Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ar-Rahman 55:10–14
55:10–11Page 531
وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ ١٠
And the earth He laid [out] for the creatures.
فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ ١١
Therein is fruit and palm trees having sheaths [of dates]
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلْأنامِ﴾ فِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: هو أنَّهُ قَدْ مَرَّ أنَّ تَقْدِيمَ الِاسْمِ عَلى الفِعْلِ كانَ في مَواضِعِ عَدَمِ الِاخْتِصاصِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْأنامِ﴾ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، فَإنَّ اللّامَ لِعَوْدِ النَّفْعِ. نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما قِيلَ: إنَّ الأنامَ يَجْمَعُ الإنْسانَ وغَيْرَهُ مِنَ الحَيَوانِ، فَقَوْلُهُ ﴿لِلْأنامِ﴾ لا يُوجِبُ الِاخْتِصاصَ بِالإنْسانِ. ثانِيهِما: أنَّ الأرْضَ مَوْضُوعَةٌ لِكُلِّ ما عَلَيْها، وإنَّما خَصَّ الإنْسانَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ انْتِفاعَهُ بِها أكْثَرُ فَإنَّهُ يَنْتَفِعُ بِها وبِما فِيها وبِما عَلَيْها، فَقالَ ﴿لِلْأنامِ﴾ لِكَثْرَةِ انْتِفاعِ الأنامِ بِها، إذا قُلْنا إنَّ الأنامَ هو الإنْسانُ، وإنْ قُلْنا إنَّهُ الخَلْقُ فالخَلْقُ يُذْكَرُ ويُرادُ بِهِ الإنْسانَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ إشارَةٌ إلى الأشْجارِ، وقَوْلُهُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ﴾ [الرحمن: ١٢] إشارَةٌ إلى النَّباتِ الَّذِي لَيْسَ بِشَجَرٍ. والفاكِهَةُ ما تَطِيبُ بِهِ النَّفْسُ، وهي فاعِلَةٌ إمّا عَلى طَرِيقَةِ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧] أيْ ذاتُ رِضًى يَرْضى بِها كُلُّ أحَدٍ، وإمّا عَلى تَسْمِيَةِ الآلَةِ بِالفاعِلِ يُقالُ: راوِيَةٌ لِلْقِرْبَةِ الَّتِي يُرْوى بِها العَطْشانُ، وفِيهِ مَعْنى المُبالَغَةِ كالرّاحِلَةِ لِما يُرْحَلُ عَلَيْهِ، ثُمَّ صارَ اسْمًا لِبَعْضِ الثِّمارِ وُضِعَتْ أوَّلًا مِن غَيْرِ اشْتِقاقِ، والتَّنْكِيرُ لِلْتَكْثِيرِ، أيْ كَثِيرَةٌ كَما يُقالُ لِفُلانٍ مالٌ أيْ عَظِيمٌ، وقَدْ ذَكَرْنا وجْهَ دَلالَةِ التَّنْكِيرِ عَلى التَّعْظِيمِ. وهو أنَّ القائِلَ كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّهُ عَظِيمٌ لا يُحِيطُ بِهِ مَعْرِفَةُ كُلِّ أحَدٍ فَتَنْكِيرُهُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ خارِجٌ عَنْ أنْ يُعْرَفَ كُنْهُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ إشارَةٌ إلى النَّوْعِ الآخَرِ مِنَ الأشْجارِ، لِأنَّ الأشْجارَ المُثْمِرَةَ أفْضَلُ الأشْجارِ وهي مُنْقَسِمَةٌ إلى أشْجارِ ثِمارٍ هي فَواكِهُ لا يُقْتاتُ بِها وإلى أشْجارِ ثِمارٍ هي قُوتٌ وقَدْ يُتَفَكَّهُ بِها، كَما أنَّ الفاكِهَةَ قَدْ يُقْتاتُ بِها، فَإنَّ الجائِعَ إذا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ الفَواكِهِ يَتَقَوَّتُ بِها ويَأْكُلُ غَيْرَ مُتَفَكِّهٍ بِها، وفِيهِ مَباحِثُ:
صفحة ٨٣
الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ الفاكِهَةِ عَلى القُوتِ ؟ نَقُولُ: هو بابُ الِابْتِداءِ بِالأدْنى والِارْتِقاءِ إلى الأعْلى، والفاكِهَةُ في النَّفْعِ دُونَ النَّخْلِ الَّذِي مِنهُ القُوتُ، والتَّفَكُّهُ وهو دُونَ الحَبِّ الَّذِي عَلَيْهِ المَدارُ في سائِرِ المَواضِعِ، وبِهِ يَتَغَذّى الأنامُ في جَمِيعِ البِلادِ، فَبَدَأ بِالفاكِهَةِ ثُمَّ ذَكَرَ النَّخْلَ ثُمَّ ذَكَرَ الحَبَّ الَّذِي هو أتَمُّ نِعْمَةٍ لِمُوافَقَتِهِ مِزاجَ الإنْسانِ، ولِهَذا خَلَقَهُ اللَّهُ في سائِرِ البِلادِ وخَصَّصَ النَّخْلَ بِالبِلادِ الحارَّةِ.
البَحْثُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في تَنْكِيرِ الفاكِهَةِ وتَعْرِيفِ النَّخْلِ ؟ وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ القُوتَ مُحْتاجٌ إلَيْهِ في كُلِّ زَمانٍ مُتَداوَلٌ في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ، فَهو أعْرَفُ والفاكِهَةُ تَكُونُ في بَعْضِ الأزْمانِ وعِنْدَ بَعْضِ الأشْخاصِ.
وثانِيها: هو أنَّ الفاكِهَةَ عَلى ما بَيَّنّا ما يُتَفَكَّهُ بِهِ وتَطِيبُ بِهِ النَّفْسُ، وذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ بِحَسَبِ كُلِّ وقْتٍ شَيْءٌ، فَمَن غَلَبَ عَلَيْهِ حَرارَةٌ وعَطَشٌ، يُرِيدُ التَّفَكُّهَ بِالحامِضِ وأمْثالِهِ، ومِنَ النّاسِ مَن يُرِيدُ التَّفَكُّهَ بِالحُلْوِ وأمْثالِهِ، فالفاكِهَةُ غَيْرُ مُتَعَيِّنَةٍ فَنَكَّرَها والنَّخْلُ والحَبُّ مُعْتادانِ مَعْلُومانِ فَعَرَّفَهُما.
وثالِثُها: النَّخْلُ وحْدَها نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ تَعَلَّقَتْ بِها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ، وأمّا الفاكِهَةُ فَنَوْعٌ مِنها كالخَوْخِ والإجّاصِ مَثَلًا لَيْسَ فِيهِ عَظِيمُ النِّعْمَةِ كَما في النَّخْلِ، فَقالَ: (فاكِهَةٌ) بِالتَّنْكِيرِ لَيَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ وقَدْ صَرَّحَ بِالكَثْرَةِ في مَواضِعَ أُخَرَ، فَقالَ: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [ص: ٥١] وقالَ: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢، ٣٣]، فالفاكِهَةُ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى ووَصَفَها بِالكَثْرَةِ صَرِيحًا وذَكَرَها مُنَكَّرَةً، لِتُحْمَلَ عَلى أنَّها مَوْصُوفَةٌ بِالكَثْرَةِ اللّائِقَةِ بِالنِّعْمَةِ في النَّوْعِ الواحِدِ مِنها بِخِلافِ النَّخْلِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: ما الحِكْمَةُ في ذِكْرِ الفاكِهَةِ بِاسْمِها لا بِاسْمِ أشْجارِها، وذِكْرِ النَّخْلِ بِاسْمِها لا بِاسْمِ ثَمَرِها ؟ نَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ: (يس) حَيْثُ قالَ تَعالى: ﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ [يس: ٣٤] وهو أنَّ شَجَرَةَ العِنَبِ، وهي الكَرْمُ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها وهي العِنَبُ حَقِيرَةٌ، وشَجَرَةُ النَّخْلِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثَمَرَتِها عَظِيمَةٌ، وفِيها مِنَ الفَوائِدِ الكَثِيرَةِ عَلى ما عُرِفَ مِنَ اتِّخاذِ الظُّرُوفِ مِنها والِانْتِفاعِ بِجُمّارِها وبِالطَّلْعِ والبُسْرِ والرُّطَبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَثَمَرَتُها في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كَأنَّها ثَمَراتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَهي أتَمُّ نِعْمَةً بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ مِنَ الأشْجارِ، فَذَكَرَ النَّخْلَ بِاسْمِهِ وذَكَرَ الفاكِهَةَ دُونَ أشْجارِها، فَإنَّ فَوائِدَ أشْجارِها في عَيْنِ ثِمارِها.
البَحْثُ الرّابِعُ: ما مَعْنى: ﴿ذاتُ الأكْمامِ﴾ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: الأكْمامُ كُلُّ ما يُغَطِّي، جَمْعُ كُمٍّ بِضَمِّ الكافِ، ويَدْخُلُ فِيهِ لِحاؤُها ولِيفُها ونَواها والكُلُّ مُنْتَفَعٌ بِهِ، كَما أنَّ النَّخْلَ مُنْتَفَعٌ بِها وأغْصانِها وقَلْبِها الَّذِي هو الجُمّارُ.
ثانِيهِما: الأكْمامُ جَمْعُ كِمٍّ بِكَسْرِ الكافِ وهو وِعاءُ الطَّلْعِ فَإنَّهُ يَكُونُ أوَّلًا في وِعاءٍ فَيَنْشَقُّ ويَخْرُجُ مِنهُ الطَّلْعُ، فَإنْ قِيلَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: ﴿ذاتُ الأكْمامِ﴾ في ذِكْرِها فائِدَةٌ لِأنَّها إشارَةٌ إلى أنْواعِ النِّعَمِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَما فائِدَةُ ذِكْرِها ؟ نَقُولُ: الإشارَةُ إلى سُهُولَةِ جَمْعِها والِانْتِفاعِ بِها فَإنَّ النَّخْلَةَ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ لا يُمْكِنُ هَزُّها لِتَسْقُطَ مِنها الثَّمَرَةُ فَلا بُدَّ مِن قَطْفِ الشَّجَرَةِ فَلَوْ كانَ مِثْلَ الجُمَّيْزِ الَّذِي يُقالُ: إنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الشَّجَرَةِ مُتَفَرِّقًا واحِدَةً واحِدَةً لَصَعُبَ قِطافُها، فَقالَ: ﴿ذاتُ الأكْمامِ﴾ أيْ يَكُونُ في كِمٍّ شَيْءٌ كَثِيرٌ إذا أُخِذَ عُنْقُودٌ واحِدٌ مِنهُ كَفى رَجُلًا واثْنَيْنِ كَعَناقِيدِ العِنَبِ، فانْظُرْ إلَيْها فَلَوْ كانَ العِنَبُ حَبّاتُها في الأشْجارِ مُتَفَرِّقَةٌ كالجُمَّيْزِ والزُّعْرُورِ لَمْ يُمْكِنْ جَمْعُهُ بِالهَزِّ مَتى أُرِيدَ جَمْعُهُ، فَخَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَناقِيدَ مُجْتَمِعَةً، كَذَلِكَ الرُّطَبُ فَكَوْنُها ﴿ذاتُ الأكْمامِ﴾ مِن جُمْلَةِ إتْمامِ الإنْعامِ.
صفحة ٨٤
55:12–13Page 531
وَٱلۡحَبُّ ذُو ٱلۡعَصۡفِ وَٱلرَّيۡحَانُ ١٢
And grain having husks and scented plants.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣
So which of the favors of your Lord would you deny?1
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ اقْتَصَرَ مِنَ الأشْجارِ عَلى النَّخْلِ لِأنَّها أعْظَمُها ودَخَلَ في الحَبِّ القَمْحُ والشَّعِيرُ وكُلُّ حَبٍّ يُقْتاتُ بِهِ خُبْزًا أوْ يُؤْدَمُ بِهِ بَيَّنّا أنَّهُ أخَّرَهُ في الذِّكْرِ عَلى سَبِيلِ الِارْتِقاءِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً، فالحُبُوبُ أنْفَعُ مِنَ النَّخْلِ وأعَمُّ وُجُودًا في الأماكِنِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُو العَصْفِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: التِّبْنُ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ دَوابُّنا الَّتِي خُلِقَتْ لَنا.
ثانِيها: أوْراقُ النَّباتِ الَّذِي لَهُ ساقٌ الخارِجَةُ مِن جَوانِبِ السّاقِ كَأوْراقِ السُّنْبُلَةِ مِن أعْلاها إلى أسْفَلِها.
ثالِثُها: العَصْفُ هو ورَقُ ما يُؤْكَلُ فَحَسْبُ، ﴿والرَّيْحانُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ، قِيلَ: ما يُشَمُّ وقِيلَ: الوَرَقُ، وقِيلَ: هو الرَّيْحانُ المَعْرُوفُ عِنْدَنا وبَزْرُهُ يَنْفَعُ في الأدْوِيَةِ، والأظْهَرُ أنَّ رَأْسَها كالزَّهْرِ وهو أصْلُ وُجُودِ المَقْصُودِ، فَإنَّ ذَلِكَ الزَّهْرَ يَتَكَوَّنُ بِذَلِكَ الحَبِّ ويَنْعَقِدُ إلى أنْ يُدْرَكَ فَـ ﴿العَصْفِ﴾ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ الوَرَقِ والرَّيْحانُ إلى ذَلِكَ الزَّهْرِ، وإنَّما ذَكَرَهُما لِأنَّهُما يَؤُولانِ إلى المَقْصُودِ مِن أحَدِهِما عَلْفَ الدَّوابِّ، ومِنَ الآخَرِ دَواءَ الإنْسانِ، وقُرِئَ (الرَّيْحانُ) بِالجَرِّ مَعْطُوفًا عَلى العَصْفِ، وبِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى الحَبِّ، وهَذا يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الرَّيْحانِ: المَشْمُومَ فَيَكُونَ أمْرًا مُغايِرًا لِلْحَبِّ فَيُعْطَفَ عَلَيْهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ذُو الرَّيْحانِ بِحَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ كَما في: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وهَذا مُناسِبٌ لِلْمَعْنى الَّذِي ذَكَرْنا، لِيَكُونَ الرَّيْحانُ الَّذِي خَتَمَ بِهِ أنْواعَ النِّعَمِ الأرْضِيَّةِ أعَزَّ وأشْرَفَ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الرَّيْحانِ هو المَعْرُوفَ أوِ المَشْمُوماتِ لَما حَصَلَ ذَلِكَ التَّرْتِيبُ، وقُرِئَ: ”والرَّيْحانِ“ ولا يَقْرَأُ هَذا إلّا مَن يَقْرَأُ: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ﴾ ويَعُودُ الوَجْهانِ فِيهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
الأوَّلُ: الخِطابُ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: الإنْسُ والجِنُّ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:
أحَدُها: يُقالُ: الأنامُ اسْمٌ لِلْجِنِّ والإنْسِ وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، فَعادَ الضَّمِيرُ إلى ما في الأنامِ مِنَ الجِنْسِ.
ثانِيها: الأنامُ اسْمُ (الإنْسانَ) و﴿الجانَّ﴾ لَمّا كانَ مَنوِيًّا وظَهَرَ مِن بَعْدُ بِقَوْلِهِ: ﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾ [الرحمن: ١٥] جازَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ، وكَيْفَ لا وقَدْ جازَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى المَنوِيِّ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ مِنهُ شَيْءٌ، تَقُولُ: لا أدْرِي أيَّهُما خَيْرٌ مِن زَيْدٍ وعَمْرٍو.
ثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ في النِّيَّةِ لا في اللَّفْظِ كَأنَّهُ قالَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أيُّها الثَّقَلانِ.
الثّانِي: الذَّكَرُ والأُنْثى. فَعادَ الضَّمِيرُ إلَيْهِما والخِطابُ مَعَهُما.
الثّالِثُ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ، فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ، بِلَفْظٍ واحِدٍ والمُرادُ التَّكْرارُ لِلتَّأْكِيدِ.
الرّابِعُ: المُرادُ العُمُومُ، لَكِنَّ العامَّ يَدْخُلُ فِيهِ قِسْمانِ بِهِما يَنْحَصِرُ الكُلُّ ولا يَبْقى شَيْءٌ مِنَ العامِّ خارِجًا عَنْهُ. فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: إنَّهُ تَعالى خَلَقَ مَن يَعْقِلُ ومَن لا يَعْقِلُ، أوْ قُلْتَ: اللَّهُ يَعْلَمُ ما ظَهَرَ وما لَمْ يَظْهَرْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّقاسِيمِ الحاصِرَةِ يَلْزَمُ التَّعْمِيمُ، فَكَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها القِسْمانِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ واعْلَمْ أنَّ التَّقْسِيمَ الحاصِرَ لا يَخْرُجُ عَنْ أمْرَيْنِ أصْلًا ولا يَحْصُلُ الحَصْرُ إلّا بِهِما، فَإنْ زادَ فَهُناكَ قِسْمانِ قَدْ طُوِيَ أحَدُهُما في الآخَرِ، مِثالُهُ إذا قُلْتَ: اللَّوْنُ إمّا سَوادٌ وإمّا بَياضٌ، وإمّا حُمْرَةٌ وإمّا صُفْرَةٌ وإمّا غَيْرُها، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: اللَّوْنُ إمّا أسْوَدُ وإمّا لَيْسَ بِسَوادٍ أوْ إمّا بَياضٌ وإمّا لَيْسَ بِبَياضٍ، ثُمَّ الَّذِي لَيْسَ بِبَياضٍ إمّا حُمْرَةٌ وإمّا لَيْسَ بِحُمْرَةٍ وكَذَلِكَ إلى جُمْلَةِ التَّقْسِيماتِ، فَأشارَ إلى القِسْمَيْنِ الحاصِرَيْنِ عَلى أنْ لَيْسَ لِأحَدٍ ولا لِشَيْءٍ أنْ يُنْكِرَ نِعَمَ اللَّهِ.
الخامِسُ: التَّكْذِيبُ قَدْ يَكُونُ بِالقَلْبِ دُونَ اللِّسانِ، كَما في المُنافِقِينَ، وقَدْ يَكُونُ بِاللِّسانِ دُونَ القَلْبِ كَما في المُعانِدِينَ، وقَدْ يَكُونُ بِهِما جَمِيعًا، فالكَذِبُ لا يَخْرُجُ عَنْ أنْ يَكُونَ بِاللِّسانِ أوْ
صفحة ٨٥
بِالقَلْبِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا أيُّها القَلْبُ واللِّسانُ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فَإنَّ النِّعَمَ بَلَغَتْ حَدًّا لا يُمْكِنُ المُعانِدُ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى تَكْذِيبِها.
السّادِسُ: المُكَذِّبُ مُكَذِّبٌ بِالرَّسُولِ والدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ الَّتِي بِالقُرْآنِ، ومُكَذِّبٌ بِالعَقْلِ والبَراهِينِ والَّتِي في الآفاقِ والأنْفُسِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: يا أيُّها المُكَذِّبانِ بِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ، وقَدْ ظَهَرَتْ آياتُ الرِّسالَةِ فَإنَّ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾، وآياتُ الوَحْدانِيَّةِ فَإنَّهُ تَعالى خَلَقَ الإنْسانَ وعَلَّمَهُ البَيانَ، ورَفَعَ السَّماءَ ووَضَعَ الأرْضَ.
السّابِعُ: المُكَذِّبُ قَدْ يَكُونُ مُكَذِّبًا بِالفِعْلِ وقَدْ يَكُونُ التَّكْذِيبُ مِنهُ غَيْرَ واقِعٍ بَعْدُ، لَكِنَّهُ مُتَوَقَّعٌ، فاللَّهُ تَعالى قالَ: يا أيُّها المُكَذِّبُ تَكْذِبُ وتَتَلَبَّسُ بِالكَذِبِ، ويَخْتَلِجُ في صَدْرِكَ أنَّكَ تَكْذِبُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ . وهَذِهِ الوُجُوهُ قَرِيبَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ. والظّاهِرُ مِنها الثَّقَلانِ، لِذِكْرِهِما في الآياتِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وبِقَوْلِهِ: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الرحمن: ٣٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ ﴿وخَلَقَ الجانَّ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، (والزَّوْجانِ) لِوُرُودِهِ في القُرْآنِ كَثِيرًا والتَّعْمِيمُ بِإرادَةِ نَوْعَيْنِ حاصِرَيْنِ لِلْجَمِيعِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: التَّعْمِيمُ أوْلى لِأنَّ المُرادَ لَوْ كانَ الإنْسُ والجِنُّ اللَّذّانِ خاطَبَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ما كانَ يَقُولُ بَعْدَ خَلْقِ الإنْسانِ، بَلْ كانَ يُخاطِبُ ويَقُولُ: خَلَقْناكَ يا أيُّها الإنْسانُ ﴿مِن صَلْصالٍ﴾ وخَلَقْناكَ يا أيُّها الجانُّ أوْ يَقُولُ: خَلَقَكَ يا أيُّها الإنْسانُ لِأنَّ الكَلامَ صارَ خِطابًا مَعَهُما، ولَمّا قالَ الإنْسانُ، دَلَّ عَلى أنَّ المُخاطَبَ غَيْرُهُ وهو العُمُومُ فَيَصِيرُ كَأنَّهُ قالَ: يا أيُّها الخَلْقُ والسّامِعُونَ إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ، وخَلَقْنا الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ. وسَيَأْتِي باقِي البَيانِ في مَواضِعَ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في الخِطابِ ولَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُ مُخاطَبٍ، نَقُولُ: هو مِن بابِ الِالتِفاتِ إذْ مَبْنى افْتِتاحِ السُّورَةِ عَلى الخِطابِ مَعَ كُلِّ مَن يَسْمَعُ، فَكَأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ قالَ: اسْمَعُوا أيُّها السّامِعُونَ، والخِطابُ لِلتَّقْرِيعِ والزَّجْرِ كَأنَّهُ تَعالى نَبَّهَ الغافِلَ المُكَذِّبَ عَلى أنَّهُ يَفْرِضُ نَفْسَهُ كالواقِفِ بَيْنَ يَدَيِ رَبِّهِ يَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: أنْعَمْتُ عَلَيْكَ بِكَذا وكَذا، ثُمَّ يَقُولُ: فَبِأيِّ آلائِي تُكَذِّبُ ولا شَكَّ أنَّهُ عِنْدَ هَذا يَسْتَحِي اسْتِحْياءً لا يَكُونُ عِنْدَهُ فَرْضُ الغَيْبَةِ.
الثّالِثُ: ما الفائِدَةُ في اخْتِيارِ لَفْظَةِ الرَّبِّ وإذا خاطَبَ أرادَ خِطابَ الواحِدِ فَلِمَ قالَ: ﴿رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وهو الحاضِرُ المُتَكَلِّمُ فَكَيْفَ يَجْعَلُ التَّكْذِيبَ المُسْنَدَ إلى المُخاطَبِ وارِدًا عَلى الغائِبِ، ولَوْ قالَ: بِأيِّ آلائِي تُكَذِّبانِ كانَ ألْيَقَ في الخِطابِ ؟ نَقُولُ: في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ قالَ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٢٣] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٣] وقالَ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [القَمَرِ: ٤٢] وقالَ: ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ وقالَ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] كُلُّها بِالِاسْتِنادِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ حَيْثُ كانَ ذَلِكَ لِلتَّخْوِيفِ، فاللَّهُ تَعالى أعْظَمُ مِن أنْ يَخْشى، فَلَوْ قالَ: أخَذَهُمُ القادِرُ أوِ المُهْلِكُ لَما كانَ في التَّعْظِيمِ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ [الأنعام: ٤٢] ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وهَذا كَما أنَّ المَشْهُورَ بِالقُوَّةِ يَقُولُ أنا الَّذِي تَعْرِفُنِي فَيَكُونُ في إثْباتِ الوَعِيدِ فَوْقَ قَوْلِهِ أنا المُعَذِّبُ، فَلَمّا كانَ الإسْنادُ إلى النَّفْسِ مُسْتَعْمَلًا في تِلْكَ السُّورَةِ عِنْدَ الإهْلاكِ والتَّعْذِيبِ ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ بَيانِ الرَّحْمَةِ لَفْظٌ يُزِيلُ الهَيْبَةَ وهو لَفْظُ الرَّبِّ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وهو رَبّاكُما.
الرّابِعُ: ما الحِكْمَةُ في تَكْرِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وكَوْنِهِ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: إنَّ فائِدَةَ التَّكْرِيرِ التَّقْرِيرُ، وأمّا هَذا العَدَدُ الخاصُّ فالأعْدادُ تَوْقِيفِيَّةٌ لا تَطَّلِعُ عَلى تَقْدِيرِ المُقَدَّراتِ أذْهانُ النّاسِ، والأوْلى أنْ لا يُبالِغَ الإنْسانُ في اسْتِخْراجِ الأُمُورِ البَعِيدَةِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَمَسُّكًا بِقَوْلِ عُمَرَ
صفحة ٨٦
رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ قالَ مَعَ نَفْسِهِ عِنْدَ قِراءَتِهِ عَبَسَ: كُلُّ هَذا قَدْ عَرَفْناهُ فَما الأبُّ ؟ ثُمَّ رَفَعَ عَصًا كانَتْ بِيَدِهِ وقالَ هَذا لَعَمْرُ اللَّهِ التَّكْلِيفُ وما عَلَيْكَ يا عُمَرُ أنْ لا تَدْرِيَ ما الأبُّ، ثُمَّ قالَ: اتَّبِعُوا ما بُيِّنَ لَكم مِن هَذا الكِتابِ وما لا فَدَعُوهُ، وسَيَأْتِي فائِدَةُ كَلامِهِ تَعالى في تَفْسِيرِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
الجَوابُ الثّانِي: ما قُلْناهُ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي ونُذُرِ﴾ أرْبَعَ مَرّاتٍ لِبَيانِ ما في ذَلِكَ مِنَ المَعْنى، وثَلاثَ مَرّاتٍ لِلتَّقْرِيرِ والتَّكْرِيرِ، ولِلثَّلاثِ والسَّبْعِ مِن بَيْنِ الأعْدادِ فَوائِدُ ذَكَرْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] فَلَمّا ذَكَرَ العَذابَ ثَلاثَ مَرّاتٍ ذَكَرَ الآلاءَ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً لِبَيانِ ما فِيهِ مِنَ المَعْنى، وثَلاثِينَ مَرَّةً لِلتَّقْرِيرِ، فالآلاءُ مَذْكُورَةٌ عَشْرَ مَرّاتٍ أضْعافَ مَرّاتِ ذِكْرِ العَذابِ إشارَةً إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
الثّالِثُ: أنَّ الثَّلاثِينَ مَرَّةً تَكْرِيرٌ بَعْدَ البَيانِ في المَرَّةِ الأُولى؛ لِأنَّ الخِطابَ مَعَ الجِنِّ والإنْسِ، والنِّعَمُ مُنْحَصِرَةٌ في دَفْعِ المَكْرُوهِ وتَحْصِيلِ المَقْصُودِ، لَكِنَّ أعْظَمَ المَكْرُوهاتِ عَذابُ جَهَنَّمَ ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ﴾ [الحجر: ٤٤] وأتَمُّ المَقاصِدِ نَعِيمُ الجَنَّةِ ولَها ثَمانِيَةُ أبْوابٍ، فَإغْلاقُ الأبْوابِ السَّبْعَةِ وفَتْحُ الأبْوابِ الثَّمانِيَةِ جَمِيعُهُ نِعْمَةٌ وإكْرامٌ، فَإذا اعْتَبَرْتَ تِلْكَ النِّعَمَ بِالنِّسْبَةِ إلى جِنْسَيِ الجِنِّ والإنْسِ تَبْلُغُ ثَلاثِينَ مَرَّةً وهي مَرّاتُ التَّكْرِيرِ لِلتَّقْرِيرِ، والمَرَّةُ الأُولى لِبَيانِ فائِدَةِ الكَلامِ، وهَذا مَنقُولٌ وهو ضَعِيفٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ نِعَمَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وما ذَكَرَهُ اقْتِصارًا عَلى بَيانِ نِعَمِ الآخِرَةِ.
الرّابِعُ: هو أنَّ أبْوابَ النّارِ سَبْعَةٌ واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ سَبْعَ آياتٍ تَتَعَلَّقُ بِالتَّخْوِيفِ مِنَ النّارِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ جَنَّتَيْنِ حَيْثُ قالَ: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] ولِكُلِّ جَنَّةٍ ثَمانِيَةُ أبْوابٍ تُفْتَحُ كُلُّها لِلْمُتَّقِينَ، وذَكَرَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى ما ذَكَرْنا مِن آياتِ التَّخْوِيفِ ثَمانِيَ مَرّاتٍ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ سَبْعَ مَرّاتٍ لِلتَّقْرِيرِ بِالتَّكْرِيرِ اسْتِيفاءً لِلْعَدَدِ الكَثِيرِ الَّذِي هو سَبْعَةٌ، وقَدْ بَيَّنّا سَبَبَ اخْتِصاصِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ وسَنُعِيدُ مِنهُ طَرَفًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَصارَ المَجْمُوعُ ثَلاثِينَ مَرَّةً المَرَّةُ الواحِدَةُ الَّتِي هي عَقِيبَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ لِبَيانِ المَعْنى وهو الأصْلُ والتَّكْثِيرُ تَكْرارٌ فَصارَ إحْدى وثَلاثِينَ مَرَّةً.
55:14Page 531
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ ١٤
He created man from clay like [that of] pottery.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ وفي الصَّلْصالِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: هو بِمَعْنى المَسْنُونِ مِن صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ، ويَكُونُ الصَّلْصالُ حِينَئِذٍ مِنَ الصُّلُولِ.
وثانِيهِما: مِنَ الصَّلِيلِ يُقالُ: صَلَّ الحَدِيدُ صَلِيلًا إذا حَدَثَ مِنهُ صَوْتٌ، وعَلى هَذا فَهو الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي يَقَعُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ فَيَحْدُثُ فِيما بَيْنَهُما صَوْتٌ، إذْ هو الطِّينُ اللّازِبُ الحَرُّ الَّذِي إذا التَزَقَ بِالشَّيْءِ، ثُمَّ انْفَصَلَ عَنْهُ دَفْعَةً سُمِعَ مِنهُ عِنْدَ الِانْفِصالِ صَوْتٌ، فَإنْ قِيلَ: الإنْسانُ إذا خُلِقَ مِن صَلْصالٍ كَيْفَ ورَدَ في القُرْآنِ خُلِقَ مِنَ التُّرابِ ووَرَدَ أنَّهُ خُلِقَ مِنَ الطِّينِ ومِن حَمَأٍ ومِن ماءٍ مَهِينٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. نَقُولُ: أمّا قَوْلُهُ ﴿مِن تُرابٍ﴾ تارَةً، و﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أُخْرى، فَذَلِكَ بِاعْتِبارِ شَخْصَيْنِ آدَمُ خُلِقَ مِنَ الصَّلْصالِ ومِن حَمَأٍ وأوْلادُهُ خُلِقُوا مِن ماءٍ مَهِينٍ، ولَوْلا خَلْقُ آدَمَ لَما خُلِقَ أوْلادُهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: زَيْدٌ خُلِقَ مِن حَمَأٍ بِمَعْنى أنَّ أصْلَهُ الَّذِي هو جَدُّهُ خُلِقَ مِنهُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ و﴿مِن حَمَإٍ﴾ وغَيْرُ ذَلِكَ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خُلِقَ أوَّلًا مِنَ التُّرابِ، ثُمَّ صارَ طِينًا ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا ثُمَّ
صفحة ٨٧
لازِبًا، فَكَأنَّهُ خُلِقَ مِن هَذا ومِن ذاكَ، ومِن ذَلِكَ، والفَخّارُ الطِّينُ المَطْبُوخُ بِالنّارِ وهو الخَزَفُ مُسْتَعْمَلٌ عَلى أصْلِ الِاشْتِقاقِ، وهو مُبالَغَةُ الفاخِرِ كالعَلّامِ في العالِمِ، وذَلِكَ أنَّ التُّرابَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ التَّفَتُّتُ إذا صارَ بِحَيْثُ يُجْعَلُ ظَرْفَ الماءِ والمائِعاتِ ولا يَتَفَتَّتُ ولا يَنْقَعُ فَكَأنَّهُ يَفْخَرُ عَلى أفْرادِ جِنْسِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences