفِيهِ مِنَ القُوَّةِ قَدْرٌ ما، ومَن يَقُومُ مُسْتَبِدًّا بِالفِعْلِ لا بُدَّ لَهُ مِن قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ؛ لِأنَّ عَدَمَ الحاجَةِ قَدْ يَكُونُ بِتَرْكِ الفِعْلِ والِاسْتِغْناءِ عَنْهُ، ولَوْ بَيَّنَ هَذا البَحْثُ في مَعْرِضِ الجَوابِ عَنْ سُؤالِ سائِلٍ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ”ذُو القُوَّةِ“ هَهُنا وبَيْنَ قَوْلِهِ ”قَوِيٌّ“ في تِلْكَ المَواضِعِ لَكانَ أحْسَنَ، فَإنْ قِيلَ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وفِيهِ ما ذَكَرْتُ مِنَ المَعْنى وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ ”قَوِيٌّ“ لِبَيانِ أنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى النُّصْرَةِ وإنَّما يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ لِيُثِيبَ النّاصِرَ، لَكِنَّ عَدَمَ الِاحْتِياجِ إلى النُّصْرَةِ يَكْفِي فِيهِ قُوَّةٌ ما، فَلِمَ لَمْ يَقُلْ إنَّ اللَّهَ ذُو القُوَّةِ ؟ نَقُولُ فِيهِ إنَّهُ تَعالى قالَ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ، ومَعْناهُ أنَّهُ يُغْنِي رُسُلَهُ عَنِ الحاجَةِ ولا يَطْلُبُ نُصْرَتَهم مِن خَلْقِهِ لِيُعْجِزَهم وإنَّما يَطْلُبُها لِثَوابِ النّاصِرِينَ لا لِاحْتِياجِ المُسْتَنْصِرِينَ. وإلّا فاللَّهُ تَعالى وعَدَهم بِالنَّصْرِ حَيْثُ قالَ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧١] ولَمّا ذَكَرَ الرُّسُلَ قالَ قَوِيٌّ يَكُونُ ذَلِكَ تَقْوِيَةَ تَقارُبِ رُسُلِهِ المُؤْمِنِينَ، وتَسْلِيَةً لِصُدُورِهِمْ وصُدُورِ المُؤْمِنِينَ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ: ﴿المَتِينُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ ﴿ذُو القُوَّةِ﴾ كَما بَيَّنّا لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّ لَهُ قُوَّةً ما فَزادَ في الوَصْفِ بَيانًا وهو الَّذِي لَهُ ثَباتٌ لا يَتَزَلْزَلُ وهو مَعَ المَتِينِ مِن بابٍ واحِدٍ لَفْظًا ومَعْنًى فَإنَّ مَتْنَ الشَّيْءِ هو أصْلُهُ الَّذِي عَلَيْهِ ثَباتُهُ، والمَتْنُ هو الظَّهْرُ الَّذِي عَلَيْهِ أساسُ البَدَنِ، والمَتانَةُ مَعَ القُوَّةِ كالعِزَّةِ مَعَ القُوَّةِ حَيْثُ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في مَواضِعِ ذِكْرِ القُوَّةِ والعِزَّةِ فَقالَ: ﴿قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وقالَ ﴿القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ .
وفِيهِ لَطِيفَةٌ تُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا مِنَ البَحْثِ في القَوِيِّ وذِي القُوَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَتِينَ هو الثّابِتُ الَّذِي لا يَتَزَلْزَلُ والعَزِيزُ هو الغالِبُ، فَفي المَتِينِ أنَّهُ لا يُغْلَبُ ولا يُقْهَرُ ولا يُهْزَمُ، وفي العَزِيزِ أنَّهُ يَغْلِبُ ويَقْهَرُ ويُزِلُّ الأقْدامَ، والعِزَّةُ أكْمَلُ مِنَ المَتانَةِ، كَما أنَّ القَوِيَّ أكْمَلُ مِن ذِي القُوَّةِ، فَقَرَنَ الأكْمَلَ بِالأكْمَلِ وما دُونَهُ بِما دُونَهُ، ولَوْ نَظَرْتَ حَقَّ النَّظَرِ وتَأمَّلْتَ حَقَّ التَّأمُّلِ لَرَأيْتَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى لَطائِفَ تُنَبِّهُكَ عَلى عِنادِ المُنْكِرِينَ وقُبْحِ إنْكارِ المُعانِدِينَ.
51:59–60Page 523
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبٗا مِّثۡلَ ذَنُوبِ أَصۡحَٰبِهِمۡ فَلَا يَسۡتَعۡجِلُونِ ٥٩
And indeed, for those who have wronged is a portion [of punishment] like the portion of their companions [i.e., predecessors], so let them not impatiently urge Me.
فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوۡمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٦٠
And woe to those who have disbelieved from their Day which they are promised.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾
صفحة ٢٠٤
.
وهُوَ مُناسِبٌ لِما قَبْلَهُ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَن يَضَعْ نَفْسَهُ في مَوْضِعِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ يَكُنْ وضَعَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَيَكُونُ ظالِمًا، فَقالَ إذا ثَبَتَ أنَّ الإنْسَ مَخْلُوقُونَ لِلْعِبادَةِ فَإنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعِبادَةِ الغَيْرِ لَهم هَلاكٌ مِثْلُ هَلاكِ مَن تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا خَرَجَ عَنِ الِانْتِفاعِ المَطْلُوبِ مِنهُ لا يُحْفَظُ، وإنْ كانَ في مَوْضِعٍ يُخَلّى المَكانُ عَنْهُ، ألا تَرى أنَّ الدّابَّةَ الَّتِي لا يَبْقى مُنْتَفَعًا بِها بِالمَوْتِ أوْ بِمَرَضٍ يُخَلّى عَنْها الإصْطَبْلُ، والطَّعامُ الَّذِي يَتَعَفَّنُ يُبَدَّدُ ويُفَرَّغُ مِنهُ الإناءُ، فَكَذَلِكَ الكافِرُ إذا ظَلَمَ، ووَضَعَ نَفْسَهُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، خَرَجَ عَنِ الِانْتِفاعِ فَحَسُنَ إخْلاءُ المَكانِ عَنْهُ وحَقَّ نُزُولُ الهَلاكِ بِهِ، وفي التَّفْسِيرِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ الفاءُ، وقَدْ ذَكَرْنا لَكَ في وجْهِ التَّعَلُّقَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما مُناسَبَةُ الذَّنُوبِ ؟ نَقُولُ: العَذابُ مَصْبُوبٌ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قالَ تَعالى: نَصُبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمْ ذَنُوبًا كَذَنُوبٍ صُبَّ فَوْقَ رُؤُوسِ أُولَئِكَ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ العَرَبَ يَسْتَقُونَ مِنَ الآبارِ عَلى النَّوْبَةِ ذَنُوبًا فَذَنُوبًا وذَلِكَ وقْتَ عَيْشِهِمُ الطَّيِّبَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِنَ الدُّنْيا وطَيِّباتِها: ﴿ذَنُوبًا﴾ أيْ مِلاءً، ولا يَكُونُ لَهم في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ، كَما كانَ عَلَيْهِ حالُ أصْحابِهِمُ اسْتَقَوْا ذَنُوبًا وتَرَكُوها، وعَلى هَذا فالذَّنُوبُ لَيْسَ بِعَذابٍ ولا هَلاكٍ، وإنَّما هو رَغَدُ العَيْشِ وهو ألْيَقُ بِالعَرَبِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ فَإنَّ الرِّزْقَ ما لَمْ يَفْرَغْ لا يَأْتِي الأجَلُ.
ثُمَّ أعادَ ما ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ .
والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences