Ar-RaziAl‑Waqi'ah · 56:65–74

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Waqi'ah 56:65–74

56:65–67Page 536

لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ ٦٥

If We willed, We could make it [dry] debris, and you would remain in wonder,1

إِنَّا لَمُغۡرَمُونَ ٦٦

[Saying], "Indeed, we are [now] in debt;

بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ٦٧

Rather, we have been deprived."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ وهو تَدْرِيجٌ في الإثْباتِ، وبَيانُهُ هو أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ لَمْ يَبْعُدْ مِن مُعانِدٍ أنْ يَقُولَ: نَحْنُ نَحْرُثُ وهو بِنَفْسِهِ يَصِيرُ زَرْعًا، لا بِفِعْلِنا ولا بِفِعْلِ غَيْرِنا، فَقالَ تَعالى: ولَوْ سَلِمَ لَكم هَذا الباطِلُ، فَما تَقُولُونَ في سَلامَتِهِ عَنِ الآفاتِ الَّتِي تُصِيبُهُ، فَيَفْسُدُ قَبْلَ اشْتِدادِ الحَبِّ وقَبْلَ انْعِقادِهِ، أوْ قَبْلَ اشْتِدادِ الحَبِّ وقَبْلَ ظُهُورِ الحَبِّ فِيهِ، فَهَلْ تَحْفَظُونَهُ مِنها أوْ تَدْفَعُونَها عَنْهُ، أوْ هَذا الزَّرْعُ بِنَفْسِهِ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ تِلْكَ الآفاتِ، كَما تَقُولُونَ: إنَّهُ بِنَفْسِهِ يَنْبُتُ، ولا يَشُكُّ أحَدٌ أنَّ دَفْعَ الآفاتِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وحِفْظَهُ عَنْها بِفَضْلِ اللَّهِ، وعَلى هَذا أعادَهُ لِيَذْكُرَ أُمُورًا مُرَتَّبَةً بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فَيَكُونُ الأمْرُ الأوَّلُ: لِلْمُهْتَدِينَ. والثّانِي: لِلظّالِمِينَ. والثّالِثُ: لِلْمُعانِدِينَ الضّالِّينَ، فَيَذْكُرُ الأمْرَ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ في آخِرِ الأمْرِ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلى الضّالِّ المُعانِدِ.

وفِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّهُ تَعالى هَهُنا قالَ: ﴿لَجَعَلْناهُ﴾ بِلامِ الجَوابِ وقالَ في الماءِ: ﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] مِن غَيْرِ لامٍ فَما الفَرْقُ بَيْنَهُما ؟ نَقُولُ: ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ جَوابَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ كانَ قَرِيبَ الذِّكْرِ فاسْتَغْنى بِذِكْرِ اللّامِ فِيهِ عَنْ ذِكْرِها ثانِيًا، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ﴾ [يس: ٦٧] أقْرَبُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ و﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ اللَّهُمَّ إلّا أنْ نَقُولَ: هُناكَ أحَدُهُما قَرِيبٌ مِنَ الآخَرِ ذِكْرًا لا مَعْنًى؛ لِأنَّ الطَّمْسَ لا يَلْزَمُهُ المَسْخُ ولا بِالعَكْسِ والمَأْكُولَ مَعَهُ المَشْرُوبُ في الدَّهْرِ، فالأمْرانِ تَقارَبا لَفْظًا ومَعْنًى والجَوابُ الثّانِي: أنَّ اللّامَ يُفِيدُ نَوْعَ تَأْكِيدٍ فَذَكَرَ اللّامَ في المَأْكُولِ لِيُعْلَمَ أنَّ أمْرَ المَأْكُولِ أهَمُّ مِن أمْرِ المَشْرُوبِ وأنَّ نِعْمَتَهُ أعْظَمُ وما ذَكَرْنا أيْضًا وارِدٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ أمْرَ الطَّمْسِ أهْوَنُ مِن أمْرِ المَسْخِ وأدْخَلَ فِيهِما اللّامَ، وهَهُنا جَوابٌ آخَرُ يَبِينُ بِتَقْدِيمِ بَحْثٍ عَنْ فائِدَةِ اللّامِ في جَوابِ لَوْ، فَنَقُولُ: حَرْفُ الشَّرْطِ إذا دَخَلَ عَلى الجُمْلَةِ يُخْرِجُها عَنْ كَوْنِها جُمْلَةً في المَعْنى فاحْتاجُوا إلى عَلامَةٍ تَدُلُّ عَلى المَعْنى، فَأتَوْا بِالجَزْمِ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ يَقْتَضِي جَزاءً، وفِيهِ تَطْوِيلٌ فالجَزْمُ الَّذِي هو سُكُونٌ ألْيَقُ بِالمَوْضِعِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْنى أيْضًا مُناسَبَةٌ لَكِنَّ كَلِمَةَ لَوْ مُخْتَصَّةٌ بِالدُّخُولِ عَلى الماضِي مَعْنًى فَإنَّها إذا دَخَلَتْ عَلى المُسْتَقْبَلِ جَعَلَتْهُ ماضِيًا، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ الجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ لا تَخْرُجُ عَنْ أقْسامٍ فَإنَّها إذا ذُكِرَتْ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مَعْلُومَ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ إنْ كانَ مَعْلُومَ الوُقُوعِ فالجَزاءُ لازِمُ الوُقُوعِ فَجَعْلُ الكَلامِ جُمْلَةً شَرْطِيَّةً عُدُولٌ عَنْ جُمْلَةٍ إسْنادِيَّةٍ إلى جُمْلَةٍ تَعْلِيقِيَّةٍ وهو تَطْوِيلٌ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ فَقَوْلُ القائِلِ: آتِيكَ إنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ تَطْوِيلٌ والأوْلى أنْ يَقُولَ: آتِيكَ جَزْمًا مِن غَيْرِ شَرْطٍ فَإذا عُلِمَ هَذا فَحالُ الشَّرْطِ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ مَعْلُومَ العَدَمِ أوْ مَشْكُوكًا فِيهِ فالشَّرْطُ إذا وقَعَ عَلى قِسْمَيْنِ فَلا بُدَّ لَهُما مِن لَفْظَيْنِ وهُما إنْ ولَوْ، واخْتَصَّتْ إنْ بِالشُّكُوكِ، ولَوْ بِمَعْلُومٍ لِأمْرٍ بَيَّنّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ، لَكِنْ ما عُلِمَ عَدَمُهُ يَكُونُ الآخَرُ فَقَدْ أثْبَتَ مِنهُ فَهو ماضٍ أوْ في حُكْمِهِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالأُمُورِ يَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِها وما يُشَكُّ فِيهِ فَهو مُسْتَقْبَلٌ أوْ في مَعْناهُ لِأنَّنا نَشُكُّ في الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ أنَّها تَكُونُ أوْ لا تَكُونُ والماضِي خَرَجَ عَنِ التَّرَدُّدِ،

صفحة ١٥٩

وإذا ثَبَتَ هَذا، فَنَقُولُ: لَمّا دَخَلَ لَوْ عَلى الماضِي وما اخْتَلَفَ آخَرُ بِالعامِلِ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ إعْرابٌ، وإنْ لَمّا دَخَلَ عَلى المُسْتَقْبَلِ بانَ فِيهِ الإعْرابُ، ثُمَّ إنَّ الجَزاءَ عَلى حَسَبِ الشَّرْطِ وكانَ الجَزاءُ في بابِ لَوْ ماضِيًا فَلَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ الحالُ بِحَرَكَةٍ ولا سُكُونٍ، فَيُضافُ لَهُ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ جُمْلَةً ودُخُولِهِ في كَوْنِهِ جُزْءَ جُمْلَةٍ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عِنْدَما يَكُونُ الجَزاءُ ظاهِرًا يَسْتَغْنِي عَنِ الحَرْفِ الصّارِفِ، لَكِنَّ كَوْنَ الماءِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، وهو الماءُ المَشْرُوبُ المُنَزَّلُ مِنَ المُزْنِ أُجاجًا لَيْسَ أمْرًا واقِعًا يُظَنُّ أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَقِلٌّ، ويُقَوِّيهِ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ، والحَرْثُ والزَّرْعُ كَثِيرًا ما وقَعَ كَوْنُهُ حُطامًا فَلَوْ قالَ: جَعَلْناهُ حُطامًا، كانَ يُتَوَهَّمُ مِنهُ الإخْبارُ، فَقالَ هُناكَ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ﴾ لِيُخْرِجَهُ عَمّا هو صالِحٌ لَهُ في الواقِعِ، وهو الحُطامِيَّةُ، وقالَ: الماءُ المُنَزَّلُ المَشْرُوبُ مِنَ المُزْنِ جَعَلْناهُ أُجاجًا؛ لِأنَّهُ لا يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ فاسْتَغْنى عَنِ اللّامِ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى نَحْوِيَّةٌ، وهي أنَّ في القُرْآنِ إسْقاطَ اللّامِ عَنْ جَزاءِ لَوْ حَيْثُ كانَتْ لَوْ داخِلَةً عَلى مُسْتَقْبَلٍ لَفْظًا، وأمّا إذا كانَ ما دَخَلَ عَلَيْهِ لَوْ ماضِيًا، وكانَ الجَزاءُ مُوجَبًا فَلا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا﴾ [السجدة: ١٣] ﴿لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١] وذَلِكَ لِأنَّ لَوْ إذا دَخَلَتْ عَلى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ نَشاءُ﴾ فَقَدْ أُخْرِجَتْ عَنْ حَيِّزِها لَفْظًا؛ لِأنَّ لَوْ لِلْماضِي فَإذا خَرَجَ الشَّرْطُ عَنْ حَيِّزِهِ جازَ في الجَزاءِ الإخْراجُ عَنْ حَيِّزِهِ لَفْظًا وإسْقاطُ اللّامِ عَنْهُ؛ لِأنَّ إنْ كانَ حَيِّزُها المُسْتَقْبَلَ وتَدْخُلُ عَلى المُسْتَقْبَلِ، فَإذا جُعِلَ ما دَخَلَ إنْ عَلَيْهِ ماضِيًا كَقَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي، جازَ في الخَبَرِ الإخْراجُ عَنْ حَيِّزِهِ وتَرْكُ الجَزْمِ فَنَقُولُ: أُكْرِمُكَ بِالرَّفْعِ، وأُكْرِمْكَ بِالجَزْمِ، كَما تَقُولُ في: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ﴾ وفي: ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ﴾ وما ذَكَرْناهُ مِنَ الجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧] إذا نَظَرْتَ إلَيْهِ تَجِدُهُ مُسْتَقِيمًا، وحَيْثُ لَمْ يَقُلْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أطْعَمَهُ، عُلِمَ أنَّ الآخَرَ جَزاءٌ ولَمْ يَبْقَ فِيهِ تَوَهُّمٌ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ عِنْدَ المُتَكَلِّمِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمَ عالِمٌ بِحَقِيقَةِ كَلامِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ عِنْدَهم وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ هَهُنا؛ لِأنَّ قَوْلَهم: لَوْ شاءَ اللَّهُ أطْعَمَهُ رَدٌّ عَلى المُؤْمِنِينَ في زَعْمِهِمْ يَعْنِي أنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ فِعْلًا فَلا نُطْعِمُ مِن لَوْ شاءَ اللَّهُ أطْعَمَهُ عَلى زَعْمِكم، فَلَمّا كانَ أطْعَمَهُ جَزاءً مَعْلُومًا عِنْدَ السّامِعِ والمُتَكَلِّمِ اسْتَغْنى عَنِ اللّامِ، والحُطامُ كالفُتاتِ والجُذاذِ وهو مِنَ الحَطْمِ كَما أنَّ الفُتاتَ والجُذاذَ مِنَ الفَتِّ والجَذِّ، والفُعالُ في أكْثَرِ الأمْرِ يَدُلُّ عَلى مَكْرُوهٍ أوْ مُنْكَرٍ، إمّا في المَعانِي: فَكالسُّباتِ والفُواقِ والزُّكامِ والدُّوارِ والصُّداعِ لِأمْراضٍ وآفاتٍ في النّاسِ والنَّباتِ. وإمّا في الأعْيانِ: فَكالجُذاذِ والحُطامِ والفُتاتِ وكَذا إذا لَحِقَتْهُ الهاءُ كالبُرادَةِ والسُّحالَةِ، وفِيهِ زِيادَةُ بَيانٍ، وهو أنَّ ضَمَّ الفاءِ مِنَ الكَلِمَةِ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا في الأفْعالِ، فَإنّا نَقُولُ: فُعِلَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وكانَ السَّبَبُ أنَّ أوائِلَ الكَلِمِ لَمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ التَّخْفِيفُ المُطْلَقُ وهو السُّكُونُ لَمْ يَثْبُتِ التَّثْقِيلُ المُطْلَقُ وهو الضَّمُّ، فَإذا ثَبَتَ فَهو لِعارِضٍ، إنْ عُلِمَ كَما ذَكَرْنا فَلا كَلامَ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ كَما في بُرْدٍ وقُفْلٍ فالأمْرُ خَفِيٌّ يَطُولُ ذِكْرُهُ، والوَضْعُ يَدُلُّ عَلَيْهِ في الثُّلاثِيِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٦ - ٦٧] وفِيهِ وجْهانِ:

أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: كَأنَّما هو كَلامٌ مُقَدَّرٌ عَنْهم كَأنَّهُ يَقُولُ: وحِينَئِذٍ يَحِقُّ أنْ تَقُولُوا: إنّا لَمُعَذَّبُونَ دائِمُونَ في العَذابِ.

وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي: فَيَقُولُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ ومَحْرُومُونَ عَنْ إعادَةِ الزَّرْعِ مَرَّةً أُخْرى، يَقُولُونَ: إنّا لَمُعَذَّبُونَ بِالجُوعِ بِهَلاكِ الزَّرْعِ ومَحْرُومُونَ عَنْ دَفْعِهِ بِغَيْرِ الزَّرْعِ لِفَواتِ الماءِ. والوَجْهُ الثّانِي: في الغُرْمِ إنّا لَمُكْرَهُونَ بِالغَرامَةِ مِن غَرِمَ الرَّجُلُ وأصْلُ الغُرْمِ والغَرامِ لُزُومُ المَكْرُوهِ.

56:68–73Page 536

أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ ٦٨

And have you seen the water that you drink?

ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ٦٩

Is it you who brought it down from the clouds, or is it We who bring it down?

لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ ٧٠

If We willed, We could make it bitter, so why are you not grateful?

أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ ٧١

And have you seen the fire that you ignite?

ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ ٧٢

Is it you who produced its tree, or are We the producer?

نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ ٧٣

We have made it a reminder1 and provision for the travelers,2

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ .

خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ ألْطَفُ وأنْظَفُ، أوْ تَذْكِيرًا لَهم بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ، والمُزْنُ السَّحابُ الثَّقِيلُ بِالماءِ لا بِغَيْرِهِ مِن أنْواعِ العَذابِ يَدُلُّ عَلى ثِقَلِهِ قَلْبُ اللَّفْظِ وعَلى مُدافَعَةِ الأمْرِ وهو النَّزْمُ في بَعْضِ اللُّغاتِ السَّحابُ الَّذِي مَسَّ الأرْضَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأُجاجِ أنَّهُ الماءُ المُرُّ مِن شِدَّةِ المُلُوحَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ هو الحارُّ مِن أجِيجِ النّارِ كالحُطامِ مِنَ الحَطِيمِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] ذَكَرَ في الماءِ الطَّيِّبِ صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي البُرُودَةُ واللَّطافَةُ، وفي الماءِ الآخَرِ أيْضًا صِفَتَيْنِ إحْداهُما عائِدَةٌ إلى طَعْمِهِ والأُخْرى عائِدَةٌ إلى كَيْفِيَّةِ مَلْمَسِهِ وهي الحَرارَةُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ لَمْ يَقُلْ عِنْدَ ذِكْرِ الطَّعامِ الشُّكْرَ وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ في المَأْكُولِ أكْلَهم، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ: تَأْكُلُونَ لَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿تَشْرَبُونَ﴾ فَقالَ: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ .

والثّانِي: أنَّ في المَأْكُولِ قالَ: ﴿تَحْرُثُونَ﴾ فَأثْبَتَ لَهم سَعْيًا فَلَمْ يَقُلْ: تَشْكُرُونَ وقالَ في الماءِ: ﴿أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ لا عَمَلَ لَكم فِيهِ أصْلًا فَهو مَحْضُ النِّعْمَةِ فَقالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو الأحْسَنُ أنْ يُقالَ: النِّعْمَةُ لا تَتِمُّ إلّا عِنْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ ألا تَرى أنَّ في البَرارِيِّ الَّتِي لا يُوجَدُ فِيها الماءُ لا يَأْكُلُ الإنْسانُ شَيْئًا مَخافَةَ العَطَشِ، فَلَمّا ذَكَرَ المَأْكُولَ أوَّلًا وأتَمَّهُ بِذِكْرِ المَشْرُوبِ ثانِيًا قالَ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ التّامَّةِ.

56:74Page 536

فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤

So exalt the name of your Lord, the Most Great.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أيْ تَقْدَحُونَ ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ وفي شَجَرَةِ النّارِ وجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّها الشَّجَرَةُ الَّتِي تُورِي النّارَ مِنها بِالزَّنْدِ والزَّنْدَةِ كالمَرْخِ.

وثانِيها: الشَّجَرَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِإيقادِ النّارِ كالحَطَبِ فَإنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ لَمْ يَسْهُلْ إيقادُ النّارِ؛ لَأنَّ النّارَ لا تَتَعَلَّقُ بِكُلِّ شَيْءٍ كَما تَتَعَلَّقُ بِالحَطَبِ.

وثالِثُها: أُصُولُ شَعْلِها ووَقُودُ شَجَرَتِها ولَوْلا كَوْنُها ذاتَ شَعْلٍ لَما صَلَحَتْ لِإنْضاجِ الأشْياءِ والباقِي ظاهِرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿تَذْكِرَةً﴾ وجْهانِ:

أحَدُهُما: تَذْكِرَةً لِنارِ القِيامَةِ فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَخْشى اللَّهَ تَعالى وعَذابَهُ إذا رَأى النّارَ المُوقَدَةَ.

وثانِيهِما: تَذْكِرَةً بِصِحَّةِ البَعْثِ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى إيداعِ النّارِ في الشَّجَرِ الأخْضَرِ لا يَعْجِزُ عَنْ إيداعِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ في بَدَنِ المَيِّتِ وقَدْ ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا﴾ [يس: ٨٠] والمُقْوِي: هو الَّذِي

صفحة ١٦١

أوْقَدَهُ فَقَوّاهُ وزادَهُ وفِيهِ لَطِيفَةٌ: وهو أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ كَوْنَها تَذْكِرَةً عَلى كَوْنِها مَتاعًا لِيُعْلَمَ أنَّ الفائِدَةَ الأُخْرَوِيَّةَ أتَمُّ وبِالذِّكْرِ أهَمُّ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في وجْهِ تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ ؟ نَقُولُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حالَ المُكَذِّبِينَ بِالحَشْرِ والوَحْدانِيَّةِ ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِما بِالخَلْقِ والرِّزْقِ ولَمْ يُفِدْهُمُ الإيمانُ، قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ إنَّ وظِيفَتَكَ أنْ تَكْمُلَ في نَفْسِكَ وهو عِلْمُكَ بِرَبِّكَ وعَمَلُكَ لِرَبِّكَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] في مَوْضِعٍ آخَرَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: التَّسْبِيحُ التَّنْزِيهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ فَما فائِدَةُ ذِكْرِ الِاسْمِ ولَمْ يَقُلْ: فَسَبِّحْ بِرَبِّكَ العَظِيمِ ؟ فَنَقُولُ الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: هو المَشْهُورُ وهو أنَّ الِاسْمَ مُقْحَمٌ، وعَلى هَذا الجَوابِ فَنَقُولُ: فِيهِ فائِدَةٌ زِيادَةُ التَّعْظِيمِ؛ لِأنَّ مَن عَظَّمَ عَظِيمًا وبالَغَ في تَعْظِيمِهِ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَهُ إلّا وعَظَّمَهُ، فَلا يَذْكُرُ اسْمَهُ في مَوْضِعٍ وضِيعٍ ولا عَلى وجْهِ الِاتِّفاقِ كَيْفَما اتَّفَقَ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يُعَظِّمُ شَخْصًا عِنْدَ حُضُورِهِ رُبَّما لا يُعَظِّمُهُ عِنْدَ غَيْبَتِهِ فَيَذْكُرُهُ بِاسْمِ عَلَمِهِ، فَإنْ كانَ بِمَحْضَرٍ مِنهُ لا يَقُولُ ذَلِكَ، فَإذا عَظُمَ عِنْدَهُ لا يَذْكُرُهُ في حُضُورِهِ وغَيْبَتِهِ إلّا بِأوْصافِ العَظَمَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا فَما فائِدَةُ الباءِ وكَيْفَ صارَ ذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ: فَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ العَظِيمِ، أوِ الرَّبَّ العَظِيمَ، نَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا أنَّ الفِعْلَ إذا كانَ تَعَلُّقُهُ بِالمَفْعُولِ ظاهِرًا غايَةَ الظُّهُورِ لا يَتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفٍ فَلا يُقالُ: ضَرَبْتُ بِزَيْدٍ بِمَعْنى ضَرَبْتُ زَيْدًا، وإذا كانَ في غايَةِ الخَفاءِ لا يَتَعَدّى إلَيْهِ إلّا بِحَرْفٍ فَلا يُقالُ: ذَهَبْتُ زَيْدًا بِمَعْنى ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ، وإذا كانَ بَيْنَهُما جازَ الوَجْهانِ فَنَقُولُ: سَبَّحْتُهُ وسَبَّحْتُ بِهِ وشَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا عَلَّقَ التَّسْبِيحَ بِالِاسْمِ وكانَ الِاسْمُ مُقْحَمًا كانَ التَّسْبِيحُ في الحَقِيقَةِ مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِهِ وهو الرَّبُّ وكانَ التَّعَلُّقُ خَفِيًّا مِن وجْهٍ فَجازَ إدْخالُ الباءِ، فَإنْ قِيلَ: إذا جازَ الإسْقاطُ والإثْباتُ فَما الفَرْقُ بَيْنَ هَذا المَوْضِعِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ؟ فَنَقُولُ: هَهُنا تَقْدِيمُ الدَّلِيلِ عَلى العَظَمَةِ أنْ يُقالَ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِاسْمِ﴾ غَيْرُ زائِدَةٍ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الأُمُورَ وقالَ: نَحْنُ أمْ أنْتُمْ، فاعْتَرَفَ الكُلُّ بِأنَّ الأُمُورَ مِنَ اللَّهِ، وإذا طُولِبُوا بِالوَحْدانِيَّةِ قالُوا: نَحْنُ لا نُشْرِكُ في المَعْنى وإنَّما نَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً في الِاسْمِ ونُسَمِّيها آلِهَةً، والَّذِي خَلَقَها وخَلَقَ السَّماواتِ هو اللَّهُ فَنَحْنُ نُنَزِّهُهُ في الحَقِيقَةِ فَقالَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وكَما أنَّكَ أيُّها العاقِلُ اعْتَرَفْتَ بِعَدَمِ اشْتِراكِهِما في الحَقِيقَةِ اعْتَرِفْ بِعَدَمِ اشْتِراكِهِما في الِاسْمِ، ولا تَقُلْ لِغَيْرِهِ إلَهٌ، فَإنَّ الِاسْمَ يَتْبَعُ المَعْنى والحَقِيقَةَ، وعَلى هَذا فالخِطابُ لا يَكُونُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ يَكُونُ كَما يَقُولُ الواعِظُ: يا مِسْكِينُ أفْنَيْتَ عُمُرَكَ وما أصْلَحْتَ عَمَلَكَ، ولا يُرِيدُ أحَدًا بِعَيْنِهِ، وتَقْدِيرُهُ يا أيُّها المِسْكِينُ السّامِعُ.

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذِكْرِ رَبِّكَ، أيْ إذا قُلْتَ: وتَوَلَّوْا، فَسَبِّحْ رَبَّكَ بِذِكْرِ اسْمِهِ بَيْنَ قَوْمِكَ واشْتَغِلْ بِالتَّبْلِيغِ، والمَعْنى اذْكُرْهُ بِاللِّسانِ والقَلْبِ وبَيِّنْ وصْفَهُ لَهم وإنْ لَمْ يَقْبَلُوا فَإنَّكَ مُقْبِلٌ عَلى شُغْلِكَ الَّذِي هو التَّبْلِيغُ، ولَوْ قالَ: فَسَبِّحْ رَبَّكَ، ما أفادَ الذِّكْرَ لَهم، وكانَ يُنْبِئُ عَنِ التَّسْبِيحِ بِالقَلْبِ، ولَمّا قالَ: فَسَبِّحْ باسْمِ رَبِّكَ، والِاسْمُ هو الَّذِي يُذْكَرُ لَفْظًا، دَلَّ عَلى أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالذِّكْرِ اللِّسانِيِّ ولَيْسَ لَهُ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى الذِّكْرِ القَلْبِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: فَسَبِّحْ مُبْتَدِئًا بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ فَلا تَكُونُ الباءُ زائِدَةً.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَيْفَ يُسَبَّحُ رَبُّنا؟ نَقُولُ: إمّا مَعْنًى، فَبِأنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ أنَّهُ واحِدٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الشَّرِيكِ وقادِرٌ

صفحة ١٦٢

بَرِيءٌ عَنِ العَجْزِ فَلا يَعْجِزُ عَنِ الحَشْرِ، وإمّا لَفْظًا فَبِأنْ يُقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ، وسُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُ مِنَ الكَلامِ الدّالِّ عَلى تَنْزِيهِهِ عَنِ الشَّرِيكِ والعَجْزِ فَإنَّكَ إذا سَبَّحْتَهُ واعْتَقَدْتَ أنَّهُ واحِدٌ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ ما لا يَجُوزُ في حَقِيقَتِهِ، لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ جِسْمًا؛ لِأنَّ الجِسْمَ فِيهِ أشْياءُ كَثِيرَةٌ وهو واحِدٌ حَقِيقِيٌّ لا كَثْرَةَ لِذاتِهِ، ولا يَكُونُ عَرَضًا ولا في مَكانٍ، وكُلُّ ما لا يَجُوزُ لَهُ يَنْتَفِي عَنْهُ بِالتَّوْحِيدِ ولا يَكُونُ عَلى شَيْءٍ، ولا في شَيْءٍ، ولا عَنْ شَيْءٍ، وإذا قُلْتَ: هو قادِرٌ ثَبَتَ لَهُ العِلْمُ والإرادَةُ والحَياةُ وغَيْرُها مِنَ الصِّفاتِ وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الإخْلاصِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الفَرْقُ بَيْنَ العَظِيمِ وبَيْنَ الأعْلى، وهَلْ في ذِكْرِ ﴿العَظِيمِ﴾ هُنا بَدَلَ ﴿الأعْلى﴾ وذِكْرِ ﴿الأعْلى﴾ في قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ بَدَلَ العَظِيمِ فائِدَةٌ ؟ نَقُولُ: أمّا الفَرْقُ بَيْنَ العَظِيمِ والأعْلى فَهو أنَّ العَظِيمَ يَدُلُّ عَلى القُرْبِ، والأعْلى يَدُلُّ عَلى البُعْدِ، بَيانُهُ هو أنَّ ما عَظُمَ مِنَ الأشْياءِ المُدْرَكَةِ بِالحِسِّ قَرِيبٌ مِن كُلِّ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ بَعُدَ عَنْهُ لَخَلا عَنْهُ مَوْضِعُهُ، فَلَوْ كانَ فِيهِ أجْزاءٌ أُخَرُ لَكانَ أعْظَمَ مِمّا هو عَلَيْهِ فالعَظِيمُ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ هو الَّذِي يَقْرُبُ مِنَ الكُلِّ، وأمّا الصَّغِيرُ إذا قَرُبَ مِن جِهَةٍ فَقَدْ بَعُدَ عَنْ أُخْرى، وأمّا العَلِيُّ فَهو البَعِيدُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّ ما قَرُبَ مِن شَيْءٍ مِن جِهَةِ فَوْقُ يَكُونُ أبْعَدَ مِنهُ وكانَ أعْلى، فالعَلِيُّ المُطْلَقُ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ شَيْءٍ هو الَّذِي في غايَةِ البُعْدِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، إذا عَرَفْتَ هَذا فالأشْياءُ المُدْرِكَةُ تُسَبِّحُ اللَّهَ، وإذا عَلِمْنا مِنَ اللَّهِ مَعْنًى سَلْبِيًّا، فَصَحَّ أنْ نَقُولَ: هو أعْلى مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ إدْراكُنا، وإذا عَلِمْنا مِنهُ وصْفًا ثُبُوتِيًّا مِن عِلْمٍ وقُدْرَةٍ يُزِيدُ تَعْظِيمَهُ أكْثَرَ مِمّا وصَلَ إلَيْهِ عِلْمُنا، فَنَقُولُ: هو أعْظَمُ وأعْلى مِن أنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمُنا، وقَوْلُنا: أعْظَمُ مَعْناهُ عَظِيمٌ لا عَظِيمَ مِثْلُهُ، فَفِيهِ مَفْهُومٌ سَلْبِيٌّ ومَفْهُومٌ ثُبُوتِيٌّ، وقَوْلُهُ: أعْلى، مَعْناهُ هو عَلِيٌّ ولا عَلِيَّ مِثْلُهُ، والعَلِيُّ إشارَةٌ إلى مَفْهُومٍ سَلْبِيٍّ والأعْلى مِثْلُهُ بِسَبَبٍ آخَرَ، فالأعْلى مُسْتَعْمَلٌ عَلى حَقِيقَتِهِ لَفْظًا ومَعْنًى، والأعْظَمُ مُسْتَعْمَلٌ عَلى حَقِيقَتِهِ لَفْظًا، وفِيهِ مَعْنًى سَلْبِيٌّ، وكَأنَّ الأصْلَ في العَظِيمِ مَفْهُومٌ ثُبُوتِيٌّ لا سَلْبَ فِيهِ فالأعْلى أحْسَنُ اسْتِعْمالًا مِنَ الأعْظَمِ، هَذا هو الفَرْقُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском