Ar-RaziAl‑Qamar · 54:23–29

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Qamar 54:23–29

54:23Page 529

كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ ٢٣

Thamūd denied the warning.

فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ غَيْرَ أنَّهُ في قِصَّةِ عادٍ قالَ: (كَذَّبَتْ) ولَمْ يَقُلْ: بِالنُّذُرِ، وفي قِصَّةِ نُوحٍ قالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ فَنَقُولُ: هَذا يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [غافر: ٥] أنَّ عادَتَهم ومَذْهَبَهم إنْكارُ الرُّسُلِ وتَكْذِيبُهم فَكَذَّبُوا نُوحًا بِناءً عَلى مَذْهَبِهِمْ، وإنَّما صَرَّحَ هاهُنا لِأنَّ كُلَّ قَوْمٍ يَأْتُونَ بَعْدَ قَوْمٍ، وأتاهُما رَسُولانِ فالمُكَذِّبُ المُتَأخِّرُ يُكَذِّبُ المُرْسَلِينَ جَمِيعًا حَقِيقَةً، والأوَّلُونَ يُكَذِّبُونَ رَسُولًا واحِدًا حَقِيقَةً، ويَلْزَمُهم تَكْذِيبُ مَن بَعْدَهُ بِناءً عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهم لَمّا كَذَّبُوا مَن تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: اللَّهُ تَعالى واحِدٌ، والحَشْرُ كائِنٌ، ومَن أُرْسِلَ بَعْدَهُ كَذَلِكَ قَوْلُهُ ومَذْهَبُهُ لَزِمَ مِنهُ أنْ يُكَذِّبُوهُ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في قَوْمِ نُوحٍ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ﴾ [الأعراف: ٦٤] وقالَ في عادٍ: ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ [هود: ٥٩] وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] فَإشارَةٌ إلى أنَّهم كَذَّبُوا وقالُوا ما يُفْضِي إلى تَكْذِيبِ جَمِيعِ المُرْسَلِينَ؛ ولِهَذا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ المُعَرَّفِ لِلِاسْتِغْراقِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ هُناكَ عَنْ نُوحٍ: ﴿رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧] ولَمْ يَقُلْ: كَذَّبُوا رُسُلَكَ إشارَةً إلى ما صَدَرَ مِنهم حَقِيقَةً لا أنَّ ما ألْزَمَهم لَزِمَهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَلَمّا سَبَقَ قِصَّةُ ثَمُودَ ذَكَرَ رَسُولَيْنِ ورَسُولُهم ثالِثُهم قالَ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ هَذا كُلُّهُ إذا قُلْنا: إنَّ النُّذُرَ جَمْعُ نَذِيرٍ بِمَعْنى مُنْذِرٍ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّها الإنْذاراتُ فَنَقُولُ: قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ لَمْ تَسْتَمِرَّ المُعْجِزاتُ الَّتِي ظَهَرَتْ في زَمانِهِمْ، وأمّا ثَمُودُ فَأُنْذِرُوا وأُخْرِجَ لَهم ناقَةٌ مِن صَخْرَةٍ، وكانَتْ تَدُورُ بَيْنَهم وكَذَّبُوا فَكانَ تَكْذِيبُهم بِإنْذاراتٍ وآياتٍ ظاهِرَةٍ فَصَرَّحَ بِها، وقَوْلُهُ: ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ، لِأنَّ مَن يَقُولُ: لا أتَّبِعُ بَشَرًا مِثْلِي وجَمِيعُ المُرْسَلِينَ مِنَ البَشَرِ يَكُونُ مُكَذِّبًا لِلرُّسُلِ والباءُ في قَوْلِهِ: (بِالنُّذُرِ) يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الثّانِيَ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ اللَّهَ تَعالى في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَدّى التَّكْذِيبَ بِغَيْرِ حَرْفٍ، فَقالَ: ”كَذَّبُوهُ“ و”كَذَّبُوا“ رُسُلَنا و”كَذَّبُوا عَبْدَنا“ و”كَذَّبُونِي“، وقالَ: ”وكَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ“ ”وبِآياتِنا“ فَعَدّى بِحَرْفٍ لِأنَّ التَّكْذِيبَ هو النِّسْبَةُ إلى الكَذِبِ، والقائِلُ هو الَّذِي يَكُونُ كاذِبًا حَقِيقَةً، والكَلامُ والقَوْلُ يُقالُ فِيهِ كاذِبٌ مَجازًا وتَعَلُّقُ التَّكْذِيبِ بِالقائِلِ أظْهَرُ، فَيَسْتَغْنِي عَنِ الحَرْفِ بِخِلافِ القَوْلِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ وبَيَّنّاهُ بَيانًا شافِيًا.

54:24–25Page 529

فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٗا مِّنَّا وَٰحِدٗا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٍ ٢٤

And said, "Is it one human being1 among us that we should follow? Indeed, we would then be in error and madness.

أَءُلۡقِيَ ٱلذِّكۡرُ عَلَيۡهِ مِنۢ بَيۡنِنَا بَلۡ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٞ ٢٥

Has the message been sent down upon him from among us? Rather, he is an insolent liar."

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، وزَيْدٌ ضَرْبَتُهُ كِلاهُما جائِزٌ والنَّصْبُ مُخْتارٌ في مَواضِعَ مِنها هَذا المَوْضِعُ، وهو الَّذِي يَكُونُ ما يَرِدُ عَلَيْهِ النَّصْبُ والرَّفْعُ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ، والسَّبَبُ في اخْتِيارِ النَّصْبِ أمْرٌ مَعْقُولٌ وهو أنَّ المُسْتَفْهِمَ يَطْلُبُ مِنَ المَسْئُولِ أنْ يَجْعَلَ ما ذَكَرَهُ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ مَبْدَأٌ لِكَلامِهِ، ويُخْبِرُ عَنْهُ، فَإذا قالَ: أزَيْدٌ عِنْدَكَ مَعْناهُ أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ واذْكُرْ لِي حالَهُ، فَإذا انْضَمَّ إلى هَذِهِ الحالَةِ فِعْلٌ مَذْكُورٌ تَرَجَّحَ جانِبُ النَّصْبِ، فَيَجُوزُ أنْ يُقالَ: أزَيْدًا ضَرَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَجِبْ فالأحْسَنُ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: مَن قَرَأ ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ كَيْفَ تَرَكَ الأجْوَدَ ؟ نَقُولُ: نَظَرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: (فَقالُوا) إذْ ما بَعْدَ القَوْلِ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً اسْمِيَّةً والِاسْمِيَّةُ أوْلى والأوْلى أقْوى وأظْهَرُ.

صفحة ٤٥

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا كانَ ”بَشَرًا“ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ، فَما الحِكْمَةُ في تَأخُّرِ الفِعْلِ في الظّاهِرِ ؟ نَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا أنَّ البَلِيغَ يُقَدِّمُ في الكَلامِ ما يَكُونُ تَعَلُّقُ غَرَضِهِ بِهِ أكْثَرَ، وهم كانُوا يُرِيدُونَ تَبْيِينَ كَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ في تَرْكِ الِاتِّباعِ، فَلَوْ قالُوا: أنَتَّبِعُ بَشَرًا ؟ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: نَعَمِ اتَّبِعُوهُ وماذا يَمْنَعُكم مِنِ اتِّباعِهِ، فَإذا قَدَّمُوا حالَهُ وقالُوا: هو نَوْعُنا بَشَرٌ ومِن صِنْفِنا رَجُلٌ لَيْسَ غَرِيبًا نَعْتَقِدُ فِيهِ أنَّهُ يَعْلَمُ ما لا نَعْلَمُ أوْ يَقْدِرُ ما لا نَقْدِرُ، وهو واحِدٌ وحِيدٌ ولَيْسَ لَهُ جُنْدٌ وحَشَمٌ وخَيْلٌ وخَدَمٌ فَكَيْفَ نَتَّبِعُهُ ؟ فَيَكُونُونَ قَدْ قَدَّمُوا المُوجِبَ لِجَوازِ الِامْتِناعِ مِن الِاتِّباعِ، واعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ إشاراتٍ إلى ذَلِكَ:

أحَدُها: نَكَّرُوهُ حَيْثُ قالُوا: (أبَشَرًا) ولَمْ يَقُولُوا: أنَتَّبِعُ صالِحًا أوِ الرَّجُلَ المُدَّعِيَ النُّبُوَّةَ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المُعَرَّفاتِ والتَّنْكِيرُ تَحْقِيرٌ.

ثانِيها: قالُوا: أبَشَرًا ولَمْ يَقُولُوا: أرَجُلًا.

ثالِثُها: قالُوا: مِنّا. وهو يَحْمِلُ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: مِن صِنْفِنا لَيْسَ غَرِيبًا.

وثانِيهِما (مِنّا) أيْ تَبَعَنا، يَقُولُ القائِلُ لِغَيْرِهِ: أنْتَ مِنّا فَيَتَأذّى السّامِعُ ويَقُولُ: لا بَلْ أنْتَ مِنّا ولَسْتُ أنا مِنكم، وتَحْقِيقُهُ أنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ والبَعْضُ يَتْبَعُ الكُلَّ لا الكُلُّ يَتْبَعُ البَعْضَ.

رابِعُها: ”واحِدًا“ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ أيْضًا:

أحَدُهُما: وحِيدًا إلى ضَعْفِهِ.

وثانِيهِما: واحِدًا أيْ هو مِنَ الآحادِ لا مِنَ الأكابِرِ المَشْهُورِينَ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ في اسْتِعْمالِ الآحادِ في الأصاغِرِ حَيْثُ يُقالُ: هو مِن آحادِ النّاسِ هو أنَّ مَن لا يَكُونُ مَشْهُورًا بِحَسَبٍ ولا نَسَبٍ إذا حَدَّثَ عَنْهُ مَن لا يَعْرِفُهُ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ عَنْهُ: قالَ فُلانٌ أوِ ابْنُ فُلانٍ، فَيَقُولُ: قالَ واحِدٌ وفَعَلَ واحِدٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ غايَةَ الخُمُولِ؛ لِأنَّ الأرْذَلَ لا يَنْضَمُّ إلَيْهِ أحَدٌ فَيَبْقى في أكْثَرِ أوْقاتِهِ واحِدًا فَيُقالُ لِلْأرْذالِ: آحادٌ.

* *

وقَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونُوا قَدْ قالُوا في جَوابِ مَن يَقُولُ لَهم: إنْ لَمْ تَتَّبِعُوهُ تَكُونُوا في ضَلالٍ، فَيَقُولُونَ لَهُ: لا بَلْ إنْ تَبِعْناهُ نَكُونُ في ضَلالٍ.

ثانِيهِما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَرْتِيبًا عَلى ما مَضى أيْ حالُهُ ما ذَكَرْنا مِنَ الضَّعْفِ والوَحْدَةِ، فَإنِ اتَّبَعْناهُ نَكُونُ في ضَلالٍ وسُعُرٍ أيْ جُنُونٍ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَإنْ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ قالُوهُ عَلى سَبِيلِ الجَوابِ، فَيَكُونُ القائِلُ قالَ لَهم: إنْ لَمْ تَتَّبِعُوهُ فَإنّا إذًا في الحالِ في ضَلالٍ وفي سُعُرٍ في العُقْبى، فَقالُوا: لا بَلْ لَوِ اتَّبَعْناهُ فَإنّا إذًا في الحالِ في ضَلالٍ وفي سُعُرٍ مِنَ الذُّلِّ والعُبُودِيَّةِ مَجازًا، فَإنَّهم ما كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِالسَّعِيرِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: السَّعِيرُ في الآخِرَةِ واحِدٌ فَكَيْفَ جُمِعَ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: في جَهَنَّمَ دَرَكاتٌ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُلُّ واحِدَةٍ سَعِيرًا أوْ فِيها سَعِيرٌ.

ثانِيها: لِدَوامِ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَإنَّهُ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم يُبَدِّلُهم جُلُودًا كَأنَّهم في كُلِّ زَمانٍ في سَعِيرٍ آخَرَ وعَذابٍ آخَرَ.

ثالِثُها: لِسِعَةِ السَّعِيرِ الواحِدِ كَأنَّها سُعُرٍ، يُقالُ لِلرَّجُلِ الواحِدِ: فُلانٌ لَيْسَ بِرَجُلٍ واحِدٍ بَلْ هو رِجالٌ.

ثُمَّ قالَ تَعالى عَنْهم:

﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ النَّفْيَ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ أبْلَغُ؛ لِأنَّ مَن قالَ: ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ رُبَّما يَعْلَمُ أوْ يَظُنُّ أوْ يَتَوَهَّمُ أنَّ السّامِعَ يُكَذِّبُهُ فِيهِ فَإذا ذُكِرَ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ يَكُونُ مَعْناهُ أنَّ السّامِعَ يُجِيبُنِي بِقَوْلِهِ: ”ما أُنْزِلَ“ فَيُجْعَلُ الأمْرُ حِينَئِذٍ مَنفِيًّا ظاهِرًا لا يَخْفى عَلى أحَدٍ بَلْ

صفحة ٤٦

كُلُّ أحَدٍ يَقُولُ: ”ما أُنْزِلَ“، والذِّكْرُ الرِّسالَةُ أوِ الكِتابُ إنْ كانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ ما يَذْكُرُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما يُقالُ: الحَقُّ ويُرادُ بِهِ ما يَحُلُّ مِنَ اللَّهِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهم ”أأُلْقِيَ“ بَدَلُ ”أأُنْزِلَ“ وفِيهِ إشارَةٌ إلى ما كانُوا يُنْكِرُونَهُ مِن طَرِيقِ المُبالَغَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الإلْقاءَ إنْزالٌ بِسُرْعَةٍ والنَّبِيُّ كانَ يَقُولُ: ”«جاءَنِي الوَحْيُ مَعَ المَلَكِ في لَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ» “ فَكَأنَّهم قالُوا: المَلَكُ جِسْمٌ والسَّماءُ بَعِيدَةٌ فَكَيْفَ يَنْزِلُ في لَحْظَةٍ فَقالُوا: أأُلْقِيَ وما قالُوا: أأُنْزِلَ، وقَوْلُهم ”عَلَيْهِ“ إنْكارٌ آخَرُ كَأنَّهم قالُوا: ما أُلْقِيَ ذِكْرٌ أصْلًا، قالُوا: إنْ أُلْقِيَ فَلا يَكُونُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا وفِينا مَن هو فَوْقَهُ في الشَّرَفِ والذَّكاءِ، وقَوْلُهم أأُلْقِيَ بَدَلٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: أألْقى اللَّهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإلْقاءَ مِنَ السَّماءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَرَّفُوا الذِّكْرَ ولَمْ يَقُولُوا: أأُلْقِيَ عَلَيْهِ ذِكْرٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى إنْكارَهم لِما لا يَنْبَغِي أنْ يُنْكَرَ فَقالَ: أنْكَرُوا الذِّكْرَ الظّاهِرَ المُبِينَ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُنْكَرَ فَهو كَقَوْلِ القائِلِ: أنْكَرُوا المَعْلُومَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”بَلْ“ يَسْتَدْعِي أمْرًا مَضْرُوبًا عَنْهُ سابِقًا فَما ذاكَ ؟ نَقُولُ: قَوْلُهم أأُلْقِيَ لِلْإنْكارِ فَهم قالُوا: ما أُلْقِيَ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهم: أأُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ لا يَقْتَضِي إلّا أنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، ثُمَّ قالُوا: بَلْ هو لَيْسَ بِصادِقٍ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ”الكَذّابُ“ فَعّالٌ مِن فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ أوْ يُقالُ: بَلْ مِن فاعِلٍ كَخَيّاطٍ وتَمّارٍ ؟ نَقُولُ: الأوَّلُ هو الصَّحِيحُ الأظْهَرُ عَلى أنَّ الثّانِيَ مِن بابِ الأوْلى؛ لِأنَّ المَنسُوبَ إلى الشَّيْءِ لا بُدَّ لَهُ مِن أنْ يُكْثِرَ مِن مُزاوَلَةِ الشَّيْءِ، فَإنَّ مَن خاطَ يَوْمًا ثَوْبَهُ مَرَّةً لا يُقالُ لَهُ خَيّاطٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُبالَغَةُ إمّا في الكَثْرَةِ، وإمّا في الشِّدَّةِ فالكَذّابُ إمّا شَدِيدُ الكَذِبِ يَقُولُ ما لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ أوْ كَثِيرُ الكَذِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا وصَفُوهُ بِهِ لِاعْتِقادِهِمُ الأمْرَيْنِ فِيهِ وقَوْلُهم: ﴿أشِرٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ كَذِبٌ لا لِضَرُورَةٍ وحاجَةٍ إلى خَلاصٍ كَما يَكْذِبُ الضَّعِيفُ، وإنَّما هو اسْتَغْنى وبَطِرَ وطَلَبَ الرِّياسَةَ عَلَيْكم وأرادَ اتِّباعَكم لَهُ فَكانَ كُلُّ وصْفٍ مانِعًا مِن الِاتِّباعِ؛ لِأنَّ الكاذِبَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولا سِيَّما إذا كانَ كَذِبُهُ لا لِضَرُورَةٍ، وقُرِئَ: (أشَرُّ) فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا عَلى الأصْلِ المَرْفُوضِ في الأشِرِ والأخِيرُ عَلى وزْنِ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وإنَّما رُفِضَ الأصْلُ فِيهِ؛ لِأنَّ أفْعَلَ إذا فُسِّرَ قَدْ يُفَسَّرُ بِأفْعَلَ أيْضًا والثّانِي بِأفْعَلَ ثالِثٍ، مِثالُهُ إذا قالَ: ما مَعْنى الأعْلَمِ ؟ يُقالُ: هو الأكْثَرُ عِلْمًا فَإذا قِيلَ: الأكْثَرُ ماذا ؟ فَيُقالُ: الأزْيَدُ عَدَدًا أوْ شَيْءٌ مِثْلُهُ فَلا بُدَّ مِن أمْرٍ يُفَسَّرُ بِهِ الأفْعالُ لا مِن بابِهِ فَقالُوا: أفْعَلُ التَّفْضِيلِ والفَضِيلَةُ أصْلُها الخَيْرُ، والخَيْرُ أصْلٌ في بابِ أفْعَلَ فَلا يُقالُ فِيهِ: أخْيَرُ، ثُمَّ إنَّ الشَّرَّ في مُقابَلَةِ الخَيْرِ يُفْعَلُ بِهِ ما يُفْعَلُ بِالخَيْرِ، فَيُقالُ هو شَرٌّ مِن كَذا، وخَيْرٌ مِن كَذا والأشَرُّ في مُقابَلَةِ الأخْيَرِ، ثُمَّ إنَّ خَيْرًا يُسْتَعْمَلُ في مَوْضِعَيْنِ:

أحَدُهُما: مُبالَغَةُ الخَيْرِ بِفَعْلٍ أوْ أفْعَلَ عَلى اخْتِلافٍ يُقالُ: هَذا خَيْرٌ وهَذا أخْيَرُ، ويُسْتَعْمَلُ في مُبالَغَةِ خَيْرٍ عَلى المُشابَهَةِ لا عَلى الأصْلِ فَمَن يَقُولُ: (أشَرَّ) يَكُونُ قَدْ تَرَكَ الأصْلَ المُسْتَعْمَلَ؛ لِأنَّهُ أُخِذَ في الأصْلِ المَرْفُوضِ بِمَعْنى هو شَرٌّ مِن غَيْرِهِ، وكَذا مَعْنى الأعْلَمِ أنَّ عِلْمَهُ خَيْرٌ مِن عِلْمِ غَيْرِهِ، أوْ هو خَيْرٌ مِن غِرَّةِ الجَهْلِ كَذَلِكَ القَوْلُ في الأضْعَفِ وغَيْرِهِ.

صفحة ٤٧

54:26Page 529

سَيَعۡلَمُونَ غَدٗا مَّنِ ٱلۡكَذَّابُ ٱلۡأَشِرُ ٢٦

They will know tomorrow who is the insolent liar.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ فَإنْ قالَ قائِلٌ: سَيَعْلَمُ لِلِاسْتِقْبالِ ووَقْتُ إنْزالِ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ كانُوا قَدْ عَلِمُوا؛ لِأنَّ بَعْدَ المَوْتِ تَتَبَيَّنُ الأُمُورُ وقَدْ عايَنُوا ما عايَنُوا فَكَيْفَ القَوْلُ فِيهِ ؟

نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ مَفْرُوضَ الوُقُوعِ في وقْتِ قَوْلِهِمْ: بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ يَوْمَ قالُوا: بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ .

وثانِيهِما: أنَّ هَذا التَّهْدِيدَ بِالتَّعْذِيبِ لا بِحُصُولِ العِلْمِ بِالعَذابِ الألِيمِ، وهو عَذابُ جَهَنَّمَ لا عَذابَ القَبْرِ، فَهم سَيُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وهو مُسْتَقْبَلٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَدًا﴾ لِقُرْبِ الزَّمانِ في الإمْكانِ والأذْهانِ ثُمَّ إنْ قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ لِلتَّهْدِيدِ بِالتَّعْذِيبِ لا لِلتَّكْذِيبِ فَلا حاجَةَ إلى تَفْسِيرِهِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ إعادَةً لِقَوْلِهِمْ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى مَعْناهُ، وإنْ قُلْنا: هو لِلرَّدِّ والوَعْدِ بِبَيانِ انْكِشافِ الأمْرِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ مَعْناهُ سَيَعْلَمُونَ غَدًا أنَّهُمُ الكاذِبُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا لا لِحاجَةٍ وضَرُورَةٍ، بَلْ بَطِرُوا وأشِرُوا لَمّا اسْتَغْنَوْا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَدًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يَوْمَ العَذابِ، وهَذا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ.

54:27Page 529

إِنَّا مُرۡسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتۡنَةٗ لَّهُمۡ فَٱرۡتَقِبۡهُمۡ وَٱصۡطَبِرۡ ٢٧

Indeed, We are sending the she-camel as trial for them, so watch them and be patient.1

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ بِمَعْنى الماضِي أوْ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، إنْ كانَ بِمَعْنى الماضِي فَكَيْفَ يَقُولُ: ﴿فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ وإنْ كانَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، فَما الفَرْقُ بَيْنَ حِكايَةِ عادٍ وحِكايَةِ ثَمُودَ حَيْثُ قالَ هُناكَ: ﴿أنّا أرْسَلْنا﴾ [القمر: ١٩] وقالَ هاهُنا: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ بِمَعْنى إنّا نُرْسِلُ ؟ نَقُولُ: هو بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، وما قَبْلَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ كالبَيانِ لَهُ، كَأنَّهُ قالَ ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ حَيْثُ: نُرْسِلُ النّاقَةَ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ و”نَبِّئْهم“ أيْضًا يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَوْا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ الماضِي، قُلْنا: سَنُجِيبُ عَنْهُ في مَوْضِعِهِ، وأمّا الفارِقُ فَنَقُولُ: حِكايَةُ ثَمُودَ مُسْتَقْصاةٌ في هَذا المَوْضِعِ؛ حَيْثُ ذَكَرَ تَكْذِيبَ القَوْمِ بِالنَّذْرِ، وقَوْلَهم لِرَسُولِهِمْ وتَصْدِيقَ الرُّسُلِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ وذَكَرَ المُعْجِزَةَ وهي النّاقَةُ وما فَعَلُوهُ بِها والعَذابَ والهَلاكَ، يَذْكُرُ حِكايَةً عَلى وجْهِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِيَكُونَ وصْفُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَأنَّهُ حاضِرُها فَيَقْتَدِي بِصالِحٍ في الصَّبْرِ والدُّعاءِ إلى الحَقِّ، ويَثِقُ بِرَبِّهِ في النَّصْرِ عَلى الأعْداءِ بِالحَقِّ فَقالَ: إنِّي مُؤَيِّدُكَ بِالمُعْجِزَةِ القاطِعَةِ، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ خَمْسَ قِصَصٍ، وجَعَلَ القِصَّةَ المُتَوَسِّطَةَ مَذْكُورَةً عَلى أتَمِّ وجْهٍ؛ لِأنَّ حالَ صالِحٍ كانَ أكْثَرَ مُشابَهَةً بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّهُ أتى بِأمْرٍ عَجِيبٍ أرْضِيٍّ كانَ أعْجَبَ مِمّا جاءَ بِهِ الأنْبِياءُ؛ لِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أحْيا المَيِّتَ، لَكِنَّ المَيِّتَ كانَ مَحَلًّا لِلْحَياةِ فَأثْبَتَ بِإذْنِ اللَّهِ الحَياةَ في مَحَلٍّ كانَ قابِلًا لَها،ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ انْقَلَبَتْ عَصاهُ ثُعْبانًا فَأثْبَتَ اللَّهُ لَهُ في الخَشَبَةِ الحَياةَ، لَكِنَّ الخَشَبَةَ نَباتٌ كانَ لَهُ قُوَّةٌ في النَّماءِ يُشْبِهُ الحَيَوانَ في النُّمُوِّ فَهو أعْجَبُ، وصالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ الظّاهِرُ في يَدِهِ خُرُوجَ النّاقَةِ مِنَ الحَجَرِ، جَمادٌ لا مَحَلَّ لِلْحَياةِ ولا مَحَلَّ لِلنُّمُوِّ فِيهِ، والنَّبِيُّ ﷺ أتى بِأعْجَبَ مِنَ الكُلِّ وهو التَّصَرُّفُ في جِرْمِ السَّماءِ الَّذِي يَقُولُ المُشْرِكُ لا وصُولَ

صفحة ٤٨

لِأحَدٍ إلى السَّماءِ ولا إمْكانَ لِشَقِّهِ وخَرْقِهِ، وأمّا الأرْضِيّاتُ فَقالُوا: إنَّها أجْسامٌ مُشْتَرِكَةُ المَوادِّ يَقْبَلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها صُورَةَ الأُخْرى، والسَّماواتُ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ فَلَمّا أتى بِما عَرَفُوا فِيهِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ آدَمِيٌّ كانَ أتَمَّ وأبْلَغَ مِن مُعْجِزَةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، الَّتِي هي أتَمُّ مُعْجِزَةٍ مِن مُعْجِزاتِ مَن كانَ مِنَ الأنْبِياءِ غَيْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ (وفِيهِ لَطِيفَةٌ) وهو أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الماضِي وذُكِرَ مَعَهُ مَفْعُولُهُ فالواجِبُ الإضافَةُ، تَقُولُ: وحْشِيٌّ قاتِلُ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ . فَإنْ قُلْنا: قاتِلٌ عَمَّ النَّبِيِّ بِالإعْمالِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ الحِكايَةِ في الحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨] عَلى أنَّهُ يَحْكِي القِصَّةَ في حالِ وُقُوعِها، تَقُولُ: خَرَجْتُ أمْسِ فَإذا زَيْدٌ ضارِبٌ عَمْرًا، كَما تَقُولُ: يَضْرِبُ عَمْرًا، وإنْ كانَ الضَّرْبُ قَدْ مَضى، وإذا كانَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ فالأحْسَنُ الإعْمالٌ تَقُولُ: إنِّي ضارِبٌ عَمْرًا غَدًا، فَإنْ قُلْتَ: إنِّي ضارِبُ عَمْرٍو غَدًا حَيْثُ كانَ الأمْرُ وقَعَ وكانَ جازَ لَكِنَّهُ غَيْرُ الأحْسَنِ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ قَوْلَنا: ضارِبٌ وسارِقٌ وقاتِلٌ أسْماءٌ في الحَقِيقَةِ غَيْرَ أنَّ لَها دَلالَةً عَلى الفِعْلِ، فَإذا كانَ الفِعْلُ تَحَقَّقَ في الماضِي فَهو قَدْ عُدِمَ حَقِيقَةً، فَلا وُجُودَ لِلْفِعْلِ في الحَقِيقَةِ ولا في التَّوَقُّعِ، فَيَجِبُ الحَمْلُ عَلى ما لِلِاسْمِ مِنَ الإضافَةِ وتَرْكُ ما لِلْفِعْلِ مِنَ الأعْمالِ لِغَلَبَةِ الِاسْمِيَّةِ وفِقْدانِ الفِعْلِ بِالماضِي، وإذا كانَ الفِعْلُ حاضِرًا أوْ مُتَوَقَّعًا في الِاسْتِقْبالِ فَلَهُ وُجُودٌ حَقِيقَةً أوْ في التَّوَقُّعِ، فَتَجُوزُ الإضافَةُ لِصُورَةِ الِاسْمِ، والإعْمالُ لِتَوَقُّعِ الفِعْلِ أوْ لِوُجُودِهِ، ولَكِنَّ الإعْمالَ أوْلى؛ لِأنَّ في الِاسْتِقْبالِ ”لَنْ يَضْرِبَ“ يُفِيدُ ”لا يَكُونُ ضارِبًا“ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُضافَ، أمّا الإعْمالُ فَهو يُنْبِئُ عَنْ تَوَقُّعِ الفِعْلِ أوْ وُجُودِهِ؛ لِأنَّهُ إذا قالَ: زَيْدٌ ضارِبٌ عَمْرًا فالسّامِعُ إذا سَمِعَ بِضَرْبِ عَمْرٍو عَلِمَ أنَّهُ يَفْعَلُ فَإذا لَمْ يَرَهُ في الحالِ يَتَوَقَّعُهُ في الِاسْتِقْبالِ غَيْرَ أنَّ الإضافَةَ تُفِيدُ تَخْفِيفًا حَيْثُ سَقَطَ بِها التَّنْوِينُ، والنُّونُ فَتُخْتارُ لَفْظًا لا مَعْنًى، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿مُرْسِلُو النّاقَةِ﴾ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّخْفِيفِ فِيهِ تَحْقِيقُ الأمْرِ وتَقْدِيرُهُ كَأنَّهُ وقَعَ وكانَ بِخِلافِ ما لَوْ قِيلَ: إنّا نُرْسِلُ النّاقَةَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”فِتْنَةً“ مَفْعُولٌ لَهُ فَتَكُونُ الفِتْنَةُ هي المَقْصُودَةَ مِنَ الإرْسالِ، لَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ ﷺ، وهو صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ فَما التَّحْقِيقُ في تَفْسِيرِهِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُعْجِزَةَ فِتْنَةٌ؛ لِأنَّ بِها يَتَمَيَّزُ حالُ مَن يُثابُ مِمَّنْ يُعَذَّبُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بِالمُعْجِزَةِ لا يُعَذِّبُ الكُفّارَ إلّا إذا كانَ يُنْبِئُهم بِصِدْقِهِ مِن حَيْثُ نُبُوَّتِهِ، فالمُعْجِزَةُ ابْتِلاءٌ لِأنَّها تَصْدِيقٌ وبَعْدَ التَّصْدِيقِ يَتَمَيَّزُ المُصَدِّقُ عَنِ المُكَذِّبِ.

وثانِيهِما: وهو أدَقُّ، أنَّ إخْراجَ النّاقَةِ مِنَ الصَّخْرَةِ كانَ مُعْجِزَةً، وإرْسالَها إلَيْهِمْ ودَوَرانَها فِيما بَيْنَهم، وقِسْمَةَ الماءِ كانَ فِتْنَةً؛ ولِهَذا قالَ: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنّا مُخْرِجُو النّاقَةِ فِتْنَةً، والتَّحْقِيقُ في الفِتْنَةِ والِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا، وإلَيْهِ إشارَةٌ خَفِيَّةٌ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ ولِلْهِدايَةِ طُرُقٌ، مِنها ما يَكُونُ عَلى وجْهٍ يَكُونُ لِلْإنْسانِ مَدْخَلٌ فِيهِ بِالكَسْبِ، مِثالُهُ يَخْلُقُ شَيْئًا دالًّا، ويَقَعُ تَفَكُّرُ الإنْسانِ فِيهِ ونَظَرُهُ إلَيْهِ عَلى وجْهٍ يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ الحَقُّ فَيَتَّبِعُهُ، وتارَةً يُلْجِئُهُ إلَيْهِ ابْتِداءً، ويَصُونُهُ عَنِ الخَطَأِ مِن صِغَرِهِ فَإظْهارُ المُعْجِزِ عَلى يَدِ الرَّسُولِ أمْرٌ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ اهْتِداءً مَعَ الكَسْبِ وهِدايَةُ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ كَسْبٍ مِنهم، بَلْ يَخْلُقُ فِيهِمْ عُلُومًا غَيْرَ كَسَبِيَّةٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً﴾ إشارَةٌ إلَيْهِمْ، ولِهَذا قالَ لَهم: ومَعْناهُ عَلى وجْهٍ يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ فِتْنَةً وعَلى هَذا كُلُّ مَن كانَتْ مُعْجِزَتُهُ أظْهَرَ يَكُونُ ثَوابُ قَوْمِهِ أقَلَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْهُمْ﴾ أيْ فارْتَقِبْهم بِالعَذابِ، ولَمْ يَقُلْ: فارْتَقِبِ العَذابَ إشارَةً إلى حُسْنِ الأدَبِ والِاجْتِنابِ عَنْ طَلَبِ الشَّرِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَبِرْ﴾ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ بِمَعْنى إنْ كانُوا يُؤْذُونَكَ فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمُ العَذابَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى قُرْبِ الوَقْتِ إلى أمْرِهِما، والأمْرُ بِحَيْثُ يَعْجِزُ عَنِ الصَّبْرِ.

54:28–29Page 530

وَنَبِّئۡهُمۡ أَنَّ ٱلۡمَآءَ قِسۡمَةُۢ بَيۡنَهُمۡۖ كُلُّ شِرۡبٖ مُّحۡتَضَرٞ ٢٨

And inform them that the water is shared between them,1 each [day of] drink attended [by turn].

فَنَادَوۡاْ صَاحِبَهُمۡ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ٢٩

But they called their companion,1 and he dared2 and hamstrung [her].

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ أيْ: مَقْسُومٌ، وصْفٌ بِالمَصْدَرِ مُرادٌ بِهِ المُشْتَقُّ مِنهُ كَقَوْلِهِ: ”ماءٌ مِلْحٌ“، و”قَوْلٌ زُورٌ“ وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ المُبالَغَةِ، يُقالُ لِلْكَرِيمِ: كَرَمٌ كَأنَّهُ هو عَيْنُ الكَرَمِ، ويُقالُ: فُلانٌ لُطْفٌ مَحْضٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ القِسْمَةُ وقَعَتْ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ النّاقَةَ كانَتْ عَظِيمَةً وكانَتْ حَيَواناتُ القَوْمِ تَنْفِرُ مِنها ولا تَرِدُ الماءَ وهي عَلى الماءِ، فَصَعُبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَجُعِلَ الماءُ بَيْنَهُما؛ يَوْمًا لِلنّاقَةِ ويَوْمًا لِلْقَوْمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِقِلَّةِ الماءِ، فَشِرْبُهُ يَوْمًا لِلنّاقَةِ ويَوْمًا لِلْحَيَواناتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الماءُ كانَ بَيْنَهم قِسْمَةً يَوْمًا لِقَوْمٍ ويَوْمًا لِقَوْمٍ، ولَمّا خَلَقَ اللَّهُ النّاقَةَ كانَتْ تَرِدُ الماءَ يَوْمًا يَوْمًا، فَكانَ الَّذِينَ لَهُمُ الماءُ في غَيْرِ يَوْمِ وُرُودِها يَقُولُونَ: الماءُ كُلُّهُ لَنا في هَذا اليَوْمِ ويَوْمُكم كانَ أمْسِ، والنّاقَةُ ما أخَّرَتْ شَيْئًا فَلا نُمَكِّنُكم مِنَ الوُرُودِ أيْضًا في هَذا اليَوْمِ، فَيَكُونُ النُّقْصانُ وارِدًا عَلى الكُلِّ، وكانَتِ النّاقَةُ تَشْرَبُ الماءَ بِأسْرِهِ وهَذا أيْضًا ظاهِرٌ ومَنقُولٌ، والمَشْهُورُ هُنا الوَجْهُ الأوْسَطُ، ونَقُولُ: إنَّ قَوْمًا كانُوا يَكْتَفُونَ بِلَبَنِها يَوْمَ وُرُودِها الماءَ، والكُلُّ مُمْكِنٌ ولَمْ يَرِدْ في شَيْءٍ خَبَرٌ مُتَواتِرٌ.

والثّالِثُ: قِطَعٌ وهو مِنَ القِسْمَةِ؛ لِأنَّها مُثْبَتَةٌ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى أمّا كَيْفِيَّةُ القِسْمَةِ والسَّبَبُ فَلا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ مِمّا يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الثّالِثَ أيْ: كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ لِلْقَوْمِ بِأسْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لِبَيانِ كَوْنِ الشِّرْبِ مُحْتَضَرًا لِلْقَوْمِ أوِ النّاقَةِ فَهو مَعْلُومٌ؛ لَأنَّ الماءَ ما كانَ يُتْرَكُ مِن غَيْرِ حُضُورٍ، وإنْ كانَ لِبَيانِ أنَّهُ تَحْضُرُهُ النّاقَةُ يَوْمًا والقَوْمُ يَوْمًا فَلا دَلالَةَ في اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وأمّا إذا كانَتِ العادَةُ قَبْلَ النّاقَةِ عَلى أنْ يَرِدَ الماءَ قَوْمٌ في يَوْمٍ وآخَرُونَ في يَوْمٍ آخَرَ، ثُمَّ لَمّا خُلِقَتِ النّاقَةُ كانَتْ تَنْقُصُ شِرْبَ البَعْضِ، وتَتْرُكُ شِرْبَ الباقِينَ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ، فَقالَ: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ كم أيُّها القَوْمُ فَرِدُوا كُلَّ يَوْمٍ الماءَ، وكُلُّ شِرْبٍ ناقِصٍ تَقاسَمُوهُ، وكُلُّ شِرْبٍ كامِلٍ تَقاسَمُوهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ﴾ نِداءَ المُسْتَغِيثِ كَأنَّهم قالُوا: يا لَقُدارٍ لِلْقَوْمِ، كَما يَقُولُ القائِلُ بِاللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ وصاحِبُهم قُدارٌ، وكانَ أشْجَعَ وأهْجَمَ عَلى الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَئِيسَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: تَعاطى آلَةَ العَقْرِ فَعَقَرَ.

الثّانِي: تَعاطى النّاقَةَ فَعَقَرَها وهو أضْعَفُ.

الثّالِثُ: التَّعاطِي يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ الإقْدامُ عَلى الفِعْلِ العَظِيمِ، والتَّحْقِيقُ هو أنَّ الفِعْلَ العَظِيمَ يَقْدُمُ كُلُّ أحَدٍ فِيهِ صاحِبَهُ، ويُبْرِئُ نَفْسَهُ مِنهُ فَمَن يَقْبَلُهُ ويُقْدِمُ عَلَيْهِ، يُقالُ: تَعاطاهُ كَأنَّهُ كانَ فِيهِ تَدافُعٌ فَأخَذَهُ هو بَعْدَ التَّدافُعِ.

الرّابِعُ: أنَّ القَوْمَ جَعَلُوا لَهُ عَلى عَمَلِهِ جُعْلًا فَتَعاطاهُ وعَقَرَ النّاقَةَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском