Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
الطور
At-Tur
The Mount · Meccan · 49 ayahs
52:1–6Page 523
وَٱلطُّورِ ١
By the mount
وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ ٢
And [by] a Book inscribed1
فِي رَقّٖ مَّنشُورٖ ٣
In parchment spread open
وَٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ ٤
And [by] the frequented House1
وَٱلسَّقۡفِ ٱلۡمَرۡفُوعِ ٥
And [by] the ceiling [i.e., heaven] raised high
وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ ٦
And [by] the sea set on fire,1
صفحة ٢٠٥
[ سُورَةُ الطُّورِ ]
أرْبَعُونَ وتِسْعُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَّسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿والطُّورِ﴾ ﴿وكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مُناسِبَةٌ لِلسُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن حَيْثُ الِافْتِتاحُ بِالقَسَمِ وبَيانِ الحَشْرِ فِيهِما، وأوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ مُناسِبٌ لِآخَرِ ما قَبْلَها؛ لِأنَّ في آخِرِها قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الذاريات: ٦٠] وهَذِهِ السُّورَةُ في أوَّلِها ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] وفي آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ قالَ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾ [الذاريات: ٥٩] إشارَةً إلى العَذابِ وقالَ هُنا ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧] وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما الطُّورُ، وما الكِتابُ المَسْطُورُ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: الطُّورُ هو جَبَلٌ مَعْرُوفٌ كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ.
الثّانِي: هو الجَبَلُ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] .
الثّالِثُ: هو اسْمُ الجِنْسِ والمُرادُ القَسَمُ بِالجَبَلِ غَيْرَ أنَّ الطُّورَ الجَبَلُ العَظِيمُ كالطَّوْدِ، وأمّا الكِتابُ فَفِيهِ أيْضًا وُجُوهٌ:
أحَدُها: كِتابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
ثانِيها: الكِتابُ الَّذِي في السَّماءِ.
ثالِثُها: صَحائِفُ أعْمالِ الخَلْقِ.
رابِعُها: القُرْآنُ وكَيْفَما كانَ فَهي في رُقُوقٍ، وسَنُبَيِّنُ فائِدَةَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾، وأمّا البَيْتُ المَعْمُورُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: هو بَيْتٌ في السَّماءِ العُلْيا عِنْدَ العَرْشِ ووَصَفَهُ بِالعِمارَةِ لِكَثْرَةِ الطّائِفِينَ بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ.
الثّانِي: هو بَيْتُ اللَّهِ الحَرامُ وهو مَعْمُورٌ بِالحاجِّ الطّائِفِينَ بِهِ العاكِفِينَ.
الثّالِثُ: البَيْتُ المَعْمُورُ اللّامُ فِيهِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ كَأنَّهُ يُقْسِمُ بِالبُيُوتِ المَعْمُورَةِ والعَمائِرِ المَشْهُورَةِ، ”والسَّقْفِ المَرْفُوعِ“: السَّماءُ، والبَحْرِ المَسْجُورِ، قِيلَ: المُوقَدُ يُقالُ سَجَرْتُ التَّنُّورَ، وقِيلَ هو البَحْرُ المَمْلُوءُ ماءً المُتَمَوِّجُ، وقِيلَ هو بَحْرٌ مَعْرُوفٌ في السَّماءِ يُسَمّى بَحْرُ الحَيَوانِ.
صفحة ٢٠٦
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ هَذِهِ الأشْياءِ ؟ نَقُولُ هي تَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ الأماكِنَ الثَّلاثَةَ وهي: الطُّورُ، والبَيْتُ المَعْمُورُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ، أماكِنُ كانَتْ لِثَلاثَةِ أنْبِياءَ يَنْفَرِدُونَ فِيها لِلْخَلْوَةِ بِرَبِّهِمْ والخَلاصِ مِنَ الخَلْقِ والخِطابِ مَعَ اللَّهِ، أمّا الطُّورُ فانْتَقَلَ إلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والبَيْتُ مُحَمَّدٌ ﷺ، والبَحْرُ المَسْجُورُ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والكُلُّ خاطَبُوا اللَّهَ هُناكَ فَقالَ مُوسى: ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] وقالَ: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وأمّا مُحَمَّدٌ ﷺ فَقالَ: ”«السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ»، لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ“ وأمّا يُونُسُ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] فَصارَتِ الأماكِنُ شَرِيفَةً بِهَذِهِ الأسْبابِ، فَحَلَفَ اللَّهُ تَعالى بِها، وأمّا ذِكْرُ الكِتابِ فَإنَّ الأنْبِياءَ كانَ لَهم في هَذِهِ الأماكِنِ مَعَ اللَّهِ تَعالى كَلامٌ والكَلامُ في الكِتابِ واقْتِرانُهُ بِالطُّورِ أدَلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لَهُ مَكْتُوبٌ يُنَزَّلُ عَلَيْهِ وهو بِالطُّورِ، وأمّا ذِكْرُ السَّقْفِ المَرْفُوعِ ومَعَهُ البَيْتُ المَعْمُورُ لِيُعْلَمَ عَظَمَةُ شَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
ثانِيها: وهو أنَّ القَسَمَ لَمّا كانَ عَلى وُقُوعِ العَذابِ وعَلى أنَّهُ لا دافِعَ لَهُ، وذَلِكَ لِأنَّ لا مَهْرَبَ مِن عَذابِ اللَّهِ لِأنَّ مَن يُرِيدُ دَفْعَ العَذابِ عَنْ نَفْسِهِ، فَفي بَعْضِ الأوْقاتِ يَتَحَصَّنُ بِمِثْلِ الجِبالِ الشّاهِقَةِ الَّتِي لَيْسَ لَها طَرَفٌ وهي مُتَضايِقَةٌ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَنْفَعُ التَّحَصُّنُ بِها مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ ابْنُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] حِكايَةً عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الحِكْمَةُ في تَنْكِيرِ الكِتابِ وتَعْرِيفِ باقِي الأشْياءِ ؟ نَقُولُ: ما يَحْتَمِلُ الخَفاءَ مِنَ الأُمُورِ المُلْتَبِسَةِ بِأمْثالِها مِنَ الأجْناسِ يُعَرَّفُ بِاللّامِ، فَيُقالُ رَأيْتُ الأمِيرَ ودَخَلْتُ عَلى الوَزِيرِ، فَإذا بَلَغَ الأمِيرُ الشُّهْرَةَ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ الِالتِباسُ مَعَ شُهْرَتِهِ، ويُرِيدُ الواصِفُ وصْفَهُ بِالعَظَمَةِ، يَقُولُ: اليَوْمَ رَأيْتُ أمِيرًا ما لَهُ نَظِيرٌ جالِسًا وعَلَيْهِ سِيما المُلُوكِ وأنْتَ تُرِيدُ ذَلِكَ الأمِيرَ المَعْلُومَ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّكَ بِالتَّنْكِيرِ تُشِيرُ إلى أنَّهُ خَرَجَ عَنْ أنْ يُعْلَمَ ويُعْرَفَ بِكُنْهِ عَظَمَتِهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١، ٣] فاللّامُ وإنْ كانَتْ مُعَرِّفَةً لَكِنْ أخْرَجَها عَنِ المَعْرِفَةِ كَوْنُ شِدَّةِ هَوْلِها غَيْرَ مَعْرُوفٍ، فَكَذَلِكَ هَهُنا الطُّورُ لَيْسَ في الشُّهْرَةِ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ اللَّبْسُ عِنْدَ التَّنْكِيرِ، وكَذَلِكَ البَيْتُ المَعْمُورُ، وأمّا الكِتابُ الكَرِيمُ فَقَدْ تَمَيَّزَ عَنْ سائِرِ الكُتُبِ، بِحَيْثُ لا يَسْبِقُ إلى أفْهامِ السّامِعِينَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ – لَفْظُ الكِتابِ إلّا ذَلِكَ، فَلَمّا أُمِنَ اللَّبْسُ وحَصَلَتْ فائِدَةُ التَّعْرِيفِ سَواءٌ ذُكِرَ بِاللّامِ أوْ لَمْ يُذْكَرْ قَصْدًا لِلْفائِدَةِ الأُخْرى وهي في الذِّكْرِ بِالتَّنْكِيرِ، وفي تِلْكَ الأشْياءِ لِمّا لَمْ تَحْصُلْ فائِدَةُ التَّعْرِيفِ إلّا بِآلَةِ التَّعْرِيفِ اسْتَعْمَلَها، وهَذا يُؤَيِّدُ كَوْنَ المُرادِ مِنهُ القُرْآنُ وكَذَلِكَ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ مَشْهُورٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ وعَظَمَةُ الكِتابِ بِلَفْظِهِ ومَعْناهُ لا بِخَطِّهِ ووَرَقِهِ ؟ نَقُولُ هو إشارَةٌ إلى الوُضُوحِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكِتابَ المَطْوِيَّ لا يُعْلَمُ ما فِيهِ فَقالَ هو ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ولَيْسَ كالكُتُبِ المَطْوِيَّةِ وعَلى هَذا المُرادِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ فَمَعْناهُ هو مَنشُورٌ لَكم لا يَمْنَعُكم أحَدٌ مِن مُطالَعَتِهِ، وإنْ قُلْنا بِأنَّ المُرادَ كِتابُ أعْمالِ كُلِّ أحَدٍ فالتَّنْكِيرُ لِعَدَمِ المَعْرِفَةِ بِعَيْنِهِ، وفي رَقٍّ مَنشُورٍ لِبَيانِ وصْفِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] وذَلِكَ لِأنَّ غَيْرَ المَعْرُوفِ إذا وُصِفَ كانَ إلى المَعْرِفَةِ أقْرَبَ شَبَهًا.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في بَعْضِ السُّورِ أقْسَمَ بِجُمُوعٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والذّارِياتِ﴾ [الذّارِياتِ: ١]
صفحة ٢٠٧
وقَوْلُهُ ﴿والمُرْسَلاتِ﴾ [ المُرْسَلاتِ: ١] وقَوْلُهُ ﴿والنّازِعاتِ﴾ [ النّازِعاتِ: ١] وفي بَعْضِها بِإفْرادٍ كَما في هَذِهِ السُّورَةِ حَيْثُ قالَ: ﴿والطُّورِ﴾ ولَمْ يَقُلْ والأطْوارِ والبِحارِ، ولا سِيَّما إذا قُلْنا المُرادُ مِنَ الطُّورِ الجَبَلُ العَظِيمُ كالطَّوْدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ [ النِّساءِ: ٥٤] أيِ الجَبَلَ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ في الجُمُوعِ في أكْثَرِها أقْسَمَ بِالمُتَحَرِّكاتِ، والرِّيحُ الواحِدَةُ لَيْسَتْ بِثابِتَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ حَتّى يَقَعَ القَسَمُ بِها، بَلْ هي مُتَبَدِّلَةٌ بِأفْرادِها مُسْتَمِرَّةٌ بِأنْواعِها، والمَقْصُودُ مِنها لا يَحْصُلُ إلّا بِالتَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ فَقالَ: ﴿والذّارِياتِ﴾ إشارَةً إلى النَّوْعِ المُسْتَمِرِّ إلى الفَرْدِ المُعَيَّنِ المُسْتَقِرِّ، وأمّا الجَبَلُ فَهو ثابِتٌ قَلِيلُ التَّغَيُّرِ، والواحِدُ مِنَ الجِبالِ دائِمٌ زَمانًا ودَهْرًا، فَأقْسَمَ في ذَلِكَ بِالواحِدِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿والنَّجْمِ﴾ [ النَّجْمِ: ١] والرِّيحُ ما عُلِمَ القَسَمُ بِهِ، وفي الطُّورِ عُلِمَ.
52:7–8Page 523
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ ٧
Indeed, the punishment of your Lord will occur.
مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٖ ٨
Of it there is no preventer.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ .
إشارَةٌ إلى المُقْسَمِ عَلَيْهِ، وفِيهِ مَباحِثُ: الأوَّلُ: في حَرْفِ (إنَّ) وفِيهِ مَقاماتٌ الأوَّلُ: هي تَنْصِبُ الِاسْمَ وتَرْفَعُ الخَبَرَ؛ والسَّبَبُ فِيهِ هو أنَّها شُبِّهَتْ بِالفِعْلِ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ والمَعْنى، أمّا اللَّفْظُ فَلِكَوْنِ الفَتْحِ لازِمًا فِيها واخْتِصاصِها بِالدُّخُولِ عَلى الأسْماءِ، والمَنصُوبُ مِنها عَلى وزْنِ إنَّ أنِينًا، وأمّا المَعْنى فَنَقُولُ: اعْلَمْ أنَّ الجُمْلَةَ الإثْباتِيَّةَ قَبْلَ الجُمْلَةِ الِانْتِفائِيَّةِ، ولِهَذا اسْتَغْنَوْا عَنْ حَرْفٍ يَدُلُّ عَلى الإثْباتِ، فَإذا قالُوا زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ فُهِمَ مِنهُ إرادَةُ إثْباتِ الِانْطِلاقِ لِزَيْدٍ، والِانْتِفائِيَّةُ لَمّا كانَتْ بَعْدَ المُثْبَتَةِ زِيدَ فِيها حَرْفٌ يُغَيِّرُها عَنِ الأصْلِ وهو الإثْباتُ فَقِيلَ لَيْسَ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا، فَصارَ لَيْسَ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا بَعْدَ قَوْلِ القائِلِ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَ القائِلِ إنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ مُسْتَنْبَطٌ مِن قَوْلِهِ لَيْسَ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا، كَأنَّ الواضِعَ لَمّا وضَعَ أوَّلًا زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ لِلْإثْباتِ، وعِنْدَ النَّفْيِ يَحْتاجُ إلى ما يُغَيِّرُهُ أتى بِلَفْظٍ مُغَيِّرٍ وهو فِعْلٌ مِن وجْهٍ لِأنَّكَ قَدْ تُبْقِي مَكانَهُ ما النّافِيَةَ؛ ولِهَذا قِيلَ لَسْتُ ولَيْسُوا، فَأُلْحِقَ بِهِ ضَمِيرُ الفاعِلِ، ولَوْلا أنَّهُ فَعَلَ لَما جازَ ذَلِكَ، ثُمَّ أرادَ أنْ يَضَعَ في مُقابَلَةِ لَيْسَ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا جُمْلَةً إثْباتِيَّةً فِيها لَفْظُ الإثْباتِ، كَما أنَّ في النّافِيَةِ لَفْظَ النَّفْيِ فَقالَ (إنَّ) ولَمْ يَقْصِدْ أنَّ (إنَّ) فِعْلٌ لِأنَّ لَيْسَ يُشَبَّهُ بِالفِعْلِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ وهو التَّغْيِيرُ، فَإنَّها غَيَّرَتِ الجُمْلَةَ مِن أصْلِها الَّذِي هو الإثْباتُ، وأمّا (إنَّ) فَلَمْ تُغَيِّرْهُ، فالجُمْلَةُ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ إثْباتِيَّةٌ فَصارَتْ مُشَبَّهَةً بِالمُشَبَّهَةِ بِالفِعْلِ وهي (لَيْسَ)، وهَذا ما يَقُولُهُ النَّحْوِيُّونَ في إنَّ وأنَّ وكَأنَّ ولَيْتَ ولَعَلَّ إنَّها حُرُوفٌ مُشَبَّهَةٌ بِالأفْعالِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ كَما أنَّ (لَيْسَ) لَها اسْمٌ كالفاعِلِ وخَبَرٌ كالمَفْعُولِ، تَقُولُ لَيْسَ زَيْدٌ لَئِيمًا بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ كَما تَقُولُ باتَ زَيْدٌ كَرِيمًا، فَكَذَلِكَ إنَّ لَها اسْمٌ وخَبَرٌ، لَكِنَّ اسْمَها يُخالِفُ اسْمَ لَيْسَ وخَبَرَها خَبَرَها فَإنَّ اسْمَ إنَّ مَنصُوبٌ وخَبَرَها مَرْفُوعٌ، لِأنَّ إنَّ لَمّا كانَتْ زِيادَةً عَلى خِلافِ الأصْلِ لِأنَّها لا تُفِيدُ إلّا الإثْباتَ الَّذِي كانَ مُسْتَفادًا مِن غَيْرِ حَرْفٍ، و(لَيْسَ) لَمّا كانَتْ زِيادَةً عَلى الأصْلِ لِأنَّها تُغَيِّرُ الأصْلَ، ولَوْلاها لَما حَصَلَ المَقْصُودُ، جُعِلَ المَرْفُوعُ والمَنصُوبُ في لَيْسَ عَلى الأصْلِ، لِأنَّ الأصْلَ تَقْدِيمُ الفاعِلِ، وفي إنَّ جُعِلَ ذَلِكَ عَلى خِلافِ الأصْلِ وقُدِّمَ المُشَبَّهُ بِالمَفْعُولِ عَلى المُشَبَّهِ بِالفاعِلِ تَقْدِيمًا لازِمًا، فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ مُنْطَلِقٌ زَيْدًا وهو في لَيْسَ مُنْطَلِقًا زَيْدٌ جائِزٌ كَما في الفِعْلِ لِأنَّها فِعْلٌ.
المَقامُ الثّانِي: هي لِمَ تُكْسَرُ تارَةً وتُفْتَحُ أُخْرى ؟ نَقُولُ: الأصْلُ فِيها الكَسْرَةُ والعارِضُ وإنْ كانَ هَذا في الظّاهِرِ يُخالِفُ قَوْلَ النُّحاةِ لَكِنَّ في الحَقِيقَةِ هي كَذَلِكَ.
صفحة ٢٠٨
المَقامُ الثّالِثُ: لِمَ تَدْخُلُ اللّامُ عَلى خَبَرِ إنَّ المَكْسُورَةِ دُونَ المَفْتُوحَةِ ؟ قُلْنا قَدْ خَرَجَ مِمّا سَبَقَ أنَّ قَوْلَ القائِلِ زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ أصْلٌ، لِأنَّ المُثْبَتاتِ هي المُحْتاجَةُ إلى الإخْبارِ عَنْها فَإنَّ التَّغَيُّرَ في ذَلِكَ، وأمّا العَدَمِيّاتُ فَعَلى أُصُولِها مُسْتَمِرَّةٌ، ولِهَذا يُقالُ الأصْلُ في الأشْياءِ البَقاءُ ثُمَّ إنَّ السّامِعَ لَهُ قَدْ يَحْتاجُ إلى الرَّدِّ عَلَيْهِ فَيَقُولُ لَيْسَ زَيْدٌ مُنْطَلِقًا فَيَقُولُ هو إنَّ زَيْدًا مُنْطَلِقٌ فَيَقُولُ هو رَدًّا عَلَيْهِ لَيْسَ زَيْدٌ بِمُنْطَلِقٍ فَيَقُولُ رَدًّا عَلَيْهِ إنَّ زَيْدًا لَمُنْطَلِقٌ و(أنَّ) لَيْسَتْ في مُقابَلَةِ (لَيْسَ) وإنَّما هي مُتَفَرِّعَةٌ عَنِ المَكْسُورَةِ.
المَبْحَثُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابَ رَبِّكَ﴾ فِيهِ لَطِيفَةٌ عَزِيزَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى لَوْ قالَ إنَّ عَذابَ اللَّهِ لَواقِعٌ، واللَّهُ اسْمٌ مُنْبِئٌ عَنِ العَظَمَةِ والهَيْبَةِ كانَ يَخافُ المُؤْمِنُ بَلِ النَّبِيُّ ﷺ مِن أنْ يَلْحَقَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ تَعالى مُسْتَغْنِيًا عَنِ العالَمِ بِأسْرِهِ، فَضْلًا عَنْ واحِدٍ فِيهِ فَآمَنُهُ بِقَوْلِهِ (رَبِّكَ) فَإنَّهُ حِينَ يَسْمَعُ لَفْظَ الرَّبِّ يَأْمَنُ.
المَبْحَثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿لَواقِعٌ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى الشِّدَّةِ، فَإنَّ الواقِعَ والوُقُوعَ مِن بابٍ واحِدٍ، فالواقِعُ أدَلُّ عَلى الشِّدَّةِ مِنَ الكائِنِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ والبَحْثُ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ فُصِّلَتْ: ٤٦] وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ ﴿والطُّورِ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى عَدَمِ الدّافِعِ، فَإنَّ مَن يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ عَذابًا قَدْ يَدْفَعُ بِالتَّحَصُّنِ بِقُلَلِ الجِبالِ ولُجَجِ البِحارِ، ولا يَنْفَعُ ذَلِكَ بَلِ الوُصُولُ إلى السَّقْفِ المَرْفُوعِ ودُخُولِ البَيْتِ المَعْمُورِ لا يَدْفَعُ.
52:9–10Page 523
يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا ٩
On the Day the heaven will sway with circular motion
وَتَسِيرُ ٱلۡجِبَالُ سَيۡرٗا ١٠
And the mountains will pass on, departing1 -
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما النّاصِبُ لِـ (يَوْمَ) ؟ نَقُولُ المَشْهُورُ أنَّ ذَلِكَ هو الفِعْلُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ واقِعٌ أيْ يَقَعُ العَذابُ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ والَّذِي أظُنُّهُ أنَّهُ هو الفِعْلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ وإنَّما قُلْتُ ذَلِكَ لِأنَّ العَذابَ الواقِعَ عَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، لَكِنَّ العَذابَ الَّذِي بِهِ التَّخْوِيفُ هو الَّذِي بَعْدَ الحَشْرِ، ومَوْرُ السَّماءِ قَبْلَ الحَشْرِ، وأمّا إذا قُلْنا مَعْناهُ (لَيْسَ لَهُ دافِعٌ يَوْمَ تَمُورُ)، فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [ غافِرٍ: ٨٥] كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ما لَهُ مِن دافِعٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو ما إذا صارَتِ السَّماءُ تَمُورُ في أعْيُنِكم والجِبالُ تَسِيرُ، وتَتَحَقَّقُونَ أنَّ الأمْرَ لا يَنْفَعُ شَيْئًا ولا يَدْفَعُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما مَوْرُ السَّماءِ ؟ نَقُولُ خُرُوجُها عَنْ مَكانِها تَتَرَدَّدُ وتَمُوجُ، والَّذِي تَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ قَدْ عَلِمْتَ ضَعْفَهُ مِرارًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ يَدُلُّ عَلى خِلافِ قَوْلِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم وافَقُوا عَلى أنَّ خُرُوجَ الجَبَلِ العَظِيمِ مِن مَكانِهِ جائِزٌ، وكَيْفَ لا وهم يَقُولُونَ بِأنَّ زَلْزَلَةَ الأرْضِ مَعَ ما فِيها مِنَ الجِبالِ بِبُخارٍ يَجْتَمِعُ تَحْتَ الأرْضِ فَيُحَرِّكُها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَنَقُولُ: السَّماءُ قابِلَةٌ لِلْحَرَكَةِ بِإخْراجِها خارِجَةً عَنِ السَّمْتِيّاتِ، والجَبَلُ ساكِنٌ يَقْتَضِي طَبْعُهُ السُّكُونَ، وإذا قَبِلَ جِسْمٌ الحَرَكَةَ مَعَ أنَّها عَلى خِلافِ طَبْعِهِ، فَلَأنْ يَقْبَلَها جِرْمٌ آخَرُ مَعَ أنَّها عَلى مُوافَقَتِهِ أوْلى، وقَوْلُهُمُ القابِلُ لِلْحَرَكَةِ المُسْتَدِيرَةِ لا يَقْبَلُ الحَرَكَةَ المُسْتَقِيمَةَ في غايَةِ الضَّعْفِ، وقَوْلُهُ ﴿مَوْرًا﴾ يُفِيدُ فائِدَةً جَلِيلَةً وهي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وتَسِيرُ الجِبالُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِكَيْفِيَّةِ مَوْرِ السَّماءِ، وذَلِكَ لِأنَّ الجِبالَ إذا سارَتْ وسَيَّرَتْ مَعَها سُكّانَها يَظْهَرُ أنَّ السَّماءَ كالسَّيّارَةِ إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ كَما يُشاهِدُهُ راكِبُ السَّفِينَةِ، فَإنَّهُ يَرى الجَبَلَ السّاكِنَ مُتَحَرِّكًا، فَكانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ السَّماءُ تَمُورُ في رَأْيِ العَيْنِ
صفحة ٢٠٩
بِسَبَبِ سَيْرِ الجِبالِ كَما يَرى القَمَرَ سائِرًا راكِبُ السَّفِينَةِ، والسَّماءُ إذا مارَتْ كَذَلِكَ فَلا يَبْقى مَهْرَبٌ ولا مَفْزَعٌ لا في السَّماءِ ولا في الأرْضِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما السَّبَبُ في مَوْرِها وسَيْرِها ؟ قُلْنا قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى، وأمّا الحِكْمَةُ فالإيذانُ والإعْلامُ بِأنْ لا عَوْدَ إلى الدُّنْيا، وذَلِكَ لِأنَّ الأرْضَ والجِبالَ والسَّماءَ والنُّجُومَ كُلَّها لِعِمارَةِ الدُّنْيا والِانْتِفاعِ لِبَنِي آدَمَ بِها، فَإنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهم عَوْدٌ لَمْ يَبْقَ فِيها نَفْعٌ فَأعْدَمَها اللَّهُ تَعالى.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَوْ قالَ قائِلٌ كُنْتَ وعَدْتَ بِبَحْثٍ في الزَّمانِ يَسْتَفِيدُ العاقِلُ مِنهُ فَوائِدَ في اللَّفْظِ والمَعْنى وهَذا مَوْضِعُهُ، فَإنَّ الفِعْلَ لا يُضافُ إلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرُ الزَّمانِ، فَيُقالُ يَوْمَ يَخْرُجُ فُلانٌ وحِينَ يَدْخُلُ فُلانٌ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ [ المائِدَةِ: ١١٩] وقالَ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ﴾ وقالَ: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [ التَّوْبَةِ: ٣٦] وكَذَلِكَ يُضافُ إلى الجُمْلَةِ فَما السَّبَبُ في ذَلِكَ ؟
فَنَقُولُ الزَّمانُ ظَرْفُ الأفْعالِ كَما أنَّ المَكانَ ظَرْفُ الأعْيانِ، وكَما أنَّ جَوْهَرًا مِنَ الجَواهِرِ لا يُوجَدُ إلّا في مَكانٍ، فَكَذَلِكَ عَرَضٌ مِنَ الأعْراضِ لا يَتَجَدَّدُ إلّا في زَمانٍ، وفِيهِما تَحَيُّرُ خَلْقٍ عَظِيمٍ، فَقالُوا إنْ كانَ المَكانُ جَوْهَرًا فَلَهُ مَكانٌ آخَرُ ويَتَسَلْسَلُ الأمْرُ، وإنْ كانَ عَرَضًا فالعَرَضُ لا بُدَّ لَهُ مِن جَوْهَرٍ، والجَوْهَرُ لا بُدَّ لَهُ مِن مَكانٍ فَيَدُورُ الأمْرُ أوْ يَتَسَلْسَلُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جَوْهَرًا ولا عَرَضًا، فالجَوْهَرُ يَكُونُ حاصِلًا فِيما لا وُجُودَ لَهُ أوْ فِيما لا إشارَةَ إلَيْهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وقالُوا في الزَّمانِ إنْ كانَ الزَّمانُ غَيْرَ مُتَجَدِّدٍ فَيَكُونُ كالأُمُورِ المُسْتَمِرَّةِ فَلا يَثْبُتُ فِيهِ المُضِيُّ والِاسْتِقْبالُ، وإنْ كانَ مُتَجَدِّدًا وكُلُّ مُتَجَدِّدٍ فَهو في زَمانٍ، فَلِلزَّمانِ زَمانٌ آخَرُ فَيَتَسَلْسَلُ الأمْرُ، ثُمَّ إنَّ الفَلاسِفَةَ التَزَمُوا التَّسَلْسُلَ في الأزْمِنَةِ، ووَقَعُوا بِسَبَبِ هَذا في القَوْلِ بِقِدَمِ العالَمِ ولَمْ يَلْتَزِمُوا التَّسَلْسُلَ في الأمْكِنَةِ وفَرَّقُوا بَيْنَهُما مِن غَيْرِ فارِقٍ، وقَوْمٌ التَزَمُوا التَّسَلْسُلَ فِيهِما جَمِيعًا، وقالُوا بِالقِدَمِ وأزْمانٍ لا نِهايَةَ لَها وبِالِامْتِدادِ وأبْعادٍ لا نِهايَةَ لَها، وهم وإنْ خالَفُونا في المَسْألَتَيْنِ جَمِيعًا، والفَلاسِفَةُ وافَقُونا في إحْداهُما دُونَ الأُخْرى لَكِنَّهم سَلَكُوا جادَّةَ الوَهْمِ ولَمْ يَتْرُكُوا عَلى أنْفُسِهِمْ سَبِيلَ الِالتِزامِ في الأزْمانِ، فَإنْ قِيلَ فالمُتَجَدِّدُ الأوَّلُ قَبْلَهُ ماذا ؟ نَقُولُ لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، فَإنْ قِيلَ فَعَدَمُهُ قَبْلَهُ أوْ قَبْلَهُ عَدَمُهُ ؟ نَقُولُ قَوْلُنا لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ أعَمُّ مِن قَوْلِكَ قَبْلَهُ عَدَمُهُ، لِأنّا إذا قُلْنا لَيْسَ قَبْلَ آدَمَ حَيَوانٌ بِألْفِ رَأْسٍ، صَدَقْنا ولا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ صِدْقَ قَوْلِنا آدَمُ قَبْلَ حَيَوانٍ بِألْفِ رَأْسٍ أوْ حَيَوانٌ بِألْفِ رَأْسٍ بَعْدَ آدَمَ، لِانْتِفاءِ ذَلِكَ الحَيَوانِ أوَّلًا وآخِرًا وعَدَمِ دُخُولِهِ في الوُجُودِ أزَلًا وأبَدًا، فَكَذَلِكَ ما قُلْنا، فَإنْ قِيلَ هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ مَوْجُودٌ وهو قَبْلَ العالَمِ، نَقُولُ قَوْلُنا لَيْسَ قَبْلَ المُتَجَدِّدِ الأوَّلِ شَيْءٌ مَعْناهُ لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ بِالزَّمانِ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَلَيْسَ قَبْلَهُ بِالزَّمانِ إذْ كانَ اللَّهُ ولا زَمانَ، والزَّمانُ وُجِدَ مَعَ المُتَجَدِّدِ الأوَّلِ، فَإنْ قِيلَ فَما مَعْنى وُجُودِ اللَّهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَهُ ؟ نَقُولُ مَعْناهُ كانَ اللَّهُ ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرَهُ لا يُقالُ ما ذَكَرْتُمْ إثْباتُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ ولا يَثْبُتُ ذَلِكَ الشَّيْءُ إلّا بِما تَرُومُونَ إثْباتَهُ، فَإنَّ بِدايَةَ الزَّمانِ غَرَضُكم وهو مَبْنِيٌّ عَلى المُتَجَدِّدِ الأوَّلِ والنِّزاعُ في المُتَجَدِّدِ، فَإنَّ عِنْدَ الخَصْمِ لَيْسَ في الوُجُودِ مُتَجَدِّدٌ أوَّلٌ بَلْ قَبْلَ كُلِّ مُتَجَدِّدٍ، لِأنّا نَقُولُ نَحْنُ ما ذَكَرْنا ذَلِكَ دَلِيلًا، وإنَّما ذَكَرْناهُ بَيانًا لِعَدَمِ الإلْزامِ، وأنَّهُ لا يَرِدُ عَلَيْنا شَيْءٌ إذا قُلْنا بِالحُدُوثِ ونِهايَةِ الأبْعادِ واللَّزْمِ والإلْزامِ، فَيَسْلَمُ الكَلامُ الأوَّلُ، ثُمَّ يَلْزَمُ ويَقُولُ: ألَسْتَ تَقُولُ إنَّ لَنا مُتَجَدِّدًا أوَّلًا فَكَذَلِكَ قُلْ لَهُ عَدَمٌ، فَنَقُولُ لا بَلْ لَيْسَ قَبْلَهُ أمْرٌ بِالزَّمانِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نَفْيًا عامًّا، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لِانْتِفاءِ الزَّمانِ، كَما ذَكَرْنا في المِثالِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَصارَ الزَّمانُ تارَةً مَوْجُودًا مَعَ عَرَضٍ وأُخْرى مَوْجُودًا
صفحة ٢١٠
بَعْدَ عَرَضٍ، لِأنَّ يَوْمَنا هَذا وغَيْرَهُ مِنَ الأيّامِ كُلِّها صارَتْ مُتَمَيِّزَةً بِالمُتَجَدِّدِ الأوَّلِ، والمُتَجَدِّدُ الأوَّلُ لَهُ زَمانٌ هو مَعَهُ، إذا عَرَفْتَ أنَّ الزَّمانَ والمَكانَ أمْرُهُما مُشْكِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ الأفْهامِ والأمْرُ الخَفِيُّ يُعْرَفُ بِالوَصْفِ والإضافَةِ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ غُلامٌ لَمْ يُعْرَفْ، فَإذا وصَفْتَهُ أوْ أضَفْتَهُ وقُلْتَ غُلامٌ صَغِيرٌ أوْ كَبِيرٌ، وأبْيَضُ أوْ أسْوَدُ قَرُبَ مِنَ الفَهْمِ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ غُلامُ زَيْدٍ قَرُبَ، ولَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مَعْرِفَةِ الزَّمانِ، ولا يُعْرَفُ الشَّيْءُ إلّا بِما يَخْتَصُّ بِهِ، فَإنَّكَ إذا قُلْتَ في الإنْسانِ حَيَوانٌ مَوْجُودٌ بَعَّدْتَهُ عَنِ الفَهْمِ، وإذا قُلْتَ حَيَوانٌ طَوِيلُ القامَةِ قَرَّبْتَهُ مِنهُ، فَفي الزَّمانِ كانَ يَجِبُ أنْ يُعْرَفَ بِما يَخْتَصُّ بِهِ لِأنَّ الفِعْلَ الماضِيَ والمُسْتَقْبَلَ والحالَ يَخْتَصُّ بِأزْمِنَةٍ، والمَصْدَرُ لَهُ زَمانٌ مُطْلَقٌ، فَلَوْ قُلْتَ زَمانُ الخُرُوجِ تَمَيَّزَ عَنْ زَمانِ الدُّخُولِ وغَيْرِهِ، فَإذا قُلْتَ يَوْمَ خَرَجَ أفادَ ما أفادَ قَوْلُكَ يَوْمَ الخُرُوجِ مَعَ زِيادَةٍ هو أنَّهُ تَمَيَّزَ عَنْ يَوْمَ يَخْرُجُ والإضافَةُ إلى ما هو أشَدُّ تَمْيِيزًا أوْلى، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ غُلامُ رَجُلٍ مَيَّزْتَهُ عَنْ غُلامِ امْرَأةٍ، وإذا قُلْتَ غُلامُ زَيْدٍ زِدْتَ عَلَيْهِ في الإفادَةِ وكانَ أحْسَنَ، كَذَلِكَ قَوْلُنا يَوْمَ خَرَجَ لِتَعْرِيفِ ذَلِكَ اليَوْمِ خَيْرٌ مِن قَوْلِكَ يَوْمَ الخُرُوجِ، فَظَهَرَ مِن هَذا البَحْثِ أنَّ الزَّمانَ يُضافُ إلى الفِعْلِ، وغَيْرُهُ لا يُضافُ لِاخْتِصاصِ الفِعْلِ بِالزَّمانِ دُونَ غَيْرِهِ إلّا المَكانَ في قَوْلِهِ اجْلِسْ حَيْثُ يَجْلِسُ، فَإنَّ حَيْثُ يُضافُ إلى الجُمَلِ لِمُشابَهَةِ ظَرْفِ المَكانِ لِظَرْفِ الزَّمانِ، وأمّا الجُمَلُ فَهي إنَّما يَصِحُّ بِواسِطَةِ تَضَمُّنِها الفِعْلَ، فَلا يُقالُ يَوْمَ زَيْدٌ أخُوكَ، ويُقالُ يَوْمَ زَيْدٌ فِيهِ خارِجٌ.
ومِن جُمْلَةِ الفَوائِدِ اللَّفْظِيَّةِ أنَّ لاتَ يَخْتَصُّ اسْتِعْمالُها بِالزَّمانِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ [ ص: ٣] ولا يُقالُ لاتَ الرَّجُلُ سُوءٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الزَّمانَ تَجَدُّدٌ بَعْدَ تَجَدُّدٍ ولا يَبْقى بَعْدَ الفَناءِ حَياةٌ أُخْرى وبَعْدَ كُلِّ حَرَكَةٍ حَرَكَةٌ أُخْرى وبَعْدَ كُلِّ زَمانٍ زَمانٌ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ [ الرَّحْمَنِ: ٢٩] أيْ قَبْلَ الخَلْقِ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا، لَكِنَّهُ بَعْدَما خَلَقَ فَهو أبَدًا دائِمًا يَخْلُقُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَبَعْدَ حَياتِنا مَوْتٌ وبَعْدَ مَوْتِنا حَياةٌ وبَعْدَ حَياتِنا حِسابٌ وبَعْدَ الحِسابِ ثَوابٌ دائِمٌ أوْ عِقابٌ، لازِمٌ ولا يَتْرُكُ اللَّهُ الفِعْلَ فَلَمّا بَعُدَ الزَّمانُ عَنِ النَّفْيِ زِيدَ في الحُرُوفِ النّافِيَةِ زِيادَةً، فَإنْ قِيلَ: فاللَّهُ تَعالى أبْعَدُ عَنِ الِانْتِفاءِ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا تُقَرَّبَ التّاءُ بِكَلِمَةِ (لا) هُناكَ، نَقُولُ ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ [ ص: ٣] تَأْوِيلٌ وعَلَيْهِ لا يَرِدُ ما ذَكَرْتُمْ وهو أنَّ (لا) هي المُشَبَّهَةُ بِلَيْسَ تَقْدِيرُهُ لَيْسَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ، وهو المَشْهُورُ، ولِذَلِكَ اخْتَصَّ بِالحِينِ دُونَ اليَوْمِ واللَّيْلِ لِأنَّ الحِينَ أدْوَمُ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فاللَّيْلُ والنَّهارُ قَدْ لا يَكُونُ والحِينُ يَكُونُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences