Ar-RaziAl‑Waqi'ah · 56:56–64

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Waqi'ah 56:56–64

56:56–59Page 536

هَٰذَا نُزُلُهُمۡ يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٥٦

That is their accommodation on the Day of Recompense.

نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ ٥٧

We have created you, so why do you not believe?

أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ ٥٨

Have you seen that which you emit?1

ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٥٩

Is it you who creates it, or are We the Creator?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ .

يَعْنِي لَيْسَ هَذا كُلَّ العَذابِ بَلْ هَذا أوَّلُ ما يَلْقَوْنَهُ وهو بَعْضٌ مِنهُ وأقْطَعُ لِأمْعائِهِمْ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ دَلِيلًا عَلى كَذِبِهِمْ وصِدْقِ الرُّسُلِ في الحَشْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ إلْزامٌ عَلى الإقْرارِ بِأنَّ الخالِقَ في الِابْتِداءِ هو اللَّهُ تَعالى، ولَمّا كانَ قادِرًا عَلى الخَلْقِ أوَّلًا كانَ قادِرًا عَلى الخَلْقِ ثانِيًا، ولا مَجالَ لِلنَّظَرِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ تَعالى وتَقَدَّسَ، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ، بَلْ يَشُكُّونَ ويَقُولُونَ: الخَلْقُ الأوَّلُ مِن مَنِيٍّ بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، فَنَقُولُ: المَنِيُّ مِنَ الأُمُورِ المُمْكِنَةِ ولا وُجُودَ لِلْمُمْكِنِ بِذاتِهِ بَلْ بِالغَيْرِ عَلى ما عُرِفَ، فَيَكُونُ المَنِيُّ مِنَ القادِرِ القاهِرِ، وكَذَلِكَ خَلْقُ الطَّبِيعَةِ وغَيْرِها مِنَ الحادِثاتِ أيْضًا، فَقالَ لَهم: هَلْ تَشُكُّونَ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَكم أوَّلًا أمْ لا ؟ فَإنْ قالُوا: لا نَشُكُّ في أنَّهُ خالِقُنا، فَيُقالُ: فَهَلْ تُصَدِّقُونَ أيْضًا بِخَلْقِكم ثانِيًا ؟ فَإنَّ مَن خَلَقَكم أوَّلًا مِن لا شَيْءٍ لا يَعْجِزُ أنْ يَخْلُقَكم ثانِيًا مِن أجْزاءٍ هي عِنْدَهُ مَعْلُومَةٌ، وإنْ كُنْتُمْ تَشُكُّونَ وتَقُولُونَ: الخَلْقُ لا يَكُونُ إلّا مِن مَنِيٍّ وبَعْدَ المَوْتِ لا والِدَةَ ولا مَنِيَّ، فَيُقالُ لَهم: هَذا المَنِيُّ أنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمِ اللَّهُ، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ وبِقُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ وعَمَلِهِ، فَذَلِكَ يُلْزِمُكُمُ القَوْلَ بِجَوازِ الحَشْرِ وصِحَّتِهِ، و﴿فَلَوْلا﴾ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن كَلِمَتَيْنِ مَعْناها التَّحْضِيضُ والحَثُّ والأصْلُ فِيهِ: لِمَ لا، فَإذا قُلْتَ: لِمَ لا أكَلْتَ ولِمَ ما أكَلْتَ، جازَ الِاسْتِفْهامانِ، فَإنَّ مَعْناهُ لا عِلَّةَ لِعَدَمِ الأكْلِ ولا يُمْكِنُكَ أنْ تَذْكُرَ عِلَّةً لَهُ، كَما تَقُولُ: لِمَ فَعَلْتَ ؟ مُوَبِّخًا، يَكُونُ مَعْناهُ فَعَلْتَ أمْرًا لا سَبَبَ لَهُ ولا يُمْكِنُكَ ذِكْرُ سَبَبٍ لَهُ، ثُمَّ إنَّهم تَرَكُوا حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ العِلَّةِ وأتَوْا بِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ عَنِ الحُكْمِ، فَقالُوا: هَلّا فَعَلْتَ ؟ كَما يَقُولُونَ في مَوْضِعٍ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا وأنْتَ تَعْلَمُ فَسادَهُ، أتَفْعَلُ هَذا وأنْتَ عاقِلٌ ؟ وفِيهِ زِيادَةُ حَثٍّ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: لِمَ فَعَلْتَ حَقِيقَتُهُ سُؤالٌ عَنِ العِلَّةِ، ومَعْناهُ أنَّ عِلَّتَهُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وغَيْرُ ظاهِرَةٍ، فَلا يَجُوزُ ظُهُورُ وُجُودِهِ، وقَوْلُهُ: أفَعَلْتَ، سُؤالٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ، ومَعْناهُ أنَّهُ في جِنْسِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، والسّائِلُ عَنِ العِلَّةِ كَأنَّهُ سَلَّمَ الوُجُودَ وجَعَلَهُ مَعْلُومًا وسَألَ عَنِ العِلَّةِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: زَيْدٌ جاءَ فَلِمَ جاءَ، والسّائِلُ عَنِ الوُجُودِ لَمْ يُسَلِّمْهُ، وقَوْلُ القائِلِ: لِمَ فَعَلْتَ وأنْتَ تَعْلَمُ ما فِيهِ دُونَ قَوْلِهِ: أفَعَلْتَ وأنْتَ تَعْلَمُ ما فِيهِ؛ لِأنَّ في الأوَّلِ جَعَلَهُ كالمُصِيبِ في فِعْلِهِ لِعِلَّةٍ خَفِيَّةٍ تُطْلَبُ مِنهُ، وفي الثّانِي جَعَلَهُ مُخْطِئًا في أوَّلِ الأمْرِ، وإذا عُلِمَ ما بَيْنَ لِمَ فَعَلْتَ، وأفَعَلْتَ، عُلِمَ ما بَيْنَ لِمَ تَفْعَلُ وهَلّا تَفْعَلُ، وأمّا ﴿فَلَوْلا﴾ فَنَقُولُ: هي كَلِمَةُ شَرْطٍ في الأصْلِ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ غَيْرُ مَجْزُومَةٍ بِها كَما أنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ غَيْرُ مَجْزُومٍ بِهِ لَكِنَّ لَوْلا تَدُلُّ عَلى الِاعْتِسافِ وتَزِيدُ نَفْيَ النَّظَرِ والتَّوانِي، فَيَقُولُ: لَوْلا تُصَدِّقُونَ، بَدَلَ قَوْلِهِ: لِمَ لا، وهَلّا؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى نَفْيِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ وهو عَدَمُ التَّصْدِيقِ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ لَوْلا تَدْخُلُ عَلى فِعْلٍ ماضٍ عَلى مُسْتَقْبَلٍ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَما وجْهُ اخْتِصاصِ المُسْتَقْبَلِ هَهُنا بِالذِّكْرِ، وهَلّا قالَ: فَلَوْلا صَدَّقْتُمْ ؟ نَقُولُ: هَذا كَلامٌ مَعَهم في الدُّنْيا والإسْلامُ فِيها مَقْبُولٌ ويَجُبُّ ما قَبْلَهُ فَقالَ: لِمَ لا تُصَدِّقُونَ في ساعَتِكم، والدَّلائِلُ واضِحَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ والفائِدَةُ حاصِلَةٌ، فَأمّا في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ لَمْ تَكُنِ الفائِدَةُ تَحْصُلُ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ فَقالَ: لَوْ سافَرْتُمْ

صفحة ١٥٤

لَحَصَلَ لَكُمُ الفائِدَةُ في الحالِ وقَدْ فاتَ ذَلِكَ، فَإنْ كُنْتُمْ لا تُسافِرُونَ في الحالِ تَفُوتُكُمُ الفائِدَةُ أيْضًا في الِاسْتِقْبالِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ مِن تَقْرِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ قالَ الطَّبِيعِيُّونَ: نَحْنُ مَوْجُودُونَ مِن نُطَفِ الخَلْقِ بِجَواهِرَ كامِنَةٍ وقَبْلَ كُلِّ واحِدٍ نُطْفَةُ واحِدٍ فَقالَ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ: هَلْ رَأيْتُمْ هَذا المَنِيَّ وأنَّهُ جِسْمٌ ضَعِيفٌ مُتَشابِهُ الصُّورَةِ لا بُدَّ لَهُ مِن مُكَوِّنٍ، فَأنْتُمْ خَلَقْتُمُ النُّطْفَةَ أمْ غَيْرُكم خَلَقَها، ولا بُدَّ مِن الِاعْتِرافِ بِخالِقٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ الباطِلِ وإلى رَبِّنا المُنْتَهى، ولا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ مِن أوَّلِ ما خَلَقَ اللَّهُ النُّطْفَةَ وصَوَّرَها وأحْياها ونَوَّرَها فَلِمَ لا تُصَدِّقُونَ أنَّهُ واحِدٌ أحَدٌ صَمَدٌ قادِرٌ عَلى الأشْياءِ، فَإنَّهُ يُعِيدُكم كَما أنْشَأكم في الِابْتِداءِ، والِاسْتِفْهامُ يُفِيدُ زِيادَةَ تَقْرِيرٍ وقَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ مِرارًا.

56:60–62Page 536

نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٦٠

We have decreed death among you, and We are not to be outdone

عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦١

In that We will change your likenesses and produce you in that [form] which you do not know.1

وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢

And you have already known the first creation, so will you not remember?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في التَّرْتِيبِ فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] فَقالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ فَمَن قَدَرَ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ وهُما ضِدّانِ ثَبَتَ كَوْنُهُ مُخْتارًا فَيُمْكِنُ الإحْياءُ ثانِيًا مِنهُ بَعْدَ الإماتَةِ بِخِلافِ ما لَوْ كانَ الإحْياءُ مِنهُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الإماتَةِ فَيُظَنُّ بِهِ أنَّهُ مُوجَبٌ لا مُخْتارٌ، والمُوجَبُ لا يَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُمْكِنٍ فَقالَ: نَحْنُ خَلَقْناكم وقَدَّرْنا المَوْتَ بَيْنَكم فانْظُرُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنّا قادِرُونَ أنْ نُنْشِئَكم.

ثانِيهِما: أنَّهُ جَوابٌ عَنْ قَوْلِ مُبْطِلٍ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنِ الحَياةُ والمَوْتُ بِأُمُورٍ طَبِيعِيَّةٍ في الأجْسامِ مِن حَراراتٍ ورُطُوباتٍ إذا تَوَفَّرَتْ بَقِيَتْ حَيَّةً، وإذا نَقَصَتْ وفَنِيَتْ ماتَتْ لَمْ يَقَعِ المَوْتُ وكَيْفَ يَلِيقُ بِالحَكِيمِ أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا يُتْقِنُ خَلْقَهُ ويُحْسِنُ صُورَتَهُ ثُمَّ يُفْسِدُهُ ويُعْدِمُهُ ثُمَّ يُعِيدُهُ ويُنْشِئُهُ، فَقالَ تَعالى: نَحْنُ قَدَّرْنا المَوْتَ، ولا يَرُدُّ قَوْلَكم: لِماذا أعْدَمَ ولِماذا أنْشَأ ولِماذا هَدَمَ ؟ لِأنَّ كَمالَ القُدْرَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ وإنَّما يَقْبُحُ مِنَ الصّائِغِ والبانِي صِياغَةُ شَيْءٍ وبِناؤُهُ وكَسْرُهُ وإنْشاؤُهُ؛ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى صَرْفِ زَمانٍ إلَيْهِ وتَحَمُّلِ مَشَقَّةٍ وما مَثَلُهُ إلّا مَثَلُ إنْسانٍ يَنْظُرُ إلى شَيْءٍ فَيَقْطَعُ نَظَرَهُ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ثُمَّ يُعاوِدُهُ ولا يُقالُ لَهُ: لِمَ قَطَعْتَ النَّظَرَ ولِمَ نَظَرْتَ إلَيْهِ، ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠] مِن هَذا؛ لِأنَّ هُنا لا بُدَّ مِن حَرَكَةٍ وزَمانٍ ولَوْ تَوارَدَ عَلى الإنْسانِ أمْثالُهُ لَتَعِبَ لَكِنْ في المَرَّةِ الواحِدَةِ لا يَثْبُتُ التَّعَبُ واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ التَّعَبِ ولا افْتِقارَ لِفِعْلِهِ إلى زَمانٍ ولا زَمانَ لِفِعْلِهِ ولا إلى حَرَكَةٍ بِجِرْمٍ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ ألْطَفُ مِنها، وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ مَعْناهُ أفَرَأيْتُمْ ذَلِكَ مَيِّتًا لا حَياةَ فِيهِ وهو مَنِيٌّ، ولَوْ تَفَكَّرْتُمْ فِيهِ لَعَلِمْتُمْ أنَّهُ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ حَيًّا مُتَّصِلًا بِحَيٍّ وكانَ أجْزاءً مُدْرِكَةً مُتَألِّمَةً مُتَلَذِّذَةً ثُمَّ إذا أمْنَيْتُمُوهُ لا تَسْتَرِيبُونَ في كَوْنِهِ مَيِّتًا كالجَماداتِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُهُ آدَمِيًّا ويَجْعَلُهُ بَشَرًا سَوِيًّا فالنُّطْفَةُ كانَتْ قَبْلَ الِانْفِصالِ حَيَّةً، ثُمَّ صارَتْ مَيِّتَةً ثُمَّ أحْياها اللَّهُ تَعالى مَرَّةً أُخْرى فاعْلَمُوا أنَّما إذا خَلَقْناكم أوَّلًا ثُمَّ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ ثانِيًا ثُمَّ نُنْشِئُكم مَرَّةً أُخْرى فَلا تَسْتَبْعِدُوا ذَلِكَ كَما في النُّطَفِ.

صفحة ١٥٥

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ هَذا المَوْضِعِ وبَيْنَ أوَّلِ سُورَةِ تَبارَكَ حَيْثُ قالَ هُناكَ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ بِتَقْدِيمِ ذِكْرِ المَوْتِ ؟ نَقُولُ: الكَلامُ هُنا عَلى التَّرْتِيبِ الأصْلِيِّ كَما قالَ تَعالى في مَواضِعَ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥] وأمّا في سُورَةِ المُلْكِ فَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فائِدَتَها ومَرْجِعَها إلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ قالَ: خَلَقَ المَوْتَ في النُّطَفِ بَعْدَ كَوْنِها حَيَّةً عِنْدَ الِاتِّصالِ ثُمَّ خَلَقَ الحَياةَ فِيها بَعْدَ المَوْتِ وهو دَلِيلُ الحَشْرِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ المَوْتِ هُنا المَوْتُ الَّذِي بَعْدَ الحَياةِ، والمُرادُ هُناكَ الَّذِي قَبْلَ الحَياةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾ وقالَ في سُورَةِ المُلْكِ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ فَذَكَرَ المَوْتَ والحَياةَ بِلَفْظِ الخَلْقِ، وهَهُنا قالَ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ وقالَ: ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ فَنَقُولُ: كانَ المُرادُ هُناكَ بَيانَ كَوْنِ المَوْتِ والحَياةِ مَخْلُوقَيْنِ مُطْلَقًا لا في النّاسِ عَلى الخُصُوصِ، وهُنا لَمّا قالَ: ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ خَصَّصَهم بِالذِّكْرِ فَصارَ كَأنَّهُ قالَ: خَلَقْنا حَياتَكم، فَلَوْ قالَ: نَحْنُ قَدَّرْنا مَوْتَكم، كانَ يَنْبَغِي أنَّهُ يُوجَدُ مَوْتُهم في الحالِ ولَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، ولِهَذا قالَ: ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ﴾ وأمّا هُناكَ فالمَوْتُ والحَياةُ كانا مَخْلُوقَيْنِ في مَحَلَّيْنِ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضٍ مَخْصُوصٍ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَلْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَيْنَكُمُ﴾ بَدَلًا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الألْفاظِ فائِدَةٌ ؟ نَقُولُ: نَعَمْ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي تَبِينُ بِالنَّظَرِ إلى الألْفاظِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَها فَنَقُولُ: قَدَّرْنا لَكُمُ المَوْتَ، وقَدَّرْنا فِيكُمُ المَوْتَ، فَقَوْلُهُ: قَدَّرْنا فِيكم يُفِيدُ مَعْنى الخَلْقِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ يَسْتَدْعِي كَوْنَهُ ظَرْفًا لَهُ إمّا ظَرْفُ حُصُولٍ فِيهِ أوْ ظَرْفُ حُلُولٍ فِيهِ كَما يُقالُ: البَياضُ في الجِسْمِ والكَحَلُ في العَيْنِ، فَلَوْ قالَ: قَدَّرْنا فِيكُمُ المَوْتَ لَكانَ مَخْلُوقًا فِينا ولَيْسَ كَذَلِكَ، وإنْ قُلْنا: قَدَّرْنا لَكُمُ المَوْتَ كانَ ذَلِكَ يُنْبِئُ عَنْ تَأخُّرِهِ عَنِ النّاسِ فَإنَّ القائِلَ إذا قالَ: هَذا مُعَدٌّ لَكَ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ اليَوْمَ لِغَيْرِكَ وغَدًا لَكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] .

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ المَشْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنهُ: وما نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ عاجِزِينَ عَنْ خَلْقِ أمْثالِكم وإعادَتِكم بَعْدَ تَفَرُّقِ أوْصالِكم، يُقالُ: فاتَهُ الشَّيْءُ إذا غَلَبَهُ ولَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ ومِثْلُهُ سَبَقَهُ وعَلى هَذا نُعِيدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّرْتِيبِ، ونَقُولُ: إذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ﴾ لِبَيانِ أنَّهُ خَلَقَ الحَياةَ وقَدَّرَ المَوْتَ، وهُما ضِدّانِ وخالِقُ الضِّدَّيْنِ يَكُونُ قادِرًا مُخْتارًا فَقالَ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ عاجِزِينَ عَنِ الشَّيْءِ بِخِلافِ المُوجِبِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ مِن إيقاعِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الضِّدَّيْنِ فَيَسْبِقُهُ ويَفُوتُهُ، فَإنَّ النّارَ لا يُمْكِنُها التَّبْرِيدُ؛ لِأنَّ طَبِيعَتَها مُوجِبَةٌ لِلتَّسْخِينِ، وأمّا إنْ قُلْنا بِأنَّهُ ذَكَرَهُ رَدًّا عَلَيْهِمْ حَيْثُ قالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنِ المَوْتُ مِن فَناءِ الرُّطُوباتِ الأصْلِيَّةِ وانْطِفاءِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ وكانَ بِخَلْقِ حَكِيمٍ مُخْتارٍ ما كانَ يَجُوزُ وُقُوعُهُ؛ لِأنَّ الحَكِيمَ كَيْفَ يَبْنِي ويَهْدِمُ ويُوجِدُ ويُعْدِمُ فَقالَ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ عاجِزِينَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي يَسْتَبْعِدُونَها مِنَ البَنّاءِ والصّائِغِ فَإنَّهُ يَفْتَقِرُ في الإيجادِ إلى زَمانٍ ومَكانٍ وتَمْكِينٍ مِنَ المَفْعُولِ وإمْكانٍ ويَلْحَقُهُ تَعَبٌ مِن تَحْرِيكٍ وإسْكانٍ واللَّهُ تَعالى يَخْلُقُ بِكُنْ فَيَكُونُ، فَهو فَوْقَ ما ذَكَرْنا مِنَ المَثَلِ مِن قَطْعِ النَّظَرِ وإعادَتِهِ في أسْرَعِ حِينٍ حَيْثُ لا يَصِحُّ مِنَ القائِلِ أنْ يَقُولَ: لِمَ قَطَعْتَ النَّظَرَ في ذَلِكَ الزَّمانِ اللَّطِيفِ الَّذِي لا يُدْرَكُ ولا يُحَسُّ بَلْ رُبَّما يَكُونُ مُدَّعِي القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى الشَّيْءِ في الزَّمانِ اليَسِيرِ بِالحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ يَأْتِي بِشَيْءٍ ثُمَّ يُبْطِلُهُ ثُمَّ يَأْتِي بِمِثْلِهِ ثُمَّ يُبْطِلُهُ، يَدُلُّكَ عَلَيْهِ فِعْلُ أصْحابِ خِفَّةِ اليَدِ، حَيْثُ يُوهِمُ أنَّهُ يَفْعَلُ شَيْئًا ثُمَّ يُبْطِلُهُ، ثُمَّ يَأْتِي بِمِثْلِهِ إرادَةً مِن نَفْسِهِ القُدْرَةَ، وعَلى هَذا

صفحة ١٥٦

فَنَقُولُ قَوْلُهُ في سُورَةِ تَبارَكَ: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ [الملك: ٢] مَعْناهُ أماتَ وأحْيا لِتَعْلَمُوا أنَّهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ، فَتَعْبُدُونَهُ وتَعْتَقِدُونَ الثَّوابَ والعِقابَ فَيَحْسُنُ عَمَلُكم ولَوِ اعْتَقَدْتُمُوهُ مُوجِبًا لَما عَمِلْتُمْ شَيْئًا عَلى هَذا التَّفْسِيرِ المَشْهُورِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ حَقِيقَتُهُ وهي أنّا ما سُبِقْنا وهو يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّهُ هو الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ. وثانِيهِما: في خَلْقِ النّاسِ وتَقْدِيرِ المَوْتِ فِيهِمْ ما سُبِقَ وهو عَلى طَرِيقَةِ مَنعٍ آخَرَ، وفِيهِ فائِدَتانِ: أمّا إذا قُلْنا: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ مَعْناهُ ما سَبَقَنا شَيْءٌ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّكم مِن أيِّ وجْهٍ تَسْلُكُونَ طَرِيقَ النَّظَرِ تَنْتَهُونَ إلى اللَّهِ وتَقِفُونَ عِنْدَهُ ولا تُجاوِزُونَهُ، فَإنَّكم إنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ: قَبْلَ النُّطْفَةِ أبٌ وقَبْلَ الأبِ نُطْفَةٌ فالعَقْلُ يَحْكُمُ بِانْتِهاءِ النُّطَفِ والآباءِ إلى خالِقٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ، وأنا ذَلِكَ فَإنِّي لَسْتُ بِمَسْبُوقٍ ولَيْسَ هُناكَ خالِقٌ ولا سابِقٌ غَيْرِي، وهَذا يَكُونُ عَلى طَرِيقَةِ التَّدَرُّجِ والنُّزُولِ مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ، والعاقِلُ الَّذِي هَداهُ اللَّهُ تَعالى الهِدايَةَ القَوِيَّةَ يَعْرِفُ أوَّلًا والَّذِي دُونَهُ يَعْرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ بِرُتْبَةٍ، والمُعانِدُ لا بُدَّ مِن أنْ يَعْرِفَ إنْ عادَ إلى عَقْلِهِ بَعْدَ المَراتِبِ، ويَقُولُ: لا بُدَّ لِلْكُلِّ مِن إلَهٍ، وهو لَيْسَ بِمَسْبُوقٍ فِيما فَعَلَهُ، فَمَعْناهُ أنَّهُ فَعَلَ ما فَعَلَ، ولَمْ يَكُنْ لِمَفْعُولِهِ مِثالٌ، وأمّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ لَيْسَ بِمَسْبُوقٍ، وأيُّ حاجَةٍ في إعادَتِهِ لَهُ بِمِثالٍ هو أهْوَنُ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا ورَدَ في سُؤالِ سائِلٍ، والمُرادُ ما ذَكَرْنا كَأنَّهُ قالَ: وإنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، أيْ لَسْنا بِعاجِزِينَ مَغْلُوبِينَ فَهَذا دَلِيلُنا، وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾ أفادَ فائِدَةَ انْتِفاءِ العَجْزِ عَنْهُ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ فائِدَةٌ ظاهِرَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ في الوَجْهِ المَشْهُورِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ عَلى التَّبْدِيلِ، ومَعْناهُ وما نَحْنُ عاجِزِينَ عَنِ التَّبْدِيلِ.

والتَّحْقِيقُ في هَذا الوَجْهِ أنَّ مَن سَبَقَهُ الشَّيْءُ كَأنَّهُ غَلَبَهُ فَعَجَزَ عَنْهُ، وكَلِمَةُ عَلى في هَذا الوَجْهِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ اسْتِعْمالِ لَفْظِ المُسابَقَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ عَلى شَيْءٍ، فَإنَّ مَن سَبَقَ غَيْرَهُ عَلى أمْرٍ فَهو الغالِبُ، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾ وتَقْدِيرُهُ: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكم عَلى وجْهِ التَّبْدِيلِ لا عَلى وجْهِ قَطْعِ النَّسْلِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، كَما يَقُولُ القائِلُ: خَرَجَ فُلانٌ عَلى أنْ يَرْجِعَ عاجِلًا، أيْ عَلى هَذا الوَجْهِ خَرَجَ، وتَعَلُّقُ كَلِمَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أظْهَرُ، فَإنْ قِيلَ: عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ لا إشْكالَ في تَبْدِيلِ أمْثالِكم، أيْ أشْكالِكم وأوْصافِكم، ويَكُونُ الأمْثالُ جَمْعَ مِثْلٍ، ويَكُونُ مَعْناهُ وما نَحْنُ بِعاجِزِينَ عَلى أنْ نَمْسَخَكم، ونَجْعَلَكم في صُورَةِ قِرَدَةٍ وخَنازِيرَ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ [يس: ٦٧] وعَلى ما قُلْتُ في تَفْسِيرِ المَسْبُوقِينَ، وجَعَلْتُ المُتَعَلِّقَ لِقَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ هو قَوْلَهُ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا﴾ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ مَعْناهُ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَهم لا عَلى عَمَلِهِمْ، نَقُولُ: هَذا إيرادٌ وارِدٌ عَلى المُفَسِّرِينَ بِأسْرِهِمْ إذا فَسَّرُوا الأمْثالَ بِجَمْعِ المِثْلِ، وهو الظّاهِرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٨] فَإنَّ قَوْلَهُ: (إذا) دَلِيلُ الوُقُوعِ، وتَغَيُّرُ أوْصافِهِمْ بِالمَسْخِ لَيْسَ أمْرًا يَقَعُ، والجَوابُ أنْ يُقالَ: الأمْثالُ إمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ مِثْلٍ، وإمّا جَمْعَ مَثَلٍ، فَإنْ كانَ جَمْعَ مِثْلٍ فَنَقُولُ مَعْناهُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى هَذا الوَجْهِ، وهو أنْ نُغَيِّرَ أوْصافَكم فَتَكُونُوا أطْفالًا، ثُمَّ شُبّانًا، ثُمَّ كُهُولًا، ثُمَّ شُيُوخًا، ثُمَّ يُدْرِكَكُمُ الأجَلُ، وما قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُهْلِكَكم دُفْعَةً واحِدَةً إلّا إذا جاءَ وقْتُ ذَلِكَ فَتُهْلَكُونَ بِنَفْخَةٍ واحِدَةٍ وإنْ قُلْنا: هو جَمْعُ مَثَلٍ فَنَقُولُ مَعْنى: ﴿نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ نَجْعَلُ أمْثالَكم بَدَلًا وبَدَّلَهُ بِمَعْنى جَعَلَهُ بَدَلًا، ولَمْ يَحْسُنْ أنْ يُقالَ:

صفحة ١٥٧

بَدَّلْناكم عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ أنّا جَعَلْنا بَدَلًا فَلا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الفَناءِ عَلَيْهِمْ، غايَةُ ما في البابِ أنَّ قَوْلَ القائِلِ: جَعَلْتُ كَذا بَدَلًا لا تَتِمُّ فائِدَتُهُ إلّا إذا قالَ: جَعَلْتُهُ بَدَلًا عَنْ كَذا لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ فالمَثَلُ يَدُلُّ عَلى المَثَلِ فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلْنا أمْثالَكم بَدَلًا لَكم، ومَعْناهُ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ لَمْ نُقَدِّرِ المَوْتَ عَلى أنْ نُفْنِيَ الخَلْقَ دُفْعَةً بَلْ قَدَّرْناهُ عَلى أنْ نَجْعَلَ مَثَلَهم بَدَلَهم مُدَّةً طَوِيلَةً ثُمَّ نُهْلِكَهم جَمِيعًا ثُمَّ نُنْشِئَهم، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ فِيما لا تَعْلَمُونَ مِنَ الأوْصافِ والأخْلاقِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ: ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الأوْصافِ والزَّمانِ، فَإنَّ أحَدًا لا يَدْرِي أنَّهُ مَتى يَمُوتُ ومَتى يُنْشَأُ أوْ كَأنَّهم قالُوا: ومَتى السّاعَةُ والإنْشاءُ ؟ فَقالَ: لا عِلْمَ لَكم بِهِما، هَذا إذا قُلْنا: إنَّ المُرادَ ما ذُكِرَ فِيهِ عَلى الوَجْهِ المَشْهُورِ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ وكَيْفَ يَكُونُ خالِقُ الشَّيْءِ غَيْرَ عالِمٍ بِهِ ؟ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وعَلى ما ذَكَرْنا فِيهِ فائِدَةٌ وهي التَّحْرِيضُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ؛ لِأنَّ التَّبْدِيلَ والإنْشاءَ وهو المَوْتُ والحَشْرُ إذا كانَ واقِعًا في زَمانٍ لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ فَيَنْبَغِي أنْ لا يَتَّكِلَ الإنْسانُ عَلى طُولِ المُدَّةِ ولا يَغْفُلَ عَنْ إعْدادِ العُدَّةِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ تَقْرِيرًا لِإمْكانِ النَّشْأةِ الثّانِيَةِ.

56:63–64Page 536

أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ ٦٣

And have you seen that [seed] which you sow?

ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤

Is it you who makes it grow, or are We the grower?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ .

ذَكَرَ بَعْدَ دَلِيلِ الخَلْقِ دَلِيلَ الرِّزْقِ فَقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ إشارَةٌ إلى دَلِيلِ الخَلْقِ وبِهِ الِابْتِداءُ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ إشارَةٌ إلى دَلِيلِ الرِّزْقِ وبِهِ البَقاءُ، وذَكَرَ أُمُورًا ثَلاثَةً: المَأْكُولُ، والمَشْرُوبُ، وما بِهِ إصْلاحُ المَأْكُولِ، ورَتَّبَهُ تَرْتِيبًا فَذَكَرَ المَأْكُولَ أوَّلًا؛ لِأنَّهُ هو الغِذاءُ، ثُمَّ المَشْرُوبَ؛ لِأنَّ بِهِ الِاسْتِمْراءَ، ثُمَّ النّارَ الَّتِي بِها الإصْلاحُ وذَكَرَ مِن كُلِّ نَوْعٍ ما هو الأصْلُ، فَذَكَرَ مِنَ المَأْكُولِ الحَبَّ فَإنَّهُ هو الأصْلُ، ومِنَ المَشْرُوبِ الماءَ؛ لِأنَّهُ هو الأصْلُ، وذَكَرَ مِنَ المُصْلِحاتِ النّارَ؛ لِأنَّ بِها إصْلاحَ أكْثَرِ الأغْذِيَةِ وأعَمِّها، ودَخَلَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها ما هو دُونَهُ، هَذا هو التَّرْتِيبُ، وأمّا التَّفْسِيرُ فَنَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَ الحَرْثِ والزَّرْعِ هو أنَّ الحَرْثَ أوائِلُ الزَّرْعِ ومُقَدِّماتُهُ مِن كِرابِ الأرْضِ، وإلْقاءِ البَذْرِ، وسَقْيِ المَبْذُورِ، والزَّرْعُ هو آخِرُ الحَرْثِ مِن خُرُوجِ النَّباتِ واسْتِغْلاظِهِ واسْتِوائِهِ عَلى السّاقِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ أيْ ما تَبْتَدِئُونَ مِنهُ مِنَ الأعْمالِ أأنْتُمْ تُبْلِغُونَها المَقْصُودَ أمِ اللَّهُ ؟ ولا يَشُكُّ أحَدٌ في أنَّ إيجادَ الحَبِّ في السُّنْبُلَةِ لَيْسَ بِفِعْلِ النّاسِ، ولَيْسَ بِفِعْلِهِمْ إنْ كانَ سِوى إلْقاءِ البَذْرِ والسَّقْيِ، فَإنْ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ هو الزّارِعُ، فَكَيْفَ قالَ تَعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الزَّرْعُ لِلزّارِعِ» قُلْنا قَدْ ثَبَتَ مِنَ التَّفْسِيرِ أنَّ الحَرْثَ مُتَّصِلٌ بِالزَّرْعِ، فالحَرْثُ أوائِلُ الزَّرْعِ، والزَّرْعُ أواخِرُ الحَرْثِ، فَيَجُوزُ إطْلاقُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ بَدَلًا عَنْ قَوْلِهِ: يُعْجِبُ الحُرّاثَ، يَدُلُّ عَلى أنَّ الحارِثَ إذا كانَ هو المُبْتَدِئَ، فَرُبَّما يَتَعَجَّبُ بِما يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلِهِ مِن خُرُوجِ النَّباتِ، والزّارِعُ لَمّا كانَ هو المُنْتَهِيَ، ولا يُعْجِبُهُ إلّا شَيْءٌ عَظِيمٌ، فَقالَ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ الَّذِينَ تَعَوَّدُوا أخْذَ الحِراثِ، فَما ظَنُّكَ بِإعْجابِهِ الحُرّاثَ، وقَوْلُهُ ﷺ: «الزَّرْعُ لِلزّارِعِ» فِيهِ فائِدَةٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ قالَ: لِلْحارِثِ فَمَنِ ابْتَدَأ بِعَمَلِ الزَّرْعِ وأتى بِكِرابِ الأرْضِ وتَسْوِيَتِها يَصِيرُ حارِثًا، وذَلِكَ قَبْلَ إلْقاءِ البَذْرَةِ لِزَرْعٍ لِمَن أتى بِالأمْرِ المُتَأخِّرِ وهو إلْقاءُ البَذْرِ، أيْ مَن لَهُ البَذْرُ عَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ

صفحة ١٥٨

رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ وهَذا أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ بِمُجَرَّدِ الإلْقاءِ في الأرْضِ يُجْعَلُ الزَّرْعُ لِلْمُلْقِي سَواءٌ كانَ مالِكًا أوْ غاصِبًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском