Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
At-Tur 52:41–45
52:41Page 525
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤١
Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ وهو عَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرْناهُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهم: بِمَ اطَّرَحْتُمُ الشَّرْعَ ومَحاسِنَهُ، وقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ بِناءً عَلى اتِّباعِكُمُ الأوْهامَ الفاسِدَةَ الَّتِي تُسَمُّونَها المَعْقُولاتِ، والنَّبِيُّ ﷺ لا يَطْلُبُ مِنكم أجْرًا وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فَلا عُذْرَ لَكم لِأنَّ العُذْرَ إمّا في الغَرامَةِ وإمّا في عَدَمِ الحاجَةِ إلى ما جاءَ بِهِ ولا غَرامَةَ عَلَيْكم فِيهِ ولا غِنًى لَكم عَنْهُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كَيْفَ التَّقْدِيرُ ؟ قُلْنا لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ بَلْ هو اسْتِفْهامٌ مُتَوَسِّطٌ عَلى ما ذَكَرْنا كَأنَّهُ قالَ: أتَهْدِيهِمْ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَيَمْتَنِعُونَ أمْ لا حاجَةَ لَهم إلى ما تَقُولُ لِكَوْنِهِمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَلا يَتَّبِعُونَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الألِفُ واللّامُ في الغَيْبِ لِتَعْرِيفِ ماذا ألِجِنْسٍ أوْ لِعَهْدٍ ؟ نَقُولُ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ نَوْعُ الغَيْبِ كَما يَقُولُ القائِلُ اشْتَرى اللَّحْمَ يُرِيدُ بَيانَ الحَقِيقَةِ لِأكْلِ لَحْمٍ ولا لَحْمًا مُعَيَّنًا، والمُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [ الأنْعامِ: ٧٣] الجِنْسُ واسْتِغْراقُهُ لِكُلِّ غَيْبٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: عَلى هَذا كَيْفَ يَصِحُّ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ وما عِنْدَ الشَّخْصِ لا يَكُونُ غَيْبًا ؟ نَقُولُ مَعْناهُ حَضَرَ عِنْدَهم ما غابَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وقِيلَ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ أيْ أعِنْدَكُمُ الغَيْبُ تَعْلَمُونَ أنَّهُ يَمُوتُ قَبْلَكم وهو ضَعِيفٌ، لِبُعْدِ ذَلِكَ ذُكِرَ، أوْ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ مُتَّصِلٌ بِهِ وذَلِكَ يَمْنَعُ اتِّصالَ هَذا بِذَلِكَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ؟ نَقُولُ وُضُوحُ الأمْرِ، وإشارَةٌ إلى أنَّ ما عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ مِن عِلْمِ الغَيْبِ عَلِمَ بِالوَحْيِ أُمُورًا وأسْرارًا وأحْكامًا وأخْبارًا كَثِيرَةً كُلُّها هو جازِمٌ بِها ولَيْسَ كَما يَقُولُ
صفحة ٢٢٩
المُتَفَرِّسُ، الأمْرُ كَذا وكَذا، فَإنْ قِيلَ اكْتُبْ بِهِ خَطَّكَ أنَّهُ يَكُونُ يَمْتَنِعُ ويَقُولُ أنا لا أدَّعِي فِيهِ الجَزْمَ والقَطْعَ ولَكِنْ أذْكُرُهُ كَذا وكَذا عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ والِاسْتِنْباطِ وإنْ كانَ قاطِعًا يَقُولُ اكْتُبُوا هَذا عَنِّي، وأثْبِتُوا في الدَّواوِينِ أنَّ في اليَوْمِ الفُلانِيِّ يَقَعُ كَذا وكَذا فَقَوْلُهُ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ يَعْنِي هَلْ صارُوا في دَرَجَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى اسْتَغْنَوْا عَنْهُ وأعْرَضُوا، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ أنَّ المُرادَ مِنَ الكِتابَةِ الحُكْمُ مَعْناهُ يَحْكُمُونَ وتَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ ﷺ: ”«اقْضِ بَيْنَنا بِكِتابِ اللَّهِ» “ أيْ حُكْمِ اللَّهِ ولَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ، بَلْ هو مِن بابِ الإضْمارِ مَعْناهُ بِما في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، يُقالُ فُلانٌ يَقْضِي بِمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ أيْ بِما فِيهِ، ويَقُولُ الرَّسُولُ الَّذِي مَعَهُ كِتابُ المَلِكِ لِلرَّعِيَّةِ اعْمَلُوا بِكِتابِ المَلِكِ.
52:42Page 525
أَمۡ يُرِيدُونَ كَيۡدٗاۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلۡمَكِيدُونَ ٤٢
Or do they intend a plan? But those who disbelieve - they are the object of a plan.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما وجْهُ التَّعَلُّقِ والمُناسَبَةِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ ؟ قُلْنا يُبَيَّنُ ذَلِكَ بِبَيانِ المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ فَبَعْضُ المُفَسِّرِينَ قالَ أمْ يُرِيدُونَ أنْ يَكِيدُوكَ فَهُمُ المَكِيدُونَ، أيْ لا يَقْدِرُونَ عَلى الكَيْدِ فَإنَّ اللَّهَ يَصُونُكَ بِعَيْنِهِ ويَنْصُرُكَ بِصَوْنِهِ، وعَلى هَذا إذا قُلْنا بِقَوْلِ مَن يَقُولُ ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ فِيهِ تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ وهو أنَّهم لَمّا قالُوا ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ قِيلَ لَهم أتَعْلَمُونَ الغَيْبَ فَتَعْلَمُونَ أنَّهُ يَمُوتُ قَبْلَكم، أمْ تُرِيدُونَ كَيْدًا فَتَقُولُونَ نَقْتُلُهُ فَيَمُوتُ قَبْلَنا ؟ فَإنْ كُنْتُمْ تَدَّعُونَ الغَيْبَ فَأنْتُمْ كاذِبُونَ، وإنْ كُنْتُمْ تَظُنُّونَ أنَّكم تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ فَأنْتُمْ غالِطُونَ فَإنَّ اللَّهَ يَصُونُهُ عَنْكم ويَنْصُرُهُ عَلَيْكم، وأمّا عَلى ما قُلْنا إنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّهُ ﷺ لا يَسْألُكم عَلى الهِدايَةِ مالًا وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ما جاءَ بِهِ لَوْلا هِدايَتُهُ لِكَوْنِهِ مِنَ الغُيُوبِ، فَنَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ أيْ مِنَ الشَّيْطانِ وإزاغَتِهِ فَيَحْصُلُ مُرادُهم كَأنَّهُ تَعالى قالَ أنْتَ لا تَسْألُهم أجْرًا وهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ فَهم مُحْتاجُونَ إلَيْكَ وأعْرَضُوا فَقَدِ اخْتارُوا كَيْدَ الشَّيْطانِ ورَضُوا بِإزاغَتِهِ، والإرادَةُ بِمَعْنى الِاخْتِيارِ والمَحَبَّةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ [ الشُّورى: ٢٠] وكَما قالَ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [ الصّافّاتِ: ٨٦] وأظْهَرُ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ [ المائِدَةِ: ٢٩] .
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يُقالَ إنَّ المُرادَ واللَّهُ أعْلَمُ أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا لِلَّهِ فَهو واصِلٌ إلَيْهِمْ وهم عَنْ قَرِيبٍ مَكِيدُونَ، وتَرْتِيبُ الكَلامِ هو أنَّهم لَمّا لَمْ يَبْقَ حُجَّةٌ في الإعْراضِ فَهم يُرِيدُونَ نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ واللَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا لا يَسْألُهم أجْرًا ويَهْدِيهِمْ إلى ما لا عِلْمَ لَهم ولا كِتابَ عِنْدَهم وهم يُعْرِضُونَ، فَهم يُرِيدُونَ إذًا أنْ يُهْلِكَهم ويَكِيدَهم، لِأنَّ الِاسْتِدْراجَ كَيْدٌ والإمْلاءَ لِازْدِيادِ الإثْمِ، كَذَلِكَ لا يُقالُ هو فاسِدٌ لِأنَّ الكَيْدَ والإساءَةَ لا يُطْلَقُ عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِطَرِيقِ المُقابَلَةِ، وكَذَلِكَ المَكْرُ، فَلا يُقالُ أساءَ اللَّهُ إلى الكُفّارِ ولا اعْتَدى اللَّهُ إلّا إذا ذُكِرَ أوَّلًا فِيهِمْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَبَبِهِ لَفْظًا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [ الشُّورى: ٤٠] وقالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٩٤] وقالَ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٥٤] وقالَ: ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [ الطّارِقِ: ١٥، ١٦] لِأنّا نَقُولُ الكَيْدُ ما يَسُوءُ مَن نَزَلَ بِهِ وإنْ حَسُنَ مِمَّنْ وُجِدَ مِنهُ، ألا تَرى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ٥٧] مِن غَيْرِ مُقابَلَةٍ.
صفحة ٢٣٠
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ وما الفَرْقُ بَيْنَ مَعْنى هَذا الكَلامِ ومَعْنى قَوْلِ القائِلِ: أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَهُمُ المَكِيدُونَ ؟ نَقُولُ: الفائِدَةُ كَوْنُ الكافِرِ مَكِيدًا في مُقابَلَةِ كُفْرِهِ لا في مُقابَلَةِ إرادَتِهِ الكَيْدَ، ولَوْ قالَ: أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَهُمُ المَكِيدُونَ، كانَ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهم إنْ لَمْ يُرِيدُوهُ لا يَكُونُوا مَكِيدِينَ، وهَذا يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ أنَّ المُرادَ مِنَ الكَيْدِ كَيْدُ الشَّيْطانِ أوْ كَيْدُ اللَّهِ، بِمَعْنى عَذابِهِ إيّاهم لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ عامٌّ في كُلِّ كافِرٍ كادَهُ الشَّيْطانُ ويَكِيدُهُ اللَّهُ أيْ يُعَذِّبُهُ، وصارَ المَعْنى عَلى ما ذَكَرْناهُ أتَهْدِيهِمْ لِوَجْهِ اللَّهِ أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَتُثْقِلُهم فَيَمْتَنِعُونَ عَنْ الِاتِّباعِ، أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَلا يَحْتاجُونَ إلَيْكَ فَيُعْرِضُونَ عَنْكَ، أمْ لَيْسَ شَيْءٌ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ الأخِيرَيْنِ فَيُرِيدُونَ العَذابَ، والعَذابُ غَيْرُ مَدْفُوعٍ عَنْهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِكُفْرِهِمْ، فالَّذِينَ كَفَرُوا مُعَذَّبُونَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الفائِدَةُ في تَنْكِيرِ الكَيْدِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ أمْ يُرِيدُونَ كَيْدَكَ أوِ الكَيْدَ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ لِيَزُولَ الإبْهامُ ؟ نَقُولُ فِيهِ فائِدَةٌ، وهي الإشارَةُ إلى وُقُوعِ العَذابِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَكَأنَّهُ قالَ: يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً ولا يَكُونُ لَهم بِهِ عِلْمٌ أوْ يَكُونُ إيرادًا لِعَظَمَتِهِ كَما ذَكَرْنا مِرارًا.
52:43–44Page 525
أَمۡ لَهُمۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٣
Or have they a deity other than Allāh? Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.
وَإِن يَرَوۡاْ كِسۡفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطٗا يَقُولُواْ سَحَابٞ مَّرۡكُومٞ ٤٤
And if they were to see a fragment from the sky falling,1 they would say, "[It is merely] clouds heaped up."
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أعادَ التَّوْحِيدَ وهو يُفِيدُ فائِدَةَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [ الطُّورِ: ٣٩] وفي (سُبْحانَ اللَّهِ) بَحْثٌ شَرِيفٌ: وهو أنَّ أهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: سُبْحانَ اسْمُ عَلَمٍ لِلتَّسْبِيحِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [ الرُّومِ: ١٧] وأكْثَرْنا مِنَ الفَوائِدِ، فَإنْ قِيلَ: يَجُوزُ أنْ نَقُولَ سُبْحانَ اللَّهِ اسْمُ مَصْدَرٍ، ونَقُولُ سُبْحانَ عَلى وزْنِ فُعْلانَ فَنَذْكُرُ سُبْحانَ مِن غَيْرِ مَواضِعِ الإيقاعِ لِلَّهِ كَما يُقالُ في التَّسْبِيحِ، نَقُولُ: ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ القائِلِ: مِن حَرْفُ جارٍّ وفي كَلِمَةُ ظَرْفٍ حَيْثُ يُخْبَرُ عَنْهُ، مَعَ أنَّ الحَرْفَ لا يُخْبَرُ عَنْهُ فَيُجابُ بِأنَّ مِن وفي حِينَئِذٍ جُعِلا كالِاسْمِ ولَمْ يُتْرَكا عَلى أصْلِهِما المُسْتَعْمَلِ في مِثْلِ قَوْلِكَ أخَذْتُ مِن زَيْدٍ والدِّرْهَمُ في الكِيسِ، فَكَذَلِكَ سُبْحانَ فِيما ذُكِرَ مِنَ المَواضِعِ لَمْ يُتْرَكْ عَلى مَواضِعِ اسْتِعْمالِهِ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُتْرَكْ عَلَمًا كَما يُقالُ زَيْدٌ عَلى وزْنِ فَعْلٍ بِخِلافِ التَّسْبِيحِ فِيما ذَكَرْنا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ”ما“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مَعْناهُ سُبْحانَهُ عَنْ إشْراكِهِمْ.
ثانِيهِما: خَبَرِيَّةٌ مَعْناهُ عَنِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ، وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَنِ الوَلَدِ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ البَناتُ لِلَّهِ فَقالَ سُبْحانَ اللَّهِ عَلى البَناتِ والبَنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَنْ مِثْلِ الآلِهَةِ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ هو مِثْلُ ما يَعْبُدُونَهُ، فَقالَ سُبْحانَ اللَّهِ عَنْ مِثْلِ ما يَعْبُدُونَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾
وجْهُ التَّرْتِيبِ فِيهِ هو أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فَسادَ أقْوالِهِمْ وسُقُوطَها عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ أشارَ إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهم شَيْءٌ مِن وجْهِ الِاعْتِذارِ، فَإنَّ الآياتِ ظَهَرَتْ والحُجَجَ تَمَيَّزَتْ ولَمْ يُؤْمِنُوا، وبَعْدَ ذَلِكَ ﴿يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ﴾ أيْ يُنْكِرُونَ الآيَةَ لَكِنَّ الآيَةَ إذا أُظْهِرَتْ في أظْهَرِ الأشْياءِ كانَتْ أظْهَرَ، وبَيانُهُ هو أنَّ مَن يَأْتِي بِجِسْمٍ مِنَ الأجْسامِ مِن بَيْتِهِ وادَّعى فِيهِ أنَّهُ فَعَلَ بِهِ كَذا فَرُبَّما يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ أنَّهُ في بَيْتِهِ ولَمّا
صفحة ٢٣١
يُبْدِعْهُ، فَإذا قالَ لِلنّاسِ هاتُوا جِسْمًا تُرِيدُونَ حَتّى أجْعَلَ لَكم مِنهُ كَذا يَزُولُ ذَلِكَ الوَهْمُ، لَكِنْ أظْهَرُ الأشْياءِ عِنْدَ الإنْسانِ الأرْضُ الَّتِي هي مَهْدُهُ وفَرْشُهُ، والسَّماءُ الَّتِي هي سَقْفُهُ وعَرْشُهُ، وكانَتِ العَرَبُ عَلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ في أصْلِ المَذْهَبِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى قَوْلِ الفَلْسَفِيِّ نَحْنُ نُنَزِّهُ غايَةَ التَّنْزِيهِ حَتّى لا نُجَوِّزَ رُؤْيَتَهُ واتِّصافَهُ بِوَصْفٍ زائِدٍ عَلى ذاتِهِ لِيَكُونَ واحِدًا في الحَقِيقَةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَذْهَبُنا مَذْهَبَ مَن يُشْرِكُ بِاللَّهِ صَنَمًا مَنحُوتًا ؟ نَقُولُ أنْتُمْ لَمّا نَسَبْتُمُ الحَوادِثَ إلى الكَواكِبِ وشَرَعْتُمْ في دَعْوَةِ الكَواكِبِ أخَذَ الجُهّالُ عَنْكم ذَلِكَ واتَّخَذُوهُ مَذْهَبًا وإذا ثَبَتَ أنَّ العَرَبَ في الجاهِلِيَّةِ كانَتْ في الأصْلِ عَلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ وهم يَقُولُونَ بِالطَّبائِعِ فَيَقُولُونَ: الأرْضُ طَبْعُها التَّكْوِينُ والسَّماءُ طَبْعُها يَمْنَعُ الِانْفِصالَ والِانْفِكاكَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ في مَواضِعَ: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [ سَبَأٍ: ٩] إبْطالًا لِلطَّبائِعِ وإيثارًا لِلِاخْتِيارِ في الوَقائِعِ، فَقالَ هاهُنا إنْ أتَيْنا بِشَيْءٍ غَرِيبٍ في غايَةِ الغَرابَةِ في أظْهَرِ الأشْياءِ وهو السَّماءُ الَّتِي يَرَوْنَها أبَدًا ويَعْلَمُونَ أنَّ أحَدًا لا يَصِلُ إلَيْها لِيُعَدِّدَ بِالأدْوِيَةِ وغَيْرِها ما يَجِبُ سُقُوطُها لَأنْكَرُوا ذَلِكَ، فَكَيْفَ فِيما دُونَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ، والَّذِي يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ وأنَّهم كانُوا عَلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ في أمْرِ السَّماءِ أنَّهم قالُوا ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [ الإسْراءِ: ٩٢] أيْ ذَلِكَ في زَعْمِكَ مُمْكِنٌ، فَأمّا عِنْدَنا فَلا، والكِسْفَةُ القِطْعَةُ يُقالُ كِسْفَةٌ مِن ثَوْبٍ أيْ قِطْعَةٌ، وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: اسْتَعْمَلَ في السَّماءِ لَفْظَةَ الكِسْفِ، واللُّغَوِيُّونَ ذَكَرُوا اسْتِعْمالَها في الثَّوْبِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى شَبَّهَ السَّماءَ بِالثَّوْبِ المَنشُورِ، ولِهَذا ذَكَرَهُ فِيما مَضى فَقالَ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ﴾ [ الزُّمَرِ: ٦٧] وقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ [ الأنْبِياءِ: ١٠٤] .
البَحْثُ الثّانِي: اسْتَعْمَلَ الكِسْفَ في السَّماءِ والخَسْفَ في الأرْضِ فَقالَ تَعالى: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ [ سَبَأٍ: ٩] وهو يَدُلُّ عَلى قَوْلِ مَن قالَ يُقالُ في القَمَرِ خُسُوفٌ، وفي الشَّمْسِ كُسُوفٌ، ووَجْهُهُ أنَّ مَخْرَجَ الخاءِ دُونَ مَخْرَجِ الكافِ ومَخْرَجَ الكافِ فَوْقَهُ مُتَّصِلٌ بِهِ فاسْتَعْمَلَ وصْفَ الأسْفَلِ لِلْأسْفَلِ والأعْلى لِلْأعْلى، فَقالُوا في الشَّمْسِ والسَّماءِ الكُسُوفُ والكَسْفُ، وفي القَمَرِ والأرْضِ الخُسُوفُ والخَسْفُ، وهَذا مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ في الماتِحِ والمايِحِ إنَّ ما نَقْطُهُ فَوْقُ لِمَن فَوْقَ البِئْرِ وما نَقْطُهُ مِن أسْفَلَ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ نَقْطَهُ مِن أسْفَلَ لِمَن تَحْتُ في أسْفَلِ البِئْرِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ في السَّحابِ ونَجْعَلُهُ كِسْفًا مَعَ أنَّهُ تَحْتَ القَمَرِ، وقالَ في القَمَرِ ﴿وخَسَفَ القَمَرُ﴾ [ القِيامَةِ: ٨] وذَلِكَ لِأنَّ القَمَرَ عِنْدَ الخُسُوفِ لَهُ نَظِيرٌ فَوْقَهُ وهو الشَّمْسُ عِنْدَ الكُسُوفِ، والسَّحابُ اعْتُبِرَ فِيهِ نِسْبَتُهُ إلى أهْلِ الأرْضِ حَيْثُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَلَمْ يَقُلْ في القَمَرِ خَسْفٌ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّحابِ، وإنَّما قِيلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ وفي السَّحابِ قِيلَ بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْضِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ساقِطًا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا، ثانِيًا: يُقالُ رَأيْتُ زَيْدًا عالِمًا.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ حالًا كَما يُقالُ ضَرْبَتُهُ قائِمًا، والثّانِي أوَّلًا لِأنَّ الرُّؤْيَةَ عِنْدَ التَّعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ في أكْثَرِ الأمْرِ تَكُونُ بِمَعْنى العِلْمِ، تَقُولُ أرى هَذا المَذْهَبَ صَحِيحًا وهَذا الوَجْهَ ظاهِرًا وعِنْدَ التَّعَدِّي إلى واحِدٍ تَكُونُ بِمَعْنى رَأْيِ العَيْنِ في الأكْثَرِ، تَقُولُ رَأيْتُ زَيْدًا وقالَ تَعالى: ﴿لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [ غافِرٍ: ٨٤]، وقالَ: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ [ مَرْيَمَ: ٢٦] والمُرادُ في الآيَةِ رُؤْيَةُ العَيْنِ.
صفحة ٢٣٢
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ ﴿ساقِطًا﴾ فائِدَةٌ لا تَحْصُلُ في غَيْرِ السُّقُوطِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَهم لا يَجُوزُ الِانْفِصالُ عَلى السَّماواتِ ولا يُمْكِنُ نُزُولُها وهُبُوطُها، فَقالَ ساقِطًا لِيَكُونَ مُخالِفًا لِما يَعْتَقِدُونَهُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: الِانْفِصالُ والآخَرُ: السُّقُوطُ، ولَوْ قالَ وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مُنْفَصِلًا أوْ مُعَلَّقًا لَما حَصَلَتْ هَذِهِ الفائِدَةُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في قَوْلِهِ (يَقُولُوا) فائِدَةٌ أُخْرى، وذَلِكَ لِأنَّهُ يُفِيدُ بَيانَ العِنادِ الَّذِي هو مَقْصُودُ سَرْدِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ يَسْتَخْرِجُونَ وُجُوهًا حَتّى لا يَلْزَمَهُمُ التَّسْلِيمُ فَيَقُولُونَ سَحابٌ قَوْلًا مِن غَيْرِ عَقِيدَةٍ، وعَلى هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ ﴿وإنْ يَرَوْا﴾ المُرادُ العِلْمُ لِيَكُونَ أدْخَلَ في العِنادِ، أيْ إذا عَلِمُوا وتَيَقَّنُوا أنَّ السَّماءَ ساقِطَةٌ غَيَّرُوا وعانَدُوا، وقالُوا هَذا سَحابٌ مَرْكُومٌ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم حِينَ يَعْجِزُونَ عَنِ التَّكْذِيبِ ولا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ عَلى الأرْضِ يَرْجِعُونَ إلى التَّأْوِيلِ والتَّخْيِيلِ، وقَوْلُهُ ﴿مَرْكُومٌ﴾ أيْ مُرَكَّبٌ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ كَأنَّهم يَدْفَعُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ ما يُورَدُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ السَّحابَ كالهَواءِ لا يَمْنَعُ نُفُوذَ الجِسْمِ فِيهِ، وهَذا أقْوى مانِعٍ فَيَقُولُونَ إنَّهُ رُكامٌ فَصارَ صُلْبًا قَوِيًّا.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في إسْقاطِ كَلِمَةِ الإشارَةِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: يَقُولُوا هَذا، إشارَةٌ إلى وُضُوحِ الأمْرِ وظُهُورِ العِنادِ فَلا يَسْتَحْسِنُونَ أنْ يَأْتُوا بِما لا يَبْقى مَعَهُ مِراءٌ فَيَقُولُونَ ﴿سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ مَعَ حَذْفِ المُبْتَدَأِ لِيَبْقى لِلْقائِلِ فِيهِ مَجالٌ فَيَقُولُ عِنْدَ تَكْذِيبِ الخَلْقِ إيّاهم، قُلْنا ﴿سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ شَبَهُهُ ومِثْلُهُ، وأنْ يَتَمَشّى الأمْرُ مَعَ عَوامِّهِمُ اسْتَمَرُّوا، وهَذا مَجالُ مَن يَخافُ مِن كَلامٍ ولا يَعْلَمُ أنَّهُ يُقْبَلُ مِنهُ أوْ لا يُقْبَلُ، فَيَجْعَلُهُ ذا وجْهَيْنِ، فَإنْ رَأى النُّكْرَ عَلى أحَدِهِما فَسَّرَهُ بِالآخَرِ وإنْ رَأى القَبُولَ خَرَجَ بِمُرادِهِ.
52:45Page 525
فَذَرۡهُمۡ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصۡعَقُونَ ٤٥
So leave them until they meet their Day in which they will be struck insensible -
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ أيْ إذا تَبَيَّنَ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ فَدَعْهم حَتّى يُلاقُوا، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: (فَذَرْهم) أمْرٌ وكانَ يَجِبُ أنْ يُقالَ لَمْ يَبْقَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جَوازُ دُعائِهِمْ إلى الإسْلامِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ﴾ [ السَّجْدَةِ: ٣٠] ﴿تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [ الصّافّاتِ: ٧٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ كُلُّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ وهو ضَعِيفٌ.
ثانِيها: لَيْسَ المُرادُ الأمْرَ وإنَّما المُرادُ التَّهْدِيدُ كَما يَقُولُ سَيِّدُ العَبْدِ الجانِي لِمَن يَنْصَحُهُ: دَعْهُ فَإنَّهُ سَيَنالُ وبالَ جِنايَتِهِ.
ثالِثُها: أنَّ المُرادَ مَن يُعانِدُ وهو غَيْرُ مُعَيَّنٍ والنَّبِيُّ ﷺ كانَ يَدْعُو الخَلْقَ عَلى سَبِيلِ العُمُومِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالخِطابِ مَن لَمْ يَظْهَرْ عِنادُهُ لا مَن ظَهَرَ عِنادُهُ فَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ في حَقِّهِ (فَذَرْهم) ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّهُ تَعالى قالَ مِن قَبْلُ ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [ الطُّورِ: ٢٩] وقالَ هاهُنا (فَذَرْهم) فَمَن يَذْكُرُهم هُمُ المُشْفِقُونَ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [ الطُّورِ: ٢٦] ومَن يَذَرُهُمُ الَّذِينَ قالُوا ﴿شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [ الطُّورِ: ٣٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: حَتّى لِلْغايَةِ، فَيَكُونُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ذَرْهم إلى ذَلِكَ اليَوْمِ ولا تُكَلِّمْهم ثُمَّ ذَلِكَ اليَوْمَ
صفحة ٢٣٣
تُجَدِّدُ الكَلامَ وتَقُولُ: ألَمْ أقُلْ لَكم إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ، وإنَّ الحِسابَ يَقُومُ والعَذابَ يَدُومُ، فَلا تُكَلِّمْهم إلى ذَلِكَ اليَوْمِ ثُمَّ كَلِّمْهم لِتُعْلِمَهم. ثانِيها: أنَّ المُرادَ مِن حَتّى الغايَةُ الَّتِي يُسْتَعْمَلُ فِيها اللّامُ كَما يَقُولُ القائِلُ لا تُطْعِمْهُ حَتّى يَمُوتَ أيْ لِيَمُوتَ، لِأنَّ اللّامَ الَّتِي لِلْغَرَضِ عِنْدَها يَنْتَهِي الفِعْلُ الَّذِي لِلْغَرَضِ فَيُوجَدُ فِيها مَعْنى الغايَةِ ومَعْنى التَّعْلِيلِ، ويَجُوزُ اسْتِعْمالُ الكَلِمَتَيْنِ فِيها ولَعَلَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [ الحِجْرِ: ٩٩] هَذا أيْ إلى أنْ يَأْتِيَكَ اليَقِينُ، فَإنْ قِيلَ فَمَن لا يَذَرُهُ أيْضًا يُلاقِي ذَلِكَ اليَوْمَ، نَقُولُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿يُصْعَقُونَ﴾ يُهْلَكُونَ فالمُذَكِّرُ المُشْفِقُ لا يَهْلِكُ ويَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنهم كَما قالَ تَعالى: ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [ الزُّمَرِ: ٦٨] وقَدْ ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ مَنِ اعْتَرَفَ بِالحَقِّ وعَلِمَ أنَّ يَوْمَ الحِسابِ كائِنٌ فَإذا وقَعَتِ الصَّيْحَةُ يَكُونُ كَمَن يَعْلَمُ أنَّ الرَّعْدَ يَرْعَدُ ويَسْتَعِدُّ لِسَماعِهِ، ومَن لا يَعْلَمُ يَكُونُ كالغافِلِ، فَإذا وقَعَتِ الصَّيْحَةُ ارْتَجَفَ الغافِلُ ولَمْ يَرْتَجِفِ العالِمُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ التَّوَعُّدُ بِمُلاقاةِ يَوْمِهِمْ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يُلاقِي يَوْمَهُ وإنَّما يَكُونُ بِمُلاقاةِ يَوْمِهِمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ، أيِ اليَوْمِ المَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ وهو مَذْمُومٌ﴾ [ القَلَمِ: ٤٩] فَإنَّ المَنفِيَّ لَيْسَ النَّبْذَ بِالعَراءِ لِأنَّهُ تَحَقَّقَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾ [ الصّافّاتِ: ١٤٥] وإنَّما المَنفِيُّ النَّبْذُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ مَذْمُومًا وهَذا لَمْ يُوجَدْ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (حَتّى) يُنْصَبُ ما بَعْدَها مِنَ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ تارَةً ويُرْفَعُ أُخْرى والفاصِلُ بَيْنَهُما أنَّ الفِعْلَ إذا كانَ مُسْتَقْبَلًا مُنْتَظَرًا لا يَقَعُ في الحالِ يُنْصَبُ تَقُولُ تَعَلَّمْتُ الفِقْهَ حَتّى تَرْتَفِعَ دَرَجَتِي فَإنَّكَ تَنْتَظِرُهُ، وإنْ كانَ حالًا يُرْفَعُ تَقُولُ أُكَرِّرُ حَتّى تَسْقُطُ قُوَّتِي ثُمَّ أنامُ، والسَّبَبُ فِيهِ هو أنَّ (حَتّى) المُسْتَقْبَلِ لِلْغايَةِ ولامَ التَّعْلِيلِ لِلْغَرَضِ والغَرَضُ غايَةُ الفِعْلِ، تَقُولُ لِمَ تَبْنِي الدّارَ ؟ يَقُولُ لِلسُّكْنى فَصارَ قَوْلُهُ حَتّى تُرْفَعَ كَقَوْلِهِ لِأرْفَعَ وفِيهِما إضْمارُ (أنْ)، فَإنْ قِيلَ ما قُلْتَ شَيْئًا وما ذَكَرْتَ السَّبَبَ في النَّصْبِ عِنْدَ إرادَةِ الِاسْتِقْبالِ والرَّفْعِ عِنْدَ إرادَةِ الحالِ، نَقُولُ الفِعْلُ المُسْتَقْبَلُ إذا كانَ مُنْتَظَرًا وكانَ نُصْبَ العَيْنِ ومَنصُوبًا لَدى الذِّهْنِ يَرْقُبُهُ يُفْعَلُ بِلَفْظِهِ ما كانَ في مَعْناهُ، ولِهَذا قالُوا في الإضافَةِ أنَّ المُضافَ لَمّا جَرَّ أمْرًا إلى أمْرٍ في المَعْنى جُزِّءَ في اللَّفْظِ، والَّذِي يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا أنَّ الفِعْلَ إنَّما يُنْصَبُ بِأنْ ولَنْ وكَيْ وإذَنْ، وخُلُوصُ الفِعْلِ لِلِاسْتِقْبالِ في هَذِهِ المَواضِعِ لازِمٌ، والحَرْفُ الَّذِي يَجْعَلُ الفِعْلَ لِلْحالِ يَمْنَعُ النَّصْبَ حَيْثُ لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ إنَّ فُلانًا لَيَضْرِبَ فَإنْ قِيلَ: السِّينُ وسَوْفَ مَعَ أنَّهُما يُخَلِّصانِ الفِعْلَ لِلِاسْتِقْبالِ لا يَنْصِبانِ ويَمْنَعانِ النَّصْبَ بِالنّاصِبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى﴾ [ المُزَّمِّلِ: ٢٠] نَقُولُ: سَوْفَ والسِّينُ لَيْسا بِمَعْنًى غَيْرَ اخْتِصاصِ الفِعْلِ بِالِاسْتِقْبالِ، وأنْ ولَنْ بِمَعْنًى لا يَصِحُّ إلّا في الِاسْتِقْبالِ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِالسِّينِ إلّا الِاسْتِقْبالُ ولَمْ يَثْبُتْ بِهِ مَعْنًى في الِاسْتِقْبالِ، والمُنْتَظَرُ هو ما في الِاسْتِقْبالِ لا نَفْسُ الِاسْتِقْبالِ، مِثالُهُ إذا قُلْتَ أعْبُدُ اللَّهَ كَيْ يَغْفِرَ لِي أوْ لِيَغْفِرَ لِي أثْبَتَتْ (كَيْ) غَرَضًا وهو المَغْفِرَةُ، وهي في المُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمانِ، وإذا قُلْتَ: أسْتَغْفِرُكَ رَبِّي أثْبَتَتِ السِّينُ اسْتِقْبالَ المَغْفِرَةِ، وفَرْقٌ بَيْنَ ما يَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ بَيانَ الِاسْتِقْبالِ، لَكِنَّ الِاسْتِقْبالَ لا يُوجَدُ إلّا في مَعْنًى، فَأتى بِالمَعْنى لِيُبَيِّنَ بِهِ الِاسْتِقْبالَ وبَيْنَ ما يَكُونُ المَقْصُودُ مِنهُ مَعْنًى في المُسْتَقْبَلِ فَتَذْكُرُ الِاسْتِقْبالَ لِتُبَيِّنَ مَحَلَّ مَقْصُودِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences