Ar-RaziAl‑Waqi'ah · 56:81–89

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Waqi'ah 56:81–89

56:81–82Page 537

أَفَبِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَنتُم مُّدۡهِنُونَ ٨١

Then is it to this statement that you are indifferent

وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ ٨٢

And make [the thanks for] your provision that you deny [the Provider]?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ: المَسْألَةُ الأُولى: (هَذا) إشارَةٌ إلى ماذا ؟ فَنَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ وإطْلاقُ الحَدِيثِ في القُرْآنِ عَلى الكَلامِ القَدِيمِ كَثِيرٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ اسْمًا لا وصْفًا فَإنَّ الحَدِيثَ اسْمٌ لِما يُتَحَدَّثُ بِهِ، ووَصْفٌ يُوصَفُ بِهِ ما يَتَجَدَّدُ، فَيُقالُ: أمْرٌ حادِثٌ ورَسْمٌ حَدِيثٌ أيْ جَدِيدٌ، ويُقالُ: أعْجَبَنِي حَدِيثُ فُلانٍ وكَلامُهُ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ القُرْآنَ قَدِيمٌ لَهُ لَذَّةُ الكَلامِ الجَدِيدِ والحَدِيثِ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَحَدَّثُوا بِهِ مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧ - ٤٨] وذَلِكَ لِأنَّ الكَلامَ مُسْتَقِلٌّ مُنْتَظِمٌ فَإنَّهُ تَعالى رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٩] وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ وأقْسَمَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلائِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ﴾ ثُمَّ عادَ إلى كَلامِهِمْ، وقالَ: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ﴾ الَّذِي تَتَحَدَّثُونَ بِهِ ﴿أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ لِأصْحابِكم تَعْلَمُونَ خِلافَهُ وتَقُولُونَهُ، أمْ أنْتُمْ بِهِ جازِمُونَ، وعَلى الإصْرارِ عازِمُونَ، وسَنُبَيِّنُ وجْهَهُ بِتَفْسِيرِ المُدْهِنِ، وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُدْهِنَ المُرادُ بِهِ المُكَذِّبُ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ أفَبِالقُرْآنِ أنْتُمْ تُكَذِّبُونَ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ الإدْهانَ تَلْيِينُ الكَلامِ لِاسْتِمالَةِ السّامِعِ مِن غَيْرِ اعْتِقادِ صِحَّةِ الكَلامِ مِنَ المُتَكَلِّمِ، كَما أنَّ العَدُوَّ إذا عَجَزَ عَنْ عَدُوِّهِ يَقُولُ لَهُ: أنا داعٍ لَكَ ومُثْنٍ عَلَيْكَ مُداهَنَةً وهو كاذِبٌ، فَصارَ اسْتِعْمالُ المُدْهِنِ في المُكَذِّبِ اسْتِعْمالًا ثانِيًا، وهَذا إذا قُلْنا: إنَّ الحَدِيثَ هو القُرْآنُ.

والوَجْهُ الثّانِي: المُدْهِنُ هو الَّذِي يَلِينَ في الكَلامِ ويُوافِقُ بِاللِّسانِ وهو مُصِرٌّ عَلى الخِلافِ فَقالَ: ﴿أنْتُمْ﴾ فَمِنهم مَن يَقُولُ: إنَّ النَّبِيَّ كاذِبٌ، وإنَّ الحَشْرَ مُحالٌ وذَلِكَ لِما هم عَلَيْهِ مِن حُبِّ الرِّياسَةِ، وتَخافُونَ أنَّكم إنْ صَدَّقْتُمْ ومَنَعْتُمْ ضُعَفاءَكم عَنِ الكُفْرِ يَفُوتُ عَلَيْكم مِن كَسْبِكم ما تَرْبَحُونَهُ بِسَبَبِهِمْ فَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم

صفحة ١٧٢

أنَّكم تُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ، والأوَّلُ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، لَكِنَّ الثّانِيَ مُطابِقٌ لِصَرِيحِ اللَّفْظِ فَإنَّ الحَدِيثَ بِكَلامِهِمْ أوْلى وهو عِبارَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ والمُدْهِنُ يَبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ فَإنَّهم ما كانُوا مُدْهِنِينَ بِالقُرْآنِ، وقَوْلُ الزَّجّاجِ: مُكَذِّبُونَ جاءَ بَعْدَهُ صَرِيحًا. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: تَجْعَلُونَ شُكْرَ النِّعَمِ أنَّكم تَقُولُونَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، وهَذا عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.

الثّانِي: تَجْعَلُونَ مَعاشَكم وكَسْبَكم تَكْذِيبَ مُحَمَّدٍ، يُقالُ: فُلانٌ قَطَعَ الطَّرِيقُ مَعاشَهُ، والرِّزْقُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُرْزَقُ، يُقالُ لِلْمَأْكُولِ رِزْقٌ، كَما يُقالُ لِلْمَقْدُورِ قُدْرَةٌ، والمَخْلُوقِ خَلْقٌ، وعَلى هَذا فالتَّكْذِيبُ مَصْدَرٌ قُصِدَ بِهِ ما كانُوا يُحَصِّلُونَ بِهِ مَقاصِدَهم، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ فَعَلى الأوَّلِ المُرادُ تَكْذِيبُهم بِما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] وغَيْرُ ذَلِكَ، وعَلى الثّانِي المُرادُ جَمِيعُ ما صَدَرَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ، وهو أقْرَبُ إلى اللَّفْظِ.

56:83–85Page 537

فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ ٨٣

Then why, when it [i.e., the soul at death] reaches the throat

وَأَنتُمۡ حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ ٨٤

And you are at that time looking on -

وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ ٨٥

And We [i.e., Our angels] are nearer to him than you, but you do not see -

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِن كَلِمَةِ: ﴿فَلَوْلا﴾ مَعْنى هَلّا مِن كَلِماتِ التَّحْضِيضِ وهي أرْبَعُ كَلِماتٍ: لَوْلا، ولَوْما، وهَلّا، وألا ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: أصْلُ الكَلِماتِ لِمَ لا، عَلى السُّؤالِ كَما يَقُولُ القائِلُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَلِمَ لا يَظْهَرُ صِدْقُكَ، ثُمَّ إنَّما قُلْنا: الأصْلُ لِمَ لا لِكَوْنِهِ اسْتِفْهامًا أشْبَهَ قَوْلَنا: هَلّا، ثُمَّ إنَّ الِاسْتِفْهامَ تارَةً يَكُونُ عَنْ وُجُودِ شَيْءٍ وأُخْرى عَنْ سَبَبِ وُجُودِهِ، فَيُقالُ: هَلْ جاءَ زَيْدٌ ولِمَ جاءَ، والِاسْتِفْهامُ بِهَلْ قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ بِلِمَ، ثُمَّ إنَّ الِاسْتِفْهامَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْإنْكارِ وهو كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى هَهُنا: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلًا وتَذَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] ونَظائِرُها كَثِيرَةٌ، وقَدْ ذَكَرْنا لَكَ الحِكْمَةَ فِيهِ، وهي أنَّ النّافِيَ والنّاهِيَ لا يَأْمُرُ أنْ يُكَذَّبَ المُخاطَبُ فَعَرَّضَ بِالنَّفْيِ لِئَلّا يَحْتاجَ إلى بَيانِ النَّفْيِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالِاسْتِفْهامُ ”بِهَلْ“ لِإنْكارِ الفِعْلِ، والِاسْتِفْهامُ ”بِلِمَ“ لِإنْكارِ سَبَبِهِ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ مَن قالَ: لِمَ فَعَلْتَ كَذا، يُشِيرُ إلى أنَّهُ لا سَبَبَ لِلْفِعْلِ، ويَقُولُ: كانَ الفِعْلُ وقَعَ مِن غَيْرِ سَبَبِ الوُقُوعِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، وإذا قالَ: هَلْ فَعَلْتَ، يُنْكِرُ نَفْسَ الفِعْلِ لا الفِعْلَ مِن غَيْرِ سَبَبٍ، وكَأنَّهُ في الأوَّلِ يَقُولُ: لَوْ وُجِدَ لِلْفِعْلِ سَبَبٌ لَكانَ فِعْلُهُ ألْيَقَ، وفي الثّانِي يَقُولُ: الفِعْلُ غَيْرُ لائِقٍ ولَوْ وُجِدَ لَهُ سَبَبٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَقَعُ في صَدْرِ الكَلامِ، ويَسْتَدْعِي كَلامًا مُرَكَّبًا مِن كَلامَيْنِ في الأصْلِ، أمّا في ”هَلْ“ فَلِأنَّ أصْلَها أنَّكَ تَسْتَعْمِلُها في جُمْلَتَيْنِ، فَتَقُولُ: هَلْ جاءَ زَيْدٌ أوْ ما جاءَ، لَكِنَّكَ رُبَّما تَحْذِفُ أحَدَيْهِما، وأمّا في ”لَوْ“ فَإنَّكَ تَقُولُ: لَوْ كانَ كَذا لَكانَ كَذا، ورُبَّما تَحْذِفُ الجَزاءَ كَما ذَكَرْنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهُ يُشِيرُ بِلَوْ إلى أنَّ المَنفِيَّ لَهُ دَلِيلٌ، فَإذا قالَ القائِلُ: لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وقِيلَ لَهُ لِمَ لا يَعْلَمُونَ، قالَ: إنَّهم لَوْ يَعْلَمُونَ لَفَعَلُوا كَذا، فَدَلِيلُهُ مُسْتَحْضَرٌ إنْ طُولِبَ بِهِ بَيَّنَهُ وإذا ثَبَتَ أنَّ النَّفْيَّ بِلَوْ، والنَّفْيَ بِهَلْ، أبْلَغُ مِنَ النَّفْيِ بِلا، والنَّفْيُ بِقَوْلِهِ: لِمَ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما اشْتِراكٌ مَعْنًى ولَفْظًا وحُكْمًا وصارَتْ كَلِماتُ التَّحْضِيضِ وهي: لَوْما، ولَوْلا، وهَلّا وألا، كَما تَقُولُ: لِمَ لا فَإذَنْ قَوْلُ القائِلِ: هَلْ تَفْعَلُ وأنْتَ عَنْهُ مُسْتَغْنٍ،

صفحة ١٧٣

كَقَوْلِهِ: لِمَ تَفْعَلُ وهو قَبِيحٌ، وقَوْلُهُ: وهَلّا تَفْعَلُ وأنْتَ إلَيْهِ مُحْتاجٌ، وألا تَفْعَلُ وأنْتَ إلَيْهِ مُحْتاجٌ، وقَوْلُهُ: لَوْلا، ولَوْما، كَقَوْلِهِ: لِمَ لا تَفْعَلُ، ولِمَ لا فَعَلْتَ، فَقَدْ وُجِدَ في ألا زِيادَةُ نَصٍّ؛ لِأنَّ نَقْلَ اللَّفْظِ لا يَخْلُو مِن نَصٍّ، كَما أنَّ المَعْنى صارَ فِيهِ زِيادَةٌ ما، عَلى ما في الأصْلِ كَما بَيَّنّاهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ أيْ لِمَ لا يَقُولُونَ عِنْدَ المَوْتِ، وهو وقْتُ ظُهُورِ الأُمُورِ وزَمانُ اتِّفاقِ الكَلِماتِ، ولَوْ كانَ ما يَقُولُونَهُ حَقًّا ظاهِرًا كَما يَزْعُمُونَ لَكانَ الواجِبُ أنْ يُشْرِكُوا عِنْدَ النَّزْعِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُؤْمِنُ عِنْدَ المَوْتِ لَكِنْ لَمْ يُقْبَلْ إيمانُ مَن لَمْ يُؤْمِن قَبْلَهُ، فَإنْ قِيلَ: ما سُمِعَ مِنهُمُ الِاعْتِرافُ وقْتَ النَّزْعِ بَلْ يَقُولُونَ: نَحْنُ نُكَذِّبُ الرُّسُلَ أيْضًا وقْتَ بُلُوغِ النَّفْسِ إلى الحُلْقُومِ ونَمُوتُ عَلَيْهِ ؟ فَنَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ بِعَيْنِها إشارَةٌ وبِشارَةٌ، أمّا الإشارَةُ فَإلى الكُفّارِ، وأمّا البِشارَةُ فَلِلرُّسُلِ، أمّا الإشارَةُ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ لِلْكُفّارِ حالَةً لا يُمْكِنُهم إنْكارُها وهي حالَةُ المَوْتِ فَإنَّهم وإنْ كَفَرُوا بِالحَشْرِ وهو الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ لَكِنَّهم لَمْ يُنْكِرُوا المَوْتَ، وهو أظْهَرُ مِن كُلِّ ما هو مَن مِثْلُهُ فَلا يَشُكُّونَ في حالَةِ النَّزْعِ، ولا يَشُكُّونَ في أنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ لا يَبْقى لَهم لِسانٌ يَنْطِقُ، ولا إنْكارٌ بِعَمَلٍ فَتَفُوتُهم قُوَّةُ الِاكْتِسابِ لِإيمانِهِمْ ولا يُمْكِنُهُمُ الإتْيانُ بِما يَجِبُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حَثًّا لَهم عَلى تَجْدِيدِ النَّظَرِ في طَلَبِ الحَقِّ قَبْلَ تِلْكَ الحالَةِ، وأمّا البِشارَةُ فَلِأنَّ الرُّسُلَ لَمّا كُذِّبُوا وكُذِّبَ مُرْسِلُهم صَعُبَ عَلَيْهِمْ، فَبُشِّرُوا بِأنَّ المُكَذِّبِينَ سَيَرْجِعُونَ عَمّا يَقُولُونَ، ثُمَّ هو إنْ كانَ قَبْلَ النَّزْعِ فَذَلِكَ مَقْبُولٌ وإلّا فَعِنْدَ المَوْتِ وهو غَيْرُ نافِعٍ، والضَّمِيرُ في ﴿بَلَغَتِ﴾ لِلنَّفْسِ أوْ لِلْحَياةِ أوِ الرُّوحِ، وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِبَيانِ الحَقِّ أيْ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَصِيرُ الأُمُورُ مَرْئِيَّةً مُشاهَدَةً يَنْظُرُ إلَيْها كُلُّ مَن بَلَغَ إلى تِلْكَ الحالَةِ، فَإنْ كانَ ما ذَكَرْتُمْ حَقًّا كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقَدْ ذَكَرْنا التَّحْقِيقَ في ﴿حِينَئِذٍ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في سُورَةِ والطُّورِ، واللَّفْظُ والمَعْنى مُتَطابِقانِ عَلى ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالرُّسُلِ والحَشْرِ، وصَرَّحَ بِهِ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ عَنْهم حَيْثُ قالَ: إنَّهم ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا﴾ وهَذا كالتَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ؛ لِأنَّهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُنْزِلٌ لَكِنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ أيْضًا الكَواكِبَ مِنَ المُنْزِلِينَ، وأمّا المُضْمَرُ فَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ بِالواسِطَةِ وبِالتَّفْوِيضِ عَلى ما هو مَذْهَبُ المُشْرِكِينَ أوْ مَذْهَبُ الفَلاسِفَةِ. وأيْضًا التَّفْسِيرُ المَشْهُورُ مُحْتاجٌ إلى إضْمارٍ تَقْدِيرُهُ أتَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكم، وأمّا جَعْلُ الرِّزْقِ بِمَعْنى المَعاشِ فَأقْرَبُ، يُقالُ: فُلانٌ رِزْقُهُ في لِسانِهِ، ورِزْقُ فُلانٍ في رِجْلِهِ ويَدِهِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ لِما بَيَّنّا أنَّ المُرادَ أنَّكم تُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ فَلِمَ لا تُكَذِّبُونَهم وقْتَ النَّزْعِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] فَعُلِمَ أنَّهم كَذَّبُوا كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كَذَبَ المُنَجِّمُونَ ورَبِّ الكَعْبَةِ» ولَمْ يَكْذِبُوا وهَذا عَلى قِراءَةِ مَن يَقْرَأُ: ”تَكْذِبُونَ“ بِالتَّخْفِيفِ، وأمّا المُدْهِنُ فَعَلى ما ذَكَرْنا يَبْقى عَلى الأصْلِ ويُوافِقُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] فَإنَّ المُرادَ هُناكَ لَيْسَ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ؛ لِأنَّهم أرادُوا النِّفاقَ لا التَّكْذِيبَ الظّاهِرَ.

56:86–87Page 537

فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ ٨٦

Then why do you not, if you are not to be recompensed,

تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٨٧

Bring it back,1 if you should be truthful?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ ﴿فَلَوْلا﴾ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ مُكَرَّرَةٌ وهي بِعَيْنِها هي الَّتِي قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ولَها جَوابٌ واحِدٌ، وتَقْدِيرُهُ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَوْلا تَرْجِعُونَها إذا

صفحة ١٧٤

بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، أيْ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، وقالَ بَعْضُهم: هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] حَيْثُ جَعَلَ ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ جَزاءَ شَرْطَيْنِ، والظّاهِرُ خِلافُ ما قالُوا، وهو أنْ يُقالَ: جَوابُ لَوْلا في قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ هو ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ يَعْنِي تُكَذِّبُونَ مُدَّةَ حَياتِكم جاعِلِينَ التَّكْذِيبَ رِزْقَكم ومَعاشَكم، فَلَوْلا تُكَذِّبُونَ وقْتَ النَّزْعِ وأنْتُمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَعْلَمُونَ الأُمُورَ وتُشاهِدُونَها، وأمّا لَوْلا في المَرَّةِ الثّانِيَةِ فَجَوابُها: ﴿تَرْجِعُونَها﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في ﴿مَدِينِينَ﴾ أقْوالٌ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ مَمْلُوكِينَ، ومِنهم مَن قالَ: مَجْزِيِّينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن دانَهُ السُّلْطانُ إذا ساسَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ غَيْرُ مُقِيمِينَ مِن مَدَنَ إذا أقامَ، هو حِينَئِذٍ فَعَيْلٌ، ومِنهُ المَدِينَةُ، وجَمْعُها مَدائِنُ، مِن غَيْرِ إظْهارِ الياءِ، ولَوْ كانَتْ مَفْعَلَةً لَكانَ جَمْعُها مَدايِنَ كَمَعايِشَ بِإثْباتِ الياءِ، ووَجْهُهُ أنْ يُقالَ: كانَ قَوْمٌ يُنْكِرُونَ العَذابَ الدّائِمَ، وقَوْمٌ يُنْكِرُونَ العَذابَ ومَنِ اعْتَرَفَ بِهِ كانَ يُنْكِرُ دَوامَهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ عَلى ما تَقُولُونَ لا تَبْقَوْنَ في العَذابِ الدّائِمِ فَلِمَ لا تُرْجِعُونَ أنْفُسَكم إلى الدُّنْيا إنْ لَمْ تَكُنِ الآخِرَةُ دارَ الإقامَةِ، وأمّا عَلى قَوْلِهِ: (مَجْزِيِّينَ) فالتَّفْسِيرُ مِثْلُ هَذا كَأنَّهُ قالَ: سَتُصَدِّقُونَ وقْتَ النَّزْعِ رُسُلَ اللَّهِ في الحَشْرِ، فَإنْ كُنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ مَجْزِيِّينَ فَلِمَ لا تُرْجِعُونَ أنْفُسَكم إلى دُنْياكم، فَإنَّ التَّعْوِيقَ لِلْجَزاءِ لا غَيْرُ، ولَوْلا الجَزاءُ لَكُنْتُمْ مُخْتارِينَ كَما كُنْتُمْ في دُنْياكُمُ الَّتِي لَيْسَتْ دارَ الجَزاءِ مُخْتارِينَ تَكُونُونَ حَيْثُ تُرِيدُونَ مِنَ الأماكِنِ، وأمّا عَلى قَوْلِنا: مَمْلُوكِينَ مِنَ المِلْكِ، ومِنهُ المَدِينَةُ لِلْمُلُوكَةِ، فالأمْرُ أظْهَرُ بِمَعْنى أنَّكم إذا كُنْتُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ قُدْرَةِ أحَدٍ، فَلِمَ لا تُرْجِعُونَ أنْفُسَكم إلى الدُّنْيا كَما كُنْتُمْ في دُنْياكُمُ الَّتِي لَيْسَتْ دارَ جَزاءٍ مَعَ أنَّ ذَلِكَ مُشْتَهى أنْفُسِكم ومُنى قُلُوبِكم، وكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ راجِعٌ إلى كَلامٍ واحِدٍ، وأنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ بِقَوْلِ الفَلاسِفَةِ في بَعْضِ الأشْياءِ دُونَ بَعْضٍ، وكانُوا يَقُولُونَ بِالطَّبائِعِ، وأنَّ الأمْطارَ مِنَ السُّحُبِ، وهي مُتَوَلِّدَةٌ بِأسْبابٍ فَلَكِيَّةٍ، والنَّباتُ كَذَلِكَ، والحَيَوانُ كَذَلِكَ، ولا اخْتِيارَ لِلَّهِ في شَيْءٍ وسَواءٌ عَلَيْهِ إنْكارُ الرُّسُلِ والحَشْرِ، فَقالَ تَعالى: إنْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ فَما بالُ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي يَدَّعِي العِلْمَ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُرْجِعَ النَّفْسَ مِنَ الحُلْقُومِ، مَعَ أنَّ في الطَّبْعِ عِنْدَهُ إمْكانًا لِذَلِكَ، فَإنَّ عِنْدَهُمُ البَقاءَ بِالغَداءِ وزَوالَ الأمْراضِ بِالدَّواءِ، وإذا عُلِمَ هَذا فَإنْ قُلْنا: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ مَعْناهُ غَيْرَ مَمْلُوكِينَ رَجَعَ إلى قَوْلِهِمْ مِن إنْكارِ الِاخْتِيارِ وقَلْبِ الأُمُورِ كَما يَشاءُ اللَّهُ، وإنْ قُلْنا: غَيْرَ مُقِيمِينَ فَكَذَلِكَ؛ لِأنَّ إنْكارَ الحَشْرِ بِناءً عَلى القَوْلِ بِالطَّبْعِ، وإنْ قُلْنا: غَيْرَ مُحاسَبِينَ ومَجْزِيِّينَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنَّ المَوْتَ كائِنٌ والحَشْرَ بَعْدَهُ لازِمٌ، بَيَّنَ ما يَكُونُ بَعْدَ الحَشْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ باعِثًا لِلْمُكَلَّفِ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ، وزاجِرًا لِلْمُتَمَرِّدِ عَنِ العِصْيانِ والكَذِبِ فَقالَ:

56:88–89Page 537

فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٨٨

And if he [i.e., the deceased] was of those brought near [to Allāh],

فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ ٨٩

Then [for him is] rest and bounty and a garden of pleasure.

﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ هَذا وجْهُ تَعَلُّقِهِ مَعْنًى، وأمّا تَعَلُّقُهُ لَفْظًا فَنَقُولُ: لَمّا قالَ: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ﴿تَرْجِعُونَها﴾ وكانَ فِيها أنَّ رُجُوعَ الحَياةِ والنَّفْسِ إلى البَدَنِ لَيْسَ تَحْتَ قُدْرَتِهِمْ ولا رُجُوعَ لَهم بَعْدَ المَوْتِ إلى الدُّنْيا صارَ كَأنَّهُ قالَ: أنْتُمْ بَعْدَ المَوْتِ دائِمُونَ في دارِ الإقامَةِ ومَجْزِيُّونَ، فالمَجْزِيُّ إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ فَلَهُ الرُّوحُ والرَّيْحانُ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في مَعْنى الرُّوحِ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: هو الرَّحْمَةُ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾

صفحة ١٧٥

[يوسف: ٨٧] أيْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.

الثّانِي: الرّاحَةُ.

الثّالِثُ: الفَرَحُ، وأصْلُ الرَّوْحِ السَّعَةُ، ومِنهُ الرَّوْحُ لِسَعَةِ ما بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ دُونَ الفَحَجِ، وقُرِئَ: ”فَرُوحٌ“ بِضَمِّ الرّاءِ بِمَعْنى الرَّحْمَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الكَلامِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: فَلَهُ رَوْحٌ أفْصَحَتِ الفاءُ عَنْهُ لِكَوْنِهِ فاءَ الجَزاءِ لِرَبْطِ الجُمْلَةِ بِالشَّرْطِ فَعُلِمَ كَوْنُها جَزاءً، وكَذَلِكَ إذا كانَ أمْرًا أوْ نَهْيًا أوْ ماضِيًا؛ لِأنَّ الجَزاءَ إذا كانَ مُسْتَقْبَلًا يُعْلَمُ كَوْنُهُ جَزاءً بِالجَزْمِ الظّاهِرِ في السَّمْعِ والخَطِّ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي ذُكِرَتْ لا تَحْتَمِلُ الجَزْمَ، أمّا غَيْرُ الأمْرِ والنَّهْيِ فَظاهِرٌ، وأمّا الأمْرُ والنَّهْيُ فَلِأنَّ الجَزْمَ فِيهِما لَيْسَ لِكَوْنِهِما جَزاءَيْنِ فَلا عَلامَةَ لِلْجَزاءِ فِيهِ، فاخْتارُوا الفاءَ فَإنَّها لِتَرْتِيبِ أمْرٍ عَلى أمْرٍ، والجَزاءُ مُرَتَّبٌ عَلى الشَّرْطِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الرَّيْحانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ [الرحمن: ١٢] ولَكِنْ هَهُنا فِيهِ كَلامٌ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ هَهُنا ما هو المُرادُ ثَمَّةَ، إمّا الوَرَقُ وإمّا الزَّهْرُ وإمّا النَّباتُ المَعْرُوفُ، وعَلى هَذا فَقَدَ قِيلَ: إنَّ أرْواحَ أهْلِ الجَنَّةِ لا تُخْرَجُ مِنَ الدُّنْيا إلّا ويُؤْتى إلَيْهِمْ بِرَيْحانٍ مِنَ الجَنَّةِ يَشُمُّونَهُ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ هَهُنا غَيْرُ ذَلِكَ وهو الخُلُودُ، وقِيلَ: هو رِضاءُ اللَّهِ تَعالى عَنْهم فَإذا قُلْنا: الرَّوْحُ هو الرَّحْمَةُ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] وأمّا: ﴿جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ فَقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها عِنْدَ تَفْسِيرِ السّابِقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١١] وذَكَرْنا فائِدَةَ التَّعْرِيفِ هُناكَ وفائِدَةَ التَّنْكِيرِ هَهُنا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ في حَقِّ المُقَرَّبِينَ أُمُورًا ثَلاثَةً هَهُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ [التوبة: ٢١] وذَلِكَ لِأنَّهم أتَوْا بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ وهي: عَقِيدَةٌ حَقَّةٌ وكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ وأعْمالٌ حَسَنَةٌ، فالقَلْبُ واللِّسانُ والجَوارِحُ كُلُّها كانَتْ مُرَتَّبَةً بِرَحْمَةِ اللَّهِ عَلى عَقِيدَتِهِ، وكُلُّ مَن لَهُ عَقِيدَةٌ حَقَّةٌ يَرْحَمُهُ اللَّهُ ويَرْزُقُهُ اللَّهُ دائِمًا وعَلى الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وهي كَلِمَةُ الشَّهادَةِ، وكُلُّ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَلَهُ رِزْقٌ كَرِيمٌ والجَنَّةُ لَهُ عَلى أعْمالِهِ الصّالِحَةِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١] وقالَ: ﴿ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤٠] فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا مَن أتى بِالعَقِيدَةِ الحَقَّةِ، ولَمْ يَأْتِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ الرَّحْمَةِ ولا يَرْحَمُ اللَّهُ إلّا مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، نَقُولُ: مَن كانَتْ عَقِيدَتُهُ حَقَّةً، لا بُدَّ وأنْ يَأْتِيَ بِالقَوْلِ الطَّيِّبِ فَإنْ لَمْ يُسْمَعْ لا يُحْكُمُ بِهِ؛ لِأنَّ العَقِيدَةَ لا اطِّلاعَ لَنا عَلَيْها فالقَوْلُ دَلِيلٌ لَنا، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَهو عالِمُ الأسْرارِ، ولِهَذا ورَدَ في الأخْبارِ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُدْفَنُ في مَقابِرِ الكُفّارِ ويُحْشَرُ مَعَ المُؤْمِنِينَ، ومِنهم مَن يُدْفَنُ في مَقابِرِ المُسْلِمِينَ ويُحْشَرُ مَعَ الكُفّارِ لا يُقالُ: إنَّ مَن لا يَعْمَلُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لا تَكُونُ لَهُ الجَنَّةُ عَلى ما ذَكَرْتَ، لِأنّا نَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ عَقِيدَتَهُ الحَقَّةَ وكَلِمَتَهُ الطَّيِّبَةَ لا يَتْرُكانِهِ بِلا عَمَلٍ، فَهَذا أمْرٌ غَيْرُ واقِعٍ وفَرْضٌ غَيْرُ جائِزٍ.

وثانِيهِما: أنّا نَقُولُ مِن حَيْثُ الجَزاءِ، وأمّا مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، وإنْ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلًا لا عَلى وجْهِ الجَزاءِ بَلْ بِمَحْضِ فَضْلِ اللَّهِ مِن غَيْرِ جَزاءٍ، وإنْ كانَ الجَزاءُ أيْضًا مِنَ الفَضْلِ لَكِنَّ مِنَ الفَضْلِ ما يَكُونُ كالصَّدَقَةِ المُبْتَدَأةِ، ومِنَ الفَضْلِ ما لا كَما يُعْطِي المَلِكُ الكَرِيمُ آخَرَ والمُهْدى إلَيْهِ غَيْرُ مَلِكٍ لا يَسْتَحِقُّ هَدِيَّتَهُ ولا رِزْقَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском