Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Najm 53:44–56
53:44–45Page 527
وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحۡيَا ٤٤
And that it is He who causes death and gives life
وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ ٤٥
And that He creates the two mates - the male and female -
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ والبَحْثُ فِيهِ كَما في الضَّحِكِ والبُكاءِ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى في الأوَّلِ بَيَّنَ خاصَّةَ النَّوْعِ الَّذِي هو أخَصُّ مِنَ الجِنْسِ، فَإنَّهُ أظْهَرُ، وعَنِ التَّعْلِيلِ أبْعَدُ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أعَمُّ مِنهُ ودُونَهُ في البُعْدِ عَنِ التَّعْلِيلِ وهي الإماتَةُ والإحْياءُ وهُما صِفَتانِ مُتَضادَّتانِ أيِ: المَوْتُ والحَياةُ كالضَّحِكِ والبُكاءِ، والمَوْتُ عَلى هَذا لَيْسَ بِمُجَرَّدِ العَدَمِ وإلّا لَكانَ المُمْتَنِعُ مَيِّتًا، وكَيْفَما كانَ فالإماتَةُ والإحْياءُ أمْرٌ وُجُودِيٌّ وهُما مِن خَواصِّ الحَيَوانِ، ويَقُولُ: الطَّبِيعِيُّ في الحَياةِ لِاعْتِدالِ المِزاجِ، والمِزاجُ مِن أرْكانٍ مُتَضادَّةٍ هي النّارُ والهَواءُ والماءُ والتُّرابُ، وهي مُتَداعِيَةٌ إلى الِانْفِكاكِ وما لا تَرْكِيبَ فِيهِ مِنَ المُتَضادّاتِ لا مَوْتَ لَهُ؛ لِأنَّ المُتَضادّاتِ كُلُّ أحَدٍ يَطْلُبُ مُفارَقَةَ مُجاوِرِهِ، فَقالَ تَعالى: الَّذِي خَلَقَ ومَزَجَ العَناصِرَ وحَفِظَها مُدَّةً قادِرٌ عَلى أنْ يَحْفَظَها أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، فَإذا ماتَ فَلَيْسَ عَنْ ضَرُورَةٍ فَهو بِفِعْلِ فاعِلٍ مُخْتارٍ وهو اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ . فَإنْ قِيلَ: مَتى أماتَ وأحْيا حَتّى يَعْلَمَ ذَلِكَ، بَلْ مُشاهَدَةُ الإحْياءِ والإماتَةِ بِناءً عَلى الحَياةِ والمَوْتِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ كَأنَّهُ قالَ: أحْيا وأماتَ.
ثانِيها: هو بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، فَإنَّ الأمْرَ قَرِيبٌ يُقالُ: فُلانٌ وصَلَ واللَّيْلُ دَخَلَ إذا قَرُبَ مَكانُهُ وزَمانُهُ، فَكَذَلِكَ الإحْياءُ والإماتَةُ.
ثالِثُها: أماتَ أيْ: خَلَقَ المَوْتَ والجُمُودَ في العَناصِرِ، ثُمَّ رَكَّبَها، وأحْيا أيْ خَلَقَ الحِسَّ والحَرَكَةَ فِيها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وهو أيْضًا مِن جُمْلَةِ المُتَضادّاتِ الَّتِي تَتَوارَدُ عَلى النُّطْفَةِ، فَبَعْضُها يُخْلَقُ ذَكَرًا، وبَعْضُها أُنْثى ولا يَصِلُ إلَيْهِ فَهْمُ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ مِنَ البَرْدِ والرُّطُوبَةِ في الأُنْثى، فَرُبَّ امْرَأةٍ أيْبَسُ مِزاجًا مِنَ الرَّجُلِ، وكَيْفَ وإذا نَظَرْتَ في المُمَيِّزاتِ بَيْنَ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ تَجِدُها أُمُورًا عَجِيبَةً مِنها نَباتُ اللِّحْيَةِ، وأقْوى ما قالُوا في نَباتِ اللِّحْيَةِ أنَّهم قالُوا: الشُّعُورُ مُكَوَّنَةٌ مِن بُخارٍ دِهانِيٍّ يَنْحَدِرُ إلى المَسامِّ، فَإذا كانَتِ المَسامُّ في غايَةِ الرُّطُوبَةِ والتَّحَلُّلِ كَما في مِزاجِ الصَّبِيِّ والمَرْأةِ، لا يَنْبُتُ الشَّعْرُ لِخُرُوجِ تِلْكَ الأدْخِنَةِ مِنَ المَسامِّ الرَّطْبَةِ بِسُهُولَةٍ قَبْلَ أنْ يَتَكَوَّنَ شَعْرٌ، وإذا كانَتْ في غايَةِ اليُبُوسَةِ والتَّكاثُفِ يَنْبُتُ الشَّعْرُ لِعُسْرِ خُرُوجِهِ مِنَ المَخْرَجِ الضَّيِّقِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ المَوادَّ تَنْجَذِبُ إلى مَواضِعَ مَخْصُوصَةٍ فَتَنْدَفِعُ، إمّا إلى الرَّأْسِ فَتَنْدَفِعُ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ كَقُبَّةٍ فَوْقَ الأبْخِرَةِ والأدْخِنَةِ فَتَتَصاعَدُ إلَيْهِ تِلْكَ المَوادُّ، فَلِهَذا يَكُونُ شَعْرُ الرَّأْسِ أكْثَرَ وأطْوَلَ، ولِهَذا في الرَّجُلِ مَواضِعُ تَنْجَذِبُ إلَيْها الأبْخِرَةُ والأدْخِنَةُ، مِنها الصَّدْرُ لِحَرارَةِ القَلْبِ، والحَرارَةُ تَجْذِبُ الرُّطُوبَةَ كالسِّراجِ لِلزَّيْتِ، ومِنها بِقُرْبِ آلَةِ التَّناسُلِ؛ لِأنَّ حَرارَةَ الشَّهْوَةِ تَجْذِبُ أيْضًا، ومِنها اللِّحْيانِ فَإنَّها كَثِيرَةُ الحَرَكَةِ بِسَبَبِ الأكْلِ والكَلامِ، والحَرَكَةُ أيْضًا جاذِبَةٌ، فَإذا قِيلَ لَهم: فَما السَّبَبُ المُوجِبُ لِتَلازُمِ نَباتِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ وآلَةِ التَّناسُلِ فَإنَّها إذا قُطِعَتْ لَمْ تَنْبُتِ اللِّحْيَةُ ؟ وما الفَرْقُ بَيْنَ سِنِّ الصِّبا وسِنِّ الشَّبابِ
صفحة ١٩
وبَيْنَ المَرْأةِ والرَّجُلِ ؟ فَفي بَعْضِها يُبْهَتُ وفي بَعْضِها يُتَكَلَّمُ بِأُمُورٍ واهِيَةٍ، ولَوْ فَوَّضَها إلى حِكْمَةٍ إلَهِيَّةٍ لَكانَ أوْلى، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
الأوَّلُ: قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ خَلَقَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وأنَّهُ هو خَلَقَ كَما قالَ: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الضَّحِكَ والبُكاءَ رُبَّما يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ بِفِعْلِ الإنْسانِ، وفي الإماتَةِ والإحْياءِ وإنْ كانَ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ بَعِيدًا، لَكِنْ رُبَّما يَقُولُ بِهِ جاهِلٌ، كَما قالَ مَن حاجَّ إبْراهِيمَ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَأكَّدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الفَصْلِ، وأمّا خَلْقُ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ النُّطْفَةِ فَلا يَتَوَهَّمُ أحَدٌ أنْ يَفْعَلَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ فَلَمْ يُؤَكِّدْ بِالفَصْلِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] حَيْثُ كانَ الإغْناءُ عِنْدَهم غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إلى اللَّهِ تَعالى، وكانَ في مُعْتَقَدِهِمْ أنَّ ذَلِكَ بِفِعْلِهِمْ كَما قالَ قارُونُ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ [النجم: ٤٩] لِأنَّهم كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ أنْ يَكُونَ رَبُّ مُحَمَّدٍ هو رَبُّ الشِّعْرى. فَأكَّدَ في مَواضِعِ اسْتِبْعادِهِمُ النِّسْبَةَ إلى اللَّهِ تَعالى الإسْنادُ ولَمْ يُؤَكِّدْهُ في غَيْرِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الذَّكَرُ والأُنْثى اسْمانِ هُما صِفَةٌ أوِ اسْمانِ لَيْسا بِصِفَةٍ ؟ المَشْهُورُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ الثّانِي والظّاهِرُ أنَّهُما مِنَ الأسْماءِ الَّتِي هي صِفاتٌ، فالذَّكَرُ كالحَسَنِ والعَزَبِ والأُنْثى كالحُبْلى والكُبْرى، وإنَّما قُلْنا: إنَّها كالحُبْلى في رَأْيٍ لِأنَّها حِيالُها أُنْشِئَتْ لا كالكُبْرى، وإنْ قُلْنا: إنَّها كالكُبْرى في رَأْيٍ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُما صِفَتانِ؛ لِأنَّ الصِّفَةَ ما يُطْلَقُ عَلى شَيْءٍ ثَبَتَ لَهُ أمْرٌ كالعالِمِ يُطْلَقُ عَلى شَيْءٍ لَهُ عِلْمٌ، والمُتَحَرِّكُ يُقالُ لِشَيْءٍ لَهُ حَرَكَةٌ بِخِلافِ الشَّجَرِ والحَجَرِ، فَإنَّ الشَّجَرَ لا يُقالُ لِشَيْءٍ بِشَرْطِ أنْ يَثْبُتَ لَهُ أمْرٌ، بَلْ هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، والذَّكَرُ اسْمٌ يُقالُ لِشَيْءٍ لَهُ أمْرٌ، ولِهَذا يُوصَفُ بِهِ، ولا يُوصَفُ بِالشَّجَرِ، يُقالُ: جاءَنِي شَخْصٌ ذَكَرٌ، أوْ إنْسانٌ ذَكَرٌ، ولا يُقالُ: جِسْمٌ شَجَرٌ، والَّذِي ذَهَبَ إلى أنَّهُ اسْمٌ غَيْرُ صِفَةٍ إنَّما ذَهَبَ إلَيْهِ لِأنَّهُ لَمْ يَرِدْ لَهُ فِعْلٌ، والصِّفَةُ في الغالِبِ لَهُ فِعْلٌ كالعالِمِ والجاهِلِ، والعَزَبِ والكُبْرى والحُبْلى، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الذُّكُورَةَ والأُنُوثَةَ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لا يَتَبَدَّلُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَلا يُصاغُ لَها أفْعالٌ؛ لِأنَّ الفِعْلَ لِما يُتَوَقَّعُ لَهُ تَجَدُّدٌ في صُورَةِ الغالِبِ، ولِهَذا لَمْ يُوجَدْ لِلْإضافِيّاتِ أفْعالٌ كالأُبُوَّةِ والبُنُوَّةِ والأُخُوَّةِ؛ إذْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الَّذِي يَتَبَدَّلُ، ووُجِدَ لِلْإضافِيّاتِ المُتَبَدِّلَةِ أفْعالٌ، يُقالُ: واخاهُ وتَبَنّاهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ مُثْبَتًا بِتَكَلُّفٍ فَقَبِلَ التَّبَدُّلَ.
53:46–47Page 528
مِن نُّطۡفَةٍ إِذَا تُمۡنَىٰ ٤٦
From a sperm-drop when it is emitted
وَأَنَّ عَلَيۡهِ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰ ٤٧
And that [incumbent] upon Him is the other [i.e., next] creation.
وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ: قِطْعَةٍ مِنَ الماءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا تُمْنى﴾ مِن أمْنى المَنِيَّ إذا نَزَلَ أوْ مَنِيَ يَمْنى إذا قَدَرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ النُّطْفَةَ جِسْمٌ مُتَناسِبُ الأجْزاءِ، ويَخْلُقُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ أعْضاءً مُخْتَلِفَةً وطِباعًا مُتَبايِنَةً، وخَلْقُ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنها أعْجَبُ ما يَكُونُ عَلى ما بَيَّنّا؛ ولِهَذا لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى أنْ يَدَّعِيَهُ كَما لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى أنْ يَدَّعِيَ خَلْقَ السَّماواتِ؛ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] كَما قالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ وهي في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى الحَشْرِ، والَّذِي ظَهَرَ لِي بَعْدَ طُولِ التَّفَكُّرِ والسُّؤالِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى الهِدايَةَ فِيهِ إلى الحَقِّ، أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ نَفْخَ
صفحة ٢٠
الرُّوحِ الإنْسانِيَّةِ فِيهِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّفْسَ الشَّرِيفَةَ لا الأمّارَةَ تُخالِطُ الأجْسامَ الكَثِيفَةَ المُظْلِمَةَ، وبِها كَرَّمَ اللَّهُ بَنِي آدَمَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] غَيْرَ خَلْقِ النُّطْفَةِ عَلَقَةً، والعَلَقَةِ مُضْغَةً، والمُضْغَةِ عِظامًا، وبِهَذا الخَلْقِ الآخَرِ تَمَيَّزَ الإنْسانُ عَنْ أنْواعِ الحَيَواناتِ، وشارَكَ المَلَكَ في الإدْراكاتِ فَكَما قالَ هُنالِكَ: ﴿أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] بَعْدَ خَلْقِ النُّطْفَةِ قالَ هاهُنا: ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ فَجَعَلَ نَفْخَ الرُّوحِ نَشْأةً أُخْرى كَما جَعَلَهُ هُنالِكَ إنْشاءً آخَرَ، والَّذِي أوْجَبَ القَوْلَ بِهَذا هو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] عِنْدَ الأكْثَرِينَ لِبَيانِ الإعادَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ [النجم: ٤١] كَذَلِكَ فَيَكُونُ ذِكْرُ النَّشْأةِ الأُخْرى إعادَةً، ولِأنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ [النجم: ٤٨] وهَذا مِن أحْوالِ الدُّنْيا، وعَلى ما ذَكَرْنا يَكُونُ التَّرْتِيبُ في غايَةِ الحُسْنِ، فَإنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ونَفَخَ فِيهِما الرُّوحَ الإنْسانِيَّةَ الشَّرِيفَةَ ثُمَّ أغْناهُ بِلَبَنِ الأُمِّ وبِنَفَقَةِ الأبِ في صِغَرِهِ، ثُمَّ أقْناهُ بِالكَسْبِ بَعْدَ كِبَرِهِ، فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ ورَدَتِ النَّشْأةُ الأُخْرى لِلْحَشْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] نَقُولُ: الآخِرَةُ مِنَ الآخِرِ لا مِنَ الآخَرِ لِأنَّ الآخِرَ أفْعَلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عَلى أنَّ هُناكَ لَمّا ذُكِرَ البَدْءُ حُمِلَ عَلى الإعادَةِ وهاهُنا ذُكِرَ خَلْقُهُ مِن نُطْفَةٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون: ١٤] ثُمَّ قالَ: ﴿أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”عَلى“ لِلْوُجُوبِ، ولا يَجِبُ عَلى اللَّهِ الإعادَةُ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ عَلَيْهِ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى ما هو مَذْهَبُهُ عَلَيْهِ عَقْلًا، فَإنَّ مِنَ الحِكْمَةِ الجَزاءَ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالحَشْرِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ عَقْلًا الإعادَةُ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِهَذا القَوْلِ، ونَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ.
الأوَّلُ: عَلَيْهِ بِحُكْمِ الوَعْدِ فَإنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى﴾ فَعَلَيْهِ بِحُكْمِ الوَعْدِ لا بِالعَقْلِ ولا بِالشَّرْعِ.
الثّانِي: عَلَيْهِ لِلتَّعْيِينِ فَإنَّ مَن حَضَرَ بَيْنَ جَمْعٍ وحاوَلُوا أمْرًا وعَجَزُوا عَنْهُ، يُقالُ: وجَبَ عَلَيْكَ إذَنْ أنْ تَفْعَلَهُ. أيْ تَعَيَّنَتْ لَهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”النَّشْأةَ“ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كالضَّرْبَةِ عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ وهي لِلْمَرَّةِ، تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبَتَيْنِ، أيْ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، يَعْنِي النَّشْأةَ مَرَّةً أُخْرى عَلَيْهِ، وقُرِئَ ”النَّشاءَةَ“ بِالمَدِّ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ فَعالَةٍ كالكَفالَةِ، وكَيْفَما قُرِئَ فَهي مِن نَشَأ وهو لازِمٌ، وكانَ الواجِبُ أنْ يُقالَ: عَلَيْهِ الإنْشاءُ لا النَّشْأةُ، نَقُولُ: فِيهِ فائِدَةٌ وهي أنَّ الجَزْمَ يَحْصُلُ مِن هَذا بِوُجُودِ الخَلْقِ مَرَّةً أُخْرى، ولَوْ قالَ: عَلَيْهِ الإنْشاءُ رُبَّما يَقُولُ قائِلٌ: الإنْشاءُ مِن بابِ الإجْلاسِ، حَيْثُ يُقالُ في السَّعَةِ: أجْلَسْتُهُ فَما جَلَسَ، وأقَمْتُهُ فَما قامَ. فَيُقالُ: أنْشاءَ وما نَشَأ أيْ: قَصَدَهُ لِيَنْشَأ ولَمْ يُوجَدْ، فَإذا قالَ: عَلَيْهِ النَّشْأةُ أيْ يُوجِدُ النَّشْءَ ويُحَقِّقُهُ بِحَيْثُ يُوجَدُ جَزْمًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَلْ بَيْنَ قَوْلِ القائِلِ: عَلَيْهِ النَّشْأةُ مَرَّةً أُخْرى، وبَيْنَ قَوْلِهِ: عَلَيْهِ النَّشْأةُ الأُخْرى فَرْقٌ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ إذا قالَ: عَلَيْهِ النَّشْأةُ مَرَّةً أُخْرى لا يَكُونُ النَّشْءُ قَدْ عُلِمَ أوَّلًا، وإذا قالَ: ﴿عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ يَكُونُ قَدْ عُلِمَ حَقِيقَةُ النَّشْأةِ الأُخْرى، فَنَقُولُ: ذَلِكَ المَعْلُومُ عَلَيْهِ.
53:48–51Page 528
وَأَنَّهُۥ هُوَ أَغۡنَىٰ وَأَقۡنَىٰ ٤٨
And that it is He who enriches and suffices
وَأَنَّهُۥ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعۡرَىٰ ٤٩
And that it is He who is the Lord of Sirius1
وَأَنَّهُۥٓ أَهۡلَكَ عَادًا ٱلۡأُولَىٰ ٥٠
And that He destroyed the first [people of] ʿAad
وَثَمُودَاْ فَمَآ أَبۡقَىٰ ٥١
And Thamūd - and He did not spare [them] -
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ فَنَقُولُ: ”أغْنى“ يَعْنِي دَفَعَ حاجَتَهُ ولَمْ يَتْرُكْهُ مُحْتاجًا؛ لِأنَّ الفَقِيرَ في مُقابَلَةِ الغَنِيِّ، فَمَن لَمْ يَبْقَ فَقِيرًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَهو غَنِيٌّ مُطْلَقًا، ومَن لَمْ يَبْقَ فَقِيرًا مِن وجْهٍ
صفحة ٢١
فَهُوَ غَنِيٌّ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ، قالَ ﷺ: ”«أغْنُوهم عَنِ المَسْألَةِ في هَذا اليَوْمِ» “ وحُمِلَ ذَلِكَ عَلى زَكاةِ الفِطْرِ، ومَعْناهُ إذا أتاهُ ما احْتاجَ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْنى﴾ مَعْناهُ وزادَ عَلَيْهِ الإقْناءُ فَوْقَ الإغْناءِ، والَّذِي عِنْدِي أنَّ الحُرُوفَ مُتَناسِبَةٌ في المَعْنى، فَنَقُولُ: لَمّا كانَ مَخْرَجُ القافِ فَوْقَ مَخْرَجِ الغَيْنِ جَعَلَ الإقْناءَ لِحالَةٍ فَوْقَ الإغْناءِ، وعَلى هَذا فالإغْناءُ هو ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ العَيْنِ واللِّسانِ، وهَداهُ إلى الِارْتِضاعِ في صِباهُ أوْ هو ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ القُوتِ واللِّباسِ المُحْتاجِ إلَيْهِما، وفي الجُمْلَةِ كُلُّ ما دَفَعَ اللَّهُ بِهِ الحاجَةَ فَهو إغْناءٌ، وكُلُّ ما زادَ عَلَيْهِ فَهو إقْناءٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ إشارَةٌ إلى فَسادِ قَوْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ يَذْهَبُ إلى أنَّ الفَقْرَ والغِنى بِكَسْبِ الإنْسانِ واجْتِهادِهِ فَمَن كَسَبَ اسْتَغْنى، ومَن كَسِلَ افْتَقَرَ، وبَعْضَهم يَذْهَبُ إلى أنَّ ذَلِكَ بِالبَخْتِ، وذَلِكَ بِالنُّجُومِ، فَقالَ: ﴿هُوَ أغْنى وأقْنى﴾ وإنَّ قائِلَ الغِنى بِالنُّجُومِ غالِطٌ، فَنَقُولُ: هو رَبُّ النُّجُومِ وهو مُحَرِّكُها، كَما قالَ تَعالى: ﴿هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ وقَوْلُهُ: ﴿هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ لِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ أُكِّدَ بِالفَصْلِ، والشِّعْرى نَجْمٌ مُضِيءٌ، وفي النُّجُومِ شِعْرَيانِ إحْداهُما شامِيَّةٌ والأُخْرى يَمانِيَّةٌ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ اليَمانِيَّةُ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَها.
53:52Page 528
وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ هُمۡ أَظۡلَمَ وَأَطۡغَىٰ ٥٢
And the people of Noah before. Indeed, it was they who were [even] more unjust and oppressing.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ: ﴿أغْنى وأقْنى﴾ وكانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ لا بِعَطاءِ الشِّعْرى، وجَبَ الشُّكْرُ لِمَن قَدْ أهْلَكَ وكَفى لَهم دَلِيلًا حالُ عادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ: و﴿عادًا الأُولى﴾ قِيلَ: بِالأُولى تَمَيَّزَتْ مِن قَوْمٍ كانُوا بِمَكَّةَ هم عادٌ الآخِرَةُ، وقِيلَ: الأُولى لِبَيانِ تَقَدُّمِهِمْ لا لِتَمْيِيزِهِمْ، تَقُولُ: زَيْدٌ العالِمُ جاءَنِي فَتَصِفُهُ لا لِتُمَيِّزَهُ ولَكِنْ لِتُبَيِّنَ عِلْمَهُ، وفِيهِ قِراءاتٌ ”عادًا الأُولى“ بِكَسْرِ نُونِ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، و”عادَ الأُولى“ بِإسْقاطِ نُونِ التَّنْوِينِ أيْضًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَقِراءَةِ ”عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ“ و﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢] و”عادًا لُولى“ بِإدْغامِ النُّونِ في اللّامِ، ونَقْلِ ضَمَّةِ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ و”عادًا لْؤُلى“ بِهَمْزَةِ الواوِ، وقَرَأ هَذا القارِئُ ”عَلى سُؤْقِهِ“ ودَلِيلُهُ ضَعِيفٌ وهو يَحْتَمِلُ هَذا في مَوْضِعِ ”المُؤْقَدَةُ“ و”المُؤْصَدَةُ“ لِلضَّمَّةِ والواوُ فَهي في هَذا المَوْضِعِ تُجْزِي عَلى الهَمْزَةِ، وكَذا في ”سُؤْقِهِ“ لِوُجُودِ الهَمْزَةِ في الأصْلِ، وفي مُوسى. وقَوْلُهُ لا يَحْسُنُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وثَمُودَ فَما أبْقى﴾ يَعْنِي وأهْلَكَ ثَمُودَ وقَوْلُهُ: ﴿فَما أبْقى﴾ عائِدٌ إلى عادٍ وثَمُودَ أيْ فَما أبْقى عَلَيْهِمْ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: فَما أبْقاهم أيْ فَما أبْقى مِنهم أحَدًا ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] وتَمَسَّكَ الحَجّاجُ عَلى مَن قالَ: إنَّ ثَقِيفًا مِن ثَمُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أبْقى﴾ .
﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ أيْ أهْلَكَهم ﴿مِن قَبْلُ﴾ والمَسْألَةُ مَشْهُورَةٌ في ”قَبْلُ“، و”بَعْدُ“ تُقْطَعُ عَنِ الإضافَةِ فَتَصِيرُ كالغايَةِ فَتُبْنى عَلى الضَّمَّةِ. أمّا البِناءُ فَلِتَضَمُّنَهُ الإضافَةَ، وأمّا عَلى الضَّمَّةِ فَلِأنَّها لَوْ بُنِيَتْ عَلى الفُتْحَةِ لَكانَ قَدْ أثْبَتَ فِيهِ ما يَسْتَحِقُّهُ بِالإعْرابِ مِن حَيْثُ إنَّها ظُرُوفُ زَمانٍ فَتَسْتَحِقُّ النَّصْبَ والفَتْحَ مِثْلَهُ، ولَوْ بُنِيَتْ عَلى الكَسْرِ لَكانَ الأمْرُ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإعْرابُ وهو الجَرُّ بِالجارِّ فَبُنِيَ عَلى ما يُخالِفُ حالَتَيْ إعْرابِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ أمّا الظُّلْمُ فَلِأنَّهم هُمُ البادِئُونَ بِهِ المُتَقَدِّمُونَ فِيهِ ”«ومَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مِن عَمِلَ بِها» “ والبادِئُ أظْلَمُ، وأما ”أطْغى“ فَلِأنَّهم سَمِعُوا المَواعِظَ وطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ ولَمْ يَرْتَدِعُوا حَتّى دَعا عَلَيْهِمْ نَبِيُّهم، ولا يَدْعُو نَبِيٌّ عَلى قَوْمِهِ إلّا بَعْدَ الإصْرارِ العَظِيمِ، والظّالِمُ واضِعُ
صفحة ٢٢
الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والطّاغِي المُجاوِزُ الحَدَّ؛ فالطّاغِي أدْخَلُ في الظُّلْمِ فَهو كالمُغايِرِ والمُخالِفِ، فَإنَّ المُخالِفَ مُغايِرٌ مَعَ وصْفٍ آخَرَ زائِدٍ، وكَذا المُغايِرُ والمُضادُّ وكُلُّ ضِدٍّ غَيْرٌ ولَيْسَ كُلُّ غَيْرٍ ضِدًّا، وعَلَيْهِ سُؤالٌ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ تَخْوِيفُ الظّالِمِ بِالهَلاكِ، فَإذا قالَ: هم كانُوا في غايَةِ الظُّلْمِ والطُّغْيانِ فَأُهْلِكُوا يَقُولُ الظّالِمُ: هم كانُوا أظْلَمَ فَأُهْلِكُوا لِمُبالَغَتِهِمْ في الظُّلْمِ، ونَحْنُ ما بالَغْنا فَلا نَهْلَكُ، وأمّا لَوْ قالَ: أُهْلِكُوا لِأنَّهم ظَلَمَةٌ لَخافَ كُلُّ ظالِمٍ فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أظْلَمَ﴾ ؟ نَقُولُ: المَقْصُودُ بَيانُ شِدَّتِهِمْ وقُوَّةِ أجْسامِهِمْ فَإنَّهم لَمْ يُقْدِمُوا عَلى الظُّلْمِ والطُّغْيانِ الشَّدِيدِ إلّا بِتَمادِيهِمْ وطُولِ أعْمارِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ ما نَجا أحَدٌ مِنهم فَما حالُ مَن هو دُونَهم مِنَ العُمْرِ والقُوَّةِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ [ق: ٣٦] .
53:53–54Page 528
وَٱلۡمُؤۡتَفِكَةَ أَهۡوَىٰ ٥٣
And the overturned towns1 He hurled down
فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ ٥٤
And covered them by that which He covered.1
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ المُؤْتَفِكَةُ المُنْقَلِبَةُ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ: ”والمُؤْتَفِكاتِ“ والمَشْهُورُ فِيهِ أنَّها قُرى قَوْمِ لُوطٍ لَكِنْ كانَتْ لَهم مَواضِعُ ائْتَفَكَتْ فَهي مُؤْتَفِكاتٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ كُلُّ مَنِ انْقَلَبَتْ مَساكِنُهُ ودَثَرَتْ أماكِنُهُ؛ ولِهَذا خَتَمَ المُهْلِكِينَ بِالمُؤْتَفِكاتِ كَمَن يَقُولُ: ماتَ فُلانٌ وفُلانٌ وكُلُّ مَن كانَ مِن أمْثالِهِمْ وأشْكالِهِمْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿أهْوى﴾ أيْ أهْواها بِمَعْنى أسْقَطَها، فَقِيلَ: أهْواها مِنَ الهَوى إلى الأرْضِ مِن حَيْثُ حَمَلَها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى جَناحِهِ، ثُمَّ قَلَبَها، وقِيلَ: كانَتْ عِمارَتُهم مُرْتَفِعَةً فَأهْواها بِالزَّلْزَلَةِ وجَعَلَ عالِيَها سافِلَها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ عَلى ما قُلْتُ كَقَوْلِ القائِلِ: والمُنْقَلِبَةُ قَلَبَها وقَلْبُ المُنْقَلِبِ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، نَقُولُ: لَيْسَ مَعْناهُ المُنْقَلِبَةُ ما انْقَلَبَتْ بِنَفْسِها بَلِ اللَّهُ قَلَبَها فانْقَلَبَتْ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الحِكْمَةُ في اخْتِصاصِ المُؤْتَفِكَةِ بِاسْمِ المَوْضِعِ في الذِّكْرِ، وقالَ في عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ نُوحٍ اسْمَ القَوْمِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ ثَمُودَ اسْمُ المَوْضِعِ فَذَكَرَ عادًا باسِمِ القَوْمُ، وثَمُودَ باسِمِ المَوْضِعِ، وقَوْمَ نُوحٍ بِاسْمِ القَوْمِ، والمُؤْتَفِكَةَ بِاسْمِ المَوْضِعِ؛ لِيُعْلِمَ أنَّ القَوْمَ لا يُمْكِنُهم صَوْنَ أماكِنِهِمْ عَنْ عَذابِ اللَّهِ تَعالى ولا المَوْضِعَ يُحْصِنُ القَوْمَ عَنْهُ، فَإنَّ في العادَةِ تارَةً يَقْوى السّاكِنُ فَيَذُبُّ عَنْ مَسْكَنِهِ، وأُخْرى يَقْوى المَسْكَنُ فَيَرُدُّ عَنْ ساكِنِهِ، وعَذابُ اللَّهِ لا يَمْنَعُهُ مانِعٌ، وهَذا المَعْنى حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ في آيَتَيْنِ؛ أحَدُهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢] فَفي الأوَّلِ لَمْ يَقْدِرِ السّاكِنُ عَلى حِفْظِ مَسْكَنِهِ، وفي الثّانِي لَمْ يَقْوَ الحِصْنُ عَلى حِفْظِ السّاكِنِ.
والوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ عادًا وثَمُودَ وقَوْمَ نُوحٍ كانَ أمْرُهم مُتَقَدِّمًا، وأماكِنُهم كانَتْ قَدْ دَثَرَتْ، ولَكِنَّ أمْرَهم كانَ مَشْهُورًا مُتَواتِرًا، وقَوْمَ لُوطٍ كانَتْ مَساكِنُهم وآثارُ الِانْقِلابِ فِيها ظاهِرَةً، فَذَكَرَ الأظْهَرَ مِنَ الأمْرَيْنِ في كُلِّ قَوْمٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”ما“ مَفْعُولًا وهو الظّاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ
صفحة ٢٣
فاعِلًا يُقالُ: ضَرَبَهُ مَن ضَرَبَهُ، وعَلى هَذا نَقُولُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِي غَشّى هو اللَّهُ تَعالى، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى سَبَبِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أيْ غَشّاها عَلَيْهِمُ السَّبَبُ، بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِهِ، يُقالُ: لِمَن أغْضَبَ مَلِكًا بِكَلامٍ فَضَرَبَهُ المَلِكُ: كَلامُكَ الَّذِي ضَرَبَكَ.
53:55–56Page 528
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ٥٥
Then which of the favors of your Lord do you doubt?
هَٰذَا نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰٓ ٥٦
This [Prophet (ﷺ)] is a warner from [i.e., like] the former warners.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ قِيلَ: هَذا أيْضًا مِمّا في الصُّحُفِ، وقِيلَ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ والخِطابُ عامٌّ، كَأنَّهُ يَقُولُ: بِأيِّ النِّعَمِ أيُّها السّامِعُ تَشُكُّ أوْ تُجادِلُ، وقِيلَ: هو خِطابٌ مَعَ الكافِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يُقالُ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿تَتَمارى﴾ لِأنّا نَقُولُ هو مِن بابِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] يَعْنِي لَمْ يَبْقَ فِيهِ إمْكانُ الشَّكِّ، حَتّى أنَّ فارِضًا لَوْ فُرِضَ النَّبِيُّ ﷺ مِمَّنْ يَشُكُّ أوْ يُجادِلُ في بَعْضِ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ لَما كانَ يُمْكِنُهُ المِراءُ في نِعَمِ اللَّهِ، والعُمُومُ هو الصَّحِيحُ كَأنَّهُ يَقُولُ: بِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى أيُّها الإنْسانُ، كَما قالَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] وقالَ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] فَإنْ قِيلَ: المَذْكُورُ مِن قَبْلُ نِعَمٌ والآلاءُ نِعَمٌ، فَكَيْفَ آلاءُ رَبِّكَ ؟ نَقُولُ: لَمّا عَدَّ مِن قَبْلُ النِّعَمَ وهو الخَلْقُ مِنَ النُّطْفَةِ ونَفْخُ الرُّوحِ الشَّرِيفَةِ فِيهِ والإغْناءُ والإقْناءُ، وذَكَرَ أنَّ الكافِرَ بِنِعَمِهِ أُهْلِكَ قالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ فَيُصِيبُكَ مِثْلَ ما أصابَ الَّذِينَ تَمارَوْا مِن قَبْلُ، أوْ تَقُولُ: لَمّا ذُكِرَ الإهْلاكُ، قالَ لِلشّاكِّ: أنْتَ ما أصابَكَ الَّذِي أصابَهم وذَلِكَ بِحِفْظِ اللَّهِ إيّاكَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ وسَنَزِيدُهُ بَيانًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ في مَواضِعَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُشارُ إلَيْهِ بِهَذا ماذا ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: مُحَمَّدٌ ﷺ مِن جِنْسِ النُّذُرِ الأُولى.
ثانِيها: القُرْآنُ.
ثالِثُها: ما ذَكَرَهُ مِن أخْبارِ المُهْلَكِينَ، ومَعْناهُ حِينَئِذٍ هَذا بَعْضُ الأُمُورِ الَّتِي هي مُنْذِرَةٌ، وعَلى قَوْلِنا: المُرادُ مُحَمَّدٌ ﷺ فالنَّذِيرُ هو المُنْذِرُ وهو لِبَيانِ الجِنْسِ، وعَلى قَوْلِنا المُرادُ هو القُرْآنُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّذِيرُ بِمَعْنى المَصْدَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفاعِلِ، وكَوْنُ الإشارَةِ إلى القُرْآنِ بَعِيدٌ لَفْظًا ومَعْنًى، أمّا مَعْنًى: فَلِأنَّ القُرْآنَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الصُّحُفِ الأُولى؛ لِأنَّهُ مُعْجِزٌ وتِلْكَ لَمْ تَكُنْ مُعْجِزَةً؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الوَحْدانِيَّةِ وقالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ قالَ: ﴿هَذا نَذِيرٌ﴾ إشارَةً إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وإثْباتًا لِلرِّسالَةِ، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ إشارَةً إلى القِيامَةِ؛ لِيَكُونَ في الآياتِ الثَّلاثِ المُرَتَّبَةِ إثْباتُ أُصُولٍ ثَلاثٍ مُرَتَّبَةٍ، فَإنَّ الأصْلَ الأوَّلَ هو اللَّهُ ووَحْدانِيَّتُهُ ثُمَّ الرَّسُولُ ورِسالَتُهُ ثُمَّ الحَشْرُ والقِيامَةُ، وأمّا لَفْظًا فَلِأنَّ النَّذِيرَ إنْ كانَ كامِلًا، فَما ذَكَرَهُ مِن حِكايَةِ المُهْلَكِينَ أوْلى؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ ويَكُونُ عَلى هَذا ”مِن“ بَقِيَ عَلى حَقِيقَةِ التَّبْعِيضِ، أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْنا بَعْضَ ما جَرى ونُبَذٌ مِمّا وقَعَ، أوْ يَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ، بِمَعْنى هَذا إنْذارٌ مِنَ المُنْذِرِينَ المُتَقَدِّمِينَ، يُقالُ: هَذا الكِتابُ، وهَذا الكَلامُ مِن فُلانٍ. وعَلى الأقْوالِ كُلِّها لَيْسَ ذِكْرُ الأُولى لِبَيانِ المَوْصُوفِ بِالوَصْفِ وتَمْيِيزِهِ عَنِ النُّذُرِ الآخِرَةِ كَما يُقالُ: الفِرْقَةُ الأُولى احْتِرازًا عَنِ الفِرْقَةِ الأخِيرَةِ، وإنَّما هو لِبَيانِ الوَصْفِ لِلْمَوْصُوفِ، كَما يُقالُ: زَيْدٌ العالِمُ جاءَنِي. فَيَذْكُرُ العالِمَ إمّا لِبَيانِ أنَّ زَيْدًا عالِمٌ غَيْرَ أنَّكَ لا تَذْكُرُهُ بِلَفْظِ الخَبَرِ فَتَأْتِي بِهِ عَلى طَرِيقَةِ الوَصْفِ، وإمّا لِمَدْحِ زَيْدٍ بِهِ، وإمّا لِأمْرٍ آخَرَ، والأوْلى عَلى العَوْدِ إلى لَفْظِ الجَمْعِ وهو النُّذُرُ ولَوْ كانَ
صفحة ٢٤
لِمَعْنى الجَمْعِ لَقالَ: مِنَ النُّذُرِ الأوَّلِينَ يُقالُ: مِنَ الأقْوامِ المُتَقَدِّمَةِ والمُتَقَدِّمِينَ عَلى اللَّفْظِ والمَعْنى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences