Ar-RaziAl‑Qamar · 54:8–15

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Qamar 54:8–15

54:8–10Page 529

مُّهۡطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِۖ يَقُولُ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَسِرٞ ٨

Racing ahead toward the Caller. The disbelievers will say, "This is a difficult Day."

۞ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ فَكَذَّبُواْ عَبۡدَنَا وَقَالُواْ مَجۡنُونٞ وَٱزۡدُجِرَ ٩

The people of Noah denied before them, and they denied Our servant and said, "A madman," and he was repelled.

فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَغۡلُوبٞ فَٱنتَصِرۡ ١٠

So he invoked his Lord, "Indeed, I am overpowered, so help."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي﴾ أيْ: مُسْرِعِينَ إلَيْهِ انْقِيادًا ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ النّاصِبُ لِيَوْمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي﴾ أيْ: يَوْمَ يَدْعُو الدّاعِي: ﴿يَقُولُ الكافِرُونَ هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾، وفِيهِ فائِدَتانِ. إحْداهُما: تَنْبِيهُ المُؤْمِنِ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ عَلى الكافِرِ عَسِيرٌ فَحَسْبُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩، ١٠] يَعْنِي لَهُ عُسْرٌ لا يُسْرَ مَعَهُ. ثانِيَتُهُما: هي أنَّ الأمْرَيْنِ مُتَّفِقانِ مُشْتَرِكانِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، فَإنَّ الخُرُوجَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ، والِانْقِطاعُ إلى الدّاعِي يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ فَإنَّهُ يَخافُ ولا يَأْمَنُ العَذابَ إلّا بِإيمانِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ فَيُؤْتِيهِ اللَّهُ الثَّوابَ فَيَبْقى الكافِرُ فَيَقُولُ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ .

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أعادَ بَعْضَ الأنْباءِ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ فِيها تَهْوِينٌ وتَسْلِيَةٌ لِقَلْبِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّ حالَهُ كَحالِ مَن تَقَدَّمَهُ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إلْحاقُ ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ بِالفِعْلِ قَبْلَ ذِكْرِ الفاعِلِ جائِزٌ بِالِاتِّفاقِ وحَسَنٌ، وإلْحاقُ ضَمِيرِ الجَمْعِ بِهِ قَبِيحٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، فَلا يُجَوِّزُونَ كَذَّبُوا قَوْمَ نُوحٍ، ويُجَوِّزُونَ كَذَّبَتْ فَما الفَرْقُ ؟ نَقُولُ: التَّأْنِيثُ قَبْلَ الجَمْعِ؛ لِأنَّ الأُنُوثَةَ والذُّكُورَةَ لِلْفاعِلِ أمْرٌ لا يَتَبَدَّلُ ولَمْ تَحْصُلِ الأُنُوثَةُ لِلْفاعِلِ بِسَبَبِ فِعْلِها الَّذِي هو فاعِلُهُ فَلَيْسَ إذا قُلْنا: ضَرَبَتْ هَذِهِ كانَتْ هَذِهِ أُنْثى لِأجْلِ الضَّرْبِ بِخِلافِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ لِلْفاعِلِينَ بِسَبَبِ فِعْلِهِمُ الَّذِي هم فاعِلُوهُ، فَإنّا إذا قُلْنا: جَمْعٌ ضَرَبُوا وهم ضارِبُونَ لَيْسَ مُجَرَّدُ اجْتِماعِهِمْ في الوُجُودِ يُصَحِّحُ قَوْلَنا: ضَرَبُوا وهم ضارِبُونَ؛ لِأنَّهم إنِ اجْتَمَعُوا في مَكانٍ فَهم جَمْعٌ، ولَكِنْ إنْ لَمْ يَضْرِبِ الكُلُّ لا يَصِحُّ قَوْلُنا: ضَرَبُوا، فَضَمِيرُ الجَمْعِ مِنَ الفِعْلِ فاعِلُونَ جَمَعَهم بِسَبَبِ الِاجْتِماعِ في الفِعْلِ والفاعِلِيَّةِ، ولَيْسَ بِسَبَبِ الفِعْلِ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: ضَرَبُوا جَمْعٌ؛ لِأنَّ الجَمْعَ لَمْ يُفْهَمْ إلّا بِسَبَبِ أنَّهم ضَرَبُوا جَمِيعُهم، فَيَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أوَّلًا اجْتِماعُهم في الفِعْلِ، فَيَقُولُ: الضّارِبُونَ ضَرَبُوا، وأمّا ضَرَبَتْ هِنْدٌ فَصَحِيحٌ؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: التَّأْنِيثُ لَمْ يُفْهَمْ إلّا بِسَبَبِ

صفحة ٣٢

أنَّها ضَرَبَتْ، بَلْ هي كانَتْ أُنْثى فَوُجِدَ مِنها ضَرْبٌ فَصارَتْ ضارِبَةً، ولَيْسَ الجَمْعُ كانُوا جَمْعًا فَضَرَبُوا فَصارُوا ضارِبِينَ، بَلْ صارُوا ضارِبِينَ لِاجْتِماعِهِمْ في الفِعْلِ؛ ولِهَذا ورَدَ الجَمْعُ عَلى اللَّفْظِ بَعْدَ وُرُودِ التَّأْنِيثِ عَلَيْهِ فَقِيلَ: ضارِبَةٌ وضارِباتٌ ولَمْ يُجْمَعِ اللَّفْظُ أوَّلًا لِأُنْثى ولا لِذَكَرٍ، ولِهَذا لَمْ يَحْسُنْ أنْ يُقالَ: ضَرَبَ هِنْدٌ، وحَسُنَ بِالإجْماعِ ضَرَبَ قَوْمٌ والمُسْلِمُونَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ﴾ ما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ أيْ بِآياتِنا وآيَةِ الِانْشِقاقِ فَكَذَّبُوا.

الثّانِي ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] وقالُوا: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا وكَذَّبُوهم في التَّوْحِيدِ ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ كَما كَذَّبُوا غَيْرَهُ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْمَ نُوحٍ مُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ومَن يَعْبُدِ الأصْنامَ يُكَذِّبْ كُلَّ رَسُولٍ ويُنْكِرِ الرِّسالَةَ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: لا تَعَلُّقَ لِلَّهِ بِالعالَمِ السُّفْلِيِّ وإنَّما أمْرُهُ إلى الكَواكِبِ فَكانَ مَذْهَبُهُمُ التَّكْذِيبَ فَكَذَّبُوا.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ لِلتَّصْدِيقِ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ تَقْدِيرُهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ وكانَ تَكْذِيبُهم عَبْدَنا أيْ: لَمْ يَكُنْ تَكْذِيبًا بِحَقٍّ كَما يَقُولُ القائِلُ: كَذَّبَنِي فَكَذَّبَ صادِقًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَثِيرًا ما يَخُصُّ اللَّهُ الصّالِحِينَ بِالإضافَةِ إلى نَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي﴾ [الحجر: ٤٢] ﴿ياعِبادِ﴾ [الزخرف: ٦٨]، ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا﴾ [ص: ٤١] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا﴾ [الصافات: ١٣٢] وكُلُّ واحِدٍ عَبْدُهُ فَما السِّرُّ فِيهِ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ.

الأوَّلُ: ما قِيلَ في المَشْهُورِ أنَّ الإضافَةَ إلَيْهِ تَشْرِيفٌ مِنهُ فَمَن خَصَّصَهُ بِكَوْنِهِ عَبْدَهُ شُرِّفَ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس: ١٣] .

الثّانِي: المُرادُ مِن عَبْدِنا أيِ: الَّذِي عَبَدَنا فالكُلُّ عِبادٌ؛ لِأنَّهم مَخْلُوقُونَ لِلْعِبادَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] لَكِنْ مِنهم مَن عَبَدَ فَحَقَّقَ المَقْصُودَ فَصارَ عَبْدَهُ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُونُوا عِبادًا لِي﴾ [آل عمران: ٧٩] أيْ حَقِّقُوا المَقْصُودَ.

الثّالِثُ: الإضافَةُ تُفِيدُ الحَصْرَ فَمَعْنى ”عَبْدَنا“ هو الَّذِي لَمْ يَقُلْ بِمَعْبُودِ سِوانا، ومَنِ اتَّبَعَ هَواهُ فَقَدِ اتَّخَذَ إلَهًا فالعَبْدُ المُضافُ هو الَّذِي بِكُلِّيَّتِهِ في كُلِّ وقْتٍ لِلَّهِ، فَأكْلُهُ وشُرْبُهُ وجَمِيعُ أُمُورِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى وقَلِيلٌ ما هم.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الفائِدَةُ في اخْتِيارِ لَفْظِ العَبْدِ مَعَ أنَّهُ لَوْ قالَ رَسُولُنا لَكانَ أدَلَّ عَلى قُبْحِ فِعْلِهِمْ ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ ”عَبْدَنا“ أدُلُّ عَلى صِدْقِهِ وقُبْحِ تَكْذِيبِهِمْ مِن قَوْلِهِ ”رَسُولَنا“ لَوْ قالَهُ؛ لَأنَّ العَبْدَ أقَلُّ تَحْرِيفًا لِكَلامِ السَّيِّدِ مِنَ الرَّسُولِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] .

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا مَجْنُونٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ أتى بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ حَيْثُ رَأوْا ما عَجَزُوا مِنهُ، وقالُوا: هو مُصابُ الجِنِّ، أوْ هو لِزِيادَةِ بَيانِ قُبْحِ صُنْعِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَقْنَعُوا بِقَوْلِهِمْ إنَّهُ كاذِبٌ، بَلْ قالُوا: مَجْنُونٌ، أيْ يَقُولُ ما لا يَقْبَلُهُ عاقِلٌ، والكاذِبُ العاقِلُ يَقُولُ ما يَظُنُّ بِهِ أنَّهُ صادِقٌ فَقالُوا: ﴿مَجْنُونٌ﴾ أيْ يَقُولُ ما لَمْ يَقُلْ بِهِ عاقِلٌ، فَبَيَّنَ مُبالَغَتَهم في التَّكْذِيبِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ﴿وازْدُجِرَ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ، نَقُولُ: فِيهِ خِلافٌ، مِنهم مَن قالَ: إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو عَطْفٌ عَلى كَذَّبُوا، وقالُوا: أيْ هم كَذَّبُوا وهو ”ازْدُجِرَ“ أيْ أُوذِيَ وزُجِرَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُذِّبُوا وأُوذُوا﴾ [الأنعام: ٣٤] وعَلى هَذا إنْ قِيلَ: لَوْ قالَ: كَذَّبُوا عَبْدَنا وزَجَرُوهُ كانَ الكَلامُ أكْثَرَ مُناسَبَةً،

صفحة ٣٣

نَقُولُ: لا بَلْ هَذا أبْلَغُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْوِيَةُ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ بِذِكْرِ مَن تَقَدَّمَهُ فَقالَ: وازْدُجِرَ أيْ فَعَلُوا ما يُوجِبُ الِانْزِجارَ مِن دُعائِهِمْ حَتّى تَرَكَ دَعْوَتَهم وعَدَلَ عَنِ الدُّعاءِ إلى الإيمانِ إلى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، ولَوْ قالَ: زَجَرُوهُ ما كانَ يُفِيدُ أنَّهُ تَأذّى مِنهم؛ لِأنَّ في السَّعَةِ يُقالُ: آذَوْنِي ولَكِنْ ما تَأذَّيْتُ، وأمّا أُوذِيتُ فَهو كاللّازِمِ لا يُقالُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ الفِعْلِ لا قَبْلَهُ، ومِنهم مَن قالَ: ﴿وازْدُجِرَ﴾ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ أيْ: هم قالُوا: ازْدُجِرَ، تَقْدِيرُهُ قالُوا: مَجْنُونٌ مُزْدَجَرٌ، ومَعْناهُ: ازْدَجَرَهُ الجِنُّ أوْ كَأنَّهم قالُوا: جُنَّ وازْدُجِرَ، والأوَّلُ أصَحُّ ويُتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.

54:11Page 529

فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ ١١

Then We opened the gates of the heaven with rain pouring down

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ تَرْتِيبًا في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّهم لَمّا زَجَرُوهُ وانْزَجَرَ هو عَنْ دُعائِهِمْ دَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”إنِّي“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ دُعاءٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ، وبِالفَتْحِ عَلى مَعْنى بِأنِّي.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما مَعْنى مَغْلُوبٌ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: غَلَبَنِي الكُفّارُ فانْتَصِرْ لِي مِنهم.

الثّانِي: غَلَبَتْنِي نَفْسِي وحَمَلَتْنِي عَلى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ فانْتَصِرْ لِي مِن نَفْسِي، وهَذا الوَجْهُ نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو ضَعِيفٌ.

الثّالِثُ: وجْهٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الوَجْهَيْنِ وهو أحْسَنُ مِنهُما، وهو أنْ يُقالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَدْعُو عَلى قَوْمِهِ ما دامَ في نَفْسِهِ احْتِمالٌ وحِلْمٌ، واحْتِمالُ نَفْسِهِ يَمْتَدُّ ما دامَ الإيمانُ مِنهم مُحْتَمَلًا، ثُمَّ إنَّ بَأْسَهُ يَحْصُلُ والِاحْتِمالَ يَفِرُّ بَعْدَ اليَأْسِ بِمُدَّةٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣]، ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] وقالَ تَعالى: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] فَقالَ نُوحٌ: يا إلَهِي إنَّ نَفْسِي غَلَبَتْنِي وقَدْ أمَرَتْنِي بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ فَأهْلِكْهم. فَيَكُونُ مَعْناهُ [إنِّي] مَغْلُوبٌ بِحُكْمِ البَشَرِيَّةِ أيْ غُلِبْتُ وعِيلَ صَبْرِي فانْتَصِرْ لِي مِنهم لا مِن نَفْسِي.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ”فانْتَصِرْ“ مَعْناهُ انْتَصِرْ لِي أوْ لِنَفْسِكَ فَإنَّهم كَفَرُوا بِكَ وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: فانْتَصِرْ لِي مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ مَغْلُوبٌ.

ثانِيها: فانْتَصِرْ لَكَ ولِدِينِكَ فَإنِّي غُلِبْتُ وعَجَزْتُ عَنِ الِانْتِصارِ لِدِينِكَ.

ثالِثُها: فانْتَصِرْ لِلْحَقِّ ولا يَكُونُ فِيهِ ذِكْرُهُ ولا ذِكْرُ رَبِّهِ، وهَذا يَقُولُهُ قَوِيُّ النَّفْسِ بِكَوْنِ الحَقِّ مَعَهُ، يَقُولُ القائِلُ: اللَّهُمَّ أهْلِكِ الكاذِبَ مِنّا، وانْصُرِ المُحِقَّ مِنّا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ عَقِيبَ دُعائِهِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ الفَتْحِ والأبْوابِ والسَّماءِ حَقائِقُها أوْ هو مَجازٌ ؟ نَقُولُ: فِيهِ قَوْلانِ أحَدُهُما: حَقائِقُها ولِلسَّماءِ أبْوابٌ تُفْتَحُ وتُغْلَقُ ولا اسْتِبْعادَ فِيهِ. وثانِيهِما: هو عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ الماءَ كانَ مِنَ السَّحابِ، وعَلى هَذا فَهو كَما يَقُولُ القائِلُ في المَطَرِ الوابِلِ جَرَتْ مَيازِيبُ السَّماءِ، وفُتِحَ أفْواهُ القِرَبِ أيْ: كَأنَّهُ ذَلِكَ، فالمَطَرُ في الطُّوفانِ كانَ بِحَيْثُ يَقُولُ القائِلَ: فُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ، ولا شَكَّ أنَّ المَطَرَ مِن فَوْقُ كانَ في غايَةِ الهَطَلانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَتَحْنا﴾ بَيانُ أنَّ اللَّهَ انْتَصَرَ مِنهم وانْتَقَمَ بِماءٍ لا بِجُنْدٍ أنْزَلَهُ، كَما قالَ

صفحة ٣٤

تَعالى: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٢٨، ٢٩] بَيانًا لِكَمالِ القُدْرَةِ، ومِنَ العَجِيبِ أنَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ المَطَرَ سِنِينَ فَأهْلَكَهم بِمَطْلُوبِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ما وجْهُهُ، وكَيْفَ مَوْقِعُهُ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: كَما هي في قَوْلِ القائِلِ: فَتَحْتُ البابَ بِالمِفْتاحِ وتَقْدِيرُهُ هو أنْ يَجْعَلَ كَأنَّ الماءَ جاءَ وفَتَحَ البابَ، وعَلى هَذا تَفْسِيرُ قَوْلِ مَن يَقُولُ: يَفْتَحُ اللَّهُ لَكِ بِخَيْرٍ، أيْ يُقَدِّرُ خَيْرًا يَأْتِي ويَفْتَحُ البابَ، وعَلى هَذا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ وهي مِن بَدائِعِ المَعانِي، وهي أنْ يُجْعَلَ المَقْصُودُ مُقَدَّمًا في الوُجُودِ، ويَقُولُ: كَأنَّ مَقْصُودَكَ جاءَ إلى بابٍ مُغْلَقٍ فَفَتَحَهُ وجاءَكَ، وكَذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ: لَعَلَّ اللَّهَ يَفْتَحُ بِرِزْقٍ، أيْ يُقَدِّرُ رِزْقًا يَأْتِي إلى البابِ الَّذِي كالمُغْلَقِ فَيَدْفَعُهُ ويَفْتَحُهُ، فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ فَتَحَهُ بِالرِّزْقِ.

ثانِيهُما: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ مَقْرُونَةٌ ﴿بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ والِانْهِمارُ الِانْسِكابُ والِانْصِبابُ صَبًّا شَدِيدًا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ المَطَرَ يَخْرُجُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي السَّحابُ خُرُوجَ مُتَرَشِّحٍ مِن ظَرْفِهِ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ كانَ يَخْرُجُ خُرُوجَ مُرْسَلٍ خارِجٍ مِن بابٍ.

54:12Page 529

وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ ١٢

And caused the earth to burst with springs, and the waters met for a matter already predestined.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ وفِيهِ مِنَ البَلاغَةِ ما لَيْسَ في قَوْلِ القائِلِ: وفَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ، وهَذا بَيانُ التَّمْيِيزِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ، إذا قُلْتَ: ضاقَ زَيْدٌ ذَرْعًا، أثْبَتَ ما لا يُثْبِتُهُ قَوْلُكَ ضاقَ ذَرْعُ زَيْدٍ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ ولَمْ يَقُلْ فَفَتَحْنا السَّماءَ أبْوابًا؛ لِأنَّ السَّماءَ أعْظَمُ مِنَ الأرْضِ وهي لِلْمُبالَغَةِ، ولِهَذا قالَ: ﴿أبْوابَ السَّماءِ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أنابِيبُ ولا مَنافِذُ ولا مَجارِي أوْ غَيْرُها.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: وفَجَّرْنا عُيُونَ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ حَقِيقَةً لا مُبالَغَةَ فِيهِ، ويَكْفِي في صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ أنْ يَجْعَلَ في الأرْضِ عُيُونًا ثَلاثَةً، ولا يَصْلُحُ مَعَ هَذا في السَّماءِ إلّا قَوْلُ القائِلِ: فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً أوْ مِياهًا، ومِثْلُ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ في المَعْنى لا في المُعْجِزَةِ، والحِكْمَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] حَيْثُ لا مُبالَغَةَ فِيهِ، وكَلامُهُ لا يُماثِلُ كَلامَ اللَّهِ ولا يَقْرُبُ مِنهُ، غَيْرَ أنِّي ذَكَرْتُهُ مَثَلًا: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العُيُونُ في عُيُونِ الماءِ حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ ؟ نَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّ لَفْظَ العَيْنِ مُشْتَرَكٌ، والظّاهِرُ أنَّها حَقِيقَةٌ في العَيْنِ الَّتِي هي آلَةُ الإبْصارِ ومَجازٌ في غَيْرِها، أمّا في عُيُونِ الماءِ فَلِأنَّها تُشْبِهُ العَيْنَ الباصِرَةَ الَّتِي يَخْرُجُ مِنها الدَّمْعُ، أوْ لِأنَّ الماءَ الَّذِي في العَيْنِ كالنُّورِ الَّذِي في العَيْنِ غَيْرَ أنَّها مَجازٌ مَشْهُورٌ صارَ غالِبًا حَتّى لا يَفْتَقِرَ إلى القَرِينَةِ عِنْدَ الِاسْتِعْمالِ إلّا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ العَيْنَيْنِ، فَكَما لا يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلى العَيْنِ الباصِرَةِ إلّا بِقَرِينَةٍ، كَذَلِكَ لا يُحْمَلُ عَلى الفَوّارَةِ إلّا بِقَرِينَةٍ مِثْلِ: شَرِبْتُ مِنَ العَيْنِ واغْتَسَلْتُ مِنها وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُوجَدُ في اليَنْبُوعِ، ويُقالُ: عانَهُ يَعِينُهُ إذا أصابَهُ بِالعَيْنِ، وعَيَّنَهُ تَعْيِينًا، حَقِيقَتُهُ جَعَلَهُ بِحَيْثُ تَقَعُ عَلَيْهِ العَيْنُ، وعايَنَهُ مُعايِنَةً وعِيانًا، وعَيَّنَ أيْ صارَ بِحَيْثُ تَقَعُ عَلَيْهِ العَيْنُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالتَقى الماءُ﴾ قُرِئَ ”فالتَقى الماءانِ“ أيِ النَّوْعانِ مِنهُ: ماءُ السَّماءِ وماءُ

صفحة ٣٥

الأرْضِ، فَتُثَنّى أسْماءُ الأجْناسِ عَلى تَأْوِيلِ صِنْفٍ، وتُجْمَعُ أيْضًا، يُقالُ: عِنْدِي تَمْرانِ وتُمُورٌ وأتْمارٌ عَلى تَأْوِيلِ نَوْعَيْنِ وأنْواعٍ مِنهُ. والصَّحِيحُ المَشْهُورُ: ﴿فالتَقى الماءُ﴾ ولَهُ مَعْنًى لَطِيفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ ذَكَرَ الماءَ وذَكَرَ الِانْهِمارَ وهو النُّزُولُ بِقُوَّةٍ، فَلَمّا قالَ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ كانَ مِنَ الحُسْنِ البَدِيعِ أنْ يَقُولَ: ما يُفِيدُ أنَّ الماءَ نَبَعَ مِنها بِقُوَّةٍ، فَقالَ: ﴿فالتَقى الماءُ﴾ أيْ: فارَ الماءُ مِنَ العَيْنِ بِقُوَّةٍ حَتّى ارْتَفَعَ والتَقى بِماءِ السَّماءِ، ولَوْ جَرى جَرْيًا ضَعِيفًا لَما كانَ هو يَلْتَقِي مَعَ ماءِ السَّماءِ بَلْ كانَ ماءُ السَّماءِ يَرِدُ عَلَيْهِ ويَتَّصِلُ بِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] مَثَلُ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: عَلى حالٍ قَدْ قَدَّرَها اللَّهُ تَعالى كَما شاءَ.

الثّانِي: عَلى حالِ قَدَّرَ أحَدَ الماءَيْنِ بِقَدْرِ الآخَرِ.

الثّالِثُ: عَلى سائِرِ المَقادِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن قالَ: ماءُ السَّماءِ كانَ أكْثَرَ، ومِنهم مَن قالَ: ماءُ الأرْضِ، ومِنهم مَن قالَ: كانا مُتَساوِيَيْنِ، فَقالَ: عَلى أيِّ مِقْدارٍ كانَ، والأوَّلُ إشارَةٌ إلى عَظَمَةِ أمْرِ الطُّوفانِ، فَإنَّ تَنْكِيرَ الأمْرِ يُفِيدُ ذَلِكَ، يَقُولُ القائِلُ: جَرى عَلى فُلانٍ شَيْءٌ لا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ، إشارَةً إلى عَظَمَتِهِ، وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ، وهو أنْ يُقالَ: التَقى الماءُ، أيِ اجْتَمَعَ عَلى أمْرِ هَلاكِهِمْ، وهو كانَ مَقْدُورًا مُقَدَّرًا، وفِيهِ رَدٌّ عَلى المُنَجِّمِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الطُّوفانَ كانَ بِسَبَبِ اجْتِماعِ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ حَوْلَ بُرْجٍ مائِيٍّ، والغَرَقُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا بِالذّاتِ، وإنَّما ذَلِكَ أمْرٌ لَزِمَ مِنَ الطُّوفانِ الواجِبِ وُقُوعُهُ، فَقالَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا لِأمْرٍ قَدْ قُدِرَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى نُوحٍ بِأنَّهم مِنَ المُغْرَقِينَ.

54:13Page 529

وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ ١٣

And We carried him on a [construction of] planks and nails,

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: سَفِينَةٍ، حَذَفَ المَوْصُوفَ وأقامَ الصِّفَةَ مَقامَهُ، إشارَةً إلى أنَّها كانَتْ مِن ألْواحٍ مُرَكَّبَةٍ مُوثَّقَةٍ بِدُسُرٍ، وكانَ انْفِكاكُها في غايَةِ السُّهُولَةِ، ولَمْ يَقَعْ فَهو بِفَضْلِ اللَّهِ، والدُّسُرُ المَسامِيرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي﴾ أيْ: سَفِينَةٌ ذاتُ ألْواحٍ جارِيَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأعْيُنِنا﴾ أيْ بِمَرْأى مِنّا أوْ بِحِفْظِنا؛ لِأنَّ العَيْنَ آلَةُ ذَلِكَ فَتُسْتَعْمَلُ فِيهِ.

54:14Page 529

تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا جَزَآءٗ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ١٤

Sailing under Our observation as reward for he who had been denied.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءً لِمَن كانَ كُفِرَ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وحَمَلْناهُ﴾ أيْ حَمَلْناهُ جَزاءً، أيْ لِيَكُونَ ذَلِكَ الحَمْلُ جَزاءَ الصَّبْرِ عَلى كُفْرانِهِمْ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى حِفْظِنا، أيْ: ما تَرَكْناهُ عَنْ أعْيُنِنا وعَوْنِنا جَزاءً لَهُ.

ثالِثُها: أنْ يَكُونَ بِفِعْلٍ حاصِلٍ مِن مَجْمُوعِ ما ذَكَرَهُ كَأنَّهُ قالَ: فَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا وحَمَلْناهُ، وكُلُّ ذَلِكَ فَعَلْناهُ جَزاءً لَهُ، وإنَّما ذَكَرْنا هَذا؛ لِأنَّ الجَزاءَ ما كانَ يَحْصُلُ إلّا بِحِفْظِهِ وإنْجائِهِ لَهم، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ”جَزاءً“ مَنصُوبًا بِكَوْنِهِ مَفْعُولًا لَهُ بِهَذِهِ الأفْعالِ، ولِنَذْكُرْ ما فِيهِ مِنَ اللَّطائِفِ في مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في السَّماءِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ﴾ لِأنَّ السَّماءَ ذاتُ الرَّجْعِ وما لَها فُطُورٌ، ولَمْ يَقُلْ: وشَقَقْنا السَّماءَ، وقالَ في الأرْضِ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ﴾ لِأنَّها ذاتُ الصَّدْعِ.

صفحة ٣٦

الثّانِيَةُ: لَمّا جُعِلَ المَطَرُ كالماءِ الخارِجِ مِن أبْوابٍ مَفْتُوحَةٍ واسِعَةٍ، ولَمْ يَقُلْ في الأرْضِ وأجْرَيْنا مِنَ الأرْضِ بِحارًا وأنْهارًا، بَلْ قالَ: ﴿عُيُونًا﴾ والخارِجُ مِنَ العَيْنِ دُونَ الخارِجِ مِنَ البابِ ذَكَرَ في الأرْضِ أنَّهُ تَعالى فَجَّرَها كُلَّها، فَقالَ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ﴾ لِتُقابِلَ كَثْرَةُ عُيُونِ الأرْضِ سَعَةَ أبْوابِ السَّماءِ فَيَحْصُلُ بِالكَثْرَةِ هاهُنا ما حَصَلَ بِالسَّعَةِ هاهُنا.

الثّالِثَةُ: ذَكَرَ عِنْدَ الغَضَبِ سَبَبَ الإهْلاكِ وهو فَتْحُ أبْوابِ السَّماءِ وفَجَّرَ الأرْضَ بِالعُيُونِ، وأشارَ إلى الإهْلاكِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أيْ: أمْرِ الإهْلاكِ ولَمْ يُصَرِّحْ، وعِنْدَ الرَّحْمَةِ ذَكَرَ الإيحاءَ صَرِيحًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَمَلْناهُ﴾ وأشارَ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذاتِ ألْواحٍ﴾ وكَذَلِكَ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَأُهْلِكُوا، وقالَ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ فَصَرَّحَ بِالإنْجاءِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِالإهْلاكِ إشارَةً إلى سَعَةِ الرَّحْمَةِ وغايَةِ الكَرَمِ، أيْ: خَلَقْنا سَبَبَ الهَلاكِ ولَوْ رَجَعُوا لَما ضَرَّهم ذَلِكَ السَّبَبُ كَما قالَ ﷺ: ﴿يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ [هود: ٤٢] وعِنْدَ الإنْجاءِ أنْجاهُ وجَعَلَ لِلنَّجاةِ طَرِيقًا وهو اتِّخاذُ السَّفِينَةِ ولَوِ انْكَسَرَتْ لَما ضَرَّهُ بَلْ كانَ يُنْجِيهِ، فالمَقْصُودُ عِنْدَ الإنْجاءِ هو النَّجاةُ، فَذَكَرَ المَحَلَّ، والمَقْصُودُ عِنْدَ الإهْلاكِ إظْهارُ البَأْسِ فَذَكَرَ السَّبَبَ صَرِيحًا.

الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أبْلَغُ مِن حِفْظِنا، يَقُولُ القائِلُ: اجْعَلْ هَذا نُصْبَ عَيْنِكَ ولا يَقُولُ: احْفَظْهُ طَلَبًا لِلْمُبالَغَةِ.

الخامِسَةُ: ﴿بِأعْيُنِنا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِحِفْظِنا، ولِهَذا يُقالُ: الرُّؤْيَةُ لِسانُ العَيْنِ.

السّادِسَةُ: قالَ: كانَ ذَلِكَ جَزاءً عَلى ما كَفَرُوا بِهِ لا عَلى إيمانِهِ وشُكْرِهِ فَما جُوزِيَ بِهِ كانَ جَزاءَ صَبْرِهِ عَلى كُفْرِهِمْ، وأمّا جَزاءُ شُكْرِهِ لَنا فَباقٍ، وقُرِئَ: ”جِزاءً“ بِكَسْرِ الجِيمِ أيْ: مُجازاةً كَقِتالٍ ومُقاتَلَةٍ وقُرِئَ: ”لِمَن كانَ كَفَرَ“ بِفَتْحِ الكافِ، وأمّا: ﴿كُفِرَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ كُفِرَ مِثْلَ شُكِرَ يُعَدّى بِالحَرْفِ وبِغَيْرِ حَرْفٍ يُقالُ: شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، قالَ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وقالَ تَعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] .

ثانِيهِما: أنْ يَكُونَ مِنَ الكُفْرِ لا مِنَ الكُفْرانِ أيْ: جَزاءً لِمَن سُتِرَ أمْرُهُ وأُنْكِرَ شَأْنُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: كُفِرَ بِهِ وتُرِكَ لِظُهُورِ المُرادِ.

54:15Page 529

وَلَقَد تَّرَكۡنَٰهَآ ءَايَةٗ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٥

And We left it as a sign, so is there any who will remember?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ وفي العائِدِ إلَيْهِ الضَّمِيرُ وجْهانِ.

أحَدُهُما: عائِدٌ إلى مَذْكُورٍ وهو السَّفِينَةُ الَّتِي فِيها ألْواحٌ، وعَلى هَذا فَفِيهِ وجْهانِ.

أحَدُهُما: تَرَكَ اللَّهُ عَيْنَها مُدَّةً حَتّى رُؤِيَتْ وعُلِمَتْ وكانَتْ عَلى الجُودِيِّ بِالجَزِيرَةِ، وقِيلَ بِأرْضِ الهِنْدِ.

وثانِيهِما: تُرِكَ مَثَلُها في النّاسِ يُذْكَرُ. وثانِي الوَجْهَيْنِ الأوَّلِينَ أنَّهُ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ أيْ: تَرَكْنا السَّفِينَةَ آيَةً، والأوَّلُ أظْهَرُ وعَلى هَذا الوَجْهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: ﴿تَرَكْناها﴾ أيْ جَعَلْناها آيَةً؛ لِأنَّها بَعْدَ الفَراغِ مِنها صارَتْ مَتْرُوكَةً ومَجْعُولَةً، يَقُولُ القائِلُ: تَرَكْتُ فُلانًا مَثُلَةً أيْ جَعَلْتُهُ، لَمّا بَيَّنّا أنَّهُ مِن فَرَغَ مِن أمْرٍ تَرَكَهُ وجَعَلَهُ فَذَكَرَ أحَدَ الفِعْلَيْنِ بَدَلًا عَنِ الآخَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ مِن جانِبِ الرُّسُلِ قَدْ تَمَّ ولَمْ يَبْقَ إلّا جانِبُ المُرْسَلِ

صفحة ٣٧

إلَيْهِمْ بِأنْ كانُوا مُنْذَرِينَ مُتَفَكِّرِينَ يَهْتَدُونَ بِفَضْلِ اللَّهِ ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ مُهْتَدٍ، وهَذا الكَلامُ يَصْلُحُ حَثًّا ويَصْلُحُ تَخْوِيفًا وزَجْرًا، وفِيهِ مَسائِلُ:

الأُولى: قالَ هاهُنا ﴿ولَقَدْ تَرَكْناها﴾ وقالَ في العَنْكَبُوتِ: ﴿وجَعَلْناها آيَةً﴾ [العنكبوت: ١٥] قُلْنا هُما وإنْ كانا في المَعْنى واحِدًا عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ لَكِنَّ لَفْظَ التَّرْكِ يَدُلُّ عَلى الجَعْلِ والفَراغِ بِالأيّامِ فَكَأنَّها هُنا مَذْكُورَةٌ بِالتَّفْصِيلِ حَيْثُ بَيَّنَ الإمْطارَ مِنَ السَّماءِ وتَفْجِيرَ الأرْضِ وذَكَرَ السَّفِينَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ وذَكَرَ جَرْيَها فَقالَ: ﴿تَرَكْناها﴾ إشارَةً إلى تَمامِ الفِعْلِ المَقْدُورِ وقالَ هُناكَ: ﴿وجَعَلْناها﴾ إشارَةً إلى بَعْضِ ذَلِكَ، فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكَيْفَ قالَ هاهُنا: ﴿وحَمَلْناهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وأصْحابَهُ وقالَ هُناكَ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥] ؟ نَقُولُ: النَّجاةُ هاهُنا مَذْكُورَةٌ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ مِمّا ذَكَرَهُ هُناكَ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: حِفْظِنا وحِفْظُ السَّفِينَةِ حِفْظٌ لِأصْحابِهِ وحِفْظٌ لِأمْوالِهِمْ ودَوابِّهِمْ والحَيَواناتِ الَّتِي مَعَهم فَقَوْلُهُ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ لا يَلْزَمُ مِنهُ إنْجاءُ الأمْوالِ إلّا بِبَيانٍ آخَرَ والحِكايَةُ في سُورَةِ هُودٍ أشَدُّ تَفْصِيلًا وأتَمُّ فَلِهَذا قالَ: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠] يَعْنِي المَحْمُولَ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] تَصْرِيحًا بِخَلاصِ السَّفِينَةِ وإشارَةً إلى خَلاصِ كُلِّ مَن فِيها وقَوْلُهُ: ﴿آيَةً﴾ مَنصُوبَةٌ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ لِلتَّرْكِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الجَعْلِ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ وهو الظّاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: حالٌ فَإنَّكَ تَقُولُ: تَرَكْتُها وهي آيَةٌ وهي إنْ لَمْ تَكُنْ عَلى وزْنِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ فَهي في مَعْناهُ كَأنَّهُ قالَ: تَرَكْناها دالَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: نَصْبُها عَلى التَّمْيِيزِ؛ لِأنَّها بَعْضُ وُجُوهِ التِّرْكِ كَقَوْلِهِ ضَرَبْتُهُ سَوْطًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿مُدَّكِرٍ﴾ مُفْتَعِلٌ مِن ذَكَرَ يَذْكُرُ وأصْلُهُ مُذْتَكِرٌ، لَمّا كانَ مَخْرَجُ الذّالِ قَرِيبًا مِن مَخْرَجِ التّاءِ، والحُرُوفُ المُتَقارِبَةُ المَخْرَجِ يَصْعُبُ النُّطْقُ بِها عَلى التَّوالِي ولِهَذا إذا نَظَرْتَ إلى الذّالِ مَعَ التّاءِ عِنْدَ النُّطْقِ تَقْرُبُ الذّالُ مِن أنْ تَصِيرَ تاءً والتّاءُ تَقْرُبُ مِن أنْ تَصِيرَ دالًا فَجُعِلَ التّاءُ دالًا ثُمَّ أُدْغِمَتِ الدّالُ فِيها ومِنهم مَن قَرَأ عَلى الأصْلِ مُذْتَكِرٌ، ومِنهم مَن قَلَبَ التّاءَ دالًا وقَرَأ مُذْدَكِرٌ ومِنَ اللُّغَوِيِّينَ مَن يَقُولُ في مُدَّكِرٍ مُذْدَكِرٌ فَيَقْلِبُ التّاءَ ولا يُدْغِمُ ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ، والمُدَّكِرُ المُعْتَبِرُ المُتَفَكِّرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿مُدَّكِرٍ﴾ إمّا إشارَةٌ إلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] أيْ: هَلْ مَن يَتَذَكَّرُ تِلْكَ الحالَةَ وإمّا إلى وُضُوحِ الأمْرِ كَأنَّهُ حَصَلَ لِلْكُلِّ آياتُ اللَّهِ ونَسُوها ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ يَتَذَكَّرُ شَيْئًا مِنها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском