Ar-RaziAt‑Tur · 52:21–32

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

At-Tur 52:21–32

52:21Page 524

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ ٢١

And those who believed and whose descendants followed them in faith - We will join with them their descendants, and We will not deprive them of anything of their deeds.1 Every person, for what he earned, is retained.2

صفحة ٢١٥

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وفِيهِ لَطائِفُ: الأُولى: أنَّ شَفَقَةَ الأُبُوَّةِ كَما هي في الدُّنْيا مُتَوَفِّرَةٌ كَذَلِكَ في الآخِرَةِ، ولِهَذا طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَ عِبادِهِ بِأنَّهُ لا يُوَلِّهَهم بِأوْلادِهِمْ بَلْ يَجْمَعُ بَيْنَهم، فَإنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْتَ في تَفْسِيرِ بَعْضِ الآياتِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُسَلِّي الآباءَ عَنِ الأبْناءِ وبِالعَكْسِ، ولا يَتَذَكَّرُ الأبُ الَّذِي هو مِن أهْلِ الجَنَّةِ الِابْنَ الَّذِي هو مِن أهْلِ النّارِ، نَقُولُ: الوَلَدُ الصَّغِيرُ وجَدَ في والِدِهِ الأُبُوَّةَ الحَسَنَةَ ولَمْ يُوجَدْ لَها مُعارِضٌ ولِهَذا ألْحَقَ اللَّهُ الوَلَدَ بِالوالِدِ في الإسْلامِ في دارِ الدُّنْيا عِنْدَ الصِّغَرِ وإذا كَبِرَ اسْتَقَلَّ، فَإنْ كَفَرَ يُنْسَبْ إلى غَيْرِ أبِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الإسْلامَ لِلْمُسْلِمِينَ كالأبِ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [ الحُجُراتِ: ١٠] جَمْعُ أخٍ بِمَعْنى أُخُوَّةِ الوِلادَةِ، والإخْوانُ جَمْعُهُ بِمَعْنى أُخُوَّةِ الصَّداقَةِ والمَحَبَّةِ، فَإذَنِ الكُفْرُ مِن حَيْثُ الحِسُّ والعُرْفُ أبٌ، فَإنْ خالَفَ دِينُهُ دِينَ أبِيهِ صارَ لَهُ مِن حَيْثُ الشَّرْعُ أبٌ آخَرُ، وفِيهِ إرْشادُ الآباءِ إلى أنْ لا يَشْغَلَهم شَيْءٌ عَنِ الشَّفَقَةِ عَلى الوَلَدِ، فَيَكُونُ مِنَ القَبِيحِ الفاحِشِ أنْ يَشْتَغِلَ الإنْسانُ بِالتَّفَرُّجِ في البُسْتانِ مَعَ الأحِبَّةِ الإخْوانِ عَنْ تَحْصِيلِ قُوتِ الوِلْدانِ، وكَيْفَ لا يَشْتَغِلُ أهْلُ الجَنَّةِ بِما في الجَنَّةِ مِنَ الحُورِ العِينِ عَنْ أوْلادِهِمْ حَتّى ذَكَرُوهم فَأراحَ اللَّهُ قُلُوبَهم بِقَوْلِهِ ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ﴾ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَما ظَنُّكَ بِالفاسِقِ الَّذِي يُبَذِّرُ مالَهُ في الحَرامِ ويَتْرُكُ أوْلادَهُ يَتَكَفَّفُونَ وُجُوهَ اللِّئامِ والكِرامِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن يُورِّثُ أوْلادَهُ مالًا حَلالًا يُكْتَبُ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ، ولِهَذا لَمْ يَجُزْ لِلْمَرِيضِ التَّصَرُّفُ في أكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ.

اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ فَهَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى أنّا في الآخِرَةِ نُلْحَقُ بِهِمْ لِأنَّ في دارِ الدُّنْيا مُراعاةَ الأسْبابِ أكْثَرُ. ولِهَذا لَمْ يُجْرِ اللَّهُ عادَتَهُ عَلى أنْ يُقْدِّمَ بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ طَعامًا مِنَ السَّماءِ، فَما يَتَسَبَّبُ لَهُ بِالزِّراعَةِ والطَّحْنِ والعَجْنِ لا يَأْكُلُهُ، وفي الآخِرَةِ يُؤْتِيهِ ذَلِكَ مِن غَيْرِ سَعْيٍ جَزاءً لَهُ عَلى ما سَعى لَهُ مِن قَبْلُ، فَيَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا ظاهِرًا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُلْحِقُ بِهِ ولَدَهُ وإنْ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا كَما اتَّبَعَهُ، وإنْ لَمْ يَشْهَدْ ولَمْ يَعْتَقِدْ شَيْئًا.

اللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِإيمانٍ﴾ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أتْبَعَ الوَلَدَ الوالِدَيْنِ في الإيمانِ ولَمْ يُتْبِعْهُ أباهُ في الكُفْرِ بِدَلِيلِ أنَّ مَن أسْلَمَ مِنَ الكُفّارِ حُكِمَ بِإسْلامِ أوْلادِهِ، ومَنِ ارْتَدَّ مِنَ المُسْلِمِينَ والعِياذُ بِاللَّهِ لا يُحْكَمُ بِكُفْرِ ولَدِهِ.

اللَّطِيفَةُ الرّابِعَةُ: قالَ في الدُّنْيا ﴿وأتْبَعْناهُمْ﴾ [ القَصَصِ: ٤٢] وقالَ في الآخِرَةِ ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ في الدُّنْيا لا يُدْرِكُ الصَّغِيرُ التَّبِعُ مُساواةَ المَتْبُوعِ، وإنَّما يَكُونُ هو تَبَعًا والأبُ أصْلًا لِفَضْلِ السّاعِي عَلى غَيْرِ السّاعِي، وأمّا في الآخِرَةِ فَإذا ألْحَقَ اللَّهُ بِفَضْلِهِ ولَدَهُ بِهِ جُعِلَ لَهُ مِنَ الدَّرَجَةِ مِثْلُ ما لِأبِيهِ.

صفحة ٢١٦

اللَّطِيفَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ تَطْيِيبٌ لِقَلْبِهِمْ وإزالَةٌ لِوَهْمِ المُتَوَهِّمِ أنَّ ثَوابَ عَمَلِ الأبِ يُوَزَّعُ عَلى الوالِدِ والوَلَدِ بَلْ لِلْوالِدِ أجْرُ عَمَلِهِ بِفَضْلِ السَّعْيِ ولِأوْلادِهِ مِثْلُ ذَلِكَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةً.

اللَّطِيفَةُ السّادِسَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن عَمَلِهِمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِن أجْرِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى بَقاءِ عَمَلِهِمْ كَما كانَ والأجْرُ عَلى العَمَلِ مَعَ الزِّيادَةِ فَيَكُونُ فِيهِ الإشارَةُ إلى بَقاءِ العَمَلِ الَّذِي لَهُ الأجْرُ الكَبِيرُ الزّائِدُ عَلَيْهِ العَظِيمُ العائِدُ إلَيْهِ، ولَوْ قالَ: ما ألَتْناهم مِن أجْرِهِمْ، لَكانَ ذَلِكَ حاصِلًا بِأدْنى شَيْءٍ؛ لِأنَّ كُلَّ ما يُعْطِي اللَّهُ عَبْدَهُ عَلى عَمَلِهِ فَهو أجْرٌ كامِلٌ، ولِأنَّهُ لَوْ قالَ تَعالى ما ألَتْناهم مِن أجْرِهِمْ، كانَ مَعَ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِالأجْرِ الكامِلِ عَلى العَمَلِ النّاقِصِ، وأعْطاهُ الأجْرَ الجَزِيلَ، مَعَ أنَّ عَمَلَهُ كانَ لَهُ ولِوَلَدِهِ جَمِيعًا، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: (والَّذِينَ آمَنُوا) عُطِفَ عَلى ماذا ؟ نَقُولُ عَلى قَوْلِهِ (إنَّ المُتَّقِينَ) .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَلِمَ أعادَ لَفْظَ (الَّذِينَ آمَنُوا) وكانَ المَقْصُودُ يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: و﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وزَوَّجْناهُمْ﴾ وكانَ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ وزَوَّجْناهم وألْحَقْنا بِهِمْ ؟ نَقُولُ فِيهِ فائِدَةٌ وهو أنَّ المُتَّقِينَ هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ والمَعْصِيَةَ وهُمُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [ الرَّعْدِ: ٢٩] وقالَ هاهُنا (الَّذِينَ آمَنُوا) أيْ بِوُجُودِ الإيمانِ يَصِيرُ ولَدُهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ إنِ ارْتَكَبَ الأبُ كَبِيرَةً أوْ صَغِيرَةً عَلى صَغِيرَةٍ لا يُعاقَبُ بِهِ ولَدُهُ، بَلِ الوالِدُ ورُبَّما يَدْخُلُ الجَنَّةَ الِابْنُ قَبْلَ الأبِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وهو أنَّهُ ورَدَ في الأخْبارِ أنَّ الوَلَدَ الصَّغِيرَ يَشْفَعُ لِأبِيهِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الجَزاءِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَلْ يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ نَعَمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: (والَّذِينَ آمَنُوا) عَطْفًا عَلى ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ تَقْدِيرُهُ: زَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ، أيْ قَرَنّاهم بِهِنَّ، وبِالَّذِينِ آمَنُوا، إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [ الحِجْرِ: ٤٧] أيْ جَمَعْنا شَمْلَهم بِالأزْواجِ والإخْوانِ والأوْلادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتْبَعْناهُمْ﴾ [ القَصَصِ: ٤٢] وهَذا الوَجْهُ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ والأوَّلُ أحْسَنُ وأصَحُّ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ عَلى هَذا الوَجْهِ الإخْبارُ بِلَفْظِ الماضِي مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَما قَرَنَ بَيْنَهم ؟ قُلْنا صَحَّ في وزَوَّجْناهم عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مِن تَزْوِيجِهِنَّ مِنّا مِن يَوْمِ خَلَقَهُنَّ وإنْ تَأخَّرَ زَمانُ الِاقْتِرانِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ (ذُرِّيّاتهِمْ) في المَوْضِعَيْنِ بِالجَمْعِ (وذُرِّيَّتهم) فِيهِما بِالفَرْدِ، وقُرِئَ في الأوَّلِ (ذُرِّيّاتُهِمْ) وفي الثّانِيَةِ (ذُرِّيَّتَهم) فَهَلْ لِلثّالِثِ وجْهٌ ؟ نَقُولُ نَعَمْ مَعْنَوِيٌّ لا لَفْظِيٌّ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ تَتَّبِعُهُ ذُرِّيّاتُهُ في الإيمانِ، وإنْ لَمْ تُوجَدْ عَلى مَعْنًى أنَّهُ لَوْ وُجِدَ لَهُ ألْفُ ولَدٍ لَكانُوا أتْباعَهُ في الإيمانِ حُكْمًا، وأمّا الإلْحاقُ فَلا يَكُونُ حُكْمًا إنَّما هو حَقِيقَةٌ، وذَلِكَ في المَوْجُودِ فالتّابِعُ أكْثَرُ مِنَ المَلْحُوقِ فَجُمِعَ في الأوَّلِ وأُفْرِدَ الثّانِي.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما الفائِدَةُ في تَنْكِيرِ الإيمانِ في قَوْلِهِ ”وأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ بِإيمانٍ“ ؟ نَقُولُ هو إمّا التَّخْصِيصُ أوِ التَّنْكِيرُ كَأنَّهُ يَقُولُ: أتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ بِإيمانٍ مُخْلِصٍ كامِلٍ أوْ يَقُولُ أتْبَعْناهم بِإيمانٍ ما أيُّ شَيْءٍ مِنهُ فَإنَّ الإيمانَ كامِلًا لا يُوجَدُ في الوَلَدِ بِدَلِيلِ أنَّ مَن لَهُ ولَدٌ صَغِيرٌ حُكِمَ بِإيمانِهِ فَإذا بَلَغَ وصَرَّحَ بِالكُفْرِ وأنْكَرَ التَّبَعِيَّةَ قِيلَ بِأنَّهُ لا يَكُونُ مُرْتَدًّا وتَبَيَّنَ بِقَوْلِ إنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْ وقِيلَ بِأنَّهُ يَكُونُ مُرْتَدًّا لِأنَّهُ كَفَرَ بَعْدَما حُكِمَ بِإيمانِهِ

صفحة ٢١٧

كالمُسْلِمِ الأصْلِيِّ فَإذَنْ بِهَذا الخِلافِ تَبَيَّنَ أنَّ إيمانَهُ يَقْوى وهَذانَ الوَجْهانِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ غَيْرَ هَذا وهو أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ لِلْعِوَضِ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٥١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [ النِّساءِ: ٩٥] وبَيانُهُ هو أنَّ التَّقْدِيرَ أتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ بِإيمانٍ أيْ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ لِأنَّ الإتْباعَ لَيْسَ بِإيمانٍ كَيْفَ كانَ ومِمَّنْ كانَ، وإنَّما هو إيمانُ الآباءِ لَكِنَّ الإضافَةَ تُنْبِئُ عَنْ تَقْيِيدِ وعَدَمِ كَوْنِ الإيمانِ إيمانًا عَلى الإطْلاقِ، فَإنَّ قَوْلَ القائِلِ ماءُ الشَّجَرِ وماءُ الرُّمّانِ يَصِحُّ وإطْلاقُ اسْمِ الماءِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ لا يَصِحُّ فَقَوْلُهُ ﴿بِإيمانٍ﴾ يُوهِمُ أنَّهُ إيمانٌ مُضافٌ إلَيْهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [ غافِرٍ: ٨٥] حَيْثُ أثْبَتَ الإيمانَ المُضافَ ولَمْ يَكُنْ إيمانًا، فَقَطَعَ الإضافَةَ مَعَ إرادَتِها لِيُعْلَمَ أنَّهُ إيمانٌ صَحِيحٌ وعَوَّضَ التَّنْوِينَ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا يُوجِبُ الأمانَ في الدُّنْيا إلّا إيمانُ الآباءِ وهَذا وجْهٌ حَسَنٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: هَذا عَوْدٌ إلى ذِكْرِ أهْلِ النّارِ فَإنَّهم مُرْتَهِنُونَ في النّارِ، وأمّا المُؤْمِنُ فَلا يَكُونُ مُرْتَهِنًا قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [ المُدَّثِّرِ: ٣٨ ٣٩] وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ عامٌّ في كُلِّ أحَدٍ مَرْهُونٍ عِنْدَ اللَّهِ بِالكَسْبِ فَإنْ كَسَبَ خَيْرًا فَكَّ رَقَبَتَهُ وإلّا أُرْبِقَ بِالرَّهْنِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ الرَّهِينُ فَعَيْلًا بِمَعْنى الفاعِلِ، فَيَكُونُ المَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ راهِنٌ أيْ دائِمٌ، إنْ أحْسَنَ فَفي الجَنَّةِ مُؤَبَّدًا، وإنْ أساءَ فَفي النّارِ مُخَلَّدًا، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ في الدُّنْيا دَوامَ الأعْمالِ بِدَوامِ الأعْيانِ فَإنَّ العَرَضَ لا يَبْقى إلّا في جَوْهَرٍ ولا يُوجَدُ إلّا فِيهِ، وفي الآخِرَةِ دَوامُ الأعْيانِ بِدَوامِ الأعْمالِ فَإنَّ اللَّهَ يُبْقِي أعْمالَهم لِكَوْنِها عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ، والباقِي يَبْقى مَعَ عامِلِهِ.

52:22–23Page 524

وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢٢

And We will provide them with fruit and meat from whatever they desire.

يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَأۡثِيمٞ ٢٣

They will exchange with one another a cup [of wine] wherein [results] no ill speech or commission of sin.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾

أيْ زِدْناهم مَأْكُولًا ومَشْرُوبًا، أمّا المَأْكُولُ فالفاكِهَةُ واللَّحْمُ، وأمّا المَشْرُوبُ فالكَأْسُ الَّذِي يَتَنازَعُونَ فِيها، وفي تَفْسِيرِها لَطائِفُ:

اللَّطِيفَةُ الأُولى: لَمّا قالَ: ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [ الطُّورِ: ٢١] بَيَّنَ الزِّيادَةَ لِيَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا عَلى عادَةِ المُلُوكِ في الدُّنْيا إذا زادُوا في حَقِّ عَبْدٍ مِن عَبِيدِهِمْ يَزِيدُونَ في أقْدارِ أخْبازِهِمْ وأقْطاعِهِمْ، واخْتارَ مِنَ المَأْكُولِ أرْفَعَ الأنْواعِ وهو الفاكِهَةُ واللَّحْمُ فَإنَّهُما طَعامُ المُتَنَعِّمِينَ، وجَمَعَ أوْصافًا حَسَنَةً في قَوْلِهِ مِمّا يَشْتَهُونَ، لِأنَّهُ لَوْ ذَكَرَ نَوْعًا فَرُبَّما يَكُونُ ذَلِكَ النَّوْعُ غَيْرَ مُشْتَهًى عِنْدَ بَعْضِ النّاسِ فَقالَ كُلُّ أحَدٍ يُعْطى ما يَشْتَهِي، فَإنْ قِيلَ الِاشْتِهاءُ كالجُوعِ وفِيهِ نَوْعُ ألَمٍ، نَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الِاشْتِهاءُ بِهِ اللَّذَّةُ واللَّهُ تَعالى لا يَتْرُكُهُ في الِاشْتِهاءِ بِدُونِ المُشْتَهى حَتّى يَتَألَّمَ، بَلِ المُشْتَهى حاصِلٌ مَعَ الشَّهْوَةِ، والإنْسانُ في الدُّنْيا لا يَتَألَّمُ إلّا بِأحَدِ أمْرَيْنِ، إمّا بِاشْتِهاءٍ صادِقٍ وعَجْزِهِ عَنِ الوُصُولِ إلى المُشْتَهى، وإمّا بِحُصُولِ أنْواعِ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ عِنْدَهُ وسُقُوطِ شَهْوَتِهِ، وكِلاهُما مُنْتَفٍ في الآخِرَةِ.

اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا قالَ: ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ ونَفْيُ النُّقْصانِ يَصْدُقُ بِحُصُولِ المُساوِي، فَقالَ لَيْسَ عَدَمُ النُّقْصانِ بِالِاقْتِصارِ عَلى المُساوِي بِطَرِيقٍ آخَرَ وهو الزِّيادَةُ والإمْدادُ، فَإنْ قِيلَ أكْثَرَ اللَّهُ مِن ذِكْرِ الأكْلِ

صفحة ٢١٨

والشُّرْبِ، وبَعْضُ العارِفِينَ يَقُولُونَ لِخاصَّةِ اللَّهِ بِاللَّهِ شُغْلٌ شاغِلٌ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ وكُلِّ ما سِوى اللَّهِ، نَقُولُ هَذا عَلى العَمَلِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [ الواقِعَةِ: ٢٤] وقالَ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [ الطُّورِ: ١٩] وأمّا عَلى العِلْمِ بِذَلِكَ فَذَلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [ يس: ٥٨] أيْ لِلنُّفُوسِ ما تَتَفَكَّهُ بِهِ، ولِلْأرْواحِ ما تَتَمَنّاهُ مِنَ القُرْبَةِ والزُّلْفى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى عادَةِ المُلُوكِ إذا جَلَسُوا في مَجالِسِهِمْ لِلشُّرْبِ يُدْخَلُ عَلَيْهِمْ بِفَواكِهَ ولُحُومٍ وهم عَلى الشُّرْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ أيْ يَتَعاطَوْنَ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ التَّنازُعُ التَّجاذُبُ وحِينَئِذٍ يَكُونُ تَجاذُبُهم تَجاذُبَ مُلاعَبَةٍ لا تَجاذُبَ مُنازَعَةٍ، وفِيهِ نَوْعُ لَذَّةٍ وهو بَيانُ ما هو عَلَيْهِ حالُ الشَّرابِ في الدُّنْيا فَإنَّهم يَتَفاخَرُونَ بِكَثْرَةِ الشُّرْبِ ولا يَتَفاخَرُونَ بِكَثْرَةِ الأكْلِ، ولِهَذا إذا شَرِبَ أحَدُهم يَرى الآخَرُ واجِبًا أنْ يَشْرَبَ مِثْلَ ما شَرِبَهُ حَرِيفُهُ ولا يَرى واجِبًا أنْ يَأْكُلَ مِثْلَ ما أكَلَ نَدِيمُهُ وجَلِيسُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ وسَواءٌ قُلْنا (فِيها) عائِدَةٌ إلى الجَنَّةِ أوْ إلى الكَأْسِ فَذِكْرُهُما لِجَرَيانِ ذِكْرِ الشَّرابِ وحِكايَتِهِ عَلى ما في الدُّنْيا، فَقالَ تَعالى: لَيْسَ في الشُّرْبِ في الآخِرَةِ كُلَّ ما فِيهِ في الدُّنْيا مِنَ اللَّغْوِ بِسَبَبِ زَوالِ العَقْلِ ومِنَ التَّأْثِيمِ الَّذِي بِسَبَبِ نُهُوضِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ عِنْدَ وُفُورِ العَقْلِ والفَهْمِ، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنْ يُقالَ لا يَعْتَرِيهِ كَما يَعْتَرِي الشّارِبَ بِالشُّرْبِ في الدُّنْيا فَلا يُؤْثَمُ أيْ لا يُنْسَبُ إلى إثْمٍ، وفِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ التَّأْثِيمِ السُّكْرَ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ فِيهِ تَرْتِيبٌ حَسَنٌ وذَلِكَ لِأنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَسْكَرُ ويَكُونُ رَزِينَ العَقْلِ عَدِيمَ اعْتِيادِ العَرْبَدَةِ فَيَسْكُنُ ويَنامُ ولا يُؤْذِي ولا يَتَأذّى ولا يَهْذِي ولا يَسْمَعُ إلى مَن هَذى، ومِنهم مَن يُعَرْبِدُ فَقالَ: ﴿لا لَغْوٌ فِيها﴾ .

52:24–28Page 524

۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ ٢٤

There will circulate among them [servant] boys [especially] for them, as if they were pearls well-protected.

وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٥

And they will approach one another, inquiring of each other.

قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ ٢٦

They will say, "Indeed, we were previously among our people fearful [of displeasing Allāh].

فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ٢٧

So Allāh conferred favor upon us and protected us from the punishment of the Scorching Fire.

إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ٢٨

Indeed, we used to supplicate1 Him before. Indeed, it is He who is the Beneficent, the Merciful."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ﴾ .

أيْ بِالكُؤُوسِ وقالَ تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [ الواقِعَةِ: ١٧ ١٨] وقَوْلُهُ (لَهم) أيْ مِلْكُهم إعْلامًا لَهم بِقُدْرَتِهِمْ عَلى التَّصَرُّفِ فِيهِمْ بِالأمْرِ والنَّهْيِ والِاسْتِخْدامِ، وهَذا هو المَشْهُورُ ويَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ امْتِيازَ خَمْرِ الآخِرَةِ عَنْ خَمْرِ الدُّنْيا بَيَّنَ امْتِيازَ غِلْمانِ الآخِرَةِ عَنْ غِلْمانِ الدُّنْيا، فَإنَّ الغِلْمانَ في الدُّنْيا إذا طافُوا عَلى السّادَةِ المُلُوكِ يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ لِحَظِّ أنْفُسِهِمْ إمّا لِتَوَقُّعِ النَّفْعِ أوْ لِتَوَفُّرِ الصَّفْحِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَطَوْفُهم عَلَيْهِمْ مُتَمَخِّضٌ لَهم ولِنَفْعِهِمْ ولا حاجَةَ لَهم إلَيْهِمْ والغُلامُ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى غَيْرِهِ ورُبَّما يَبْلُغُ دَرَجَةَ الأوْلادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ﴾ أيْ في الصَّفاءِ، و﴿مَكْنُونٌ﴾ لِيُفِيدَ زِيادَةً في صَفاءِ ألْوانِهِمْ أوْ لِبَيانِ أنَّهم كالمُخَدَّراتِ لا بُرُوزَ لَهم ولا خُرُوجَ مِن عِنْدِهِمْ فَهم في أكْنافِهِمْ.

صفحة ٢١٩

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم يَعْلَمُونَ ما جَرى عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا ويَذْكُرُونَهُ، وكَذَلِكَ الكافِرُ لا يَنْسى ما كانَ لَهُ مِنَ النَّعِيمِ في الدُّنْيا، فَتَزْدادُ لَذَّةُ المُؤْمِنِ مِن حَيْثُ يَرى نَفْسَهُ انْتَقَلَتْ مِنَ السِّجْنِ إلى الجَنَّةِ ومِنَ الضِّيقِ إلى السَّعَةِ، ويَزْدادُ الكافِرُ ألَمًا حَيْثُ يَرى نَفْسَهُ مُنْتَقِلَةً مِنَ الشَّرَفِ إلى التَّلَفِ ومِنَ النَّعِيمِ إلى الجَحِيمِ، ثُمَّ يَتَذَكَّرُونَ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الخَشْيَةِ والخَوْفِ، فَيَقُولُونَ ﴿إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ وهو أنَّهم يَكُونُ تَساؤُلُهم عَنْ سَبَبِ ما وصَلُوا إلَيْهِ فَيَقُولُونَ: خَشْيَةُ اللَّهِ كُنّا نَخافُ اللَّهَ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ وفِيهِ لَطِيفَةٌ وهو أنْ يَكُونَ إشْفاقُهم عَلى فَواتِ الدُّنْيا والخُرُوجِ مِنها ومُفارَقَةِ الإخْوانِ، ثُمَّ لَمّا نَزَلُوا الجَنَّةَ عَلِمُوا خَطَأهم.

52:29–31Page 524

فَذَكِّرۡ فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٖ وَلَا مَجۡنُونٍ ٢٩

So remind, [O Muḥammad], for you are not, by the favor of your Lord, a soothsayer or a madman.

أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ ٣٠

Or do they say [of you], "A poet for whom we await a misfortune of time"?1

قُلۡ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِينَ ٣١

Say, "Wait, for indeed I am, with you, among the waiters."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ وتَعَلُّقُ الآيَةِ بِما قَبْلَها ظاهِرٌ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ في الوُجُودِ قَوْمًا يَخافُونَ اللَّهَ ويُشْفِقُونَ في أهْلِيهِمْ، والنَّبِيُّ ﷺ مَأْمُورٌ بِتَذْكِيرِ مَن يَخافُ اللَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ ق: ٤٥] فَحَقَّقَ مَن يُذَكِّرُهُ فَوَجَبَ التَّذْكِيرُ، وأمّا الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَيْسَ لَهُ إلّا الإتْيانُ بِما أُمِرَ بِهِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الفاءِ في قَوْلِهِ (فَذَكِّرْ) قَدْ عُلِمَ تَعَلُّقُهُ بِما قَبْلَهُ فَحَسُنَ ذِكْرُهُ بِالفاءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَعْنى الفاءِ في قَوْلِهِ (فَما أنْتَ) أيْضًا قَدْ عُلِمَ أيْ أنَّكَ لَسْتَ بِكاهِنٍ فَلا تَتَغَيَّرْ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم، فَإنَّ ذَلِكَ سِيرَةُ المُزَوِّرِ (فَذَكِّرْ) فَإنَّكَ لَسْتَ بِمُزَوِّرٍ، وذَلِكَ سَبَبُ التَّذْكِيرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما وجْهُ تَعَلُّقِ قَوْلِهِ ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ بِقَوْلِهِ ﴿شاعِرٌ﴾ ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَحْتَرِزُ عَنْ إيذاءِ الشُّعَراءِ وتَتَّقِي ألْسِنَتَهم، فَإنَّ الشِّعْرَ كانَ عِنْدَهم يُحْفَظُ ويُدَوَّنُ، وقالُوا لا نُعارِضُهُ في الحالِ مَخافَةَ أنْ يَغْلِبَنا بِقُوَّةِ شِعْرْهِ، وإنَّما سَبِيلُنا الصَّبْرُ وتَرَبُّصُ مَوْتِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ ﷺ كانَ يَقُولُ إنَّ الحَقَّ دِينُ اللَّهِ، وإنَّ الشَّرْعَ الَّذِي أتَيْتَ بِهِ يَبْقى أبَدَ الدَّهْرِ وكِتابِي يُتْلى إلى قِيامِ السّاعَةِ، فَقالُوا لَيْسَ كَذَلِكَ إنَّما هو شاعِرٌ، والَّذِي يَذْكُرُهُ في حَقِّ آلِهَتِنا شِعْرٌ ولا ناصِرَ لَهُ وسَيُصِيبُهُ مِن بَعْضِ آلِهَتِنا الهَلاكُ فَنَتَرَبَّصُ بِهِ ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما مَعْنى رَيْبِ المَنُونِ ؟ نَقُولُ قِيلَ هو اسْمٌ لِلْمَوْتِ فَعُولٌ مِنَ المَنِّ وهو القَطْعُ والمَوْتُ قَطُوعٌ، ولِهَذا سُمِّيَ بِمَنُونٍ، وقِيلَ المَنُونُ الدَّهْرُ ورَيْبُهُ حَوادِثُهُ، وعَلى هَذا قَوْلُهم ﴿نَتَرَبَّصُ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ إذا كانَ شاعِرًا فَصُرُوفُ الزَّمانِ رُبَّما تُضْعِفُ ذِهْنَهُ وتُورِثُ وهَنَهُ فَيَتَبَيَّنُ لِكُلٍّ فَسادُ أمْرِهِ وكَسادُ شِعْرِهِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: كَيْفَ قالَ: ﴿تَرَبَّصُوا﴾ بِلَفْظِ الأمْرِ وأمْرُ النَّبِيِّ ﷺ يُوجِبُ المَأْمُورَ [ بِهِ] أوْ يُفِيدُ جَوازَهُ،

صفحة ٢٢٠

وتَرَبُّصُهم ذَلِكَ كانَ حَرامًا ؟ نَقُولُ ذَلِكَ لَيْسَ بِأمْرٍ وإنَّما هو تَهْدِيدٌ مَعْناهُ تَرَبَّصُوا ذَلِكَ فَإنّا نَتَرَبَّصُ الهَلاكَ بِكم عَلى حَدِّ ما يَقُولُ السَّيِّدُ الغَضْبانُ لِعَبْدِهِ افْعَلْ ما شِئْتَ فَإنِّي لَسْتُ عَنْكَ بِغافِلٍ، وهو أمْرٌ لِتَهْوِينِ الأمْرِ عَلى النَّفْسِ، كَما يَقُولُ القائِلُ لِمَن يُهَدِّدُهُ بِرَجُلٍ ويَقُولُ أشْكُوكَ إلى زَيْدٍ، فَيَقُولُ اشْكُنِي أيْ لا يَهُمُّنِي ذَلِكَ، وفِيهِ زِيادَةُ فائِدَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ قالَ لا تَشْكُنِي لَكانَ ذَلِكَ دَلِيلَ الخَوْفِ ويُنافِيهِ مَعْناهُ، فَأتى بِجَوابٍ تامٍّ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ والمَعْنى، فَإنْ قِيلَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقالَ تَرَبَّصُوا أوْ لا تَرَبَّصُوا كَما قالَ: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [ الطُّورِ: ١٦] نَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ إذا قالَ القائِلُ فِيما ذَكَرْناهُ مِنَ المِثالِ اشْكُنِي أوْ لا تَشْكُنِي يَكُونُ ذَلِكَ مُفِيدًا عَدَمَ خَوْفِهِ مِنهُ، فَإذا قالَ اشْكُنِي يَكُونُ أدَلَّ عَلى عَدَمِ الخَوْفِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ أنا فارِغٌ عَنْهُ، وإنَّما أنْتَ تَتَوَهَّمُ أنَّهُ يُفِيدُ فافْعَلْ حَتّى يَبْطُلَ اعْتِقادُكَ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ وهو يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: إنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ أتَرَبَّصُ هَلاكَكُمْ، وقَدْ أُهْلِكُوا يَوْمَ بَدْرٍ وفي غَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ هَذا ما عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ، والَّذِي نَقُولُهُ في هَذا المَقامِ هو أنَّ الكَلامَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا، وبَيانُها هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ إنْ كانَ المُرادُ مِنَ المَنُونِ المَوْتَ فَقَوْلُهُ ﴿فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ مَعْناهُ إنِّي أخافُ المَوْتَ ولا أتَمَنّاهُ لا لِنَفْسِي ولا لِأحَدٍ، لِعَدَمِ عِلْمِي بِما قَدَّمَتْ يَداهُ وإنَّما أنا نَذِيرٌ وأنا أقُولُ ما قالَ رَبِّي ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ١٤٤] فَتَرَبَّصُوا مَوْتِي وأنا مُتَرَبِّصٌ ولا يَسُرُّكم ذَلِكَ لِعَدَمِ حُصُولِ ما تَتَوَقَّعُونَ بَعْدِي، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ كَما قِيلَ تَرَبَّصُوا مَوْتِي فَإنِّي مُتَرَبِّصٌ مَوْتَكم بِالعَذابِ، وإنْ قُلْنا: المُرادُ مِن رَيْبِ المَنُونِ صُرُوفُ الدَّهْرِ فَمَعْناهُ إنْكارُ كَوْنِ صُرُوفِ الدَّهْرِ مُؤَثِّرَةً فَكَأنَّهُ يَقُولُ أنا مِنَ المُتَرَبِّصِينَ حَتّى أُبْصِرَ ماذا يَأْتِي بِهِ دَهْرُكُمُ الَّذِي تَجْعَلُونَهُ مُهْلِكًا وماذا يُصِيبُنِي مِنهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَنَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ يَتَرَبَّصُ ما يَتَرَبَّصُونَ، غَيْرَ أنَّ في الأوَّلِ: تَرَبُّصُهُ مَعَ اعْتِقادِ الوُقُوعِ، وفي الثّانِي: تَرَبُّصُهُ مَعَ اعْتِقادِ عَدَمِ التَّأْثِيرِ، عَلى طَرِيقَةِ مَن يَقُولُ أنا أيْضًا أنْتَظِرُ ما يَنْتَظِرُهُ حَتّى أرى ماذا يَكُونُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ وُقُوعَ ما يَتَوَقَّعُ وُقُوعَهُ، وإنَّما هَذا لِأنَّ تَرْكَ المَفْعُولِ في قَوْلِهِ ﴿فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ لِكَوْنِهِ مَذْكُورًا وهو رَيْبُ المَنُونِ أوْلى مِن تَرْكِهِ وإرادَةِ غَيْرِ المَذْكُورِ وهو العَذابُ. الثّانِي: أتَرَبَّصُ صُرُوفَ الدَّهْرِ لِيَظْهَرَ عَدَمُ تَأْثِيرِها فَهو لَمْ يَتَرَبَّصْ بِهِمْ شَيْئًا عَلى الوَجْهَيْنِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَتَرَبَّصُ بَقاءَهُ بَعْدَهم وارْتِفاعَ كَلِمَتِهِ فَلَمْ يَتَرَبَّصْ بِهِمْ شَيْئًا عَلى الوُجُوهِ الَّتِي اخْتَرْناها فَقالَ: ﴿فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ .

52:32Page 525

أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَٰمُهُم بِهَٰذَآۚ أَمۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٣٢

Or do their minds1 command them to [say] this, or are they a transgressing people?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ وأمْ هَذِهِ أيْضًا عَلى ما ذَكَرْنا مُتَّصِلَةٌ تَقْدِيرُها أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ ذِكْرٌ ؟ أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا ؟ وذَلِكَ لِأنَّ الأشْياءَ إمّا أنْ تَثْبُتَ بِسَمْعٍ وإمّا أنْ تَثْبُتَ بِعَقْلٍ فَقالَ هَلْ ورَدَ أمْرٌ سَمْعِيٌّ ؟ أمْ عُقُولُهم تَأْمُرُهم بِما كانُوا يَقُولُونَ ؟ أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ يَغْتَرُّونَ، ويَقُولُونَ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ سَمْعًا ولا مُقْتَضًى لَهُ عَقْلًا ؟ والطُّغْيانُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في العِصْيانِ، وكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ ظاهِرُهُ مَكْرُوهٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ [ الحاقَّةِ: ١١] وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إذا كانَ المُرادُ ما ذَكَرْتَ فَلِمَ أسْقَطَ ما يُصَدَّرُ بِهِ ؟ نَقُولُ لِأنَّ كَوْنَ ما يَقُولُونَ بِهِ مُسْنَدًا

صفحة ٢٢١

إلى نَقْلٍ مَعْلُومٍ عَدَمُهُ لا يَنْفِي، وأمّا كَوْنُهُ مَعْقُولًا فَهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهُ مَعْقُولٌ، وأمّا كَوْنُهم طاغِينَ فَهو حَقٌّ، فَخَصَّ اللَّهُ تَعالى بِالذِّكْرِ ما قالُوا بِهِ وقالَ اللَّهُ بِهِ، فَهم قالُوا نَحْنُ نَتَّبِعُ العَقْلَ، واللَّهُ تَعالى قالَ هم طاغُونَ، فَذَكَرَ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ وقَعَ فِيهِما الخِلافُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿تَأْمُرُهم أحْلامُهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ ما لا يَكُونُ عَلى وفْقِ العَقْلِ، لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ يُقالَ ما يَجِبُ قَوْلُهُ عَقْلًا، فَهَلْ صارَ [ كُلُّ] واجِبٍ عَقْلًا مَأْمُورًا بِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الأحْلامُ ؟ نَقُولُ جَمْعُ حِلْمٍ وهو العَقْلُ وهُما مِن بابٍ واحِدٍ مِن حَيْثُ المَعْنى، لِأنَّ العَقْلَ يَضْبِطُ المَرْءَ فَيَكُونُ كالبَعِيرِ المَعْقُولِ لا يَتَحَرَّكُ مِن مَكانِهِ، والحُلْمُ مِنَ الحِلْمِ وهو أيْضًا سَبَبُ وقارِ المَرْءِ وثَباتِهِ، وكَذَلِكَ يُقالُ لِلْعُقُولِ النُّهى مِنَ النَّهْيِ وهو المَنعُ، وفِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّ الحُلْمَ في أصْلِ اللُّغَةِ هو ما يَراهُ النّائِمُ فَيُنْزِلُ ويَلْزَمُهُ الغُسْلُ، وهو سَبَبُ البُلُوغِ وعِنْدَهُ يَصِيرُ الإنْسانُ مُكَلَّفًا، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى مِن لَطِيفِ حِكْمَتِهِ قَرَنَ الشَّهْوَةَ بِالعَقْلِ، وعِنْدَ ظُهُورِ الشَّهْوَةِ كَمُلَ العَقْلُ، فَأشارَ إلى العَقْلِ بِالإشارَةِ إلى ما يُقارِنُهُ وهو الحُلْمُ، لِيَعْلَمَ أنَّهُ نَذِيرُ كَمالِ العَقْلِ، لا العَقْلُ الَّذِي بِهِ يَحْتَرِزُ الإنْسانُ الشِّرْكَ ودُخُولَ النّارِ، وعَلى هَذا فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما ذَكَرْنا أنَّ الإنْسانَ لا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ كُلَّ مَعْقُولٍ، بَلْ لا يَقُولُ إلّا ما يَأْمُرُ بِهِ العَقْلُ الرَّزِينُ الَّذِي يُصَحِّحُ التَّكْلِيفَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذا إشارَةٌ إلى ماذا ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ هَذا إشارَةً مُهِمَّةً، أيْ بِهَذا الَّذِي يَظْهَرُ مِنهم قَوْلًا وفِعْلًا حَيْثُ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والأوْثانَ ويَقُولُونَ الهَذَيانَ مِنَ الكَلامِ.

الثّانِي: هَذا إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ هو كاهِنٌ هو شاعِرٌ هو مَجْنُونٌ. الثّالِثُ: هَذا إشارَةٌ إلى التَّرَبُّصِ فَإنَّهم لَمّا قالُوا نَتَرَبَّصُ قالَ اللَّهُ تَعالى أعُقُولُهم تَأْمُرُهم بِتَرَبُّصِ هَلاكِهِمْ فَإنَّ أحَدًا لَمْ يَتَوَقَّعْ هَلاكَ نَبِيِّهِ إلّا وهَلَكَ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: هَلْ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ أمْ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى بَلْ ؟ نَقُولُ نَعَمْ، تَقْدِيرُهُ يَقُولُونَ: إنَّهُ شاعِرٌ قَوْلًا، بَلْ يَعْتَقِدُونَهُ عَقْلًا ويَدْخُلُ في عُقُولِهِمْ ذَلِكَ، أيْ لَيْسَ ذَلِكَ قَوْلًا مِنهم مِن غَيْرِ عَقْلٍ، بَلْ يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ كاهِنًا ومَجْنُونًا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ، لَكِنْ بَلْ هاهُنا واضِحٌ وفي قَوْلِهِ بَلْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم خَفِيٌّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском