Ar-RaziAr‑Rahman · 55:15–25

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ar-Rahman 55:15–25

55:15–21Page 531

وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ ١٥

And He created the jinn from a smokeless flame of fire.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٦

So which of the favors of your Lord would you deny?

رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ وَرَبُّ ٱلۡمَغۡرِبَيۡنِ ١٧

[He is] Lord of the two sunrises and Lord of the two sunsets.1

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٨

So which of the favors of your Lord would you deny?

مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩

He released the two seas,1 meeting [one another];

بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠

Between them is a barrier so neither of them transgresses.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١

So which of the favors of your Lord would you deny?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفي الجانِّ وجْهانِ: أحَدُهُما: هو أبُو الجِنِّ كَما أنَّ الإنْسانَ المَذْكُورَ هُنا هو أبُو الإنْسِ وهو آدَمُ. ثانِيهِما: هو الجِنُّ بِنَفْسِهِ، فالجانُّ والجِنُّ وصْفانِ مِن بابٍ واحِدٍ، كَما يُقالُ: مِلْحٌ ومالِحٌ، أوْ نَقُولُ الجِنُّ اسْمُ الجِنْسِ كالمِلْحِ والجانُّ مِثْلُ الصِّفَةِ كالمالِحِ.

وفِيهِ بَحْثٌ: وهو أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: جُنَّ الرَّجُلُ ولا يُعْلَمُ لَهُ فاعِلٌ يُبْنى الفِعْلُ مَعَهُ عَلى المَذْكُورِ، وأصْلُ ذَلِكَ جَنَّهُ الجانُّ فَهو مَجْنُونٌ، فَلا يُذْكَرُ الفاعِلُ لِعَدَمِ العِلْمِ بِهِ، ويُقْتَصَرُ عَلى قَوْلِهِمْ: جُنَّ فَهو مَجْنُونٌ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ القائِلَ الأوَّلَ لا يَقُولُ: الجانُّ اسْمُ عَلَمٍ؛ لِأنَّ الجانَّ لِلْجِنِّ كَآدَمَ لَنا، وإنَّما يَقُولُ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الجانِّ أبُوهم، كَما أنَّ المُرادَ مِنَ الإنْسانِ أبُونا آدَمُ، فالأوَّلُ مِنّا خُلِقَ مِن صَلْصالٍ، ومَن بَعْدَهُ خُلِقَ مِن صُلْبِهِ، كَذَلِكَ الجِنُّ الأوَّلُ خُلِقَ مِن نارٍ، ومَن بَعْدَهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ خُلِقَ مِن مارِجٍ، والمارِجُ المُخْتَلِطُ ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المارِجَ هو النّارُ المَشُوبَةُ بِدُخانٍ. والثّانِي: النّارُ الصّافِيَةُ. والثّانِي أصَحُّ مِن حَيْثُ اللَّفْظِ والمَعْنى، أمّا اللَّفْظُ: فَلِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ أيْ نارٍ مارِجَةٍ، وهَذا كَقَوْلِ القائِلِ: هو مَصُوغٌ مِن ذَهَبٍ، فَإنَّ قَوْلَهُ مِن ذَهَبٍ فِيهِ بَيانُ تَناسُبِ الأخْلاطِ، فَيَكُونُ المَعْنى الكُلُّ مِن ذَهَبٍ غَيْرَ أنَّهُ يَكُونُ أنْواعًا مُخْتَلِفَةً مُخْتَلِطَةً بِخِلافِ ما إذا قُلْتَ: هَذا قَمْحٌ مُخْتَلِطٌ فَلَكَ أنْ تَقُولَ: مُخْتَلِطٌ بِماذا ؟ فَيَقُولُ: مِن كَذا وكَذا، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: مِن قَمْحٍ وكانَ مِنهُ ومِن غَيْرِهِ أيْضًا لَكانَ اقْتِصارُهُ عَلَيْهِ مُخْتَلِطًا بِما طُلِبَ مِنَ البَيانِ. وأمّا المَعْنى: فَلَأنَّهُ تَعالى كَما قالَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ﴾ أيْ مِن طِينٍ حَرٍّ، كَذَلِكَ بَيَّنَ أنَّ خَلْقَ الجانِّ مِن نارٍ خالِصَةٍ فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ: ﴿مارِجٍ﴾ بِمَعْنى مُخْتَلَطٍ مَعَ أنَّهُ خالِصٌ ؟ نَقُولُ: النّارُ إذا قَوِيَتِ التَهَبَتْ، ودَخَلَ بَعْضُها في بَعْضٍ كالشَّيْءِ المُمْتَزِجِ امْتِزاجًا جَيِّدًا لا تُمَيِّزُ فِيهِ بَيْنَ الأجْزاءِ المُخْتَلِطَةِ، وكَأنَّهُ مِن حَقِيقَةٍ واحِدَةٍ كَما في الطِّينِ المُخْتَمِرِ، وذَلِكَ يَظْهَرُ في التَّنُّورِ المَسْجُورِ، إنْ قَرُبَ مِنهُ الحَطَبُ تَحْرِقُهُ فَكَذَلِكَ ”مارِجٌ“ بَعْضُها بِبَعْضٍ لا يُعْقَلُ بَيْنَ أجْزائِها دُخانٌ وأجْزاءٌ أرْضِيَّةٌ، وسَنُبَيِّنُ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ فَإنْ قِيلَ: المَقْصُودُ تَعْدِيدُ النِّعَمِ عَلى الإنْسانِ، فَما وجْهُ بَيانِ خَلْقِ الجانِّ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: ما بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: (رَبُّكُما) خِطابٌ مَعَ الإنْسِ والجِنِّ يُعَدِّدُ عَلَيْهِما النِّعَمَ بَلْ عَلى الإنْسانِ وحْدَهُ.

ثانِيها: أنَّهُ بَيانُ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى عَلى الإنْسانِ، حَيْثُ بَيَّنَ أنَّهُ خُلِقَ مِن أصْلٍ كَثِيفٍ كَدِرٍ، وخُلِقَ الجانُّ مِن أصْلٍ لَطِيفٍ، وجُعِلَ الإنْسانُ أفْضَلَ مِنَ الجانِّ، فَإنَّهُ إذا نَظَرَ إلى أصْلِهِ، عَلِمَ أنَّهُ ما نالَ الشَّرَفَ إلّا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يُكَذِّبُ بِآلاءِ اللَّهِ.

ثالِثُها: أنَّ الآيَةَ مَذْكُورَةٌ لِبَيانِ القُدْرَةِ لا لِبَيانِ النِّعْمَةِ، وكَأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ النِّعَمَ الثَّمانِيَةَ الَّتِي ذَكَرَها في أوَّلِ السُّورَةِ، فَكَأنَّهُ ذَكَرَ الثَّمانِيَةَ لِبَيانِ خُرُوجِها عَنِ العَدَدِ الكَثِيرِ الَّذِي هو سَبْعَةٌ ودُخُولُها في الزِّيادَةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها الثَّمانِيَةُ كَما بَيَّنّا وقُلْنا إنَّ العَرَبَ عِنْدَ الثّامِنِ تَذْكُرُ الواوَ إشارَةً إلى أنَّ الثّامِنَ مِن جِنْسٍ آخَرَ، فَبَعْدَ تَمامِ السَّبْعَةِ الأُوَلِ

صفحة ٨٨

شَرَعَ في بَيانِ قُدْرَتِهِ الكامِلَةِ، وقالَ: هو الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ مِن تُرابٍ والجانَّ مِن نارٍ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ الكَثِيرَةِ المَذْكُورَةِ الَّتِي سَبَقَتْ مِنَ السَّبْعَةِ، والَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها الثّامِنَةُ: (تُكَذِّبانِ) وإذا نَظَرْتَ إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الثَّمانِيَةُ وإلى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ يَظْهَرُ لَكَ صِحَّةَ ما ذُكِرَ أنَّهُ بَيَّنَ قُدْرَتَهُ وعَظَمَتَهُ. ثُمَّ يَقُولُ: فَبِأيِّ تِلْكَ الآلاءِ الَّتِي عَدَدْتُها أوَّلًا تُكَذِّبانِ، وسَنَذْكُرُ تَمامَهُ عِنْدَ تِلْكَ الآياتِ.

* *

ثُمَّ قالَ تَعالى:

﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أوَّلُها: مَشْرِقُ الشَّمْسِ والقَمَرِ ومَغْرِبُهُما، والبَيانُ حِينَئِذٍ في حُكْمِ إعادَةِ ما سَبَقَ مَعَ زِيادَةٍ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ لَهُما مَشْرِقَيْنِ ومَغْرِبَيْنِ، ولَمّا ذَكَرَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن شَيْءٍ فَبَيَّنَ أنَّهُ الصَّلْصالُ. الثّانِي: مَشْرِقُ الشِّتاءِ ومَشْرِقُ الصَّيْفِ. فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في اخْتِصاصِهِما مَعَ أنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ لِلشَّمْسِ مَشْرِقٌ ومَغْرِبٌ يُخالِفُ بَعْضُها البَعْضَ ؟ نَقُولُ: غايَةُ انْحِطاطِ الشَّمْسِ في الشِّتاءِ وغايَةُ ارْتِفاعِها في الصَّيْفِ، والإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ تَتَناوَلُ ما بَيْنَهُما، فَهو كَما يَقُولُ القائِلُ في وصْفِ مَلِكٍ عَظِيمٍ لَهُ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ، ويُفْهَمُ أنَّ لَهُ ما بَيْنَهُما أيْضًا. الثّالِثُ: التَّثْنِيَةُ إشارَةٌ إلى النَّوْعَيْنِ الحاصِرَيْنِ كَما بَيَّنّا أنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإنَّهُ يَنْحَصِرُ في قِسْمَيْنِ، فَكَأنَّهُ قالَ: رَبُّ مَشْرِقِ الشَّمْسِ ومَشْرِقِ غَيْرِها، فَهُما مَشْرِقانِ فَتَناوَلَ الكُلَّ، أوْ يُقالُ: مَشْرِقُ الشَّمْسِ والقَمَرِ وما يَفْرِضُ إلَيْهِما العاقِلُ مِن مَشْرِقِ غَيْرِهِما فَهو تَثْنِيَةٌ في مَعْنى الجَمْعِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَعَلُّقِ الآيَةِ بِما قَبْلَها فَنَقُولُ: لَمّا ذَكَرَ تَعالى المَشْرِقَ والمَغْرِبَ وهُما حَرَكَتانِ في الفَلَكِ ناسَبَ ذَلِكَ ذِكْرَ البَحْرَيْنِ لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ يَجْرِيانِ في الفَلَكِ كَما يَجْرِي الإنْسانُ في البَحْرِ قالَ تَعالى: ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] فَذَكَرَ البَحْرَيْنِ عَقِيبَ المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ، ولِأنَّ المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ فِيهِما إشارَةٌ إلى البَحْرِ لِانْحِصارِ البَرِّ والبَحْرِ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، لَكِنَّ البَرَّ كانَ مَذْكُورًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضَ وضَعَها﴾ [الرحمن: ١٠] فَذَكَرَ هَهُنا ما لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”مَرَجَ“، إذا كانَ مُتَعَدِّيًا كانَ بِمَعْنى خَلَطَ أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ، فَكَيْفَ قالَ تَعالى: ﴿مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ: مِن مَمْرُوجٍ ؟ نَقُولُ: مَرَجَ مُتَعَدٍّ ومَرِجَ بِكَسْرِ الرّاءِ لازِمٌ، فالمارِجُ والمَرِيجُ مِن مَرِجَ يَمْرَجُ كَفَرِحَ يَفْرَحُ، والأصْلُ في فَعَلَ أنْ يَكُونَ غَرِيزِيًّا، والأصْلُ في الغَرِيزِيِّ أنْ يَكُونَ لازِمًا، ويَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الغَرِيزِيِّ، وكَذَلِكَ فَعَلَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في البَحْرَيْنِ وُجُوهٌ: أحَدُها: بَحْرُ الأرْضِ.

ثانِيها: البَحْرُ الحُلْوُ والبَحْرُ المالِحُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [فاطر: ١٢] وهو أصَحُّ وأظْهَرُ مِنَ

صفحة ٨٩

الأوَّلِ. ثالِثُها: ما ذُكِرَ في المَشْرِقَيْنِ وفي قَوْلِهِ: (تُكَذِّبانِ) أنَّهُ إشارَةٌ إلى النَّوْعَيْنِ الحاصِرَيْنِ فَدَخَلَ فِيهِ بَحْرُ السَّماءِ وبَحْرُ الأرْضِ والبَحْرُ العَذْبُ والبَحْرُ المالِحُ، رابِعُها: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ في الأرْضِ بِحارًا تُحِيطُ بِها الأرْضُ وبِبَعْضِ جَزائِرِها يُحِيطُ الماءُ، وخَلَقَ بَحْرًا مُحِيطًا بِالأرْضِ وعَلَيْهِ الأرْضُ وأحاطَ بِهِ الهَواءَ، كَما قالَ بِهِ أصْحابُ عِلْمِ الهَيْئَةِ ووَرَدَ بِهِ أخْبارٌ مَشْهُورَةٌ، وهَذِهِ البِّحارُ الَّتِي في الأرْضِ لَها اتِّصالٌ بِالبَحْرِ المُحِيطِ، ثُمَّ إنَّهُما لا يَبْغِيانِ عَلى الأرْضِ ولا يُغَطِّيانِها بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِتَكُونَ الأرْضُ بارِزَةً يَتِّخَذُها الإنْسانُ مَكانًا، وعِنْدَ النَّظَرِ إلى أمْرِ الأرْضِ يَحارُ الطَّبِيعِيُّ ويَتَلَجْلَجُ في الكَلامِ، فَإنَّ عِنْدَهم مَوْضِعُ الأرْضِ بِطَبْعِهِ أنْ يَكُونَ في المَرْكَزِ، ويَكُونُ الماءُ مُحِيطًا بِجَمِيعِ جَوانِبِهِ، فَإذا قِيلَ لَهم: فَكَيْفَ ظَهَرَتِ الأرْضُ مِنَ الماءِ ولَمْ تَرْسُبْ ؟ يَقُولُونَ: لِانْجِذابِ البِحارِ إلى بَعْضِ جَوانِبِها، فَإنْ قِيلَ: لِماذا انْجَذَبَ ؟ فالَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ قَلِيلٌ مِنَ العَقْلِ يَرْجِعُ إلى الحَقِّ ويَجْعَلُهُ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، والَّذِي يَكُونُ عَدِيمَ العَقْلِ يَجْعَلُ سَبَبَهُ مِنَ الكَواكِبِ وأوْضاعِها واخْتِلافِ مُقابَلاتِها، ويَنْقَطِعُ في كُلِّ مَقامٍ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وفي آخِرِ الأمْرِ إذا قِيلَ لَهُ: أوْضاعُ الكَواكِبِ لِمَ اخْتَلَفَتْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أوْجَبَ البَرْدَ في بَعْضِ الأرْضِ دُونَ بَعْضٍ آخَرَ صارَ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ويَرْجِعُ إلى الحَقِّ إنْ هَداهُ اللَّهُ تَعالى.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا كانَ المَرَجُ بِمَعْنى الخَلْطِ فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ ؟ نَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ أرْسَلَ بَعْضَهُما في بَعْضٍ وهُما عِنْدَ الإرْسالِ بِحَيْثُ يَلْتَقِيانِ أوْ مِن شَأْنِهِما الِاخْتِلاطُ والِالتِقاءُ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهُما عَمّا في طَبْعِهِما، وعَلى هَذا يَلْتَقِيانِ حالٌ مِنَ البَحْرَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: مِن مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُما تَرْكُهُما، فَهُما يَلْتَقِيانِ إلى الآنَ ولا يَمْتَزِجانِ، وعَلى الأوَّلِ: فالفائِدَةُ إظْهارُ القُدْرَةِ في النَّفْعِ، فَإنَّهُ إذا أرْسَلَ الماءَيْنِ بَعْضَهُما عَلى بَعْضٍ وفي طَبْعِهِما بِخَلْقِ اللَّهِ وعادَتُهُ السَّيَلانُ والِالتِقاءُ ويَمْنَعُهُما البَرْزَخُ الَّذِي هو قُدْرَةُ اللَّهِ أوْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، يَكُونُ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ مِمّا إذا لَمْ يَكُونا عَلى حالِ يَلْتَقِيانِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَسْألَةٍ حِكْمِيَّةٍ وهي: أنَّ الحُكَماءَ المُحَقِّقِينَ ذَلِكَ بِإجْراءِ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِ وعِنْدَ مَن يَدَّعِي الحِكْمَةَ ولَمْ يُوَفِّقْهُ اللَّهُ مِنَ الطَّبِيعِيِّينَ يَقُولُ ذَلِكَ لَهُ بِطَبْعِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِما أنْ يَكُونَ مَكانُهُما واحِدًا، ثُمَّ إنَّهُما بَقِيا في مَكانٍ مُتَمَيِّزَيْنِ فَذَلِكَ بُرْهانُ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ.

وعَلى الوَجْهِ الثّانِي: الفائِدَةُ في بَيانِ القُدْرَةِ أيْضًا عَلى المَنعِ مِنَ الِاخْتِلاطِ، فَإنَّ الماءَيْنِ إذا تَلاقَيا لا يَمْتَزِجانِ في الحالِ بَلْ يَبْقَيانِ زَمانًا يَسِيرًا كالماءِ المُسَخَّنِ إذا غُمِسَ إناءٌ مَمْلُوءٌ مِنهُ في ماءٍ بارِدٍ إنْ لَمْ يَمْكُثْ فِيهِ زَمانًا لا يَمْتَزِجُ بِالبارِدِ، لَكِنْ إذا دامَ مُجاوَرَتُهُما فَلا بُدَّ مِنَ الِامْتِزاجِ فَقالَ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ خَلّاهُما ذَهابًا إلى أنْ يَلْتَقِيا ولا يَمْتَزِجا فَذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ إشارَةً إلى ما ذَكَرْنا مِن مَنعِهِ إيّاهُما مِنَ الجَرَيانِ عَلى عادَتِهِما، والبَرْزَخُ الحاجِزُ وهو قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى في البَعْضِ وبِقُدْرَةِ اللَّهِ في الباقِي، فَإنَّ البَحْرَيْنِ قَدْ يَكُونُ بَيْنَهُما حاجِزٌ أرْضِيٌّ مَحْسُوسٌ وقَدْ لا يَكُونُ، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَبْغِيانِ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ البَغْيِ أيْ لا يَظْلِمُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِخِلافِ قَوْلِ الطَّبِيعِيِّ حَيْثُ يَقُولُ: الماءانِ كِلاهُما جُزْءٌ واحِدٌ، فَقالَ: هُما لا يَبْغِيانِ ذَلِكَ. وثانِيهِما: أنْ يُقالَ: لا يَبْغِيانِ مِنَ البَغْيِ بِمَعْنى الطَّلَبِ أيْ لا يَطْلُبانِ شَيْئًا، وعَلى هَذا فَفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهُو أنْ يُقالَ: إنَّ يَبْغِيانِ لا مَفْعُولَ لَهُ مُعَيَّنٌ، بَلْ هو بَيانُ أنَّهُما لا يَبْغِيانِ في ذاتِهِما ولا يَطْلُبانِ شَيْئًا أصْلًا، بِخِلافِ ما يَقُولُ الطَّبِيعِيُّ: إنَّهُ يَطْلُبُ الحَرَكَةَ والسُّكُونَ في مَوْضِعٍ عَنْ مَوْضِعٍ.

55:22–23Page 532

يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٢٢

From both of them emerge pearl and coral.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٣

So which of the favors of your Lord would you deny?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في القِراءاتِ الَّتِي فِيها قُرِئَ يَخْرُجُ مِن خَرَجَ، ويُخْرَجُ بِفَتْحِ الرّاءِ مِن أخْرَجَ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فاللُّؤْلُؤُ والمَرْجانِ مَرْفُوعانِ، ويُخْرِجُ بِكَسْرِ الرّاءِ بِمَعْنى يُخْرِجُ اللَّهُ ونُخْرِجُ بِالنُّونِ المَضْمُومَةِ والرّاءِ المَكْسُورَةِ، وعَلى القِراءَتَيْنِ يُنْصَبُ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ، اللُّؤْلُؤُ كِبارُ الدُّرِّ والمَرْجانُ صِغارُهُ، وقِيلَ: المَرْجانُ هو الحَجَرُ الأحْمَرُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اللُّؤْلُؤُ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ المالِحِ فَكَيْفَ قالَ: ﴿مِنهُما﴾ ؟ نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ ظاهِرَ كَلامِ اللَّهِ تَعالى أوْلى بِالِاعْتِبارِ مِن كَلامِ بَعْضِ النّاسِ الَّذِي لا يُوثَقُ بِقَوْلِهِ، ومَن عَلِمَ أنَّ اللُّؤْلُؤَ لا يَخْرُجُ مِنَ الماءِ العَذْبِ ؟ وهَبْ أنَّ الغَوّاصِينَ ما أخْرَجُوهُ إلّا مِنَ المالِحِ وما وجَدُوهُ إلّا فِيهِ، لَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن هَذا أنَّ لا يُوجَدَ في الغَيْرِ سَلَّمْنا لِمَ قُلْتُمْ: أنَّ الصَّدَفَ يَخْرُجُ بِأمْرِ اللَّهِ مِنَ الماءِ العَذْبِ إلى الماءِ المالِحِ، وكَيْفَ يُمْكِنُ الجَزْمُ والأُمُورُ الأرْضِيَّةُ الظّاهِرَةُ خَفِيَتْ عَنِ التُّجّارِ الَّذِينَ قَطَعُوا المَفاوِزَ ودارُوا البِلادَ، فَكَيْفَ لا يَخْفى أمْرُ ما في قَعْرِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ. ثانِيهِما: أنْ نَقُولَ: إنْ صَحَّ قَوْلُهم في اللُّؤْلُؤِ أنَّهُ لا يَخْرُجُ إلّا مِنَ البَحْرِ المالِحِ فَنَقُولُ: فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ الصَّدَفَ لا يَتَوَلَّدُ فِيهِ اللُّؤْلُؤُ إلّا مِنَ المَطَرِ وهو بَحْرُ السَّماءِ.

ثانِيها: أنَّهُ يَتَوَلَّدُ في مُلْتَقاهُما ثُمَّ يَدْخُلُ الصَّدَفَ في المالِحِ عِنْدَ انْعِقادِ الدُّرِّ فِيهِ طالِبًا لِلْمُلُوحَةِ كالمُتَوَحِّمَةِ الَّتِي تَشْتَهِي المُلُوحَةَ أوائِلَ الحَمْلِ فَيَثْقُلُ هُناكَ فَلا يُمْكِنُهُ الدُّخُولُ في العَذْبِ.

ثالِثُها: أنَّ ما ذَكَرْتُمْ إنَّما كانَ يَرِدُ أنْ لَوْ قالَ: يَخْرُجُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَأمّا عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما﴾ لا يَرِدُ إذِ الخارِجُ مِن أحَدِهِما مَعَ أنَّ أحَدَهُما مُبْهَمٌ خارِجٌ مِنهُما كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] يُقالُ: فُلانٌ خَرَجَ مِن بِلادِ كَذا ودَخَلَ في بِلادِ كَذا ولَمْ يَخْرُجْ إلّا مِن مَوْضِعٍ مِن بَيْتٍ مِن مَحَلَّةٍ في بَلْدَةٍ. رابِعُها: أنَّ ”مِن“ لَيْسَتْ لِابْتِداءِ شَيْءٍ كَما يُقالُ: خَرَجْتُ مِنَ الكُوفَةِ بَلْ لِابْتِداءٍ عَقْلِيٍّ كَما يُقالُ: خُلِقَ آدَمُ مِن تُرابٍ، ووُجِدَتِ الرُّوحُ مِن أمْرِ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ اللُّؤْلُؤُ يَخْرُجُ مِنَ الماءِ أيْ مِنهُ يَتَوَلَّدُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أيُّ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ في اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ حَتّى يَذْكُرَهُما اللَّهُ مَعَ نِعْمَةِ تَعَلُّمِ القُرْآنِ وخَلْقِ الإنْسانِ ؟ وفي الجَوابِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: النِّعَمُ مِنها خَلْقُ الضَّرُورِيّاتِ كالأرْضِ الَّتِي هي مَكانُنا ولَوْلا الأرْضُ لَما أمْكَنَ وُجُودُ التَّمْكِينِ، وكَذَلِكَ الرُّزْقُ الَّذِي بِهِ البَقاءُ ومِنها خَلْقُ المُحْتاجِ إلَيْهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورِيًّا كَأنْواعِ الحُبُوبِ وإجْراءِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، ومِنها النّافِعُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتاجًا إلَيْهِ كَأنْواعِ الفَواكِهِ وخَلْقِ البِحارِ مِن ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] ومِنها الزِّينَةُ وإنْ لَمْ يَكُنْ نافِعًا كاللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [فاطر: ١٢] فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنْواعَ النِّعَمِ الأرْبَعَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالقُوى الجُسْمانِيَّةِ، وصَدَّرَها بِالقُوَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي الرُّوحُ وهي العِلْمُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ . والثّانِي: أنْ نَقُولَ: هَذِهِ بَيانُ عَجائِبِ اللَّهِ تَعالى لا بَيانُ النِّعَمِ، والنِّعَمُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها هُنا، وذَلِكَ لِأنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن صَلْصالٍ، وخَلْقَ الجانِّ مِن نارٍ، مِن بابِ العَجائِبِ لا مِن بابِ النِّعَمِ، ولَوْ خَلَقَ اللَّهُ الإنْسانَ مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ لَكانَ إنْعامًا، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الأرْكانُ أرْبَعَةٌ، التُّرابُ والماءُ والهَواءُ والنّارُ فاللَّهُ تَعالى

صفحة ٩١

بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ﴾ أنَّ الإنْسانَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ وطِينٍ، وبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ أنَّ النّارَ أيْضًا أصْلٌ لِمَخْلُوقٍ عَجِيبٍ، وبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ أنَّ الماءَ أصْلٌ لِمَخْلُوقٍ آخَرَ، كالحَيَوانِ عَجِيبٌ، بَقِيَ الهَواءُ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَحْسُوسٍ، فَلَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ أصْلُ مَخْلُوقٍ بَلْ بَيَّنَ كَوْنَهُ مَنشَأً لِلْجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ.

55:24–25Page 532

وَلَهُ ٱلۡجَوَارِ ٱلۡمُنشَـَٔاتُ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٢٤

And to Him belong the ships [with sails] elevated in the sea like mountains.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

فَقالَ: ﴿ولَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما الفائِدَةُ في جَعْلِ الجَوارِي خاصَّةً لَهُ ولَهُ السَّماواتُ وما فِيها والأرْضُ وما عَلَيْها ؟ نَقُولُ: هَذا الكَلامُ مَعَ العَوامِّ، فَذَكَرَ ما لا يَغْفَلُ عَنْهُ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ فَضْلًا عَنِ الفاضِلِ الذَّكِيِّ، فَقالَ: لا شَكَّ أنَّ الفُلْكَ في البَحْرِ لا يَمْلِكُهُ في الحَقِيقَةِ أحَدٌ إذْ لا تَصَرُّفَ لِأحَدٍ في هَذا الفُلْكِ وإنَّما كُلُّهم مُنْتَظِرُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ أمْوالَهم وأرْواحَهم في قَبْضَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. وهم في ذَلِكَ يَقُولُونَ: لَكَ الفُلْكُ ولَكَ المُلْكُ، ويَنْسِبُونَ البَحْرَ والفُلْكَ إلَيْهِ، ثُمَّ إذا خَرَجُوا ونَظَرُوا إلى بُيُوتِهِمُ المَبْنِيَّةِ بِالحِجارَةِ والكِلْسِ وخَفِيَ عَلَيْهِمْ وُجُوهُ الهَلاكِ، يَدْعُونَ مالِكَ الفُلْكِ، ويَنْسِبُونَ ما كانُوا يَنْسِبُونَ البَحْرَ والفُلْكَ إلَيْهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ [العنكبوت: ٦٥] الآيَةَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿الجَوارِي﴾ جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي اسْمٌ لِلسَّفِينَةِ أوْ صِفَةٌ، فَإنْ كانَتِ اسْمًا لَزِمَ الِاشْتِراكُ والأصْلُ عَدَمُهُ، وإنْ كانَتْ صِفَةً الأصْلُ أنْ تَكُونَ الصِّفَةُ جارِيَةً عَلى المَوْصُوفِ، ولَمْ يَذْكُرِ المَوْصُوفَ هُنا، فَنَقُولُ: الظّاهِرُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلَّتِي تَجْرِي، ونُقِلَ عَنِ المَيْدانِيِّ أنَّ الجارِيَةَ السَّفِينَةُ الَّتِي تَجْرِي لِما أنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلْجَرْيِ، وسُمِّيَتِ المَمْلُوكَةُ جارِيَةً لِأنَّ الحُرَّةَ تُرادُ لِلسَّكَنِ والِازْدِواجِ، والمَمْلُوكَةُ لِتَجْرِيَ في الحَوائِجِ، لَكِنَّها غَلَبَتِ السَّفِينَةَ، لِأنَّها في أكْثَرِ أحْوالِها تَجْرِي، ودَلَّ العَقْلُ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّ السَّفِينَةَ هي الَّتِي تَجْرِي غَيْرَ أنَّها غَلَبَتْ بِسَبَبِ الِاشْتِقاقِ عَلى السَّفِينَةِ الجارِيَةِ، ثُمَّ صارَ يُطْلَقُ عَلَيْها ذَلِكَ وإنْ لَمْ تَجْرِ، حَتّى يُقالُ لِلسَّفِينَةِ السّاكِنَةِ أوِ المَشْدُودَةِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ جارِيَةٌ، لِما أنَّها تَجْرِي، ولِلْمَمْلُوكَةِ الجالِسَةِ جارِيَةٌ لِلْغَلَبَةِ، تُرِكَ المَوْصُوفُ، وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ الجَوارِي﴾ أيِ السُّفُنُ الجارِياتُ، عَلى أنَّ السَّفِينَةَ أيْضًا فَعِيلَةٌ مِنَ السَّفَنِ وهو النَّحْتُ، وهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ عِنْدَ ابْنِ دُرَيْدٍ أيْ تَسْفِنُ الماءَ، أوْ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ عِنْدَ غَيْرِهِ بِمَعْنى مَنحُوتَةٍ، فالجارِيَةُ والسَّفِينَةُ جارِيَتانِ عَلى الفُلْكِ وفِيهِ لَطِيفَةٌ لَفْظِيَّةٌ: وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أمَرَ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ بِاتِّخاذِ السَّفِينَةِ، قالَ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] فَفي أوَّلِ الأمْرِ قالَ لَها: الفُلْكُ لِأنَّها بَعْدُ لَمْ تَكُنْ جَرَتْ، ثُمَّ سَمّاها بَعْدَما عَمِلَها سَفِينَةً كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥] وسَمّاها جارِيَةً كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] وقَدْ عَرَفْنا أمْرَ الفُلْكِ وجَرْيَها وصارَتْ كالمُسَمّاةِ بِها، فالفُلْكُ قَبْلَ الكُلِّ، ثُمَّ السَّفِينَةُ ثُمَّ الجارِيَةُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما مَعْنى المُنْشَئاتِ ؟ نَقُولُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المَرْفُوعاتُ مِن نَشَأتِ السَّحابَةُ إذا ارْتَفَعَتْ، وأنْشَأهُ اللَّهُ إذا رَفَعَهُ، وحِينَئِذٍ إمّا هي بِأنْفِسِها مُرْتَفِعَةٌ في البَحْرِ، وإمّا مَرْفُوعاتُ الشِّراعِ. وثانِيهِما: المُحْدَثاتُ المَوْجُوداتُ مِن أنْشَأ اللَّهُ المَخْلُوقَ أيْ خَلَقَهُ، فَإنْ قِيلَ: الوَجْهُ الثّانِي بَعِيدٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾

صفحة ٩٢

مُتَعَلِّقٌ بِالمُنْشَآتِ فَكَأنَّهُ قالَ: ولَهُ الجَوارِي الَّتِي خُلِقَتْ في البَحْرِ كالأعْلامِ، وهَذا غَيْرُ مُناسِبٍ، وأمّا عَلى الأوَّلِ فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: الجَوارِي الَّتِي دُفِعَتْ في البَحْرِ كالأعْلامِ، وذَلِكَ جَيْدٌ والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا أنَّكَ تَقُولُ: الرَّجُلُ الجَرِيءُ في الحَرْبِ كالأسَدِ فَيَكُونُ حَسَنًا، ولَوْ قُلْتَ: الرَّجُلُ العالِمُ بَدَلَ الجَرِيءِ في الحَرْبِ كالأسَدِ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، نَقُولُ: إذا تَأمَّلْتَ فِيما ذَكَرْنا مِن كَوْنِ الجارِيَةِ صِفَةً أُقِيمَتْ مَقامَ المَوْصُوفِ، كانَ الإنْشاءُ بِمَعْنى الخَلْقِ لا يُنافِي قَوْلَهُ: ﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ لِأنَّ التَّقْدِيرَ حِينَئِذٍ لَهُ السُّفُنُ الجارِيَةُ في البَحْرِ كالأعْلامِ، فَيَكُونُ أكْثَرَ بَيانًا لِلْقُدْرَةِ كَأنَّهُ قالَ: لَهُ السُّفُنُ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ كالأعْلامِ، أيْ كَأنَّها الجِبالُ والجِبالُ لا تَجْرِي إلّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فالأعْلامُ جَمْعُ العَلَمِ الَّذِي هو الجَبَلُ، وأمّا الشِّراعُ المَرْفُوعُ كالعَلَمِ الَّذِي هو مَعْرُوفٌ، فَلا عَجَبَ فِيهِ، ولَيْسَ العَجَبُ فِيهِ كالعَجَبِ في جَرْيِ الجَبَلِ في الماءِ، وتَكُونُ المُنْشَآتُ مَعْرُوفَةً، كَما أنَّكَ تَقُولُ: الرَّجُلُ الحَسَنُ الجالِسُ كالقَمَرِ فَيَكُونُ مُتَعَلِّقُ قَوْلِكَ كالقَمَرِ الحَسَنَ لا الجالِسَ، فَيَكُونُ مَنشَأً لِلْقُدْرَةِ، إذِ السُّفُنُ كالجِبالِ وْالجِبالُ لا تَجْرِي إلّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قُرِئَ ”المُنْشِآتُ“ بِكَسْرِ الشِّينِ، ويُحْتَمَلُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿كالأعْلامِ﴾، يَقُومُ مَقامَ الجُمْلَةِ، والجَوارِي مَعْرِفَةٌ ولا تُوصَفُ المَعارِفُ بِالجُمَلِ، فَلا نَقُولُ: الرَّجُلُ كالأسَدِ جاءَنِي ولا الرَّجُلُ هو أسَدٌ جاءَنِي، وتَقُولُ: رَجُلٌ كالأسَدِ جاءَنِي، ورَجُلٌ هو أسَدٌ جاءَنِي، فَلا تُحْمَلُ قِراءَةُ الفَتْحِ إلّا عَلى أنْ يَكُونَ حالًا وهو عَلى وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنْ تَجْعَلَ الكافَ اسْمًا فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: الجَوارِي المُنْشَآتُ شَبَهُ الأعْلامِ. ثانِيهِما: يُقَدِّرُ حالًا هَذا شَبَهُهُ كَأنَّهُ يَقُولُ: كالأعْلامِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فِي مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ [هود: ٤٢] .

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في جَمْعِ الجَوارِي وتَوْحِيدِ البَحْرِ وجَمْعِ الأعْلامِ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عَظَمَةِ البَحْرِ، ولَوْ قالَ: في البِحارِ لَكانَتْ كُلُّ جارِيَةٍ في بَحْرٍ، فَيَكُونُ البَحْرُ دُونَ بَحْرٍ يَكُونُ فِيهِ الجَوارِي الَّتِي هي كالجِبالِ، وأمّا إذا كانَ البَحْرُ واحِدًا وفِيهِ الجَوارِي الَّتِي هي كالجِبالِ يَكُونُ ذَلِكَ بَحْرًا عَظِيمًا وساحِلُهُ بَعِيدًا فَيَكُونُ الإنْجاءُ بِقُدْرَةٍ كامِلَةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском