Ar-RaziAl‑Qamar · 54:38–46

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Qamar 54:38–46

54:38Page 530

وَلَقَدۡ صَبَّحَهُم بُكۡرَةً عَذَابٞ مُّسۡتَقِرّٞ ٣٨

And there came upon them by morning an abiding punishment.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أيِ: العَذابُ الَّذِي عَمَّ القَوْمَ بَعْدَ الخاصِّ الَّذِي طَمَسَ أعْيُنَ البَعْضِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ﴿صَبَّحَهُمْ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى الصُّبْحِ، فَما مَعْنى: ”بُكْرَةً“ ؟ نَقُولُ: فائِدَتُهُ تَبْيِينُ انْطِراقِهِ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: (بُكْرَةً) يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى أنَّها ظَرْفٌ، ومِثْلُهُ نَقُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] وفِيهِ بَحْثٌ، وهو أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قالَ: ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: (لِيلًا) وقالَ: جَوابًا في التَّنْكِيرِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ كانَ في بَعْضِ اللَّيْلِ، وتَمَسَّكَ بِقِراءَةِ مَن قَرَأ: ”مِنَ اللَّيْلِ“ وهو غَيْرُ ظاهِرٍ، والأظْهَرُ فِيهِ أنْ يُقالَ: بِأنَّ الوَقْتَ المُبْهَمَ يُذْكَرُ لِبَيانِ أنَّ تَعْيِينَ الوَقْتِ لَيْسَ بِمَقْصُودِ المُتَكَلِّمِ وأنَّهُ لا يُرِيدُ بَيانَهُ، كَما يَقُولُ:

صفحة ٥٦

خَرَجْنا في بَعْضِ الأوْقاتِ، مَعَ أنَّ الخُرُوجَ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ في بَعْضِ الأوْقاتِ، فَإنَّهُ لا يُرِيدُ بَيانَ الوَقْتِ، ولَوْ قالَ: خَرَجْنا، فَرُبَّما يَقُولُ السّامِعُ: مَتى خَرَجْتُمْ، فَإذا قالَ: في بَعْضِ الأوْقاتِ أشارَ إلى أنَّ غَرَضَهُ بَيانُ الخُرُوجِ لا تَعْيِينُ وقْتِهِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾ أيْ: بُكْرَةً مِنَ البِكْرِ و﴿أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ أيْ لَيْلًا مِنَ اللَّيالِي فَلا أُبَيِّنُهُ، فَإنَّ المَقْصُودَ نَفْسُ الإسْراءِ، ولَوْ قالَ: أسْرى بِعَبْدِهِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لَكانَ لِلسّامِعِ أنْ يَقُولَ: أيُّما لَيْلَةٍ ؟ فَإذا قالَ: لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيالِي قَطَعَ سُؤالَهُ وصارَ كَأنَّهُ قالَ: لا أُبَيِّنُهُ، وإنْ كانَ القائِلُ مِمَّنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الجَهْلُ، فَإنَّهُ يَقُولُ: لا أعْلَمُ الوَقْتَ، فَهَذا أقْرَبُ، فَإذا عَلِمْتَ هَذا في أسْرى لَيْلًا، فاعْلَمْ مِثْلَهُ في: ﴿صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: عَلى هَذا الوَجْهِ: ﴿صَبَّحَهُمْ﴾ بِمَعْنى قالَ لَهم: عِمُوا صَباحًا اسْتِهْزاءً بِهِمْ، كَما قالَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] فَكَأنَّهُ قالَ: جاءَهُمُ العَذابُ بُكْرَةً كالمُصَبِّحِ، والأوَّلُ أصَحُّ، ويُحْتَمَلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صَبَّحَهم بُكْرَةً﴾ عَلى قَوْلِنا: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِ ما لا يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ وهو أنَّ: ﴿صَبَّحَهُمْ﴾ مَعْناهُ أتاهم وقْتَ الصُّبْحِ، لَكِنَّ التَّصْبِيحَ يُطْلَقُ عَلى الإتْيانِ في أزْمِنَةٍ كَثِيرَةٍ مِن أوَّلِ الصُّبْحِ إلى ما بَعْدَ الإسْفارِ، فَإذا قالَ: (بُكْرَةً) أفادَ أنَّهُ كانَ أوَّلَ جُزْءٍ مِنهُ، وما أُخِّرَ إلى الأسْفارِ، وهَذا أوْجَهُ وألْيَقُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْعَدَهم بِهِ وقْتَ الصُّبْحِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١] وكانَ مِنَ الواجِبِ بِحُكْمِ الإخْبارِ تَحَقُّقُهُ بِمَجِيءِ العَذابِ في أوَّلِ الصُّبْحِ، ومُجَرَّدُ قِراءَةِ: ﴿صَبَّحَهُمْ﴾ ما كانَ يُفِيدُ ذَلِكَ، وهَذا أقْوى لِأنَّكَ تَقُولُ: صَبِيحَةُ أمْسِ بُكْرَةً واليَوْمُ بُكْرَةً، فَيَأْتِي فِيهِ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ المُرادَ بُكْرَةٌ مِنَ البِكْرِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِ مِن بابِ ضَرَبْتُهُ سَوْطًا ضَرْبًا، فَإنَّ المَنصُوبَ في ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا عَلى المَصْدَرِ، وقَدْ يَكُونُ غَيْرَ المَصْدَرِ كَما في ضَرَبْتُهُ سَوْطًا ضَرْبًا، لا يُقالُ: ضَرْبًا سَوْطًا بَيْنَ أحَدِ أنْواعِ الضَّرْبِ؛ لِأنَّ الضَّرْبَ قَدْ يَكُونُ بِسَوْطٍ وقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِهِ، وأمّا: (بُكْرَةً) فَلا يُبَيِّنُ ذَلِكَ؛ لِأنّا نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ بُكْرَةً بَيْنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الصُّبْحَ قَدْ يَكُونُ بِالإتْيانِ وقْتَ الإسْفارِ، وقَدْ يَكُونُ بِالإتْيانِ بِالأبْكارِ، فَإنْ قِيلَ: مِثْلُهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: في ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ قُلْنا: نَعَمْ، فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ هُناكَ بَيانُ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الإسْراءِ، نَقُولُ: هو كَقَوْلِ القائِلِ: ضَرَبْتُهُ شَيْئًا، فَإنَّ شَيْئًا لا بُدَّ مِنهُ في كُلِّ ضَرْبٍ، ويَصِحُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وفائِدَتُهُ ما ذَكَرْنا مِن بَيانِ عَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِأنْواعِهِ، وكَأنَّ القائِلَ يَقُولُ: إنِّي لا أُبَيِّنُ ما ضَرَبْتُهُ بِهِ، ولا أحْتاجُ إلى بَيانِهِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ المَقْصُودِ بِهِ لِيَقْطَعَ سُؤالَ السّائِلِ: بِماذا ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ أوْ بِعَصا، فَكَذَلِكَ القَوْلُ في: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ يَقْطَعُ سُؤالَ السّائِلِ عَنِ الإسْراءِ؛ لِأنَّ الإسْراءَ هو السَّيْرُ أوَّلَ اللَّيْلِ، والسُّرى هو السَّيْرُ آخِرَ اللَّيْلِ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: عَذابٌ لا مَدْفَعَ لَهُ، أيْ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِمْ ويَثْبُتُ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى إزالَتِهِ ورَفْعِهِ أوْ إحالَتِهِ ودَفْعِهِ.

ثانِيها: دائِمٌ، فَإنَّهم لَمّا أُهْلِكُوا نُقِلُوا إلى الجَحِيمِ، فَكَأنَّ ما أتاهم عَذابٌ لا يَنْدَفِعُ بِمَوْتِهِمْ، فَإنَّ المَوْتَ يُخَلِّصُ مِنَ الألَمِ الَّذِي يَجِدُهُ المَضْرُوبُ مِنَ الضَّرْبِ والمَحْبُوسُ مِنَ الحَبْسِ، ومَوْتُهم ما خَلَّصَهم.

ثالِثُها: عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْهِمْ لا يَتَعَدّى غَيْرَهم، أيْ هو أمْرٌ قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وقَرَّرَهُ فاسْتَقَرَّ، ولَيْسَ كَما يُقالُ: إنَّهُ أمْرٌ أصابَهُمُ اتِّفاقًا كالبَرْدِ الَّذِي يَضُرُّ زَرْعَ قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، ويُظَنُّ بِهِ أنَّهُ أمْرٌ اتِّفاقِيٌّ، ولَيْسَ لَوْ خَرَجُوا مِن أماكِنِهِمْ لَنَجَوْا كَما نَجا آلُ لُوطٍ، بَلْ كانَ ذَلِكَ يَتْبَعُهم؛ لِأنَّهُ كانَ أمْرًا قَدِ اسْتَقَرَّ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّمِيرُ في ﴿صَبَّحَهُمْ﴾ عائِدٌ إلى الَّذِينَ عادَ إلَيْهِمُ الضَّمِيرُ في أعْيُنِهِمْ فَيَعُودُ لَفْظًا إلَيْهِمْ لِلْقُرْبِ، ومَعْنًى إلى الَّذِينَ تَمارَوْا بِالنُّذُرِ، أوِ الَّذِينَ عادَ إلَيْهِمُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا﴾ .

صفحة ٥٧

54:39–42Page 530

فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ٣٩

So taste My punishment and warning.

وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٤٠

And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?

وَلَقَدۡ جَآءَ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ ٱلنُّذُرُ ٤١

And there certainly came to the people of Pharaoh warning.

كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذۡنَٰهُمۡ أَخۡذَ عَزِيزٖ مُّقۡتَدِرٍ ٤٢

They denied Our signs, all of them, so We seized them with a seizure of one Exalted in Might and Perfect in Ability.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي ونُذُرِ﴾ مَرَّةً أُخْرى؛ لِأنَّ العَذابَ كانَ مَرَّتَيْنِ؛ أحَدُهُما خاصٌّ بِالمُراوِدِينَ، والآخَرُ عامٌّ.

﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ مِرارًا وبَيَّنّا ما لِأجْلِهِ تَكْرارًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في لَفْظِ: ”آلَ فِرْعَوْنَ“ بَدَلَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ؟ نَقُولُ: القَوْمُ أعَمُّ مِنَ الآلِ، فالقَوْمُ كُلُّ مَن يَقُومُ الرَّئِيسُ بِأمْرِهِمْ أوْ يَقُومُونَ بِأمْرِهِ، والآلُ كُلُّ مَن يَؤُولُ إلى الرَّئِيسِ خَيْرُهم وشَرُّهم، أوْ يَؤُولُ إلَيْهِمْ خَيْرُهُ وشَرُّهُ، فالبَعِيدُ الَّذِي لا يَعْرِفُهُ الرَّئِيسُ ولا يَعْرِفُ هو عَيْنَ الرَّئِيسِ وإنَّما يَسْمَعُ اسْمَهُ، فَلَيْسَ هو بِآلِهِ، إذا عَرَفْتَ الفَرْقَ، نَقُولُ: قَوْمُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ هم غَيْرُ مُوسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ قاهِرٌ يَقْهَرُ الكُلَّ ويَجْمَعُهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وإنَّما كانُوا هم رُؤَساءَ وأتْباعًا، والرُّؤَساءُ إذا كَثُرُوا لا يَبْقى لِأحَدٍ مِنهم حُكْمٌ نافِذٌ عَلى أحَدٍ، أمّا عَلى مَن هو مِثْلُهُ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الأراذِلِ فَلِأنَّهم يَلْجَئُونَ إلى واحِدٍ مِنهم ويَدْفَعُونَ بِهِ الآخَرَ، فَيَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ بِرَأْسِهِ، فَكَأنَّ الإرْسالَ إلَيْهِمْ جَمِيعًا، وأمّا فِرْعَوْنُ فَكانَ قاهِرًا يَقْهَرُ الكُلَّ، وجَعَلَهم بِحَيْثُ لا يُخالِفُونَهُ في قَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ، فَأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ الرَّسُولَ وحْدَهُ، غَيْرَ أنَّهُ كانَ عِنْدَهُ جَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ المُقَرَّبِينَ مِثْلُ قارُونَ تَقَدَّمَ عِنْدَهُ لِمالِهِ العَظِيمِ، وهامانَ لِدَهائِهِ، فاعْتَبَرَهُمُ اللَّهُ في الإرْسالِ، حَيْثُ قالَ في مَواضِعَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ [الزخرف: ٤٦] وقالَ تَعالى: ﴿بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ﴾ [غافر: ٢٤] وقالَ في العَنْكَبُوتِ: ﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى﴾ [العنكبوت: ٣٩] لِأنَّهم إنْ آمَنُوا آمَنَ الكُلُّ بِخِلافِ الأقْوامِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم وبَعْدَهم، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ وقالَ كَثِيرًا مِثْلَ هَذا كَما في قَوْلِهِ: ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]، ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ [غافر: ٢٨] وقالَ: بِلَفْظِ المَلَأِ أيْضًا كَثِيرًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَ﴾ ولَمْ يَقُلْ في غَيْرِهِمْ جاءَ؛ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما جاءَهم، كَما جاءَ المُرْسَلُونَ أقْوامَهم، بَلْ جاءَهم حَقِيقَةً حَيْثُ كانَ غائِبًا عَنِ القَوْمِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ المُرْسَلُونَ﴾ [الحجر: ٦١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حَقِيقَةً أيْضًا؛ لِأنَّهُ جاءَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ السَّماواتِ بَعْدَ المِعْراجِ، كَما جاءَ مُوسى قَوْمَهُ مِنَ الطُّورِ حَقِيقَةً.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النُّذُرُ إنْ كانَ المُرادُ مِنها الإنْذاراتِ وهو الظّاهِرُ، فالكَلامُ الَّذِي جاءَهم عَلى لِسانِ مُوسى ويَدِهِ تِلْكَ، وإنْ كانَ المُرادُ الرُّسُلَ فَهو لِأنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ جاءَهُ وكُلُّ مُرْسَلٍ تَقَدَّمَهُما جاءَ لِأنَّهم كُلَّهم قالُوا ما قالا مِنَ التَّوْحِيدِ وعِبادَةِ اللَّهِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مِن غَيْرِ فاءٍ تَقْتَضِي تَرَتُّبَ التَّكْذِيبِ عَلى المَجِيءِ، فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ وقَوْلُهُ: (كَذَّبُوا) كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى كُلِّ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهم مِن قَوْمِ نُوحٍ إلى آلِ فِرْعَوْنَ.

ثانِيهِما: أنَّ الحِكايَةَ مَسُوقَةٌ

صفحة ٥٨

عَلى سِياقِ ما تَقَدَّمَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] وقَدْ كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأخَذْناهم، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ آياتُنا كُلُّها ظاهِرَةٌ.

وعَلى الوَجْهِ الثّانِي المُرادُ آياتُهُ الَّتِي كانَتْ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي التِّسْعُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ كُلِّها السَّمْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ فَإنَّ في كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: (فَأخَذْناهم) إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا كالآبِقِينَ أوْ إلى أنَّهم عاصُونَ، يُقالُ: أخَذَ الأمِيرُ فُلانًا إذا حَبَسَهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ العَزِيزَ المُرادُ مِنهُ الغالِبُ لَكِنَّ العَزِيزَ قَدْ يَكُونُ الَّذِي يَغْلِبُ عَلى العَدُوِّ ويَظْفَرُ بِهِ، وفي الأوَّلِ يَكُونُ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ مِن أخْذِهِ لِبُعْدِهِ إنْ كانَ هارِبًا ولِمَنعَتِهِ إنْ كانَ مُحارِبًا، فَقالَ: أخْذُ غالِبٍ لَمْ يَكُنْ عاجِزًا وإنَّما كانَ مُمْهِلًا.

54:43Page 530

أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ فِي ٱلزُّبُرِ ٤٣

Are your disbelievers better than those [former ones], or have you immunity in the scriptures?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكم أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ تَنْبِيهًا لَهم؛ لِئَلّا يَأْمَنُوا العَذابَ فَإنَّهم لَيْسُوا بِخَيْرٍ مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ أُهْلِكُوا، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الخِطابُ مَعَ أهْلِ مَكَّةَ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كُفّارُهم بَعْضَهم وإلّا لَقالَ: أنْتُمْ خَيْرٌ مِن أُوْلَئِكم، وإذا كانَ كُفّارُهم بَعْضَهم فَكَيْفَ قالَ: ﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ﴾ ولَمْ يَقُلْ لَهم كَما يَقُولُ القائِلُ: جاءَنا الكُرَماءُ فَأكْرَمْناهم، ولا يَقُولُ: فَأكْرَمْناكم ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنهُ أكُفّارُكُمُ المُسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ الَّذِينَ لا يَرْجِعُونَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جَمْعًا عَظِيمًا مِمَّنْ كانَ كافِرًا مِن أهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ الخِطابِ أيْقَنُوا بِوُقُوعِ ذَلِكَ، والعَذابُ لا يَقَعُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ القَوْمِ مَن يُؤْمِنُ فَقالَ: الَّذِينَ يُصِرُّونَ مِنكم عَلى الكُفْرِ يا أهْلَ مَكَّةَخَيْرٌ أمِ الَّذِينَ أصَرُّوا مِن قَبْلُ ؟ فَيَصِحُّ كَوْنُ التَّهْدِيدِ مَعَ بَعْضِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أمْ لَكم لِعُمُومِكم بَراءَةٌ فَلا يَخافُ المُصِرُّ مِنكم لِكَوْنِهِ في قَوْمٍ لَهم بَراءَةٌ.

وثانِيهِما: أمْ لَكم بَراءَةٌ إنْ أصْرَرْتُمْ، فَيَكُونُ الخِطابُ عامًّا والتَّهْدِيدُ كَذَلِكَ، فالشَّرْطُ غَيْرُ مَذْكُورٍ وهو الإصْرارُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما المُرادُ بِقَوْلِهِ: (خَيْرٌ)، وقَوْلُ القائِلِ: خَيْرٌ يَقْتَضِي اشْتِراكَ أمْرَيْنِ في صِفَةٍ مَحْمُودَةٍ مَعَ رُجْحانِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ خَيْرٌ ولا صِفَةٌ مَحْمُودَةٌ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: مَنعُ اقْتِضاءِ الِاشْتِراكِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ حَسّانَ:

تَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ

مَعَ اخْتِصاصِ الخَيْرِ بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ والشَّرِّ بِمَن هَجاهُ وعَدَمِ اشْتِراكِهِما في شَيْءٍ مِنهُما.

ثانِيها: أنَّ ذَلِكَ عائِدٌ إلى ما في زَعْمِهِمْ، أيْ: أيَزْعُمُ كُفّارُكم أنَّهم خَيْرٌ مِنَ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ أُهْلِكُوا وهم كانُوا يَزْعُمُونَ في أنْفُسِهِمُ الخَيْرَ، وكَذا فِيمَن تَقَدَّمَهم مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ ومُكَذِّبِي الرُّسُلِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الهَلاكَ كانَ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ مِنِ اجْتِماعِ الكَواكِبِ عَلى هَيْئَةٍ مَذْمُومَةٍ.

ثالِثُها: المُرادُ: أكُفّارُكم أشَدُّ قُوَّةً، فَكَأنَّهُ قالَ: أكُفّارُكم خَيْرٌ في القُوَّةِ ؟ والقُوَّةُ مَحْمُودَةٌ في العُرْفِ.

رابِعُها: أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ مُمْكِنٌ فَفِيهِ صِفاتٌ مَحْمُودَةٌ وأُخْرى غَيْرُ مَحْمُودَةٍ، فَإذا نَظَرْتَ إلى المَحْمُودَةِ في المَوْضِعَيْنِ وقابَلْتَ إحْداهُما بِالأُخْرى، تَسْتَعْمِلُ فِيها لَفْظَ الخَيْرِ، وكَذَلِكَ في الصِّفاتِ المَذْمُومَةِ تُسْتَعْمَلُ فِيها لَفْظُ الشَّرِّ. فَإذا نَظَرْتَ إلى كافِرَيْنِ وقُلْتَ: أحَدُهُما خَيْرٌ مِنَ الآخَرِ فَلَكَ حِينَئِذٍ أنْ تُرِيدَ: أحَدُهُما خَيْرٌ مِنَ الآخَرِ في الحُسْنِ والجَمالِ، وإذا نَظَرْتَ إلى مُؤْمِنَيْنِ يُؤْذِيانِكَ قُلْتَ:

صفحة ٥٩

أحَدُهُما شَرٌّ مِنَ الآخَرِ، أيْ في الأذِيَّةِ لا الإيمانِ فَكَذَلِكَ هاهُنا أكُفّارُكم خَيْرٌ؛ لِأنَّ النَّظَرَ وقَعَ عَلى ما يَصْلُحُ مُخَلِّصًا لَهم مِنَ العَذابِ، فَهو كَما يُقالُ: أكُفّارُكم فِيهِمْ شَيْءٌ مِمّا يُخَلِّصُهم لَمْ يَكُنْ في غَيْرِهِمْ فَهم خَيْرٌ أمْ لا شَيْءَ فِيهِمْ يُخَلِّصُهم لَكِنَّ اللَّهَ بِفَضْلِهِ مِنهم لا يُخَلِّصُهم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ﴾ إشارَةٌ إلى سَبَبٍ آخَرَ مِن أسْبابِ الخَلاصِ، وذَلِكَ لِأنَّ الخَلاصَ إمّا أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ أمْرٍ فِيهِمْ أوْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ بِسَبَبِ أمْرٍ فِيهِمْ وذَلِكَ السَّبَبُ لَمْ يَكُنْ في غَيْرِهِمْ مِنَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوهم فَيَكُونُونَ خَيْرًا مِنهم، وإنْ كانَ لا بِسَبَبِ أمْرٍ فِيهِمْ فَيَكُونُ بِفَضْلِ اللَّهِ ومُسامَحَتِهِ إيّاهم وإيمانِهِ إيّاهم مِنَ العَذابِ فَقالَ لَهم: أنْتُمْ خَيْرٌ مِنهم فَلا تَهْلِكُونَ أمْ لَسْتُمْ بِخَيْرٍ مِنهم لَكِنَّ اللَّهَ آمَنَكم وأهْلَكَهم وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُنْتَفٍ فَلا تَأْمَنُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾ إشارَةٌ إلى لَطِيفَةٍ وهي أنَّ العاقِلَ لا يَأْمَنُ إلّا إذا حَصَلَ لَهُ الجَزْمُ بِالأمْنِ أوْ صارَ لَهُ آياتٌ تُقَرِّبُ الأمْرَ مِنَ القَطْعِ، فَقالَ: لَكم بَراءَةٌ يُوثَقُ بِها وتَكُونُ مُتَكَرِّرَةً في الكُتُبِ، فَإنَّ الحاصِلَ في بَعْضِ الكُتُبِ رُبَّما يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ أوْ يَكُونُ قَدْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّحْرِيفُ والتَّبْدِيلُ كَما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَقالَ: هَلْ حَصَلَ لَكم بَراءَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ في كُتُبٍ تَأْمَنُونَ بِسَبَبِها العَذابَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لا يَجُوزُ الأمْنُ لَكِنَّ البَراءَةَ لَمْ تَحْصُلْ في كُتُبٍ ولا كِتابٍ واحِدٍ ولا شِبْهِ كِتابٍ، فَيَكُونُ أمْنُهم مِن غايَةِ الغَفْلَةِ وعِنْدَ هَذا تَبَيَّنَ فَضْلُ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ مَعَ ما في كِتابِ اللَّهِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ مِنَ الوَعْدِ لا يَأْمَنُ وإنْ بَلَغَ دَرَجَةَ الأوْلِياءِ والأنْبِياءِ، لِما في آياتِ الوَعِيدِ مِنِ احْتِمالِ التَّخْصِيصِ، وكَوْنُ كُلِّ واحِدٍ مِمَّنْ يُسْتَثْنى مِنَ الأُمَّةِ ويَخْرُجُ عَنْها فالمُؤْمِنُ خائِفٌ والكافِرُ آمِنٌ في الدُّنْيا، وفي الآخِرَةِ الأمْرُ عَلى العَكْسِ.

54:44Page 530

أَمۡ يَقُولُونَ نَحۡنُ جَمِيعٞ مُّنتَصِرٞ ٤٤

Or do they say, "We are an assembly supporting [each other]"?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ تَتْمِيمًا لِبَيانِ أقْسامِ الخَلاصِ وحَصْرِهِ فِيها، وذَلِكَ لِأنَّ الخَلاصَ إمّا أنْ يَكُونَ لِاسْتِحْقاقِ مَن يُخَلِّصُ عَنِ العَذابِ، كَما أنَّ المَلِكَ إذا عَذَّبَ جَماعَةً ورَأى فِيهِمْ مَن أحْسَنَ إلَيْهِ فَلا يُعَذِّبُهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ لِأمْرٍ في المُخَلَّصِ كَما إذا رَأى فِيهِمْ مَن لَهُ ولَدٌ صَغِيرٌ أوْ أُمٌّ ضَعِيفَةٌ فَيَرْحَمُهُ وإنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ ويُكْتَبُ لَهُ الخَلاصُ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ فِيهِ ما يَسْتَحِقُّ الخَلاصَ بِسَبَبِهِ ولا في نَفْسِ المُعَذِّبِ مِمّا يُوجِبُ الرَّحْمَةَ لَكِنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ أعْوانِهِ وتَعَصُّبِ إخْوانِهِ، كَما إذا هَرَبَ واحِدٌ مِنَ المَلِكِ والتَجَأ إلى عَسْكَرٍ يَمْنَعُونَ المَلِكَ عَنْهُ، فَكَما نَفى القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ كَذَلِكَ نَفى القِسْمَ الثّالِثَ وهو التَّمَنُّعُ بِالأعْوانِ وتَحَزُّبُ الإخْوانِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في حُسْنِ التَّرْتِيبِ وذَلِكَ لِأنَّ المُسْتَحِقَّ لِذاتِهِ أقْرَبُ إلى الخَلاصِ مِنَ المَرْحُومِ، فَإنَّ المُسْتَحِقَّ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ سَبَبُ العَذابِ والمَرْحُومَ وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ، ووُجِدَ المانِعُ مِنَ العَذابِ، وما لا سَبَبَ لَهُ لا يَتَحَقَّقُ أصْلًا، وما لَهُ مانِعٌ رُبَّما لا يَقْوى المانِعُ عَلى دَفْعِ السَّبَبِ، وما في نَفْسِ المُعَذِّبِ مِنَ المانِعِ أقْوى مِنَ الَّذِي بِسَبَبِ الغَيْرِ؛ لِأنَّ الَّذِي مِن عِنْدِهِ يَمْنَعُ الدّاعِيَةَ ولا يَتَحَقَّقُ الفِعْلَ عِنْدَ عَدَمِ الدّاعِيَةِ، والَّذِي مِنَ الغَيْرِ بِسَبَبِ التَّمَنُّعِ لا يَقْطَعُ قَصْدَهُ بَلْ يَجْتَهِدُ ورُبَّما يَغْلِبُ فَيَكُونُ تَعْذِيبُهُ أضْعافَ ما كانَ مِن قَبْلُ، بِخِلافِ مَن يَرِقُّ لَهُ قَلْبُهُ وتَمْنَعُهُ الرَّحْمَةُ فَإنَّها وإنْ لَمْ تَمْنَعْهُ لَكِنْ لا يَزِيدُ في حَمْلِهِ وحَبْسِهِ وزِيادَتِهِ في التَّعْذِيبِ عِنْدَ القُدْرَةِ، فَهَذا تَرْتِيبٌ في غايَةِ الحُسْنِ.

صفحة ٦٠

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (جَمِيعٌ) فِيهِ فائِدَتانِ إحْداهُما الكَثْرَةُ والأُخْرى الِاتِّفاقُ، كَأنَّهُ قالَ: نَحْنُ كَثِيرٌ مُتَّفِقُونَ فَلَنا الِانْتِصارُ، ولا يَقُومُ غَيْرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ مَقامَها مِنَ الألْفاظِ المُفْرَدَةِ، إنَّما قُلْنا: إنَّ فِيهِ فائِدَتَيْنِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ يَدُلُّ عَلى الجَماعَةِ بِحُرُوفِهِ الأصْلِيَّةِ مِن ج م ع وبِوَزْنِهِ وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ عَلى أنَّهم جَمَعُوا جَمْعِيَّتَهُمُ العَصَبِيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: مَعْناهُ نَحْنُ الكُلُّ لا خارِجَ عَنّا إشارَةً إلى أنَّ مَنِ اتَّبَعَ النَّبِيَّ ﷺ لا اعْتِدادَ بِهِ قالَ تَعالى في نُوحٍ: ﴿أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] وعَلى هَذا ”جَمِيعٌ“ يَكُونُ التَّنْوِينُ فِيهِ لِقَطْعِ الإضافَةِ كَأنَّهم قالُوا: نَحْنُ جَمْعُ النّاسِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما وجْهُ إفْرادِ المُنْتَصِرِ مَعَ أنَّ نَحْنُ ضَمِيرُ الجَمْعِ ؟ نَقُولُ: عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ وصَفَ الجُزْءَ الآخَرَ الواقِعَ خَبَرًا فَهو كَقَوْلِ القائِلِ: أنْتُمْ جِنْسٌ مُنْتَصِرٌ وهم عَسْكَرٌ غالِبٌ والجَمِيعُ كالجِنْسِ لَفْظُهُ لَفْظٌ واحِدٌ، ومَعْناهُ جَمْعٌ فِيهِ الكَثْرَةُ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فالجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى وإنْ كانَ جَمِيعَ النّاسِ لا خارِجَ عَنْهم إلّا مَن لا يُعْتَدُّ بِهِ، لَكِنْ لَمّا قُطِعَ ونُوِّنَ صارَ كالمُنْكَرِ في الأصْلِ فَجازَ وصْفُهُ بِالمُنْكَرِ؛ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ فَعادَ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ.

وثانِيهِما: أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أحَدُ الخَبَرَيْنِ مَعْرِفَةً والآخَرُ نَكِرَةً، قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦] وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ أفْرَدَهُ لِمُجاوَرَتِهِ ”جَمِيعٌ“، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ مَعْنى: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ أنْ جَمِيعًا بِمَعْنى كُلِّ واحِدٍ كَأنَّهُ قالَ: نَحْنُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا مُنْتَصِرٌ، كَما تَقُولُ: هم جَمِيعُهم أقْوِياءُ بِمَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم قَوِيٌّ، وهم كُلُّهم عُلَماءُ أيْ كُلُّ واحِدٍ عالِمٌ، فَتَرَكَ الجَمْعَ واخْتارَ الإفْرادَ لِعَوْدِ الخَبَرِ إلى كُلِّ واحِدٍ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: كُلُّ واحِدٍ مِنّا يَغْلِبُ مُحَمَّدًا ﷺ كَما قالَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ، وهَذا فِيهِ مَعْنًى لَطِيفٌ وهو أنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ كُلَّ واحِدٍ غالِبٌ، واللَّهُ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأجْمَعِهِمْ بِقَوْلِهِ:

54:45Page 530

سَيُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ٤٥

[Their] assembly will be defeated, and they will turn their backs [in retreat].1

﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وهو أنَّهُمُ ادَّعَوُا القُوَّةَ العامَّةَ بِحَيْثُ يَغْلِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُحَمَّدًا ﷺ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ ضَعْفَهُمُ الظّاهِرَ الَّذِي يَعُمُّهم جَمِيعَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ سُؤالٌ وهو أنَّهُ قالَ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يُوَلُّونَ الأدْبارَ. وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] وقالَ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ [الأحزاب: ١٥] وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥] فَكَيْفَ تَصْحِيحُ الإفْرادِ وما الفَرْقُ بَيْنَ المَواضِعِ ؟ نَقُولُ: أمّا التَّصْحِيحُ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: فَعَلُوا كَقَوْلِهِ فَعَلَ هَذا وفَعَلَ ذاكَ وفَعَلَ الآخَرُ. قالُوا: واوُ الجَمْعِ تَنُوبُ مَنابَ الواواتِ الَّتِي في العَطْفِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُوَلُّونَ﴾ بِمَثابَةِ يُوَلِّي هَذا الدُّبُرَ، ويُولِّي ذاكَ ويُولِّي الآخَرُ أيْ: كُلُّ واحِدٍ يُوَلِّي دُبُرَهُ، وأمّا الفَرْقُ فَنَقُولُ: اقْتِضاءُ أواخِرِ الآياتِ حُسْنَ الإفْرادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ إفْرادُهُ إشارَةٌ إلى أنَّهم في التَّوْلِيَةِ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، فَلا يَتَخَلَّفُ أحَدٌ عَنِ الجَمْعِ، ولا يَثْبُتُ أحَدٌ لِلزَّحْفِ فَهم كانُوا في التَّوْلِيَةِ كَدُبُرٍ واحِدٍ، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدٍ يُوجَدُ بِهِ يَنْبَغِي أنْ يَثْبُتَ ولا يُوَلِّيَ دُبُرَهُ، فَلَيْسَ المَنهِيُّ هُناكَ تَوْلِيَتَهم بِأجْمَعِهِمْ بَلِ المَنهِيُّ أنْ يُوَلِّيَ واحِدٌ مِنهم دُبُرَهُ، فَكُلُّ أحَدٍ مَنهِيٌّ عَنْ تَوْلِيَةِ دُبُرِهِ، فَجَعَلَ كُلَّ واحِدٍ بِرَأْسِهِ في الخِطابِ ثُمَّ جَمَعَ الفِعْلَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ﴾ ولا يَتِمُّ إلّا بِقَوْلِهِ: (الأدْبارَ) وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ﴾ [لأحزاب: ١٥] أيْ: كُلُّ واحِدٍ قالَ: أنا أثْبُتُ ولا أُوَلِّي دُبُرِي، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ [الحشر: ١٢]

صفحة ٦١

فَإنَّ المُرادَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ وعَدُوا اليَهُودَ وهم مُتَفَرِّقُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ [الحشر: ١٤]، وأمّا في هَذا المَوْضِعِ فَهم كانُوا يَدًا واحِدَةً عَلى مَن سِواهم.

54:46Page 530

بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡ وَٱلسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ ٤٦

But the Hour is their appointment [for due punishment], and the Hour is more disastrous and more bitter.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ إشارَةً إلى أنَّ الأمْرَ غَيْرَ مُقْتَصِرٍ عَلى انْهِزامِهِمْ وإدْبارِهِمْ بَلِ الأمْرُ أعْظَمُ مِنهُ، فَإنَّ السّاعَةَ مَوْعِدُهم فَإنَّهُ ذَكَرَ ما يُصِيبُهم في الدُّنْيا مِنَ الدُّبُرِ، ثُمَّ بَيَّنَ ما هو مِنهُ عَلى طَرِيقَةِ الإصْرارِ، هَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، والظّاهِرُ أنَّ الإنْذارَ بِالسّاعَةِ عامٌّ لِكُلِّ مَن تَقَدَّمَ، كَأنَّهُ قالَ: أهْلَكْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلِكَ وأصَرُّوا، وقَوْمُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسُوا بِخَيْرٍ مِنهم فَيُصِيبُهم ما أصابَهم إنْ أصَرُّوا، ثُمَّ إنَّ عَذابَ الدُّنْيا لَيْسَ لِإتْمامِ المُجازاةِ فَإتْمامُ المُجازاةِ بِالألِيمِ الدّائِمِ. وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في كَوْنِ اخْتِصاصِ السّاعَةِ مَوْعِدَهم مَعَ أنَّها مَوْعِدُ كُلِّ أحَدٍ ؟ نَقُولُ: المَوْعِدُ الزَّمانُ الَّذِي فِيهِ الوَعْدُ والوَعِيدُ، والمُؤْمِنُ مَوْعُودٌ بِالخَيْرِ ومَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ فَلا يَقُولُ هو: مَتى يَكُونُ، بَلْ يُفَوِّضُ الأمْرَ إلى اللَّهِ، وأمّا الكافِرُ فَغَيْرُ مُصَدِّقٍ فَيَقُولُ: مَتى يَكُونُ العَذابُ ؟ فَيُقالُ لَهُ: اصْبِرْ فَإنَّهُ آتٍ يَوْمَ القِيامَةِ، ولِهَذا كانُوا يَقُولُونَ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] وقالَ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أدْهى مِن أيِّ شَيْءٍ ؟ نَقُولُ: يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: ما مَضى مِن أنْواعِ عَذابِ الدُّنْيا.

ثانِيهِما: أدْهى الدَّواهِي فَلا داهِيَةَ مِثْلُها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأمَرُّ﴾ ؟ قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: هو مُبالَغَةٌ مِنَ المُرِّ وهو مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا عَذابِي﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ وعَلى هَذا فَأدْهى أيْ: أشَدُّ وأمَرُّ أيْ آلَمُ، والفَرْقُ بَيْنَ الشَّدِيدِ والألِيمِ أنَّ الشَّدِيدَ يَكُونُ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُطِيقُهُ أحَدٌ لِقُوَّتِهِ ولا يَدْفَعُهُ أحَدٌ بِقُوَّتِهِ، مِثالُهُ ضَعِيفٌ أُلْقِيَ في ماءٍ يَغْلِبُهُ أوْ نارٍ لا يَقْدِرُ عَلى الخَلاصِ مِنها، وقَوِيٌّ أُلْقِيَ في بَحْرٍ أوْ نارٍ عَظِيمَةٍ يَسْتَوِيانِ في الألَمِ والعَذابِ، ويَتَساوَيانِ في الإيلامِ، لَكِنْ يَفْتَرِقانِ في الشِّدَّةِ فَإنَّ نَجاةَ الضَّعِيفِ مِنَ الماءِ الضَّعِيفِ بِإعانَةِ مُعِينٍ مُمْكِنٌ، ونَجاةَ القَوِيِّ مِنَ البَحْرِ العَظِيمِ غَيْرُ مُمْكِنٍ.

ثانِيهِما: أمَرُّ مُبالِغَةٌ في المارِّ إذْ هي أكْثَرُ مُرُورًا بِهِمْ إشارَةً إلى الدَّوامِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: أشُدُّ وأدْوَمُ، وهَذا مُخْتَصٌّ بِعَذابِ الآخِرَةِ، فَإنَّ عَذابَ الدُّنْيا إنِ اشْتَدَّ قُتِلَ المُعَذَّبُ وزالَ فَلا يَدُومُ، وإنْ دامَ بِحَيْثُ لا يُقْتَلُ فَلا يَكُونُ شَدِيدًا.

ثالِثُها: أنَّهُ المَرِيرُ وهو مِنَ المِرَّةِ الَّتِي هي الشِّدَّةُ، وعَلى هَذا فَإمّا أنْ يَكُونَ الكَلامُ كَما يَقُولُ القائِلُ: فُلانٌ نَحِيفٌ نَحِيلٌ وقَوِيٌّ شَدِيدٌ، فَيَأْتِي بِلَفْظَيْنِ مُتَرادِفَيْنِ إشارَةً إلى التَّأْكِيدِ وهو ضَعِيفٌ، وإمّا أنْ يَكُونَ ”أدْهى“ مُبالَغَةً مِنَ الدّاهِيَةِ الَّتِي هي اسْمُ الفاعِلِ مِن دَهاهُ أمْرُ كَذا إذا أصابَهُ، وهو أمْرٌ صَعْبٌ لِأنَّ الدّاهِيَةَ صارَتْ كالِاسْمِ المَوْضُوعِ لِلشَّدِيدِ عَلى وزْنِ الباطِيَةِ والسّائِبَةِ الَّتِي لا تَكُونُ مِن أسْماءِ الفاعِلِينَ، وإنْ كانَتِ الدّاهِيَةُ أصْلُها ذَلِكَ، غَيْرَ أنَّها اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ وكُتِبَتْ في أبْوابِها وعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ ألْزَمَ وأضْيَقَ، أيْ هي بِحَيْثُ لا تُدْفَعُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском