Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Najm 53:5–11
53:5Page 526
عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ ٥
Taught to him by one intense in strength [i.e., Gabriel] -
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ وفِيهِ وجْهانِ أشْهَرُهُما عِنْدَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الضَّمِيرَ في (عَلَّمَهُ) عائِدٌ إلى الوَحْيِ أيِ الوَحْيُ عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى، والوَحْيُ إنْ كانَ هو الكِتابُ فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ الإلْهامَ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [ الشُّعَراءِ: ١٩٣] والأوْلى أنْ يُقالَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَقْدِيرُهُ عَلَّمَ مُحَمَّدًا شَدِيدُ القُوى جِبْرِيلُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ عائِدًا إلى صاحِبِكم، تَقْدِيرُهُ عَلَّمَ صاحِبَكم، وشَدِيدُ القُوى هو جِبْرِيلُ، أيْ قُواهُ العِلْمِيَّةُ والعَمَلِيَّةُ كُلُّها شَدِيدَةٌ فَيَعْلَمُ ويَعْمَلُ، وقَوْلُهُ ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ فِيهِ فَوائِدُ الأُولى: أنَّ مَدْحَ المُعَلِّمِ مَدْحُ المُتَعَلِّمِ، فَلَوْ قالَ عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ ولَمْ يَصِفْهُ ما كانَ يَحْصُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَضِيلَةٌ ظاهِرَةٌ. الثّانِيَةُ: هي أنَّ فِيهِ رَدًّا عَلَيْهِمْ حَيْثُ قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ سَمِعَها وقْتَ سَفَرِهِ إلى الشّامِ، فَقالَ لَمْ يُعَلِّمْهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ بَلْ مُعَلِّمُهُ شَدِيدُ القُوى، والإنْسانُ خُلِقَ ضَعِيفًا وما أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا. الثّالِثَةُ: فِيهِ وُثُوقٌ بِقَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ جَمَعَ ما يُوجِبُ الوُثُوقَ لِأنَّ قُوَّةَ الإدْراكِ شَرْطُ الوُثُوقِ بِقَوْلِ القائِلِ لِأنّا إنْ ظَنَنّا
صفحة ٢٤٦
بِواحِدٍ فَسادَ ذِهْنٍ ثُمَّ نَقَلَ إلَيْنا عَنْ بَعْضِ الأكابِرِ مَسْألَةً مُشْكِلَةً لا نَثِقُ بِقَوْلِهِ ونَقُولُ هو ما فَهِمَ ما قالَ، وكَذَلِكَ قُوَّةُ الحِفْظِ حَتّى لا نَقُولَ أدْرَكَها لَكِنْ نَسِيَها، وكَذَلِكَ قُوَّةُ الأمانَةِ حَتّى لا نَقُولَ حَرَّفَها وغَيَّرَها فَقالَ: ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ لِيَجْمَعَ هَذِهِ الشَّرائِطَ فَيَصِيرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [ التَّكْوِيرِ: ٢٠] إلى أنْ قالَ: (أمِينٍ)، الرّابِعَةُ: في تَسْلِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ وهي مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِمَكانٍ فَنِسْبَتُهُ إلى جِبْرِيلَ كَنِسْبَتِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَإذا عُلِّمَ بِواسِطَتِهِ يَكُونُ نَقْصًا عَنْ دَرَجَتِهِ، فَقالَ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ شَدِيدُ القُوى يَثْبُتُ لِمُكالَمَتِنا، وأنْتَ بَعْدَ ما اسْتَوَيْتَ فَتَكُونُ كَمُوسى حَيْثُ خَرَّ فَكَأنَّهُ تَعالى قَدْ عَلَّمَهُ بِواسِطَةٍ ثُمَّ عَلَّمَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [ النِّساءِ: ١١٣] وقالَ ﷺ: ”«أدَّبَنِي رَبِّي فَأحْسَنَ تَأْدِيبِي» “ .
53:6–7Page 526
ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ ٦
One of soundness.1 And he rose to [his] true form2
وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٧
While he was in the higher [part of the] horizon.1
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ذُو قُوَّةٍ.
ثانِيها: ذُو كَمالٍ في العَقْلِ والدِّينِ جَمِيعًا.
ثالِثُها: ذُو مَنظَرٍ وهَيْبَةٍ عَظِيمَةٍ.
رابِعُها: ذُو خُلُقٍ حَسَنٍ، فَإنْ قِيلَ عَلى قَوْلِنا المُرادُ ذُو قُوَّةٍ قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ كَوْنِهِ ذا قُوى في قَوْلِهِ ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ فَكَيْفَ نَقُولُ قُواهُ شَدِيدَةٌ ولَهُ قُوَّةٌ ؟ نَقُولُ ذَلِكَ لا يَحْسُنُ إنْ جاءَ وصْفًا بَعْدَ وصْفٍ، وأمّا إنْ جاءَ بَدَلًا لا يَجُوزُ كَأنَّهُ قالَ: عَلَّمَهُ ذُو قُوَّةٍ، وتَرَكَ شَدِيدَ القُوى فَلَيْسَ وصْفًا لَهُ. وتَقْدِيرُهُ: ذُو قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ أوْ كامِلَةٍ، وهو حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [ التَّكْوِيرِ: ١٩ ٢٠] فَكَأنَّهُ قالَ: عَلَّمَهُ ذُو قُوَّةٍ فاسْتَوى، والوَجْهُ الآخَرُ في الجَوابِ هو أنَّ إفْرادَ قُوَّةٍ بِالذِّكْرِ رُبَّما يَكُونُ لِبَيانِ أنَّ قُواهُ المَشْهُورَةَ شَدِيدَةٌ ولَهُ قُوَّةٌ أُخْرى خَصَّهُ اللَّهُ بِها، يُقالُ: فُلانٌ كَثِيرُ المالِ، ولَهُ مالٌ لا يَعْرِفُهُ أحَدٌ أيْ أمْوالُهُ الظّاهِرَةُ كَثِيرَةٌ ولَهُ مالٌ باطِنٌ، عَلى أنّا نَقُولُ المُرادُ ذُو شِدَّةٍ وتَقْدِيرُهُ: عَلَّمَهُ مَن قُواهُ شَدِيدَةٌ وفي ذاتِهِ أيْضًا شِدَّةٌ، فَإنَّ الإنْسانَ رُبَّما تَكُونُ قُواهُ شَدِيدَةً وفي جِسْمِهِ صِغَرٌ وحَقارَةٌ ورَخاوَةٌ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى أرادَ بِقَوْلِهِ ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ قُوَّتَهُ في العِلْمِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ شِدَّةٍ في جِسْمِهِ، فَقَدَّمَ العِلْمِيَّةَ عَلى الجِسْمِيَّةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٤٧] وفي قَوْلِهِ ﴿فاسْتَوى﴾ وجْهانِ المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ جِبْرِيلُ أيْ فاسْتَوى جِبْرِيلُ في خَلْقِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ والمَشْهُورُ أنَّ هو ضَمِيرُ جِبْرِيلَ وتَقْدِيرُهُ اسْتَوى كَما خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِالأُفُقِ الشَّرْقِيِّ، فَسَدَّ المَشْرِقَ لِعَظَمَتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مُحَمَّدٌ ﷺ مَعْناهُ اسْتَوى بِمَكانٍ وهو بِالمَكانِ العالِي رُتْبَةً ومَنزِلَةً في رِفْعَةِ القَدْرِ لا حَقِيقَةً في الحُصُولِ في المَكانِ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَجُوزُ هَذا واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [ التَّكْوِيرِ: ٢٣] إشارَةً إلى أنَّهُ رَأى جِبْرِيلَ بِالأُفُقِ المُبِينِ ؟ نَقُولُ وفي ذَلِكَ المَوْضِعِ أيْضًا نَقُولُ كَما قُلْنا هاهُنا إنَّهُ ﷺ رَأى جِبْرِيلَ وهو بِالأُفُقِ المُبِينِ، يَقُولُ القائِلُ رَأيْتُ الهِلالَ، فَيُقالُ لَهُ: أيْنَ رَأيْتَهُ ؟ فَيَقُولُ فَوْقَ السَّطْحِ أيْ أنَّ الرّائِيَ فَوْقَ السَّطْحِ لا المَرْئِيَّ و(المُبِينِ) هو الفارِقُ مِن أبانَ أيْ فَرَّقَ، أيْ هو بِالأُفُقِ الفارِقِ بَيْنَ دَرَجَةِ الإنْسانِ ومَنزِلَةِ المَلَكِ فَإنَّهُ ﷺ انْتَهى وبَلَغَ الغايَةَ وصارَ نَبِيًّا كَما صارَ بَعْضُ الأنْبِياءِ نَبِيًّا يَأْتِيهِ الوَحْيُ في نَوْمِهِ وعَلى هَيْئَتِهِ وهو واصِلٌ إلى الأُفُقِ الأعْلى، والأُفُقُ الفارِقُ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ، فَإنْ قِيلَ ما بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلى خِلافِ ما تَذْهَبُ إلَيْهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [ النَّجْمِ: ٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾
صفحة ٢٤٧
[ النَّجْمِ: ١٤] كُلَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى خِلافِ ما ذَكَرْتَهُ ؟ نَقُولُ سَنُبَيِّنُ مُوافَقَتَهُ لِما ذَكَرْنا إنْ شاءَ اللَّهُ في مَواضِعِهِ عِنْدَ ذِكْرِ تَفْسِيرِهِ، فَإنْ قِيلَ: الأحادِيثُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ما ذَكَرْتَهُ حَيْثُ ورَدَ في الأخْبارِ أنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أرى النَّبِيَّ ﷺ نَفْسَهُ عَلى صُورَتِهِ فَسَدَّ المَشْرِقَ، فَنَقُولُ نَحْنُ ما قُلْنا إنَّهُ لَمْ يَكُنْ ولَيْسَ في الحَدِيثِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ تِلْكَ الحِكايَةَ حَتّى يَلْزَمَ مُخالَفَةُ الحَدِيثِ، وإنَّما نَقُولُ إنَّ جِبْرِيلَ أرى النَّبِيَّ ﷺ نَفْسَهُ مَرَّتَيْنِ وبَسَطَ جَناحَيْهِ وقَدْ سَتَرَ الجانِبَ الشَّرْقِيَّ وسَدَّهُ، لَكِنَّ الآيَةَ لَمْ تَرِدْ لِبَيانِ ذَلِكَ.
53:8–9Page 526
ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ٨
Then he approached and descended
فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ ٩
And was at a distance of two bow lengths or nearer.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ مَشْهُورَةٌ:
أحَدُها: أنَّ جِبْرِيلَ دَنا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أيْ بَعْدَما مَدَّ جَناحَهُ وهو بِالأُفُقِ عادَ إلى الصُّورَةِ الَّتِي كانَ يَعْتادُ النُّزُولَ عَلَيْها وقَرُبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وعَلى هَذا فَفي (تَدَلّى) ثَلاثَةُ وُجُوهٍ:
أحَدُها: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ ثُمَّ تَدَلّى مِنَ الأُفُقِ الأعْلى فَدَنا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ .
الثّانِي: الدُّنُوُّ والتَّدَلِّي بِمَعْنًى واحِدٍ كَأنَّهُ قالَ دَنا فَقَرُبَ.
الثّالِثُ: دَنا أيْ قَصَدَ القُرْبَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ وتَحَرَّكَ عَنِ المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ فَتَدَلّى فَنَزَلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ الثّانِي: عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الوَجْهِ الأخِيرِ في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ دَنا مِنَ الخَلْقِ والأُمَّةِ ولانَ لَهم وصارَ كَواحِدٍ مِنهم ﴿فَتَدَلّى﴾ أيْ فَتَدَلّى إلَيْهِمْ بِالقَوْلِ اللَّيِّنِ والدُّعاءِ الرَّفِيقِ فَقالَ: ﴿أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ [ الكَهْفِ: ١١٠] وعَلى هَذا فَفي الكَلامِ كَمالانِ كَأنَّهُ تَعالى قالَ إلّا وحْيٌ يُوحى جِبْرِيلُ عَلى مُحَمَّدٍ، فاسْتَوى مُحَمَّدٌ وكَمُلَ فَدَنا مِنَ الخَلْقِ بَعْدَ عُلُوِّهِ وتَدَلّى إلَيْهِمْ وبَلَّغَ الرِّسالَةَ. الثّالِثُ: وهو ضَعِيفٌ سَخِيفٌ، وهو أنَّ المُرادَ مِنهُ هو رَبُّهُ تَعالى وهو مَذْهَبُ القائِلِينَ بِالجِهَةِ والمَكانِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُرِيدَ القُرْبَ بِالمَنزِلَةِ، وعَلى هَذا يَكُونُ فِيهِ ما في قَوْلِهِ ﷺ حِكايَةً عَنْ رَبِّهِ تَعالى ”«مَن تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، ومَن تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، ومَن مَشى إلَيَّ أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» “ إشارَةٌ إلى المَعْنى المَجازِيِّ، وهاهُنا لَمّا بَيَّنَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَوى وعَلا في المَنزِلَةِ العَقْلِيَّةِ لا في المَكانِ الحِسِّيِّ قالَ وقَرُبَ اللَّهُ مِنهُ تَحْقِيقًا لِما في قَوْلِهِ ”«مَن تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا» “ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ أيْ بَيْنَ جِبْرائِيلَ ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ مِقْدارُ قَوْسَيْنِ أوْ أقَلَّ، ورُدَّ هَذا عَلى اسْتِعْمالِ العَرَبِ وعادَتِهِمْ، فَإنَّ الأمِيرَيْنِ مِنهم أوِ الكَبِيرَيْنِ إذا اصْطَلَحا وتَعاهَدا خَرَجا بِقَوْسَيْهِما ووَتَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما طَرَفَ قَوْسِهِ بِطَرَفِ قَوْسِ صاحِبِهِ ومَن دُونَهُما مِنَ الرَّعِيَّةِ يَكُونُ كَفُّهُ بِكَفِّهِ فَيُنْهِيانِ باعَيْهِما، ولِذَلِكَ تُسَمّى مُسايَعَةً، وعَلى هَذا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ قَوْلَهُ ﴿قابَ قَوْسَيْنِ﴾ عَلى جَعْلِ كَوْنِهِما كَبِيرَيْنِ، وقَوْلَهُ ﴿أوْ أدْنى﴾ لِفَضْلِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، فَإنَّ الأمِيرَ إذا بايَعَهُ الرَّعِيَّةُ لا يَكُونُ مَعَ المُبايِعِ قَوْسٌ فَيُصافِحُهُ الأمِيرُ، فَكَأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُما كَأمِيرَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَكانَ بَيْنَهُما مِقْدارُ قَوْسَيْنِ أوْ كانَ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَفِيرًا بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ومُحَمَّدٍ ﷺ فَكانَ كالتَّبَعِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَصارَ كالمُبايِعِ الَّذِي يَمُدُّ الباعَ لا القَوْسَ، هَذا عَلى قَوْلِ مَن يُفَضِّلُ النَّبِيَّ ﷺ عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ إلّا قَلِيلًا مِنهم إذْ كانَ جِبْرِيلُ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ واجِبَ التَّعْظِيمِ والِاتِّباعِ فَصارَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهُ كالتَّبَعِ لَهُ عَلى قَوْلِ مَن يُفَضِّلُ جِبْرِيلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ عَلى ما ذَكَرْنا، وهو أنْ يَكُونَ القَوْسُ عِبارَةً عَنْ بُعْدٍ مِن قاسَ بِقَوْسٍ، وعَلى هَذا فَنَقُولُ: ذَلِكَ البُعْدُ هو البُعْدُ النَّوْعِيُّ الَّذِي كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُ عَلى كُلِّ حالٍ كانَ بَشَرًا، وجِبْرِيلُ عَلى كُلِّ حالٍ كانَ مَلَكًا، فالنَّبِيُّ ﷺ وإنْ زالَ عَنِ الصِّفاتِ الَّتِي تُخالِفُ صِفاتِ المَلَكِ مِنَ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والجَهْلِ والهَوى
صفحة ٢٤٨
لَكِنَّ بَشَرِيَّتَهُ كانَتْ باقِيَةً، وكَذَلِكَ جِبْرِيلُ وإنْ تَرَكَ الكَمالَ واللُّطْفَ الَّذِي يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ والِاحْتِجابَ، لَكِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مَلَكًا فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُما إلّا اخْتِلافُ حَقِيقَتِهِما، وأمّا سائِرُ الصِّفاتِ المُمْكِنَةِ الزَّوالِ فَزالَتْ عَنْهُما فارْتَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى بَلَغَ الأُفُقَ الأعْلى مِنَ البَشَرِيَّةِ وتَدَلّى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى بَلَغَ الأُفُقَ الأدْنى مِنَ المَلَكِيَّةِ فَتَقارَبا ولَمْ يَبْقَ بَيْنَهُما إلّا حَقِيقَتُهُما، وعَلى هَذا فَفي فاعِلِ أوْحى الأوَّلِ وجْهانِ:
أحَدَهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى، وعَلى هَذا فَفي عَبْدِهِ وجْهانِ
أحَدُهُما: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْناهُ أوْحى اللَّهُ إلى جِبْرِيلَ، وعَلى هَذا فَفي فاعِلِ أوْحى الأخِيرِ وجْهانِ:
أحَدُهُما اللَّهُ تَعالى أيْضًا، والمَعْنى حِينَئِذٍ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي أوْحاهُ إلَيْهِ تَفْخِيمًا وتَعْظِيمًا لِلْمُوحى.
ثانِيهِما: فاعِلُ أوْحى ثانِيًا جِبْرِيلُ، والمَعْنى أوْحى اللَّهُ إلى جِبْرِيلَ ما أوْحى جِبْرِيلُ إلى كُلِّ رَسُولٍ، وفِيهِ بَيانُ أنَّ جِبْرِيلَ أمِينٌ لَمْ يَخُنْ في شَيْءٍ مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [ الشُّعَراءِ: ١٩٣] وقَوْلِهِ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [ التَّكْوِيرِ: ٢١] . الوَجْهُ الثّانِي: في عَبْدِهِ عَلى قَوْلِنا المُوحِي هو اللَّهُ أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ مَعْناهُ أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ ما أوْحى إلَيْهِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، وهَذا عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ التَّفْسِيرِ ورَدَ عَلى تَرْتِيبٍ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ في الأوَّلِ حَصَّلَ في الأُفُقِ الأعْلى مِن مَراتِبِ الإنْسانِ وهو النُّبُوَّةُ ثُمَّ دَنا مِن جِبْرِيلَ وهو في مَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ فَصارَ رَسُولًا فاسْتَوى وتَكامَلَ ودَنا مِنَ الأُمَّةِ بِاللُّطْفِ وتَدَلّى إلَيْهِمْ بِالقَوْلِ الرَّفِيقِ وجَعَلَ يَتَرَدَّدُ مِرارًا بَيْنَ أُمَّتِهِ ورَبِّهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ واسِطَةِ جِبْرِيلَ ما أوْحى. والوَجْهُ الثّانِي: في فاعِلِ أوْحى أوَّلًا هو أنَّهُ جِبْرِيلُ أوْحى أيْ عَبْدُهُ إلى عَبْدِ اللَّهِ واللَّهُ مَعْلُومٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [ سَبَأٍ: ٤٠، ٤١] ما يُوجِبُ القَطْعَ بِعَدَمِ جَوازِ إطْلاقِ هَذا اللَّفْظِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وعَلى هَذا فَفاعِلُ أوْحى ثانِيًا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ جِبْرِيلُ أيْ أوْحى جِبْرِيلُ إلى عَبْدِ اللَّهِ ما أوْحاهُ جِبْرِيلُ لِلتَّفْخِيمِ.
وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ هو اللَّهُ تَعالى أيْ أوْحى جِبْرِيلُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ وفي الَّذِي وُجُوهٌ:
أوَّلُها: الَّذِي أوْحى الصَّلاةُ.
ثانِيها: أنَّ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَكَ وأُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لا تَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ أُمَّتِكَ.
ثالِثُها: أنَّ ما لِلْعُمُومِ والمُرادُ كُلُّ ما جاءَ بِهِ جِبْرِيلُ، وهَذا عَلى قَوْلِنا بِأنَّ المُرادَ جِبْرِيلُ صَحِيحٌ، والوَجْهانِ المُتَقَدِّمانِ عَلى قَوْلِنا المُرادُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أظْهَرُ، وفِيهِ وجْهٌ غَرِيبٌ مِن حَيْثُ العَرَبِيَّةُ مَشْهُورٌ مَعْناهُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ، ولْنُبَيِّنْ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الجَوابِ عَنْ سُؤالٍ، وهو أنْ يُقالَ بِمَ عَرَفَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّ جِبْرِيلَ مَلَكٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَيْسَ أحَدًا مِنَ الجِنِّ، والَّذِي يُقالُ إنَّ خَدِيجَةَ كَشَفَتْ رَأْسَها امْتِحانًا في غايَةِ الضَّعْفِ إنِ ادَّعى ذَلِكَ القائِلُ أنَّ المَعْرِفَةَ حَصَلَتْ بِأمْثالِ ذَلِكَ، وهَذا إنْ أرادَ القِصَّةَ والحِكايَةَ، وإنَّ خَدِيجَةَ فَعَلَتْ هَذا لِأنَّ فِعْلَ خَدِيجَةَ غَيْرُ مُنْكَرٍ وإنَّما المُنْكَرُ دَعْوى حُصُولِ المَعْرِفَةِ بِفِعْلِها وأمْثالِها، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ رُبَّما تَسَتَّرَ عِنْدَ كَشْفِ رَأْسِها أصْلًا فَكانَ يَشْتَبِهُ بِالمَلائِكَةِ فَيَحْصُلُ اللَّبْسُ والإبْهامُ ؟ والجَوابُ الصَّحِيحُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ أظْهَرَ عَلى يَدِ جِبْرِيلَ مُعْجِزَةً عَرَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِها كَما أظْهَرَ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ مُعْجِزاتٍ عَرَفْناهُ بِها.
وثانِيهِما: أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في مُحَمَّدٍ ﷺ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأنَّ جِبْرِيلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مَلَكٌ لا جِنِّيٌّ ولا شَيْطانٌ كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ في جِبْرِيلَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا أنَّ المُتَكَلِّمَ مَعَهُ هو اللَّهُ تَعالى وأنَّ المُرْسِلَ لَهُ رَبُّهُ لا غَيْرُهُ. إذا عُلِمَ الجَوابانِ فَنَقُولُ:
53:10–11Page 526
فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ ١٠
And he revealed to His Servant1 what he revealed [i.e., conveyed].
مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ ١١
The heart1 did not lie [about] what it saw.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أوْحى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ ما أوْحاهُ إلى جِبْرِيلَ أيْ كَلَّمَهُ اللَّهُ أنَّهُ وحْيٌ أوْ خَلَقَ فِيهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا.
ثانِيهِما: أوْحى إلى جِبْرِيلَ ما أوْحى إلى مُحَمَّدٍ دَلِيلَهُ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ أنَّهُ وحْيٌ، فَعَلى هَذا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ ما مَصْدَرِيَّةٌ تَقْدِيرُهُ فَأوْحى إلى مُحَمَّدٍ ﷺ الإيحاءَ أيِ العِلْمَ بِالإيحاءِ، لِيُفَرِّقَ بَيْنَ المَلَكِ والجِنِّ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الفُؤادُ فُؤادُ مَن ؟ نَقُولُ المَشْهُورُ أنَّهُ فُؤادُ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعْناهُ أنَّهُ ما كَذَبَ فُؤادُهُ واللّامُ لِتَعْرِيفِ ما عُلِمَ حالُهُ لِسَبْقِ ذِكْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ ﴿إلى عَبْدِهِ﴾ وفي قَوْلِهِ ﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ﴾ أيْ جِنْسُ الفُؤادِ لِأنَّ المُكَذَّبَ هو الوَهْمُ والخَيالُ يَقُولُ كَيْفَ يَرى اللَّهَ أوْ كَيْفَ يَرى جِبْرِيلَ مَعَ أنَّهُ ألْطَفُ مِنَ الهَوى، والهَواءُ لا يُرى، وكَذَلِكَ يَقُولُ الوَهْمُ والخَيالُ إنْ رَأى رَبَّهُ رَآهُ في جِهَةٍ ومَكانٍ وعَلى هَيْئَةٍ، والكُلُّ يُنافِي كَوْنَ المَرْئِيِّ إلَهًا، ولَوْ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ صارَ عَلى صُورَةِ دِحْيَةَ أوْ غَيْرِهِ فَقَدِ انْقَلَبَتْ حَقِيقَتُهُ، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لارْتَفَعَ الأمانُ عَنِ المَرْئِيّاتِ، فَنَقُولُ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى ورُؤْيَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما رَآهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جائِزَةٌ عِنْدَ مَن لَهُ قَلْبٌ، فالفُؤادُ لا يُنْكِرُ ذَلِكَ، وإنْ كانَتِ النَّفْسُ المُتَوَهِّمَةُ والمُتَخَيِّلَةُ تُنْكِرُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما مَعْنى ﴿ما كَذَبَ﴾ ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو أنَّ قَلْبَهُ لَمْ يَكْذِبْ وما قالَ إنَّ ما رَآهُ بَصَرُكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولَوْ قالَ فُؤادُهُ ذَلِكَ لَكانَ كاذِبًا فِيما قالَهُ وهو قَرِيبٌ مِمّا قالَهُ المُبَرِّدُ حَيْثُ قالَ: مَعْناهُ صَدَقَ الفُؤادُ فِيما رَأى، [ رَأى] شَيْئًا فَصَدَقَ فِيهِ.
الثّانِي: قُرِئَ ”ما كَذَّبَ الفُؤادُ“ بِالتَّشْدِيدِ ومَعْناهُ ما قالَ إنَّ المَرْئِيَّ خَيالٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ.
الثّالِثُ: هو أنَّ هَذا مُقَرِّرٌ لِما ذَكَرْنا مِن أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمّا رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلَقَ اللَّهُ لَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بِخَيالٍ ولَيْسَ هو عَلى ما ذَكَرْنا قَصْدَ الحَقِّ، وتَقْدِيرُهُ ما جَوَّزَ أنْ يَكُونَ كاذِبًا وفي الوُقُوعِ وإرادَةِ نَفْيِ الجَوازِ كَثِيرٌ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ [ غافِرٍ: ١٦] وقالَ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [ الأنْعامِ: ١٠٣] وقالَ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ﴾ [ الأنْعامِ: ١٣٢] والكُلُّ لِنَفِيَ الجَوازِ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [ يُوسُفَ: ٥٦] ﴿لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾، ﴿لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [ النِّساءِ: ٤٨] فَإنَّهُ لِنَفْيِ الوُقُوعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الرّائِي في قَوْلِهِ ﴿ما رَأى﴾ هو الفُؤادُ أوِ البَصَرُ أوْ غَيْرُهُما ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: الفُؤادُ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ﴾ ما رَآهُ الفُؤادُ أيْ لَمْ يَقُلْ إنَّهُ جِنِّيٌّ أوْ شَيْطانٌ بَلْ تَيَقَّنَ أنَّ ما رَآهُ بِفُؤادِهِ صِدْقٌ صَحِيحٌ.
الثّانِي: البَصَرُ أيْ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ﴾ ما رَآهُ البَصَرُ، ولَمْ يَقُلْ إنَّ ما رَآهُ البَصَرُ خَيالٌ.
الثّالِثُ: ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهَذا عَلى قَوْلِنا الفُؤادُ لِلْجِنْسِ ظاهِرٌ أيِ القُلُوبُ تَشْهَدُ بِصِحَّةِ ما رَآهُ مُحَمَّدٌ ﷺ [ مِنَ الرُّؤْيا] وإنْ كانَتِ الأوْهامُ لا تَعْتَرِفُ بِها.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما المَرْئِيُّ في قَوْلِهِ ﴿ما رَأى﴾ ؟ نَقُولُ عَلى الِاخْتِلافِ السّابِقِ والَّذِي يَحْتَمِلُ الكَلامَ
صفحة ٢٥٠
وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ:
الأوَّلُ: الرَّبُّ تَعالى.
والثّانِي: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والثّالِثُ: الآياتُ العَجِيبَةُ الإلَهِيَّةُ، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ تُمْكِنُ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ لا يَقْدَحُ فِيهِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُهُ جِسْمًا في جِهَةٍ ؟ نَقُولُ، اعْلَمْ أنَّ العاقِلَ إذا تَأمَّلَ وتَفَكَّرَ في رَجُلٍ مَوْجُودٍ في مَكانٍ، وقالَ هَذا مَرْئِيُّ اللَّهِ تَعالى يَراهُ اللَّهُ، و[ إذا] تَفَكَّرَ في أمْرٍ لا يُوجَدُ أصْلًا وقالَ هَذا مَرْئِيُّ اللَّهِ تَعالى يَراهُ اللَّهُ تَعالى يَجِدُ بَيْنَهُما فَرْقًا وعَقْلُهُ يُصَحِّحُ الكَلامَ الأوَّلَ ويُكَذِّبُ الكَلامَ الثّانِيَ، فَذَلِكَ لَيْسَ بِمَعْنى كَوْنِهِ مَعْلُومًا لِأنَّهُ لَوْ قالَ المَوْجُودُ مَعْلُومُ اللَّهِ والمَعْدُومُ مَعْلُومُ اللَّهِ لَما وجَدَ في كَلامِهِ خَلَلًا واسْتِبْعادًا فاللَّهُ راءٍ بِمَعْنى كَوْنِهِ عالِمًا ثُمَّ إنَّ اللَّهَ يَكُونُ رائِيًا ولا يَصِيرُ مُقابِلًا لِلْمَرْئِيِّ، ولا يَحْصُلُ في جِهَةٍ ولا يَكُونُ مُقابِلًا لَهُ، وإنَّما يَصْعُبُ عَلى الوَهْمِ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَرَ شَيْئًا إلّا في جِهَةٍ فَيَقُولُ إنَّ ذَلِكَ واجِبٌ، ومِمّا يُصَحِّحُ هَذا أنَّكَ تَرى في الماءِ قَمَرًا وفي الحَقِيقَةِ ما رَأيْتَ القَمَرَ حالَةَ نَظَرِكَ إلى الماءِ إلّا في مَكانِهِ فَوْقَ السَّماءِ فَرَأيْتَ القَمَرَ في الماءِ، لِأنَّ الشُّعاعَ الخارِجَ مِنَ البَصَرِ اتَّصَلَ بِهِ فَرَدَّ الماءُ ذَلِكَ الشُّعاعَ إلى السَّماءِ، لَكِنَّ وهْمَكَ لَمّا رَأى أكْثَرَ ما رَآهُ في المُقابَلَةِ لَمْ يَعْهَدْ رُؤْيَةَ شَيْءٍ يَكُونُ خَلْفَهُ إلّا بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ، قالَ إنِّي أرى القَمَرَ، ولا رُؤْيَةَ إلّا إذْ كانَ المَرْئِيُّ في مُقابَلَةِ الحَدَقَةِ ولا مُقابِلَ لِلْحَدَقَةِ إلّا الماءُ، فَحُكِمَ إذَنْ بِناءً عَلى هَذا أنَّهُ يَرى القَمَرَ في الماءِ، فالوَهْمُ يَغْلِبُ العَقْلَ في العالَمِ لِكَوْنِ الأُمُورِ العاجِلَةِ أكْثَرُها وهْمِيَّةٌ، حِسِّيَّةٌ، وفي الآخِرَةِ تَزُولُ الأوْهامُ وتَنْجَلِي الأفْهامُ فَتَرى الأشْياءَ لِوُجُودِها لا لِتَحَيُّزِها، واعْلَمْ أنَّ مَن يُنْكِرُ جَوازَ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى، يَلْزَمُهُ أنْ يُنْكِرَ جَوازَ رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ إنْكارُ الرِّسالَةِ وهو كُفْرٌ، وفِيهِ ما يَكادُ أنْ يَكُونَ كُفْرًا، وذَلِكَ لِأنَّ مَن شَكَّ في رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى يَقُولُ لَوْ كانَ اللَّهُ تَعالى جائِزَ الرُّؤْيَةِ لَكانَ واجِبَ الرُّؤْيَةِ لَأنَّ حَواسَّنا سَلِيمَةٌ، واللَّهُ تَعالى لَيْسَ مِن وراءِ حِجابٍ ولا هو في غايَةِ البُعْدِ عَنّا لِعَدَمِ كَوْنِهِ في جِهَةٍ ولا مَكانٍ، فَلَوْ جازَ أنْ يُرى ولا نَراهُ، لَلَزِمَ القَدْحُ في المَحْسُوساتِ المُشاهَداتِ، إذْ يَجُوزُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ عِنْدَنا جَبَلٌ ولا نَراهُ، فَيُقالُ لِذَلِكَ القائِلِ قَدْ صَحَّ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَنْزِلُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وعِنْدَهُ غَيْرُهُ وهو يَراهُ ولَوْ وجَبَ ما يَجُوزُ لَرَآهُ كُلُّ أحَدٍ، فَإنْ قِيلَ إنَّ هُناكَ حِجابًا نَقُولُ وجَبَ أنْ يَرى هُناكَ حِجابًا فَإنَّ الحِجابَ لا يُحْجَبُ إذا كانَ مَرْئِيًّا عَلى مَذْهَبِهِمْ، ثُمَّ إنَّ النُّصُوصَ ورَدَتْ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأى رَبَّهُ بِفُؤادِهِ فَجُعِلَ بَصَرُهُ في فُؤادِهِ أوْ رَآهُ بِبَصَرِهِ فَجُعِلَ فُؤادُهُ في بَصَرِهِ، وكَيْفَ لا، وعَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ الرُّؤْيَةُ بِالإرادَةِ لا بِقُدْرَةِ العَبْدِ، فَإذا حَصَّلَ اللَّهُ تَعالى العِلْمَ بِالشَّيْءِ مِن طَرِيقِ البَصَرِ كانَ رُؤْيَةً، وإنْ حَصَّلَهُ مِن طَرِيقِ القَلْبِ كانَ مَعْرِفَةً واللَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُحَصِّلَ العِلْمَ بِخَلْقٍ مُدْرِكٍ لِلْمَعْلُومِ في البَصَرِ كَما قَدَرَ عَلى أنْ يُحَصِّلَهُ بِخَلْقٍ مُدْرَكٍ في القَلْبِ، والمَسْألَةُ مَذْكُورَةٌ في الأُصُولِ فَلا نُطَوِّلُها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences