Ar-RaziAr‑Rahman · 55:60–77

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ar-Rahman 55:60–77

55:60–61Page 533

هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ ٦٠

Is the reward for good [anything] but good?

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦١

So which of the favors of your Lord would you deny?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ حَتّى قِيلَ: إنَّ في القُرْآنِ ثَلاثَ آياتٍ في كُلِّ آيَةٍ مِنها مِائَةُ قَوْلٍ. الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨]، الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ ولْنَذْكُرِ الأشْهَرَ مِنها والأقْرَبَ. أمّا الأشْهَرُ فَوُجُوهٌ: أحَدُها: هَلْ جَزاءُ التَّوْحِيدِ غَيْرُ الجَنَّةِ، أيْ جَزاءُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ إدْخالُ الجَنَّةِ. ثانِيها: هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ في الدُّنْيا إلّا الإحْسانُ في الآخِرَةِ. ثالِثُها: هَلْ جَزاءُ مَن أحْسَنَ إلَيْكم في الدُّنْيا بِالنِّعَمِ وفي العُقْبى بِالنَّعِيمِ إلّا أنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِ بِالعِبادَةِ والتَّقْوى، وأمّا الأقْرَبُ فَإنَّهُ عامٌّ فَجَزاءُ كُلِّ مَن أحْسَنَ إلى غَيْرِهِ أنْ يُحْسِنَ هو إلَيْهِ أيْضًا، ولْنَذْكُرْ تَحْقِيقَ القَوْلِ فِيهِ وتَرْجِعُ الوُجُوهُ كُلُّها إلى ذَلِكَ، فَنَقُولُ: الإحْسانُ يُسْتَعْمَلُ في ثَلاثِ مَعانٍ:

أحَدُها: إثْباتُ الحُسْنِ وإيجادُهُ قالَ تَعالى: ﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] وقالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] .

ثانِيها: الإتْيانُ بِالحُسْنِ كالإظْرافِ والإغْرابِ لِلْإتْيانِ بِالظَّرِيفِ والغَرِيبِ قالَ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .

ثالِثُها: يُقالُ: فُلانٌ لا يُحْسِنُ الكِتابَةَ ولا يُحْسِنُ الفاتِحَةَ أيْ لا يَعْلَمُهُما، والظّاهِرُ أنَّ الأصْلَ في الإحْسانِ الوَجْهانِ الأوَّلانِ، والثّالِثُ مَأْخُوذٌ مِنهُما، وهَذا لا يُفْهَمُ إلّا بِقَرِينَةِ الِاسْتِعْمالِ مِمّا يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ إرادَةُ العِلْمِ، إذا عَلِمْتَ هَذا فَنَقُولُ: يُمْكِنُ حَمْلُ الإحْسانِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى مَعْنًى مُتَّحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ ويُمْكِنُ حَمْلُهُ فِيهِما عَلى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. أمّا الأوَّلُ: فَنَقُولُ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ هَلْ جَزاءُ مَن أتى بِالفِعْلِ الحَسَنِ إلّا أنْ يُؤْتى في مُقابَلَتِهِ بِفِعْلٍ حَسَنٍ، لَكِنَّ الفِعْلَ الحَسَنَ مِنَ العَبْدِ لَيْسَ كُلَّ ما يَسْتَحْسِنُهُ هو، بَلِ الحُسْنُ هو ما اسْتَحْسَنَهُ اللَّهُ مِنهُ، فَإنَّ الفاسِقَ رُبَّما يَكُونُ الفِسْقُ في نَظَرِهِ حَسَنًا ولَيْسَ بِحَسَنٍ بَلِ الحَسَنُ ما طَلَبَهُ اللَّهُ مِنهُ، كَذَلِكَ الحَسَنُ مِنَ اللَّهِ هو كُلُّ ما يَأْتِي بِهِ مِمّا يَطْلُبُهُ العَبْدُ كَما أتى العَبْدُ بِما يَطْلُبُهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي ما اشْتَهَتْ أنْفُسُهم خالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٢] وقالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ [يونس: ٢٦] أيْ ما هو حَسَنٌ عِنْدَهم. وأمّا الثّانِي: فَنَقُولُ: هَلْ جَزاءُ مَن أثْبَتَ الحُسْنَ في عَمَلِهِ في الدُّنْيا إلّا أنْ يُثْبِتَ اللَّهُ الحُسْنَ فِيهِ وفي أحْوالِهِ في الدّارَيْنِ وبِالعَكْسِ، هَلْ جَزاءُ مَن أثْبَتَ الحُسْنَ فِينا وفي صُوَرِنا وأحْوالِنا إلّا أنْ نُثْبِتَ الحُسْنَ فِيهِ أيْضًا، لَكِنَّ إثْباتَ الحُسْنِ في اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَإثْباتُ الحُسْنِ أيْضًا في أنْفُسِنا وأفْعالِنا فَنُحَسِّنُ أنْفُسَنا بِعِبادَةِ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وأفْعالَنا بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ وأحْوالَ باطِنِنا بِمَعْرِفَتِهِ تَعالى، وإلى هَذا رَجَعَتِ الإشارَةُ، ووَرَدَ في الأخْبارِ مِن حُسْنِ وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ وقُبْحِ وُجُوهِ الكافِرِينَ.

وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الحَمْلُ عَلى المَعْنَيَيْنِ فَهو أنْ تَقُولَ: عَلى جَزاءِ مَن أتى بِالفِعْلِ الحَسَنِ إلّا أنْ يُثَبِّتَ اللَّهُ فِيهِ الحُسْنَ، وفي جَمِيعِ أحْوالِهِ فَيَجْعَلُ وجْهَهُ حَسَنًا وحالَهُ حَسَنًا، ثُمَّ فِيهِ لَطائِفُ:

اللَّطِيفَةُ الأُولى: هَذِهِ إشارَةٌ إلى رَفْعِ التَّكْلِيفِ عَنِ العَوامِّ في الآخِرَةِ، وتَوْجِيهُ التَّكْلِيفِ عَلى الخَواصِّ فِيها. أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ والمُؤْمِنُ لا شَكَّ في أنَّهُ يُثابُ

صفحة ١١٦

بِالجَنَّةِ فَيَكُونُ لَهُ مِنَ اللَّهِ الإحْسانُ جَزاءً لَهُ ومَن جازى عَبْدًا عَلى عَمَلِهِ لا يَأْمُرُهُ بِشُكْرِهِ، ولِأنَّ التَّكْلِيفَ لَوْ بَقِيَ في الآخِرَةِ فَلَوْ تَرَكَ العَبْدُ القِيامَ بِالتَّكْلِيفِ لاسْتَحَقَّ العِقابَ، والعِقابُ تَرْكُ الإحْسانِ لِأنَّ العَبْدَ لَمّا عَبَدَ اللَّهَ في الدُّنْيا ما دامَ وبَقِيَ يَلِيقُ بِكَرَمِهِ تَعالى أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ ما دامَ وبَقِيَ، فَلا عِقابَ عَلى تَرْكِهِ بِلا تَكْلِيفٍ.

وأمّا الثّانِي: فَتَقُولُ خاصَّةُ اللَّهِ تَعالى عَبَدْنا اللَّهَ تَعالى في الدُّنْيا لِنِعَمٍ قَدْ سَبَقَتْ لَهُ عَلَيْنا، فَهَذا الَّذِي أعْطانا اللَّهُ تَعالى ابْتِداءَ نِعْمَةٍ وإحْسانٍ جَدِيدٍ فَلَهُ عَلَيْنا شُكْرُهُ، فَيَقُولُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ، ويَذْكُرُونَ اللَّهَ ويُثْنُونَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ نَفْسُ الإحْسانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى في حَقِّهِمْ سَبَبًا لِقِيامِهِمْ بِشُكْرِهِ، فَيَعْرِضُونَ هم عَلى أنْفُسِهِمْ عِبادَتَهُ تَعالى فَيَكُونُ لَهم بِأدْنى عِبادَةٍ شُغْلٌ شاغِلٌ عَنِ الحُورِ والقُصُورِ والأكْلِ والشُّرْبِ. فَلا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ ولا يَتَنابَذُونَ ولا يَلْعَبُونَ فَيَكُونُ حالُهم كَحالِ المَلائِكَةِ في يَوْمِنا هَذا لا يَتَناكَحُونَ ولا يَلْعَبُونَ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ تَكْلِيفًا مِثْلَ هَذِهِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لَذَّةً زائِدَةً عَلى كُلِّ لَذَّةٍ في غَيْرِها.

اللَّطِيفَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ مُحَكَّمٌ في الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الإحْسانَ هو الإتْيانُ بِما هو حَسَنٌ عِنْدَ مَن أتى بِالإحْسانِ، لَكِنَّ اللَّهَ لَمّا طَلَبَ مِنّا العِبادَةَ طَلَبَ كَما أرادَ، فَأتى بِهِ المُؤْمِنُ كَما طُلِبَ مِنهُ، فَصارَ مُحْسِنًا فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يُحْسِنَ اللَّهُ إلى عَبْدِهِ ويَأْتِي بِما هو حَسَنٌ عِنْدَهُ، وهو ما يَطْلُبُهُ كَما يُرِيدُ فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ﴾ أيْ هَلْ جَزاءُ مَن أتى بِما طَلَبْتُهُ مِنهُ عَلى حَسَبِ إرادَتِي إلّا أنْ يُؤْتى بِما طَلَبَهُ مِنِّي عَلى حَسَبِ إرادَتِهِ، لَكِنَّ الإرادَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالرُّؤْيَةِ، فَيَجِبُ بِحُكْمِ الوَعْدِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ آيَةً دالَّةً عَلى الرُّؤْيَةِ البَلْكَفِيَّةِ.

اللَّطِيفَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ ما يَفْرِضُهُ الإنْسانُ مِن أنْواعِ الإحْسانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَهو دُونَ الإحْسانِ الَّذِي وعَدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ لِأنَّ الكَرِيمَ إذا قالَ لِلْفَقِيرِ: افْعَلْ كَذا ولَكَ كَذا دِينارًا، وقالَ لِغَيْرِهِ افْعَلْ كَذا عَلى أنْ أُحْسِنَ إلَيْكَ يَكُونُ رَجاءُ مَن لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ أجْرًا أكْثَرُ مِن رَجاءِ مَن عَيَّنَ لَهُ، هَذا إذا كانَ الكَرِيمُ في غايَةِ الكَرَمِ ونِهايَةِ الغِنى، إذا ثَبَتَ هَذا فاللَّهُ تَعالى قالَ: جَزاءُ مَن أحْسَنَ إلَيَّ أنْ أُحْسِنَ إلَيْهِ بِما يُغْبَطُ بِهِ، وأُوصِلُ إلَيْهِ فَوْقَ ما يَشْتَهِيهِ، فالَّذِي يُعْطِي اللَّهُ فَوْقَ ما يَرْجُوهُ وذَلِكَ عَلى وفْقِ كَرَمِهِ وإفْضالِهِ.

55:62–67Page 533

وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ٦٢

And below them both [in excellence] are two [other] gardens -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٣

So which of the favors of your Lord would you deny? -

مُدۡهَآمَّتَانِ ٦٤

Dark green [in color].

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِمَا عَيۡنَانِ نَضَّاخَتَانِ ٦٦

In both of them are two springs, spouting.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٧

So which of the favors of your Lord would you deny?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ لَمّا ذَكَرَ الجَزاءَ ذَكَرَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ وهو جَنَّتانِ أُخْرَيانِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دُونِهِما﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: دُونِهِما في الشَّرَفِ، وهو ما اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وقالَ قَوْلُهُ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في الأُولَيَيْنِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقَوْلُهُ في هَذِهِ: ﴿عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في الأُولَيَيْنِ: ﴿عَيْنانِ تَجْرِيانِ﴾ لِأنَّ النَّضْخَ دُونَ الجَرْيِ، وقَوْلُهُ في الأُولَيَيْنِ: ﴿مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ في هاتَيْنِ: ﴿فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ وقَوْلُهُ في الأُولَيَيْنِ: ﴿فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ﴾ حَيْثُ تَرَكَ ذِكْرَ الظَّهائِرِ لِعُلُوِّها ورِفْعَتِها وعَدَمِ إدْراكِ العُقُولِ إيّاها مَعَ قَوْلِهِ في هاتَيْنِ: ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ عَطايا اللَّهِ في الآخِرَةِ

صفحة ١١٧

مُتَتابِعَةٌ لا يُعْطِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إلّا ويَظُنُّ الظّانُّ أنَّهُ ذَلِكَ أوْ خَيْرٌ مِنهُ. ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ تَقْرِيرًا لِما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الجَنَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ دُونَ الأُولَيَيْنِ لِذُرِّيَتِهِمُ الَّذِينَ ألْحَقَهُمُ اللَّهُ بِهِمْ ولِأتْباعِهِمْ، ولَكِنَّهُ إنَّما جَعَلَهُما لَهم إنْعامًا عَلَيْهِمْ، أيْ هاتانِ الأُخْرَيانِ لَكم أسْكِنُوا فِيهِما مَن تُرِيدُونَ. الثّانِي: أنَّ المُرادَ دُونَهُما في المَكانِ كَأنَّهم في جَنَّتَيْنِ ويَطَّلِعُوا مِن فَوْقُ عَلى جَنَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ دُونَهُما، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةَ. والغُرَفُ العالِيَةُ عِنْدَها أفْنانٌ، والغُرَفُ الَّتِي دُونَها أرْضُها مُخْضَرَّةٌ، وعَلى هَذا فَفي الآياتِ لَطائِفُ:

الأُولى: قالَ في الأُولَيَيْنِ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وقالَ في هاتَيْنِ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ أيْ مُخْضَرَّتانِ في غايَةِ الخُضْرَةِ، وادْهامَّ الشَّيْءُ أيِ اسْوادَّ لَكِنْ لا يُسْتَعْمَلُ في بَعْضِ الأشْياءِ والأرْضُ إذا اخْضَرَّتْ غايَةَ الخُضْرَةِ تَضْرِبُ إلى أسْوَدَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: الأرْضُ الخالِيَةُ عَنِ الزَّرْعِ يُقالُ لَها: بَياضٌ، وإذا كانَتْ مَعْمُورَةً يُقالُ لَها: سَوادُ أرْضٍ كَما يُقالُ: سَوادُ البَلَدِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَيْكم بِالسَّوادِ الأعْظَمِ ومَن كَثَّرَ سَوادَ قَوْمٍ فَهو مِنهم» والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ ابْتِداءَ الألْوانِ هو البَياضُ وانْتِهاءَها هو السَّوادُ، فَإنَّ الأبْيَضَ يَقْبَلُ كُلَّ لَوْنٍ، والأسْوَدَ لا يَقْبَلُ شَيْئًا مِنَ الألْوانِ، ولِهَذا يُطْلَقُ الكافِرُ عَلى الأسْوَدِ، ولا يُطْلَقُ عَلى لَوْنٍ آخَرَ، ولَمّا كانَتِ الخالِيَةُ عَنِ الزَّرْعِ مُتَّصِفَةً بِالبَياضِ والخالِيَةُ بِالسَّوادِ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُما تَحْتَ الأُولَيَيْنِ مَكانًا، فَهم إذا نَظَرُوا إلى ما فَوْقَهم، يَرَوْنَ الأفْنانَ تُظِلُّهم، وإذا نَظَرُوا إلى ما تَحْتَهم يَرَوْنَ الأرْضَ مُخْضَرَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ أيْ فائِرَتانِ ماؤُهُما مُتَحَرِّكٌ إلى جِهَةِ فَوْقُ، وأمّا العَيْنانِ المُتَقَدِّمَتانِ فَتَجْرِيانِ إلى صَوْبِ المُؤْمِنِينَ فَكِلاهُما حَرَكَتُهُما إلى جِهَةِ مَكانِ أهْلِ الإيمانِ، وأمّا قَوْلُ صاحِبِ الكَشّافِ: النَّضْخُ دُونَ الجَرْيِ فَغَيْرُ لازِمٍ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الجَرْيُ يَسِيرًا والنَّضْخُ قَوِيًّا كَثِيرًا، بَلِ المُرادُ أنَّ النَّضْخَ فِيهِ الحَرَكَةُ إلى جِهَةِ العُلُوِّ، والعَيْنانِ في مَكانِ المُؤْمِنِينَ، فَحَرَكَةُ الماءِ تَكُونُ إلى جِهَتِهِمْ، فالعَيْنانِ الأُولَيانِ في مَكانِهِمْ فَتَكُونُ حَرَكَةُ مائِهِما إلى صَوْبِ المُؤْمِنِينَ جَرْيًا.

55:68–77Page 534

فِيهِمَا فَٰكِهَةٞ وَنَخۡلٞ وَرُمَّانٞ ٦٨

In both of them are fruit and palm trees and pomegranates.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٩

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِنَّ خَيۡرَٰتٌ حِسَانٞ ٧٠

In them are good and beautiful women -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧١

So which of the favors of your Lord would you deny? -

حُورٞ مَّقۡصُورَٰتٞ فِي ٱلۡخِيَامِ ٧٢

Fair ones reserved in pavilions -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٣

So which of the favors of your Lord would you deny? -

لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ ٧٤

Untouched before them by man or jinnī -

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٥

So which of the favors of your Lord would you deny? -

مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ ٧٦

Reclining on green cushions and beautiful fine carpets.

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٧

So which of the favors of your Lord would you deny?

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ أرْضِيَّةٌ نَحْوَ البِطِّيخِ وغَيْرِهِ مِنَ الأرْضِيّاتِ المَزْرُوعاتِ، وشَجَرِيَّةٌ نَحْوَ النَّخْلِ وغَيْرِهِ مِنَ الشَّجَرِيّاتِ فَقالَ: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ بِأنْواعِ الخُضَرِ الَّتِي مِنها الفَواكِهُ الأرْضِيَّةُ وفِيهِما أيْضًا الفَواكِهُ الشَّجَرِيَّةُ، وذَكَرَ مِنها نَوْعَيْنِ وهُما الرَّمّانُ والرُّطَبُ لِأنَّهُما مُتَقابِلانِ، فَأحَدُهُما حُلْوٌ والآخَرُ غَيْرُ حُلْوٍ. وكَذَلِكَ أحَدُهُما حارٌّ والآخَرُ بارِدٌ، وأحَدُهُما فاكِهَةٌ وغِذاءٌ، والآخَرُ فاكِهَةٌ، وأحَدُهُما مِن فَواكِهِ البِلادِ الحارَّةِ والآخَرُ مِن فَواكِهِ البِلادِ البارِدَةِ، وأحَدُهُما أشْجارُهُ في غايَةِ الطُّولِ والآخَرُ أشْجارُهُ بِالضِّدِّ، وأحَدُهُما ما يُؤْكَلُ مِنهُ بارِزٌ وما لا يُؤْكَلُ كامِنٌ، والآخَرُ بِالعَكْسِ، فَهُما كالضِّدَّيْنِ والإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ تَتَناوَلُ الإشارَةَ إلى ما بَيْنَهُما، كَما قالَ:

صفحة ١١٨

﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] وقَدَّمْنا ذَلِكَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أيْ في باطِنِهِنَّ الخَيْرُ وفي ظاهِرِهِنَّ الحُسْنُ والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرَةٍ. وقَدْ بَيَّنّا أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿كَأنَّهُنَّ﴾ إشارَةً إلى كَوْنِهِنَّ حِسانًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ .

إشارَةٌ إلى عَظَمَتِهِنَّ فَإنَّهُنَ ما قَصُرْنَ حَجْرًا عَلَيْهِنَّ، وإنَّما ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ضَرْبِ الخِيامِ لَهُنَّ وإدْلاءِ السِّتْرِ عَلَيْهِنَّ، والخَيْمَةُ مَبِيتُ الرَّجُلِ كالبَيْتِ مِنَ الخَشَبِ، حَتّى أنَّ العَرَبَ تُسَمِّي البَيْتَ مِنَ الشَّعْرِ خَيْمَةً لِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْإقامَةِ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْنى في غايَةِ اللُّطْفِ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ في الجَنَّةِ لا يَحْتاجُ إلى التَّحَرُّكِ لِشَيْءٍ وإنَّما الأشْياءُ تَتَحَرَّكُ إلَيْهِ فالمَأْكُولُ والمَشْرُوبُ يَصِلُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ مِنهُ، ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِما يَشْتَهُونَهُ فالحُورُ يَكُنَّ في بُيُوتٍ، وعِنْدَ الِانْتِقالِ إلى المُؤْمِنِينَ في وقْتِ إرادَتِهِمْ تَسِيرُ بِهِنَّ لِلِارْتِحالِ إلى المُؤْمِنِينَ خِيامٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ قُصُورٌ تَنْزِلُ الحُورُ مِنَ الخِيامِ إلى القُصُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما الحِكْمَةُ في تَأْخِيرِ ذِكْرِ اتِّكائِهِمْ عَنْ ذِكْرِ نِسائِهِمْ في هَذا المَوْضِعِ مَعَ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ اتِّكائِهِمْ عَلى ذِكْرِ نِسائِهِمْ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ حَيْثُ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] ثُمَّ قالَ: ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ وقالَ هَهُنا: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ تَعَبٌ وحَرَكَةٌ فَهم مُنَعَّمُونَ دائِمًا لَكِنَّ النّاسَ في الدُّنْيا عَلى أقْسامٍ مِنهم مَن يَجْتَمِعْ مَعَ أهْلِهِ اجْتِماعَ مُسْتَفِيضٍ وعِنْدَ قَضاءِ وطَرِهِ يَسْتَعْمِلُ الِاغْتِسالَ والِانْتِشارَ في الأرْضِ لِلْكَسْبِ، ومِنهم مَن يَكُونُ مُتَرَدِّدًا في طَلَبِ الكَسْبِ وعِنْدَ تَحْصِيلِهِ يَرْجِعُ إلى أهْلِهِ ويُرِيحُ قَلْبَهُ مِنَ التَّعَبِ قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ فَيَكُونُ التَّعَبُ لازِمًا قَبْلَ قَضاءِ الوَطَرِ أوْ بَعْدَهُ فاللَّهُ تَعالى قالَ في بَيانِ أهْلِ الجَنَّةِ: مُتَّكِئِينَ قَبْلَ الِاجْتِماعِ بِأهْلِهِمْ وبَعْدَ الِاجْتِماعِ كَذَلِكَ، لِيُعْلَمَ أنَّهم دائِمًا عَلى السُّكُونِ فَلا تَعَبَ لَهم لا قَبْلَ الِاجْتِماعِ ولا بَعْدَ الِاجْتِماعِ. وثانِيهِما: هو أنّا بَيَّنّا في الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ أنَّ الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ لِأهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ جاهُدُوا والمُتَأخِّرِينَ لِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِهِمْ، فَهم فِيهِما وأهْلُهم في الخِيامِ مُنْتَظِراتٌ قُدُومَ أزْواجِهِنَّ، فَإذا دَخَلَ المُؤْمِنُ جَنَّتَهُ الَّتِي هي سُكْناهُ يَتَّكِئُ عَلى الفُرُشِ وتَنْتَقِلُ إلَيْهِ أزْواجُهُ الحِسانُ، فَكَوْنُهُنَّ في الجَنَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ بَعْدَ اتِّكائِهِمْ عَلى الفُرُشِ، وأمّا كَوْنُهم في الجَنَّتَيْنِ المُتْأخِّرَتَيْنِ فَذَلِكَ حاصِلٌ في يَوْمِنا، واتِّكاءُ المُؤْمِنِ غَيْرُ حاصِلٍ في يَوْمِنا، فَقَدْ ذَكَرَ كَوْنُهُنَّ فِيهِنَّ هُنا وأخَّرَهُ هُناكَ. و﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ وذَلِكَ في قُوَّةِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إلّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم يَطْمِثُوهُنَّ مُتَّكِئِينَ، وما ذَكَرْنا مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ﴾ يُقالُ هُنا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الرَّفْرَفُ إمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ مِن رَفَّ الزَّرْعُ إذا بَلَغَ مِن نَضارَتِهِ فَيَكُونُ مُناسِبًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ أنَّهم مُتَّكِئُونَ عَلى الرِّياضِ والثِّيابِ العَبْقَرِيَّةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن رَفْرَفَةِ الطّائِرِ،

صفحة ١١٩

وهِيَ حَوْمُهُ في الهَواءِ حَوْلَ ما يُرِيدُ النُّزُولَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم عَلى بُسُطٍ مَرْفُوعَةٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ أنَّهُما دُونَهُما في المَكانِ حَيْثُ رُفِعَتْ فُرُشُهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُضْرٍ﴾ صِيغَةُ جَمْعٍ فالرَّفْرَفُ يَكُونُ جَمْعًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ ويَكُونُ واحِدُهُ رَفْرَفَةً كَحَنْظَلَةٍ، والجَمْعُ في مُتَّكِئِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ دَلَّ عَلى أنَّهم عَلى رَفارِفَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الفُرُشِ والرَّفْرَفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: رَفارِفَ اكْتِفاءً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وقالَ: ﴿فُرُشٍ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ نَقُولُ: جَمْعُ الرُّباعِيِّ أثْقَلُ مِن جَمْعِ الثُّلاثِيِّ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ لِلْجَمْعِ في الرُّباعِي إلّا مِثالٌ واحِدٌ وأمْثِلَةُ الجَمْعِ في الثُّلاثِي كَثِيرَةٌ وقَدْ قُرِئَ: ”عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ“، و”رَفارِفَ خِضارٍ“ و”عَباقِرَ“ .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: إذا قُلْنا: إنَّ الرَّفْرَفَ هي البُسُطُ فَما الفائِدَةُ في الخُضْرِ حَيْثُ وصَفَ تَعالى ثِيابَ الجَنَّةِ بِكَوْنِها خُضْرًا قالَ تَعالى: ﴿ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] ؟ نَقُولُ: مَيْلُ النّاسِ إلى اللَّوْنِ الأخْضَرِ في الدُّنْيا أكْثَرُ، وسَبَبُ المَيْلِ إلَيْهِ هو أنَّ الألْوانَ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها أُصُولُ الألْوانِ سَبْعَةٌ وهي الشَّفّافُ وهو الَّذِي لا يَمْنَعُ نُفُوذَ البَصَرِ فِيهِ ولا يَحْجُبُ ما وراءَهُ كالزُّجاجِ والماءِ الصّافِي وغَيْرِهِما ثُمَّ الأبْيَضُ بَعْدَهُ ثُمَّ الأصْفَرُ ثُمَّ الأحْمَرُ ثُمَّ الأخْضَرُ ثُمَّ الأزْرَقُ ثُمَّ الأسْوَدُ، والأظْهَرُ أنَّ الألْوانَ الأصْلِيَّةَ ثَلاثَةٌ الأبْيَضُ والأسْوَدُ وبَيْنَهُما غايَةُ الخِلافِ والأحْمَرُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ، فَإنَّ الدَّمَ خُلِقَ عَلى اللَّوْنِ المُتَوَسِّطِ، فَإنْ لَمْ تَكُنِ الصِّحَّةُ عَلى ما يَنْبَغِي فَإنْ كانَ لِفَرْطِ البُرُودَةِ فِيهِ كانَ أبْيَضَ وإنْ كانَ لِفَرْطِ الحَرارَةِ فِيهِ كانَ أسْوَدَ لَكِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ يَحْصُلُ مِنها الألْوانُ الأُخَرُ، فالأبْيَضُ إذا امْتَزَجَ بِالأحْمَرِ حَصَلَ الأصْفَرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَزْجُ اللَّبَنِ الأبْيَضِ بِالدَّمِ وغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ الحُمْرِ، وإذا امْتَزَجَ الأبْيَضُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ اللَّوْنُ الأزْرَقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ خَلْطُ الجَصِّ المَدْقُوقِ بِالفَحْمِ وإذا امْتَزَجَ الأحْمَرُ بِالأسْوَدِ حَصَلَ الأزْرَقُ أيْضًا لَكِنَّهُ إلى السَّوادِ أمْيَلُ، وإذا امْتَزَجَ الأصْفَرُ بِالأزْرَقِ حَصَلَ الأخْضَرُ مِنَ الأصْفَرِ والأزْرَقِ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الأصْفَرَ مِنَ الأبْيَضِ والأحْمَرِ والأزْرَقَ مِنَ الأبْيَضِ والأسْوَدِ والأحْمَرِ والأسْوَدِ فالأخْضَرُ حَصَلَ فِيهِ الألْوانُ الثَّلاثَةُ الأصْلِيَّةُ فَيَكُونُ مَيْلُ الإنْسانِ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى الألْوانِ الأصْلِيَّةِ وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، والأقْرَبُ أنَّ الأبْيَضَ يُفَرِّقُ البَصَرُ ولِهَذا لا يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى إدامَةِ النَّظَرِ في الأرْضِ عِنْدَ كَوْنِها مَسْتُورَةً بِالثَّلْجِ، وإنَّهُ يُورِثُ الجَهْرَ والنَّظَرَ إلى الأشْياءِ السُّودِ يَجْمَعُ البَصَرَ ولِهَذا كَرِهَ الإنْسانُ النَّظَرَ إلَيْهِ وإلى الأشْياءِ الحُمْرِ كالدَّمِ، والأخْضَرُ لَمّا اجْتَمَعَ فِيهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ دَفَعَ بَعْضُها أذى بَعْضٍ، وحَصَلَ اللَّوْنُ المُمْتَزِجُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي في بَدَنِ الإنْسانِ وهي الأحْمَرُ والأبْيَضُ والأصْفَرُ والأسْوَدُ، ولَمّا كانَ مَيْلُ النَّفْسِ في الدُّنْيا إلى الأخْضَرِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ ما هو عَلى مُقْتَضى طَبْعِهِ في الدُّنْيا.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: العَبْقَرِيُّ مَنسُوبٌ إلى عَبْقَرٍ وهو عِنْدَ العَرَبِ مَوْضِعٌ مِن مَواضِعِ الجِنِّ فالثِّيابُ المَعْمُولَةُ عَمَلًا جَيِّدًا يُسَمُّونَها عَبْقَرِيّاتٍ مُبالَغَةً في حُسْنِها كَأنَّها لَيْسَتْ مِن عَمَلِ الإنْسِ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الثِّيابِ أيْضًا حَتّى يُقالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلًا عَجِيبًا هو عَبْقَرِيٌّ أيْ مِن ذَلِكَ البَلَدِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في المَنامِ الَّذِي رَآهُ: «فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النّاسِ يَفْرِي فَرْيَهُ» واكْتَفى بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ ووَصَفَهُ بِما تُوصَفُ بِهِ الجُمُوعُ فَقالَ ”حِسانٍ“، وذَلِكَ لَمّا بَيَّنّا أنَّ جَمْعَ الرُّباعِيِّ يُسْتَثْقَلُ بَعْضَ الِاسْتِثْقالِ، وأمّا مَن قَرَأ: ”عَباقِرِيٍّ“ فَقَدْ جَعَلَ اسْمَ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَباقِرَ فَإنْ زَعَمَ أنَهُ جَمَعَهُ فَقَدْ وهِمَ، وإنْ جَمَعَ العَبْقَرِيَّ ثُمَّ نَسَبَ فَقَدِ التَزَمَ تَكَلُّفًا خِلافَ ما كَلَّفَ

صفحة ١٢٠

الأُدَباءُ التِزامَهُ فَإنَّهم في الجَمْعِ إذا نَسَبُوا رَدُّوهُ إلى الواحِدِ وهَذا القارِئُ تَكَلَّفَ في الواحِدِ ورَدَّهُ إلى الجَمْعِ ثُمَّ نَسَبَهُ؛ لِأنَّ عِنْدَ العَرَبِ لَيْسَ في الوُجُودِ بِلادٌ كُلُّها عَبْقَرٌ حَتّى تُجْمَعَ، ويُقالُ: عَباقِرُ، فَهَذا تَكَلُّفُ الجَمْعِ فِيما لا جَمْعَ لَهُ ثُمَّ نُسِبَ إلى ذَلِكَ الجَمْعِ، والأُدَباءُ تَكْرَهُ الجَمْعَ فِيما يُنْسَبُ لِئَلّا يَجْمَعُوا بَيْنَ الجَمْعِ والنِّسْبَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском