Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Qamar 54:50–54
54:50Page 531
وَمَآ أَمۡرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٞ كَلَمۡحِۭ بِٱلۡبَصَرِ ٥٠
And Our command is but one, like a glance of the eye.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ .
صفحة ٦٦
أيْ إلّا كَلِمَةٌ واحِدَةٌ، وهو قَوْلُهُ لَهُ: (كُنْ) [يس: ٨٢] هَذا هو المَشْهُورُ الظّاهِرُ، وعَلى هَذا فاللَّهُ إذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ: (كُنْ) فَهُناكَ شَيْئانِ: الإرادَةُ والقَوْلُ، فالإرادَةُ قَدَرٌ، والقَوْلُ قَضاءٌ، وقَوْلُهُ: (واحِدَةٌ) يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: بَيانُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَكْرِيرِ القَوْلِ إشارَةً إلى نَفاذِ الأمْرِ. ثانِيهِما: بَيانُ عَدَمِ اخْتِلافِ الحالِ، فَأمْرُهُ عِنْدَ خَلْقِ العَرْشِ العَظِيمِ كَأمْرِهِ عِنْدَ خَلْقِ النَّمْلِ الصَّغِيرِ، فَأمْرُهُ عِنْدَ الكُلِّ واحِدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ تَشْبِيهُ الكَوْنِ لا تَشْبِيهَ الأمْرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أمْرُنا واحِدَةٌ، فَإذْنُ المَأْمُورُ كائِنٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ راجِعًا إلى الأمْرِ لا يَكُونُ ذَلِكَ صِفَةَ مَدْحٍ يَلِيقُ بِهِ، فَإنَّ كَلِمَةَ (كُنْ) شَيْءٌ أيْضًا يُوجَدُ ﴿كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ هَذا هو التَّفْسِيرُ الظّاهِرُ المَشْهُورُ، وفِيهِ وجْهٌ ظاهِرٌ ذَهَبَ إلَيْهِ الحُكَماءُ، وهي أنَّ مَقْدُوراتِ اللَّهِ تَعالى هي المُمْكِناتُ يُوجِدُها بِقُدْرَتِهِ، وفي عَدَمِها خِلافٌ لا يَلِيقُ بَيانُهُ بِهَذا المَوْضِعِ لِطُولِهِ لا لِسَبَبِ غَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّ المُمْكِناتِ الَّتِي يُوجِدُها اللَّهُ تَعالى قِسْمانِ: أحَدُهُما: أُمُورٌ لَها أجْزاءٌ مُلْتَئِمَةٌ عِنْدَ التِئامِها يَتِمُّ وُجُودُها، كالإنْسانِ والحَيَوانِ والأجْسامِ النَّباتِيَّةِ والمَعْدِنِيَّةِ. وكَذَلِكَ الأرْكانُ الأرْبَعَةُ، والسَّماواتُ، وسائِرُ الأجْسامِ، وسائِرُ ما يَقُومُ بِالأجْسامِ مِنَ الأعْراضِ، فَهي كُلُّها مُقَدَّرَةٌ لَهُ وحَوادِثُ، فَإنَّ أجْزاءَها تُوجَدُ أوَّلًا، ثُمَّ يُوجَدُ فِيها التَّرْكِيبُ والِالتِئامُ بِعَيْنِها، فَفِيها تَقْدِيراتٌ نَظَرًا إلى الأجْزاءِ والتَّرْكِيبِ والأعْراضِ. وثانِيهِما: أُمُورٌ لَيْسَ لَها أجْزاءٌ ومَفاصِلُ ومَقادِيرُ امْتِدادِيَّةٍ، وهي الأرْواحُ الشَّرِيفَةُ المُنَوِّرَةُ لِلْأجْسامِ، وقَدْ أثْبَتَها جَمِيعُ الفَلاسِفَةِ إلّا قَلِيلًا مِنهم، ووافَقَهم جَمْعٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، وقَطَعَ بِها كَثِيرٌ مِمَّنْ لَهُ قَلْبٌ مِن أصْحابِ الرِّياضاتِ وأرْبابِ المُجاهَداتِ، فَتِلْكَ الأُمُورُ وُجُودُها واحِدٌ لَيْسَ يُوجَدُ أوَّلًا أجْزاءٌ، وثانِيًا تَتَحَقَّقُ تِلْكَ الأجْزاءُ بِخِلافِ الأجْسامِ والأعْراضِ القائِمَةِ بِها. إذا عَرَفْتَ هَذا قالُوا: الأجْسامُ خَلْقِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ، والأرْواحُ إبْداعِيَّةٌ أمْرِيَّةٌ، وقالُوا: إلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] فالخَلْقُ في الأجْسامِ والأمْرُ في الأرْواحِ، ثُمَّ قالُوا: لا يَنْبَغِي أنْ يُظَنَّ بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ عَلى خِلافِ الأخْبارِ، فَإنَّهُ ﷺ قالَ: «أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ العَقْلُ»، ورُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الأرْواحَ قَبْلَ الأجْسامِ بِألْفَيْ عامٍ» وقالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فالخَلْقُ أُطْلِقَ عَلى إيجادِ الأرْواحِ والعَقْلِ لِأنَّ إطْلاقَ الخَلْقِ عَلى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الأمْرُ جائِزٌ، وإنَّ العالَمَ بِالكُلِّيَّةِ حادِثٌ وإطْلاقُ الخَلْقِ بِمَعْنى الإحْداثِ جائِزٌ، وإنْ كانَ في حَقِيقَةِ الخَلْقِ تَقْدِيرٌ في أصْلِ اللُّغَةِ ولا كَذَلِكَ في الإحْداثِ، ولَوْلا الفَرْقُ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ وإلّا لاسْتَقْبَحَ الفَلْسَفِيُّ مِن أنْ يَقُولَ المَخْلُوقُ قَدِيمٌ كَما يَسْتَقْبِحُ مِن أنَّ المُحْدَثَ قَدِيمٌ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﷺ «خَلَقَ اللَّهُ الأرْواحَ» بِمَعْنى أحْدَثَها بِأمْرِهِ، وفي هَذا الإطْلاقِ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ وهي أنَّهُ ﷺ لَوْ غَيَّرَ العِبارَةَ وقالَ في الأرْواحِ أنَّها مَوْجُودَةٌ بِالأمْرِ والأجْسامِ بِالخَلْقِ لَظَنَّ الَّذِي لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ العِلْمَ الكَثِيرَ أنَّ الرُّوحَ لَيْسَتْ بِمَخْلُوقَةٍ بِمَعْنى لَيْسَتْ بِمُحْدَثَةٍ، فَكانَ يَضِلُّ والنَّبِيُّ ﷺ بُعِثَ رَحْمَةً، وقالُوا: إذا نَظَرْتَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] وإلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] وإلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا﴾ [المؤمنون: ١٤] تَجِدُ التَّفاوُتَ بَيْنَ الأمْرِ والخَلْقِ والأرْواحِ والأشْباحِ حَيْثُ جَعَلَ لِخَلْقِ بَعْضِ الأجْسامِ زَمانًا مُمْتَدًّا هو سِتَّةُ أيّامٍ، وجَعَلَ لِبَعْضِها تَراخِيًا وتَرْتِيبًا بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا﴾ [المؤمنون: ١٤] وبِقَوْلِهِ: ﴿فَخَلَقْنا﴾ [المؤمنون: ١٤] ولَمْ يَجْعَلْ لِلرُّوحِ ذَلِكَ، ثُمَّ قالُوا: يَنْبَغِي أنْ لا يُظَنَّ بِقَوْلِنا هَذا إنَّ الأجْسامَ لا بُدَّ لَها مِن زَمانٍ مُمْتَدٍّ وأيّامٍ حَتّى يُوجِدَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، بَلِ اللَّهُ مُخْتارٌ إنْ أرادَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ والإنْسانَ والدَّوابَّ والشَّجَرَ والنَّباتَ في أسْرَعِ مِن لَمْحِ البَصَرِ لَخَلَقَها كَذَلِكَ، ولَكِنْ مَعَ هَذا لا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِها مَوْجُوداتٍ حَصَلَتْ لَها أجْزاءٌ ووُجُودُ أجْزائِها قَبْلَ
صفحة ٦٧
وُجُودِ التَّرْكِيبِ فِيها ووُجُودُها بَعْدَ وُجُودِ الأجْزاءِ والتَّرْكِيبِ فِيها، فَهي سِتَّةٌ ثَلاثَةٌ في ثَلاثَةٍ كَما يَخْلُقُ اللَّهُ الكَسْرَ والِانْكِسارَ في زَمانٍ واحِدٍ ولَهُما تَرْتِيبٌ عَقْلِيٌّ. فالجِسْمُ إذَنْ كَيْفَما فَرَضْتَ خَلْقَهُ فَفِيهِ تَقْدِيرُ وُجُوداتٍ كُلُّها بِإيجادِ اللَّهِ عَلى التَّرْتِيبِ، والرُّوحُ لَها وُجُودٌ واحِدٌ بِإيجادِ اللَّهِ تَعالى. هَذا قَوْلُهم. ولْنَذْكُرْ ما في الخَلْقِ والأمْرِ مِنَ الوُجُوهِ المَنقُولَةِ والمَعْقُولَةِ: أحَدُها: ما ذَكَرْنا أنَّ الأمْرَ هو كَلِمَةُ: (كُنْ) والخَلْقَ هو ما بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ. ثانِيها: ما ذَكَرُوا في الأجْسامِ أنَّ مِنها الأرْواحَ. ثالِثُها: هو أنَّ اللَّهَ لَهُ قُدْرَةٌ بِها الإيجادُ وإرادَةٌ بِها التَّخْصِيصُ، وذَلِكَ لِأنَّ المُحْدَثَ لَهُ وُجُودٌ مُخْتَصٌّ بِزَمانٍ ولَهُ مِقْدارٌ مُعَيَّنٌ فَوُجُودُهُ بِالقُدْرَةِ واخْتِصاصُهُ بِالزَّمانِ بِالإرادَةِ، فالَّذِي بِقُدْرَتِهِ خَلْقٌ والَّذِي بِالإرادَةِ أمْرٌ حَيْثُ يُخَصِّصُهُ بِأمْرِهِ بِزَمانٍ ويَدُلُّ عَلَيْهِ المَنقُولُ والمَعْقُولُ، أمّا المَنقُولُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] جَعَلَ (كُنْ) لِتَعَلُّقِ الإرادَةِ، واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن: (كُنْ) لَيْسَ هو الحَرْفَ والكَلِمَةَ الَّتِي مِنَ الكافِ والنُّونِ، لِأنَّ الحُصُولَ أسْرَعُ مِن كَلِمَةِ كُنْ إذا حَمَلْتَها عَلى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ، فَإنَّ الكافَ والنُّونَ لا يُوجِدُ مِن مُتَكَلِّمٍ واحِدٍ إلّا التَّرْتِيبَ، فَفي كُنْ لَفْظُ زَمانٍ والكَوْنُ بَعْدُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: (فَيَكُونُ) بِالفاءِ فَإذَنْ لَوْ كانَ المُرادُ بِكُنْ حَقِيقَةَ الحَرْفِ والصَّوْتِ لَكانَ الحُصُولُ بَعْدَهُ بِزَمانٍ ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: يُمْكِنُ أنْ يُوجَدَ الحَرْفانِ مَعًا ولَيْسَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى كَكَلامِنا يَحْتاجُ إلى الزَّمانِ. قُلْنا: قَدْ جَعَلَ لَهُ مَعْنًى غَيْرَ ما نَفْهَمُهُ مِنَ اللَّفْظِ. وأمّا المَعْقُولُ فَلِأنَّ الِاخْتِصاصَ بِالزَّمانِ لَيْسَ لِمَعْنًى وعِلَّةٍ، وإنْ كانَ بَعْضُ النّاسِ ذَهَبَ إلى أنَّ الخَلْقَ والإيجادَ لِحِكْمَةٍ، وقالَ: بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأرْضَ لِتَكُونَ مَقَرَّ النّاسِ أوْ مِثْلَ هَذا مِنَ الحُكْمِ، ولَمْ يِمْكِنْهُ أنْ يَقُولُ: خَلَقَ الأرْضَ في الزَّمانِ المَخْصُوصِ لِتَكُونَ مَقَرًّا لَهم لِأنَّهُ لَوْ خَلَقَها في غَيْرِ ذَلِكَ لَكانَتْ أيْضًا مَقَرًّا لَهم، فَإذَنِ التَّخْصِيصُ لَيْسَ لِمَعْنًى فَهو لِمَحْضِ الحِكْمَةِ، فَهو يُشْبِهُ أمْرَ المَلِكِ الجَبّارِ الَّذِي يَأْمُرُ ولا يُقالُ لَهُ: لِمَ أمَرْتَ ولِمَ فَعَلْتَ ولا يُعْلَمُ مَقْصُودُ الآمِرِ إلّا مِنهُ. رابِعُها: هو أنَّ الأشْياءَ المَخْلُوقَةَ لا تَنْفَكُّ عَنْ أوْصافٍ ثَلاثَةٍ أوْ عَنْ وصْفَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ، مِثالُهُ الجِسْمُ لا بُدَّ لَهُ بَعْدَ خَلْقِهِ أنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا ولا بُدَّ لَهُ مِن أنْ يَكُونَ ساكِنًا أوْ مُتَحَرِّكًا، فَإيجادُهُ أوَّلًا بِخَلْقِهِ وما هو عَلَيْهِ بِأمْرِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾ [الأعراف: ٥٤] فَجَعَلَ ما لَها بَعْدَ خَلْقِها مِنَ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ وغَيْرِهِما بِأمْرِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى العَقْلُ فَقالَ لَهُ أقْبِلْ فَأقْبَلَ ثُمَّ قالَ لَهُ أدْبِرْ فَأدْبَرَ» جَعَلَ الخَلْقَ في الحَقِيقَةِ والأمْرَ في الوَصْفِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ. خامِسُها: مَخْلُوقاتُ اللَّهِ تَعالى عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في أسْرَعِ ما يَكُونُ كالعَقْلِ وغَيْرِهِ. وثانِيهِما: خَلَقَهُ بِمُهْلَةٍ كالسَّماواتِ والإنْسانِ والحَيَوانِ والنَّباتِ، فالمَخْلُوقُ سَرِيعًا أطْلَقَ عَلَيْهِ الأمْرَ، والمَخْلُوقُ بِمُهْلَةٍ أطْلَقَ عَلَيْهِ الخَلْقَ، وهَذا مِثْلُ الوَجْهِ الثّانِي. سادِسُها: ما قالَهُ. . . الدِّينِ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] وهو أنَّ الخَلْقَ هو التَّقْدِيرُ والإيجادُ بَعْدَهُ بَعْدِيَّةٌ تَرْتِيبِيَّةٌ لا زَمانِيَّةٌ، فَفي عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّ السَّماواتِ تَكُونُ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ تَقْدِيرِيَّةٌ، فَهو قَدَّرَ خَلْقَهُ كَما عَلِمَ وهو إيجادٌ. فالأوَّلُ خَلْقٌ والثّانِي وهو الإيجادُ أمْرٌ، وأُخِذَ هَذا مِنَ المَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ، قالَ الشّاعِرُ:
وبَعْضُ النّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
أيْ يُقَدِّرُ ولا يَقْطَعُ ولا يَفْصِلُ، كالخَيّاطِ الَّذِي يُقَدِّرُ أوَّلًا، ويَقْطَعُ ثانِيًا، وهو قَرِيبٌ إلى اللُّغَةِ، لَكِنَّهُ بَعِيدُ
صفحة ٦٨
الِاسْتِعْمالِ في القُرْآنِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَيْثُ ذَكَرَ الخَلْقَ أرادَ الإيجادَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ﴾ [لقمان: ٢٥] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧] ولَيْسَ المُرادُ أنّا قَدَّرْنا أنَّهُ سَيُوجَدُ مِنها إلى غَيْرِ ذَلِكَ. سابِعُها: الخَلْقُ هو الإيجادُ ابْتِداءً، والأمْرُ هو ما بِهِ الإعادَةُ، فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ أوَّلًا بِمُهْلَةٍ، ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَبْعَثُهم في أسْرَعِ مِن لَحْظَةٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الصافات: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٢٩] و﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] إشارَةٌ إلى الوَحْدانِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾ إلى الحَشْرِ فَكَأنَّهُ بَيَّنَ الأصْلَ الأوَّلَ والأصْلَ الآخِرَ بِالآياتِ. ثامِنُها: الإيجادُ خَلْقٌ والإعْدامُ أمْرٌ، يَعْنِي يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ الغِلاظِ الشِّدادِ أهْلِكُوا وافْعَلُوا فَلا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ولا يُوقِفُونَ الِامْتِثالَ عَلى إعادَةِ الأمْرِ مَرَّةً أُخْرى فَأمْرُهُ مَرَّةً واحِدَةً يَعْقُبُهُ العَدَمُ والهَلاكُ.
وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الإيجادَ الَّذِي هو مِنَ الرَّحْمَةِ بِيَدِهِ، والإهْلاكُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِ رُسُلَهُ ومَلائِكَتَهُ، وجَعَلَ المَوْتَ بِيَدِ مَلَكِ المَوْتِ ولَمْ يَجْعَلِ الحَياةَ بِيَدِ مَلَكٍ، وهَذا مُناسِبٌ لِهَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ بَيَّنَ النِّعْمَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ وبَيَّنَ قُدْرَتَهُ عَلى النِّقْمَةِ فَقالَ: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾ . ﴿وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨] وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] عِنْدَ العَذابِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا﴾ [هود: ٦٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ [هود: ٨٢] وكَما ذَكَرَ في هَذِهِ الحِكاياتِ العَذابَ بِلَفْظِ الأمْرِ، وبَيَّنَ الإهْلاكَ بِهِ كَذَلِكَ هَهُنا ولا سِيَّما إذا نَظَرْتَ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الحِكاياتِ ووَجَدْتَها عَيْنَ تِلْكَ الحِكاياتِ يُقَوِّي هَذا القَوْلَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ. تاسِعُها: في مَعْنى اللَّمْحِ بِالبَصَرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: النَّظَرُ بِالعَيْنِ يُقالُ: لَمَحْتُهُ بِبَصَرِي كَما يُقالُ: نَظَرْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي، والباءُ حِينَئِذٍ كَما يُذْكَرُ في الآياتِ فَيُقالُ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، واخْتارَ هَذا المِثالَ لِأنَّ النَّظَرَ بِالعَيْنِ أسْرَعُ حَرَكَةٍ تُوجَدُ في الإنْسانِ لِأنَّ العَيْنَ وُجِدَ فِيها أُمُورٌ تُعِينُ عَلى سُرْعَةِ الحَرَكَةِ. أحَدُها: قُرْبُ المُحَرِّكِ مِنها فَإنَّ المُحَرِّكَ العَصَبِيَّةُ ومَنبَتُها الدِّماغُ والعَيْنُ في غايَةِ القُرْبِ مِنهُ. ثانِيها: صِغَرُ حَجْمِها فَإنَّها لا تَعْصى عَلى المُحَرِّكِ ولا تَثْقُلُ عَلَيْهِ بِخِلافِ العِظامِ. ثالِثُها: اسْتِدارَةُ شَكْلِها فَإنَّ دَحْرَجَةَ الكُرَةِ أسْهَلُ مِن دَحْرَجَةِ المُرَبَّعِ والمُثَلَّثِ. رابِعُها: كَوْنُها في رُطُوبَةٍ مَخْلُوقَةٍ في العُضْوِ الَّذِي هو مَوْضِعُها، وهَذِهِ الحِكْمَةُ في أنَّ المَرْئِيّاتِ في غايَةِ الكَثْرَةِ بِخِلافِ المَأْكُولاتِ والمَسْمُوعاتِ والمَقاصِدِ الَّتِي تُقْصَدُ بِالأرْجُلِ والمَذُوقاتِ، فَلَوْلا سُرْعَةُ حَرَكَةِ الآلَةِ الَّتِي بِها إدْراكُ المُبْصَراتِ لَما وصَلَ إلى الكُلِّ إلّا بَعْدَ طُولِ زَمانٍ. وثانِيهِما: اللَّمْحُ بِالبَصَرِ مَعْناهُ البَرْقُ يَخْطَفُ بِالبَصَرِ، ويَمُرُّ بِهِ سَرِيعًا، والباءُ حِينَئِذٍ لِلْإلْصاقِ لا لِلِاسْتِعانَةِ، كَقَوْلِهِ: مَرَرْتُ بِهِ وذَلِكَ في غايَةِ السُّرْعَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِالبَصَرِ﴾ فِيهِ فائِدَةٌ وهي غايَةُ السُّرْعَةِ فَإنَّهُ لَوْ قالَ: كَلَمْحِ البَرْقِ حِينَ بَرَقَ ويَبْتَدِئُ حَرَكَتَهُ مِن مَكانٍ ويَنْتَهِي إلى مَكانٍ آخَرَ في أقَلِّ زَمانٍ يُفْرَضُ لَصَحَّ، لَكِنْ مَعَ هَذا فالقَدْرُ الَّذِي مُرُورُهُ يَكُونُ بِالبَصَرِ أقَلُّ مِنَ الَّذِي يَكُونُ مِن مُبْتَداهُ إلى مُنْتَهاهُ، فَقالَ: ﴿كَلَمْحِ﴾ لا كَما قِيلَ: مِنَ المَبْدَأِ إلى المُنْتَهى بَلِ القَدْرُ الَّذِي يَمُرُّ بِالبَصَرِ وهو غايَةُ القِلَّةِ ونِهايَةُ السُّرْعَةِ.
54:51–53Page 531
وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَآ أَشۡيَاعَكُمۡ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٥١
And We have already destroyed your kinds,1 so is there any who will remember?
وَكُلُّ شَيۡءٖ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ ٥٢
And everything they did is in written records.
وَكُلُّ صَغِيرٖ وَكَبِيرٖ مُّسۡتَطَرٌ ٥٣
And every small and great [thing] is inscribed.
صفحة ٦٩
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكم فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ والأشْياعُ الأشْكالُ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ﴾ تَهْدِيدٌ بِالإهْلاكِ والثّانِي ظاهِرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلى إهْلاكِهِمْ، بَلِ الإهْلاكُ هو العاجِلُ والعَذابُ الآجِلُ الَّذِي هو مُعَدٌّ لَهم عَلى ما فَعَلُوهُ، مَكْتُوبٌ عَلَيْهِمْ، والزُّبُرُ هي كُتُبُ الكَتَبَةِ الَّذِينَ قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١] و: ﴿فَعَلُوهُ﴾ صِفَةُ شَيْءٍ، والنَّكِرَةُ تُوصَفُ بِالجُمَلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ تَعْمِيمٌ لِلْحُكْمِ أيْ لَيْسَتِ الكِتابَةُ مُقْتَصِرَةً عَلى ما فَعَلُوهُ بَلْ ما فَعَلَهُ غَيْرُهم أيْضًا، مَسْطُورٌ فَلا يَخْرُجُ عَنِ الكُتُبِ صَغِيرَةٌ ولا كَبِيرَةٌ، وقَدْ ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ﴾ [سبأ: ٣] أنَّ في قَوْلِهِ ﴿أكْبَرُ﴾ فائِدَةً عَظِيمَةً وهي أنَّ مَن يَكْتُبُ حِسابَ إنْسانٍ، فَإنَّما يَكْتُبُهُ في غالِبِ الأمْرِ لِئَلّا يَنْسى، فَإذا جاءَ بِالجُمْلَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي يَأْمَنُ نِسْيانَها رُبَّما يَتْرُكُ كِتابَتَها ويَشْتَغِلُ بِكِتابَةِ ما يَخافُ نِسْيانَهُ، فَلَمّا قالَ: ﴿ولا أكْبَرُ﴾ مِن ذَلِكَ أشارَ إلى الأُمُورِ العِظامِ الَّتِي يُؤْمَنُ مِن نِسْيانِها أنَّها مَكْتُوبَةٌ، أيْ لَيْسَتْ كِتابَتُنا مِثْلَ كِتابَتِكُمُ الَّتِي يَكُونُ المَقْصُودُ مِنها الأمْنُ مِنَ النِّسْيانِ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ: هَهُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] وفي جَمِيعِ هَذِهِ المَواضِعِ قَدَّمَ الصَّغِيرَةَ لِأنَّها ألْيَقُ بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ الكِتابَةِ فَيْبَتَدِئُ بِها حِفْظًا عَنِ النِّسْيانِ في عادَةِ الخَلْقِ، فَأجْرى اللَّهُ الذِّكْرَ عَلى عادَتِهِمْ، وهَذا يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ، أنَّ كُلًّا وإنْ كانَ نَكِرَةً يَحْسُنُ الِابْتِداءُ بِهِ لِلْعُمُومِ وعَدَمِ الإبْهامِ.
54:54Page 531
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَهَرٖ ٥٤
Indeed, the righteous will be among gardens and rivers,
ثُمَّ قالَ تَعالى:
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ قَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ المُتَّقِينَ والجَنّاتِ في سُوَرٍ مِنها: ﴿والطُّورِ﴾ وأمّا النَّهَرُ فَفِيهِ قِراءاتٌ [ مِنها ] فَتْحُ النُّونِ والهاءِ كَحَجَرٍ، وهو اسْمُ جِنْسٍ ويَقُومُ مَقامَ الأنْهارِ. وهَذا هو الظّاهِرُ الأصَحُّ. وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لا شَكَّ أنَّ كَمالَ اللَّذَّةِ بِالبِسْتانِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيهِ، ولَيْسَ مِنَ اللَّذَّةِ بِالنَّهَرِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ فِيهِ، بَلْ لَذَّتُهُ أنْ يَكُونَ في الجَنَّةِ عِنْدَ النَّهَرِ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَهَرٍ﴾ ؟ نَقُولُ: قَدْ أجَبْنا عَنْ هَذا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ في سُورَةِ الذّارِياتِ، وقُلْنا: المُرادُ في خِلالِ العُيُونِ، وفِيما بَيْنَها مِنَ المَكانِ وكَذَلِكَ في جَنّاتٍ، لِأنَّ الجَنَّةَ هي الأشْجارُ الَّتِي تَسْتُرُ شُعاعَ الشَّمْسِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فِي ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١] . وإذا كانَتِ الجَنَّةُ هي الأشْجارَ السّاتِرَةَ فالإنْسانُ لا يَكُونُ في الأشْجارِ، وإنَّما يَكُونُ بَيْنَها أوْ خِلالَها، فَكَذَلِكَ النَّهَرُ، ونُزِيدُ هَهُنا وجْهًا آخَرُ: وهو أنَّ المُرادَ في جَناتٍ وعِنْدَ نَهَرٍ لِكَوْنِ المُجاوَرَةِ تُحَسِّنُ إطْلاقَ اللَّفْظِ الَّذِي لا يَحْسُنُ إطْلاقُهُ عِنْدَ عَدَمِ المُجاوَرَةِ كَما قالَ:
عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقالُوا: تَقَلَّدْتُ سَيْفًا ورُمْحًا، والماءُ لا يُعْلَفُ، والرُّمْحُ لا يُتَقَلَّدُ، ولَكِنْ لِمُجاوَرَةِ التِّبْنِ والسَّيْفِ حَسُنَ الإطْلاقُ، فَكَذَلِكَ هُنا لَمْ يَأْتِ في الثّانِي بِما أتى بِهِ في الأوَّلِ مِن كَلِمَةِ في.
صفحة ٧٠
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وحَدَّ النَّهْرَ مَعَ جَمْعِ الجَنّاتِ، وجَمَعَ الأنْهارَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إلى غَيْرِهِ مِنَ المَواضِعِ فَما الحِكْمَةُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: أمّا عَلى الجَوابِ الأوَّلِ فَنَقُولُ: لَمّا بَيَّنَ أنَّ مَعْنى في نَهَرٍ في خِلالٍ فَلَمْ يَكُنْ لِلسّامِعِ حاجَةٌ إلى سَماعِ الأنْهارِ، لِعِلْمِهِ بِأنَّ النَّهَرَ الواحِدَ لا يَكُونُ لَهُ خِلالٌ. وأمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَلَوْ لَمْ يَجْمَعِ الأنْهارَ لَجازَ أنْ يُفْهَمَ أنَّ في الجَنّاتِ كُلِّها نَهَرًا واحِدًا كَما في الدُّنْيا، فَقَدْ يَكُونُ نَهَرٌ واحِدٌ مُمْتَدٌّ جارٍ في جَنّاتٍ كَثِيرَةٍ، وأمّا عَلى الثّانِي فَنَقُولُ: الإنْسانُ يَكُونُ في جَنّاتٍ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الجَمْعَ في جَنّاتٍ إشارَةٌ إلى سَعَتِها وكَثْرَةِ أشْجارِها وتَنَوُّعِها، والتَّوْحِيدُ عِنْدَما قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [محمد: ١٥] وقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] لِاتِّصالِ أشْجارِها ولِعَدَمِ وُقُوعِ القِيعانِ الخَرِبَةِ بَيْنَها، وإذا عَلِمْتَ هَذا فالإنْسانُ في الدُّنْيا إذا كانَ في بَيْتٍ في دارٍ وتِلْكَ الدّارُ في مَحَلَّةٍ، وتِلْكَ المَحَلَّةُ في مَدِينَةٍ، يُقالُ إنَّهُ في بَلْدَةِ كَذا، وأمّا القُرْبُ فَإذا كانَ الإنْسانُ في الدُّنْيا بَيْنَ نَهْرَيْنِ بِحَيْثُ يَكُونُ قُرْبُهُ مِنهُما عَلى السَّواءِ يُقالُ إنَّهُ جالِسٌ عِنْدَ نَهْرَيْنِ، فَإذا قَرُبَ مِن أحَدِهِما يُقالُ مِن عِنْدِ أحَدِ نَهْرَيْنِ دُونَ الآخَرِ، لَكِنْ في دارِ الدُّنْيا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ ثَلاثَةِ أنْهارٍ، وإنَّما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ نَهْرَيْنِ، والثّالِثُ مِنهُ أبْعَدُ مِنَ النَّهْرَيْنِ، فَهو في الحَقِيقَةِ لَيْسَ يَكُونُ في زَمانٍ واحِدٍ عِنْدَ ثَلاثَةِ أنْهارٍ، واللَّهُ تَعالى يَذْكُرُ أمْرَ الآخِرَةِ عَلى ما نَفْهَمُهُ في الدُّنْيا، فَقالَ: عِنْدَ نَهَرٍ لِما بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونَهَرٍ﴾ وإنْ كانَ يَقْتَضِي في نَهَرٍ لَكِنْ ذَلِكَ لِلْمُجاوَرَةِ كَما في: تَقَلَّدْتُ سَيْفًا ورُمْحًا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَحَقِيقَتُهُ مَفْهُومَةٌ عِنْدَنا لِأنَّ الجَنَّةَ الواحِدَةَ قَدْ يَجْرِي فِيها أنْهارٌ كَثِيرَةٌ أكْثَرُ مِن ثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ، فَهَذا ما فِيهِ مَعَ أنَّ أواخِرَ الآياتِ يَحْسُنُ فِيها التَّوْحِيدُ دُونَ الجَمْعِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ و﴿ونَهَرٍ﴾ التَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ. وفي الجَنَّةِ نَهَرٌ وهو أعْظَمُ الأنْهُرِ وأحْسَنُها، وهو الَّذِي مِنَ الكَوْثَرِ، ومِن عَيْنِ الرِّضْوانِ، وكانَ الحُصُولُ عِنْدَهُ شَرَفًا وغِبْطَةً، وكُلُّ أحَدٍ يَكُونُ لَهُ مَقْعَدٌ عِنْدَهُ، وسائِرُ الأنْهارُ تَجْرِي في الجَنَّةِ ويَراها أهْلُها، ولا يَرَوْنَ القاعِدَ عِنْدَها فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ أيْ ذَلِكَ النَّهَرُ الَّذِي عِنْدَهُ مَقاعِدُ المُؤْمِنِينَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ لَهم، وفي هَذا وجْهٌ حَسَنٌ أيْضًا، ولا يُحْتاجُ عَلى الوَجْهَيْنِ أنْ نَقُولَ: نَهَرٌ في مَعْنى الجَمْعِ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هَهُنا في: ﴿ونَهَرٍ﴾ وقالَ في الذّارِياتِ: ﴿وعُيُونٍ﴾ [الذاريات: ١٥] فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ نَقُولُ: إنّا إنْ قُلْنا في نَهَرٍ مَعْناهُ في خِلالٍ فالإنْسانُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا في خِلالِ عُيُونٍ كَثِيرَةٍ تُحِيطُ بِهِ إذا كانَ عَلى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الأرْضِ، والعُيُونُ تَنْفَجِرُ مِنهُ وتَجْرِي فَتَصِيرُ أنْهارًا عِنْدَ الِامْتِدادِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في خِلالِ أنْهارٍ، وإنَّما هي نَهْرانِ فَحَسْبُ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ عِنْدَ نَهَرٍ فَكَذَلِكَ وإنْ قُلْنا: مَرْأًى عَظِيمٌ عَلَيْهِ مَقاعِدُ، فَنَقُولُ: يَكُونُ ذَلِكَ النَّهَرُ مُمْتَدًّا واصِلًا إلى كُلِّ واحِدٍ ولَهُ عِنْدَهُ مَقْعَدٌ وعُيُونٌ كَثِيرَةٌ تابِعَةٌ، فالنَّهَرُ لِلتَّشْرِيفِ والعُيُونُ لِلتَّفَرُّجِ والتَّنَزُّهِ، مَعَ أنَّ النَّهَرَ العَظِيمَ يَجْتَمِعُ مَعَ العُيُونِ الكَثِيرَةِ، فَكانَ النَّهَرُ مَعَ وحْدَتِهِ يَقُومُ مَقامَ العُيُونِ مَعَ كَثْرَتِها، وهَذا كُلُّهُ مَعَ النَّظَرِ إلى أواخِرِ الآياتِ هَهُنا وهُناكَ، يَحْسُنُ ذِكْرُ لَفْظِ الواحِدِ هَهُنا والجَمْعُ هُناكَ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ: ”في جَنّاتٍ ونَهَرٍ“ عَلى أنَّها جَمْعُ نَهارٍ إذْ لا لَيْلَ هُناكَ، وعَلى هَذا فَكَلِمَةُ ”في“ حَقِيقَةٌ فِيهِ فَقَوْلُهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ونَهَرٍ﴾ أيْ وفي نَهَرٍ إشارَةٌ إلى ظَرْفِ زَمانٍ، وقُرِئَ ”نُهْرٍ“ بِسُكُونِ الهاءِ وضَمِّ النُّونِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ نَهَرٍ كَأُسْدٍ في جَمْعِ أسَدٍ نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: نُهُرٌ بِضَمِّ الهاءِ جَمْعُ نَهَرٍ كَثُمُرٍ في جَمْعِ ثَمَرٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences