Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Najm 53:12–20
53:12–14Page 526
أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ١٢
So will you dispute with him over what he saw?
وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ ١٣
And he certainly saw him in another descent1
عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ ١٤
At the Lote Tree of the Utmost Boundary -
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ أيْ كَيْفَ تُجادِلُونَهُ وتُورِدُونَ شُكُوكَكم عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ رَأى ما رَأى عَيْنَ اليَقِينِ ؟ ولا شَكَّ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ فَهو جازِمٌ مُتَيَقِّنٌ، وأنْتُمْ تَقُولُونَ أصابَهُ الجِنُّ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ هو مُؤَكِّدٌ لِلْمَعْنى الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن تَيَقَّنَ شَيْئًا قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ لا يَزُولُ عَنْ نَفْسِهِ تَشْكِيكٌ.
وأكَّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ لَمّا رَآهُ وهو عَلى بَسِيطِ الأرْضِ كانَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ أنَّهُ مِنَ الجِنِّ احْتِمالًا في غايَةِ البُعْدِ، لِما بَيَّنّا أنَّهُ ﷺ حَصَلَ لَهُ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِأنَّهُ مَلَكٌ مُرْسَلٌ، واحْتِمالُ البَعِيدِ لا يَقْدَحُ في الجَزْمِ واليَقِينِ، ألا تَرى أنّا إذا نِمْنا بِاللَّيْلِ وانْتَبَهْنا بِالنَّهارِ نُجْزِمُ
صفحة ٢٥١
بِأنَّ البِحارَ وقْتَ نَوْمِنا ما نَشِفَتْ ولا غارَتْ، والجِبالَ ما عُدِمَتْ ولا سارَتْ، مَعَ احْتِمالِ ذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ وقْتَ نَوْمِنا، ويُعِيدُها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ في يَوْمِنا، فَلَمّا رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى وهو فَوْقَ السَّماءِ السّادِسَةِ لَمْ يُحْتَمَلْ أنْ يَكُونَ هُناكَ جِنٌّ ولا إنْسٌ، فَنَفى ذَلِكَ الِاحْتِمالَ أيْضًا فَقالَ تَعالى: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ رَأْيَ العَيْنِ، وكَيْفَ وهو قَدْ رَآهُ في السَّماءِ فَماذا تُقَدِّرُونَ فِيهِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْحالِ عَلى ما بَيَّنّاهُ، أيْ كَيْفَ تُجادِلُونَهُ فِيما رَآهُ، عَلى وجْهٍ لا يَشُكُّ فِيهِ ؟ ومَعَ ذَلِكَ لا يُحْتَمَلُ إيرادُ الشُّكُوكِ عَلَيْهِ، فَإنَّ كَثِيرًا ما يَشُكُّ المُعْتَقِدُ لِشَيْءٍ فِيهِ ولَكِنَّ تُرَدَّدُ عَلَيْهِ الشُّكُوكُ، ولا يُمْكِنُهُ الجَوابُ عَنْها، ولا تَثْرِيبَ مَعَ ذَلِكَ في أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْنا مِنَ المِثالِ، لِأنّا لا نَشُكُّ في أنَّ البِحارَ ما صارَتْ ذَهَبًا والجِبالَ ما صارَتْ عِهْنًا، وإذا أوْرَدَ عَلَيْنا مُورِدٌ شَكًّا، وقالَ وقْتَ نَوْمِكَ يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَلَبَها ثُمَّ أعادَها لا يُمْكِنُنا الجَوابُ عَنْهُ مَعَ أنّا لا نَشُكُّ في اسْتِمْرارِها عَلى ما هي عَلَيْهِ، لا يُقالُ اللّامُ تُنافِي كَوْنَ الواوِ لِلْحالِ، فَإنَّ المُسْتَعْمَلَ يُقالُ أفَتُمارُونَهُ، وقَدْ رَأى مِن غَيْرِ لامٍ، لِأنّا نَقُولُ الواوُ الَّتِي لِلْحالِ تَدْخُلُ عَلى جُمْلَةٍ والجُمْلَةُ تَتَرَكَّبُ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وهُنا فِعْلٌ وفاعِلٌ، وكِلاهُما يَجُوزُ فِيهِ اللّامُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ ﴿نَزْلَةً﴾ فَعْلَةٌ مِنَ النُّزُولِ فَهي كَجَلْسَةٍ مِنَ الجُلُوسِ، فَلا بُدَّ مِن نُزُولٍ، فَذَلِكَ النُّزُولُ لِمَن كانَ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ، وهي مُرَتَّبَةٌ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في رَآهُ عائِدٌ إلى مَن ؟ وفِيهِ قَوْلانِ. الأوَّلُ: عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى أيْ رَأى اللَّهَ نَزْلَةً أُخْرى، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ ﴿ما رَأى﴾ في قَوْلِهِ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ هو اللَّهُ تَعالى. وقَدْ قِيلَ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى رَبَّهُ بِقَلْبِهِ مَرَّتَيْنِ، وعَلى هَذا فالنَّزْلَةُ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّها لِلَّهِ، وعَلى هَذا فَوَجْهانِ:
أحَدُهُما: قَوْلُ مَن يُجَوِّزُ عَلى اللَّهِ تَعالى الحَرَكَةَ والِانْتِقالَ وهو باطِلٌ.
وثانِيهِما: النُّزُولُ بِالقُرْبِ المَعْنَوِيِّ لا الحِسِّيِّ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَقْرُبُ بِالرَّحْمَةِ والفَضْلِ مِن عَبْدِهِ ولا يَراهُ العَبْدُ، ولِهَذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبِّ أرِنِي﴾ [ الأعْرافِ: ١٤٣] أيْ أزِلْ بَعْضَ حُجُبِ العَظَمَةِ والجَلالِ، وادْنُ مِنَ العَبْدِ بِالرَّحْمَةِ والإفْضالِ لِأراكَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأى اللَّهَ نَزْلَةً أُخْرى، وحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ عَلى مَتْنِ الهَوى ومَرْكَبِ النَّفْسِ؛ ولِهَذا يُقالُ لِمَن رَكِبَ مَتْنَ هَواهُ إنَّهُ عَلا في الأرْضِ واسْتَكْبَرَ، قالَ تَعالى: ﴿عَلا في الأرْضِ﴾ [ القَصَصِ: ٤] .
ثانِيهِما: أنَّ المُرادَ مِنَ النَّزْلَةِ ضِدُّها وهي العَرْجَةُ، كَأنَّهُ قالَ رَآهُ عَرْجَةً أُخْرى، وإنَّما اخْتارَ النَّزْلَةَ، لِأنَّ العَرْجَةَ الَّتِي في الآخِرَةِ لا نَزْلَةَ لَها، فَقالَ نَزْلَةً لِيُعْلَمَ أنَّها مِنَ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ رَأى جِبْرِيلَ نَزْلَةً أُخْرى، والنَّزْلَةُ حِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ كَما ذَكَرْناهُ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلى ما ورَدَ في بَعْضِ أخْبارِ لَيْلَةِ المِعْراجِ، جاوَزَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ دَنَوْتُ أُنْمُلَةً لاحْتَرَقْتُ ثُمَّ عادَ إلَيْهِ فَذَلِكَ نَزْلَةٌ. فَإنْ قِيلَ فَكَيْفَ قالَ: (أُخْرى) ؟ نَقُولُ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ في أمْرِ الصَّلاةِ تَرَدَّدَ مِرارًا فَرُبَّما كانَ يُجاوِزُ كُلَّ مَرَّةٍ، ويَنْزِلُ إلى جِبْرِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكِلاهُما مَنقُولٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَنَزْلَةٌ أُخْرى ظاهِرٌ، لِأنَّ جِبْرِيلَ كانَ لَهُ نَزَلاتٌ وكانَ لَهُ نَزْلَتانِ عَلَيْهِ وهو عَلى صُورَتِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ المَشْهُورُ أنَّ السِّدْرَةَ شَجَرَةٌ في السَّماءِ السّابِعَةِ وعَلَيْها مِثْلُ النَّبْقِ، وقِيلَ في السَّماءِ السّادِسَةِ، ووَرَدَ في الخَبَرِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«نَبْقُها كَقِلالِ هَجَرَ
صفحة ٢٥٢
ووَرَقُها كَآذانِ الفِيَلَةِ» “ وقِيلَ سِدْرَةُ المُنْتَهى هي الحَيْرَةُ القُصْوى مِنَ السِّدْرَةِ، والسِّدْرَةُ كالرُّكْبَةِ مِنَ الرّاكِبِ عِنْدَما يُحارُ العَقْلُ حَيْرَةً لا حَيْرَةَ فَوْقَها، ما حارَ النَّبِيُّ ﷺ وما غابَ ورَأى ما رَأى، وقَوْلُهُ (عِنْدَ) ظَرْفُ مَكانٍ، أوْ ظَرْفُ زَمانٍ في هَذا المَوْضِعِ ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّهُ ظَرْفُ مَكانٍ تَقْدِيرُهُ رَأى جِبْرِيلَ أوْ غَيْرَهُ بِقُرْبِ سِدْرَةِ المُنْتَهى، وقِيلَ ظَرْفُ زَمانٍ، كَما يُقالُ صَلَّيْتُ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وتَقْدِيرُهُ رَآهُ عِنْدَ الحَيْرَةِ القُصْوى، أيْ في الزَّمانِ الَّذِي تُحارُ فِيهِ عُقُولُ العُقَلاءِ، والرُّؤْيَةُ مِن أتَمِّ العُلُومِ وذَلِكَ الوَقْتُ مِن أشَدِّ أوْقاتِ الجَهْلِ والحَيْرَةِ، فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما حارَ وقْتًا مِن شَأْنِهِ أنْ يَحارَ العاقِلُ فِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قُلْنا مَعْناهُ رَأى اللَّهَ كَيْفَ يُفْهَمُ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ ؟ قُلْنا فِيهِ أقْوالٌ: الأوَّلُ: قَوْلُ مَن يَجْعَلُ اللَّهَ في مَكانٍ وهو باطِلٌ، وقَدْ بالَغْنا في بَيانِ بُطْلانِهِ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. الثّانِي: رَآهُ مُحَمَّدٌ ﷺ وهو ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ لِأنَّ الظَّرْفَ قَدْ يَكُونُ ظَرْفًا لِلرّائِي كَما ذَكَرْنا مِنَ المِثالِ يُقالُ رَأيْتُ الهِلالَ، فَيُقالُ لِقائِلِهِ أيْنَ رَأيْتَهُ ؟ فَيَقُولُ عَلى السَّطْحِ ورُبَّما يَقُولُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ الفُلانِيَّةِ، وأمّا إنْ قُلْنا إنَّ المُرادَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فالوَجْهانِ ظاهِرانِ، وكَوْنُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ جِبْرِيلَ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى أظْهَرُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إضافَةُ السِّدْرَةِ إلى المُنْتَهى مِن أيِّ [ أنْواعِ ] الإضافَةِ ؟ نَقُولُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: إضافَةُ الشَّيْءِ إلى مَكانِهِ، يُقالُ أشْجارُ بَلْدَةِ كَذا لا تَطُولُ مِنَ البَرْدِ، ويُقالُ أشْجارُ الجَنَّةِ لا تَيْبَسُ ولا تَخْلُو مِنَ الثِّمارِ، فالمُنْتَهى حِينَئِذٍ مَوْضِعٌ لا يَتَعَدّاهُ مَلَكٌ، وقِيلَ لا يَتَعَدّاهُ رُوحٌ مِنَ الأرْواحِ.
وثانِيها: إضافَةُ المَحَلِّ إلى الحالِّ فِيهِ، يُقالُ: كِتابُ الفِقْهِ، ومَحَلُّ السَّوادِ، وعَلى هَذا فالمُنْتَهى عِنْدَ ”السِّدْرَةِ“ تَقْدِيرُهُ سِدْرَةٌ عِنْدَ مُنْتَهى العُلُومِ.
ثالِثُها: إضافَةُ المُلْكِ إلى مالِكِهِ يُقالُ دارُ زَيْدٍ وأشْجارُ زَيْدٍ، وحِينَئِذٍ فالمُنْتَهى إلَيْهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ”سِدْرَةُ المُنْتَهى“ إلَيْهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [ النَّجْمِ: ٤٢] فالمُنْتَهى إلَيْهِ هو اللَّهُ، وإضافَةُ السِّدْرَةِ إلَيْهِ حِينَئِذٍ كَإضافَةِ البَيْتِ إلَيْهِ لِلتَّشْرِيفِ والتَّعْظِيمِ، ويُقالُ في التَّسْبِيحِ: يا غايَةَ مُناهُ، ويا مُنْتَهى أمَلاهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ وفي الجَنَّةِ خِلافٌ، قالَ بَعْضُهم جَنَّةُ المَأْوى هي الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ بِها المُتَّقُونَ، وحِينَئِذٍ الإضافَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دارَ المُقامَةِ﴾ [ فاطِرٍ: ٣٥] وقِيلَ هي جَنَّةٌ أُخْرى عِنْدَها يَكُونُ أرْواحُ الشُّهَداءِ، وقِيلَ هي جَنَّةٌ لِلْمَلائِكَةِ، وقُرِئَ ”جَنَّهُ“ بِالهاءِ مِن جَنَّ بِمَعْنى أجَنَّ، يُقالُ جَنَّ اللَّيْلُ وأجَنَّ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (عِنْدَها) عائِدًا إلى النَّزْلَةِ، أيْ عِنْدَ النَّزْلَةِ جَنَّ مُحَمَّدًا المَأْوى، والظّاهِرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى السِّدْرَةِ وهي الأصَحُّ، وقِيلَ إنَّ عائِشَةَ أنْكَرَتْ هَذِهِ القِراءَةَ، وقِيلَ إنَّها أجازَتْها.
53:16Page 526
إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ ١٦
When there covered the Lote Tree that which covered [it].1
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: العامِلُ في (إذَ) ما قَبْلَها أوْ ما بَعْدَها ؟ فِيهِ وجْهانِ، فَإنْ قُلْنا ما قَبْلَها فَفِيهِ احْتِمالانِ:
صفحة ٢٥٣
أظْهَرُهُما (رَآهُ) أيْ رَآهُ وقْتَ ما يَغْشى السِّدْرَةَ الَّذِي يَغْشى، والِاحْتِمالُ الآخَرُ العامِلُ فِيهِ الفِعْلُ الَّذِي في النَّزْلَةِ، تَقْدِيرُهُ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى تِلْكَ النَّزْلَةُ وقْتَ ما يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى، أيْ نُزُولُهُ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَما ظَهَرَتِ العَجائِبُ عِنْدَ السِّدْرَةِ ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [ النَّجْمِ: ١٧] فَحِينَئِذٍ نَزَلَ مُحَمَّدٌ نَزْلَةً إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، وإنْ قُلْنا ما بَعْدَهُ، فالعامِلُ فِيهِ ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ [ النَّجْمِ: ١٧] أيْ ما زاغَ بَصَرُهُ وقْتَ غَشَيانِ السِّدْرَةِ ما غَشِيَها، وسَنَذْكُرُهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ الآيَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْتُ أنَّ في بَعْضِ الوُجُوهِ ﴿سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ هي الحَيْرَةُ القُصْوى، وقَوْلُهُ ﴿يَغْشى السِّدْرَةَ﴾ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ يُنادِي بِالبُطْلانِ، فَهَلْ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ ؟ نَقُولُ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ المُرادُ مِنَ الغَشَيانِ غَشَيانُ حالَةٍ عَلى حالَةٍ، أيْ ورَدَ عَلى حالَةِ الحَيْرَةِ حالَةُ الرُّؤْيَةِ واليَقِينِ، ورَأى مُحَمَّدٌ ﷺ عِنْدَما حارَ العَقْلُ ما رَآهُ وقْتَ ما طَرَأ عَلى تِلْكَ الحالَةِ ما طَرَأ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ، فَإنَّ النَّقْلَ الَّذِي ذَكَرْنا مِن أنَّ السِّدْرَةَ نَبْقُها كَقِلالِ هَجَرَ يَدُلُّ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الَّذِي غَشى السِّدْرَةَ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: فَراشٌ أوْ جَرادٌ مِن ذَهَبٍ وهو ضَعِيفٌ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَثْبُتُ إلّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، فَإنْ صَحَّ فِيهِ خَبَرٌ فَلا يَبْعُدُ مِن جَوازِ التَّأْوِيلِ، وإنْ لَمْ يَصِحَّ فَلا وجْهَ لَهُ.
الثّانِي: الَّذِي يَغْشى السِّدْرَةَ مَلائِكَةٌ يَغْشُونَها كَأنَّهم طُيُورٌ، وهو قَرِيبٌ، لِأنَّ المَكانَ مَكانٌ لا يَتَعَدّاهُ المَلَكُ، فَهم يَرْتَقُونَ إلَيْهِ مُتَشَرِّفِينَ بِهِ مُتَبَرِّكِينَ زائِرِينَ، كَما يَزُورُ النّاسُ الكَعْبَةَ فَيَجْتَمِعُونَ عَلَيْها.
الثّالِثُ: أنْوارُ اللَّهِ تَعالى، وهو ظاهِرٌ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا وصَلَ إلَيْها تَجَلّى رَبُّهُ لَها، كَما تَجَلّى لِلْجَبَلِ، وظَهَرَتِ الأنْوارُ، لَكِنَّ السِّدْرَةَ كانَتْ أقْوى مِنَ الجَبَلِ وأثْبَتُ، فَجُعِلَ الجَبَلُ دَكًّا، ولَمْ تَتَحَرَّكِ الشَّجَرَةُ، وخَرَّ مُوسى صَعِقًا، ولَمْ يَتَزَلْزَلْ مُحَمَّدٌ.
الرّابِعُ: هو مُبْهَمٌ لِلتَّعْظِيمِ، يَقُولُ القائِلُ: رَأيْتُ ما رَأيْتُ عِنْدَ المَلِكِ، يُشِيرُ إلى الإظْهارِ مِن وجْهٍ، وإلى الإخْفاءِ مِن وجْهٍ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿يَغْشى﴾ يَسْتُرُ، ومِنهُ الغَواشِي أوْ مِن مَعْنى الإتْيانِ، يُقالُ فَلا يَغْشانِي كُلَّ وقْتٍ، أيْ يَأْتِينِي، والوَجْهانِ مُحْتَمَلانِ، وعَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: اللَّهُ يَأْتِي ويَذْهَبُ، فالإتْيانُ أقْرَبُ.
53:17Page 526
مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ١٧
The sight [of the Prophet (ﷺ)] did not swerve, nor did it transgress [its limit].
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في (البَصَرِ) يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: المَعْرُوفُ وهو بَصَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ أيْ ما زاغَ بَصَرُ مُحَمَّدٍ، وعَلى هَذا فَعَدَمُ الزَّيْغِ عَلى وُجُوهٍ، إنْ قُلْنا الغاشِي لِلسِّدْرَةِ هو الجَرادُ والفَراشُ، فَمَعْناهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ ولَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ، ولَمْ يَقْطَعْ نَظَرَهُ عَنِ المَقْصُودِ، وعَلى هَذا فَغَشِيانُ الجَرادِ والفَراشِ يَكُونُ ابْتِلاءً، وامْتِحانًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ . وإنْ قُلْنا أنْوارُ اللَّهِ، فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: لَمْ يَلْتَفِتْ يَمْنَةً ويَسْرَةً، واشْتَغَلَ بِمُطالَعَتِها.
وثانِيهِما: ما زاغَ البَصَرُ بِصَعْقَةٍ بِخِلافِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ قَطَعَ النَّظَرَ وغُشِيَ عَلَيْهِ، وفي الأوَّلِ: بَيانُ أدَبِ مُحَمَّدٍ ﷺ وفي الثّانِي: بَيانُ قُوَّتِهِ. الوَجْهُ الثّانِي: في اللّامِ أنَّهُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، أيْ ما زاغَ بَصَرٌ أصْلًا في ذَلِكَ المَوْضِعِ لِعَظَمَةِ الهَيْبَةِ، فَإنْ قِيلَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقالَ ما زاغَ بَصَرٌ، لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى العُمُومِ، لَأنَّ النَّكِرَةَ في مَعْرِضِ النَّفْيِ تَعُمُّ، نَقُولُ هو كَقَوْلِهِ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [ الأنْعامِ: ١٠٣] ولَمْ يَقُلْ لا يُدْرِكُهُ بَصَرٌ.
صفحة ٢٥٤
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنْ كانَ المُرادُ مُحَمَّدًا، فَلَوْ قالَ ما زاغَ قَلْبُهُ كانَ يَحْصُلُ بِهِ فائِدَةُ قَوْلِهِ ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ ؟ نَقُولُ لا، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَحْضُرُ عِنْدَ مَلِكٍ عَظِيمٍ يَرى مِن نَفْسِهِ أنَّهُ يَهابُهُ ويَرْتَجِفُ إظْهارًا لِعَظَمَتِهِ مَعَ أنَّ قَلْبَهُ قَوِيٌّ، فَإذا قالَ: ﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ يَحْصُلُ مِنهُ فائِدَةُ أنَّ الأمْرَ كانَ عَظِيمًا، ولَمْ يَزِغْ بَصَرُهُ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ مِن صاحِبِ البَصَرِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿وما طَغى﴾ عَطْفُ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ أُخْرى، أوْ عَطْفُ جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، مِثالُ المُسْتَقِلَّةِ: خَرَجَ زَيْدٌ ودَخَلَ عَمْرٌو، ومِثالُ المُقَدَّرَةِ: خَرَجَ زَيْدٌ ودَخَلَ، فَنَقُولُ: الوَجْهانِ جائِزانِ أمّا الأوَّلُ: فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ عِنْدَ ظُهُورِ النُّورِ: ما زاغَ بَصَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ وما طَغى مُحَمَّدٌ بِسَبَبِ الِالتِفاتِ، ولَوِ التَفَتَ لَكانَ طاغِيًا. وأمّا الثّانِي: فَظاهِرٌ عَلى الأوْجُهِ، أمّا عَلى قَوْلِنا: غَشِيَ السِّدْرَةَ جَرادٌ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ ﴿وما طَغى﴾ أيْ ما التَفَتَ إلى غَيْرِ اللَّهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلى الجَرادِ، ولا إلى غَيْرِ الجَرادِ سِوى اللَّهِ. وأمّا عَلى قَوْلِنا غَشِيَها نُورٌ، فَقَوْلُهُ ﴿ما زاغَ﴾ أيْ ما مالَ عَنِ الأنْوارِ ﴿وما طَغى﴾ أيْ ما طَلَبَ شَيْئًا وراءَها وفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ما زاغَ وما طَغى، ولَمْ يَقُلْ: ما مالَ وما جاوَزَ، لِأنَّ المَيْلَ في ذَلِكَ المَوْضِعِ والمُجاوَزَةَ مَذْمُومانِ، فاسْتَعْمَلَ الزَّيْغَ والطُّغْيانَ فِيهِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيانًا لِوُصُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى سِدْرَةِ اليَقِينِ الَّذِي لا يَقِينَ فَوْقَهُ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ بَصَرَ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ما زاغَ﴾ أيْ ما مالَ عَنِ الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَرَ الشَّيْءَ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ، بِخِلافِ مَن يَنْظُرُ إلى عَيْنِ الشَّمْسِ مَثَلًا، ثُمَّ يَنْظُرُ إلى شَيْءٍ أبْيَضَ، فَإنَّهُ يَراهُ أصْفَرَ أوْ أخْضَرَ يَزِيغُ بَصَرُهُ عَنْ جادَّةِ الأبْصارِ ﴿وما طَغى﴾ ما تَخَيَّلَ المَعْدُومَ مَوْجُودًا فَرَأى المَعْدُومَ مُجاوِزًا الحَدَّ.
53:18–20Page 526
لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ ١٨
He certainly saw of the greatest signs of his Lord.
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ ١٩
So have you considered al-Lāt and al-ʿUzzā?
وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ ٢٠
And Manāt, the third - the other one?1
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى لَيْلَةَ المِعْراجِ آياتِ اللَّهِ، ولَمْ يَرَ اللَّهَ، وفِيهِ خِلافٌ ووَجْهُهُ: هو أنَّ اللَّهَ تَعالى خَتَمَ قِصَّةَ المِعْراجِ هاهُنا بِرُؤْيَةِ الآياتِ، وقالَ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [ الإسْراءِ: ١] إلى أنْ قالَ: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ [ الإسْراءِ: ١] ولَوْ كانَ رَأى رَبَّهُ لَكانَ ذَلِكَ أعْظَمَ ما يُمْكِنُ، فَكانَتِ الآيَةُ الرُّؤْيَةَ، وكانَ أكْبَرُ شَيْءٍ هو الرُّؤْيَةَ، ألا تَرى أنَّ مَن لَهُ مالٌ يُقالُ لَهُ: سافِرْ لِتَرْبَحْ، ولا يُقالُ: سافِرْ لِتَتَفَرَّجَ، لِما أنَّ الرِّبْحَ أعْظَمُ مِنَ التَّفَرُّجِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ وهي أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صُورَتِهِ، فَهَلْ هو عَلى ما قالَهُ ؟ نَقُولُ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ غَيْرُ تِلْكَ، وذَلِكَ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ عَظِيمًا، لَكِنْ ورَدَ في الأخْبارِ أنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً أعْظَمُ مِنهُ، والكُبْرى تَأْنِيثُ الأكْبَرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ آياتٍ هُنَّ أكْبَرُ الآياتِ، فَإنْ قِيلَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ [ المُدَّثِّرِ: ٣٥] مَعَ أنَّ أكْبَرَ مِن سَقَرَ عَجائِبُ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ الآياتُ الكُبْرى تَكُونُ جِبْرِيلَ وما فِيهِ، وإنْ كانَ لِلَّهِ آياتٌ أكْبَرُ مِنهُ، نَقُولُ سَقَرُ إحْدى الكُبَرِ أيْ إحْدى الدَّواهِي الكُبَرِ، ولا شَكَّ أنَّ في الدَّواهِي سَقَرَ عَظِيمَةً كَبِيرَةً، وأمّا آياتُ اللَّهِ فَلَيْسَ جِبْرِيلُ أكْبَرَها، ولِأنَّ سَقَرَ في نَفْسِها أعْظَمُ وأعْجَبُ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلا يَلْزَمُ مِن صِفَتِها بِالكِبَرِ صِفَتُها بِالكُبْرى.
صفحة ٢٥٥
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الكُبْرى صِفَةُ ماذا ؟ نَقُولُ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: صِفَةُ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الآيَةَ الكُبْرى.
ثانِيهِما: صِفَةُ آياتِ رَبِّهِ وعَلى هَذا يَكُونُ مَفْعُولُ رَأى مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ رَأى مِنَ الآياتِ الكُبْرى آيَةً أوْ شَيْئًا.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ لَمّا قَرَّرَ الرِّسالَةَ ذَكَرَ ما يَنْبَغِي أنْ يَبْتَدِئَ بِهِ الرَّسُولُ وهو التَّوْحِيدُ ومَنعُ الخَلْقِ عَنِ الإشْراكِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: (أفَرَأيْتُمُ) إشارَةٌ إلى إبْطالِ قَوْلِهِمْ بِنَفْسِ القَوْلِ كَما أنَّ ضَعِيفًا إذا ادَّعى المُلْكَ ثُمَّ رَآهُ العُقَلاءُ في غايَةِ البُعْدِ عَمّا يَدَّعِيهِ يَقُولُونَ انْظُرُوا إلى هَذا الَّذِي يَدَّعِي المُلْكَ، مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ غَيْرَ مُسْتَدِلِّينَ بِدَلِيلٍ لِظُهُورِ أمْرِهِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ أيْ كَما هُما فَكَيْفَ تُشْرِكُونَهُما بِاللَّهِ، والتّاءُ في اللّاتِ تاءُ تَأْنِيثٍ كَما في المَناةِ لَكِنَّها تُكْتَبُ مُطَوَّلَةً لِئَلّا يُوقَفَ عَلَيْها فَتَصِيرَ هاءً فَيَشْتَبِهُ بِاسْمِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الهاءَ في اللَّهِ أصْلِيَّةٌ لَيْسَتْ تاءَ تَأْنِيثٍ وُقِفَ عَلَيْها فانْقَلَبَتْ هاءً، وهي صَنَمٌ كانَتْ لِثَقِيفٍ بِالطّائِفِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هي فَعْلَةٌ مِن لَوى يَلْوِي، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَلْوُونَ عَلَيْها، وعَلى ما قالَ فَأصْلُهُ لَوْيَةٌ أُسْكِنَتِ الياءُ وحُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَبَقِيَتْ لَوْةٌ قُلِبَتِ الواوُ ألِفًا لِفَتْحِ ما قَبْلَها فَصارَتْ لاتَ، وقُرِئَ اللّاتُّ بِالتَّشْدِيدِ مِن لَتَّ، قِيلَ إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن رَجُلٍ كانَ يَلُتُّ بِالسَّمْنِ الطَّعامَ ويُطْعِمُ النّاسَ فَعُبِدَ واتُّخِذَ عَلى صُورَتِهِ وثَنٌ وسَمُّوهُ بِاللّاتِ، وعَلى هَذا فاللّاتُ ذَكَرٌ، وأمّا العُزّى فَتَأْنِيثُ الأعَزِّ وهي شَجَرَةٌ كانَتْ تُعْبَدُ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَطَعَها وخَرَجَتْ مِنها شَيْطانَةٌ مَكْشُوفَةُ الرَّأْسِ مَنشُورَةُ الشَّعْرِ تَضْرِبُ رَأْسَها وتَدْعُوا بِالوَيْلِ والثُّبُورِ فَقَتَلَها خالِدٌ وهو يَقُولُ:
يا عُزُّ كُفْرانَكِ لا سُبْحانَكِ إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ قَدْ أهانَكِ
ورَجَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وأخْبَرَهُ بِما رَأى وفَعَلَ فَقالَ «تِلْكَ العُزّى ولَنْ تُعْبَدَ أبَدًا»، وأمّا مَناةُ فَهي فَعْلَةٌ صَنَمُ الصَّفا، وهي صَخْرَةٌ كانَتْ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الآخَرُ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ إلّا إذا كانَ الأوَّلُ مُشارِكًا لِلثّانِي، فَلا يُقالُ رَأيْتُ امْرَأةً ورَجُلًا آخَرَ، ويُقالُ رَأيْتُ رَجُلًا ورَجُلًا آخَرَ لِاشْتِراكِ الأوَّلِ والثّانِي في كَوْنِهِما مِنَ الرِّجالِ وهاهُنا قَوْلُهُ ﴿الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ يَقْتَضِي عَلى ما ذَكَرْنا أنْ تَكُونَ العُزّى ثالِثَةً أُولى ومَناةُ ثالِثَةً أُخْرى ولَيْسَ كَذَلِكَ، والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: الأُخْرى كَما هي تُسْتَعْمَلُ لِلذَّمِّ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالَتْ أُولاهم لِأُخْراهُمْ﴾ [ الأعْرافِ: ٣٩] أيْ لِمُتَأخِّرَتِهِمْ وهُمُ الأتْباعُ، ويُقالُ لَهُمُ الأذْنابُ لِتَأخُّرِهِمْ في المَراتِبِ فَهي صِفَةُ ذَمٍّ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ ومَناةُ الثّالِثَةُ المُتَأخِّرَةُ الذَّلِيلَةُ، ونَقُولُ عَلى هَذا: لِلْأصْنامِ الثَّلاثَةِ تَرْتِيبٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الأوَّلَ كانَ وثَنًا عَلى صُورَةِ آدَمِيٍّ والعُزّى صَوُرَتُها صُورَةُ نَباتٍ ومَناةُ صَوُرَتُها صُورَةُ صَخْرَةٍ هي جَمادٌ، فالآدَمِيُّ أشْرَفُ مِنَ النَّباتِ، والنَّباتُ أشْرَفُ مِنَ الجَمادِ، فالجَمادُ مُتَأخِّرٌ والمَناةُ جَمادٌ فَهي في الأُخْرَياتِ مِنَ المَراتِبِ.
الجَوابُ الثّانِي: فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ المَعْبُودَيْنِ بِالباطِلِ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ﴾ المَعْبُودَةَ الأُخْرى.
والجَوابُ الثّالِثُ: هو أنَّ الأصْنامَ كانَ فِيها كَثْرَةٌ، واللّاتُ والعُزّى إذا أُخِذَتا مُتَقَدِّمَتَيْنِ فَكُلُّ صَنَمَةٍ تُوجَدُ فَهي ثالِثَةٌ، فَهُناكَ ثَوالِثُ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ لَهُما ثَوالِثُ كَثِيرَةٌ وهَذِهِ ثالِثَةٌ أُخْرى، وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ يَوْمًا ويَوْمًا.
والجَوابُ الرّابِعُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ ومَناةُ الأُخْرى الثّالِثَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ الأُخْرى تُسْتَعْمَلُ لِمَوْهُومٍ أوْ مَفْهُومٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا ولا مَذْكُورًا، يَقُولُ مَن يَكْثُرُ تَأذِّيهِ مِنَ النّاسِ إذا آذاهُ إنْسانٌ: الآخَرُ جاءَ يُؤْذِينا، ورُبَّما يَسْكُتُ عَلى قَوْلِهِ أنْتَ الآخَرُ
صفحة ٢٥٦
فَيُفْهَمُ غَرَضُهُ كَذَلِكَ هاهُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وهي في التَّرْتِيبِ أوْلى ما فائِدَةُ الفاءِ في قَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ وقَدِ اسْتُعْمِلَ في مَواضِعَ بِغَيْرِ الفاءِ ؟ قالَ تَعالى: ﴿أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [ الأحْقافِ: ٤] ﴿أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ﴾ [ فاطِرٍ: ٤٠]، نَقُولُ لَمّا قَدَّمَ مِن عَظَمَةِ آياتِ اللَّهِ في مَلَكُوتِهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ إلى الرُّسُلِ الَّذِي يَسُدُّ الآفاقَ بِبَعْضِ أجْنِحَتِهِ ويُهْلِكُ المَدائِنَ بِشِدَّتِهِ وقُوَّتِهِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَعَدّى السِّدْرَةَ في مَقامِ جَلالِ اللَّهِ وعِزَّتِهِ، قالَ أفَرَأيْتُمْ هَذِهِ الأصْنامَ مَعَ زِلَّتِها وحَقارَتِها شُرَكاءَ اللَّهِ مَعَ ما تَقَدَّمَ، فَقالَ بِالفاءِ أيْ عَقِيبَ ما سَمِعْتُمْ مِن عَظَمَةِ آياتِ اللَّهِ تَعالى الكُبْرى ونَفاذِ أمْرِهِ في المَلَأِ الأعْلى وما تَحْتَ الثَّرى، فانْظُرُوا إلى اللّاتِ والعُزّى تَعْلَمُوا فَسادَ ما ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ وعَوَّلْتُمْ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أيْنَ تَتِمَّةُ الكَلامِ الَّذِي يُفِيدُ فائِدَةً ما ؟ نَقُولُ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ وهو أنَّهُ يَقُولُ هَلْ رَأيْتُمْ هَذِهِ حَقَّ الرُّؤْيَةِ، فَإنْ رَأيْتُمُوها عَلِمْتُمْ أنَّها لا تَصْلُحُ شُرَكاءَ، نَظِيرُهُ ما ذَكَرْنا فِيمَن يُنْكِرُ كَوْنَ ضَعِيفٍ يَدَّعِي مُلْكًا، يَقُولُ لِصاحِبِهِ أما تَعْرِفُ فُلانًا مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ مُشِيرًا إلى بُطْلانِ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences