Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Hadid 57:12–16
57:12Page 539
يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢
On the Day you see the believing men and believing women, their light proceeding before them and on their right, [it will be said], "Your good tidings today are [of] gardens beneath which rivers flow, wherein you will abide eternally." That is what is the great attainment.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿يَوْمَ تَرى﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أوْ مَنصُوبٌ بِـ”اذْكُرْ“ تَعْظِيمًا لِذَلِكَ اليَوْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِن هَذا اليَوْمِ هو يَوْمُ المُحاسَبَةِ، واخْتَلَفُوا في هَذا النُّورِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ قَوْمٌ: المُرادُ نَفْسُ النُّورِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«أنَّ كُلَّ مُثابٍ فَإنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ النُّورُ عَلى قَدْرِ عَمَلِهِ وثَوابِهِ في العِظَمِ والصِّغَرِ» “ فَعَلى هَذا مَراتِبُ الأنْوارِ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنهم مَن يُضِيءُ لَهُ نُورٌ كَما بَيْنَ عَدَنَ إلى صَنْعاءَ، ومِنهم مَن نُورُهُ مِثْلُ الجَبَلِ، ومِنهم مَن لا يُضِيءُ لَهُ نُورٌ إلّا مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ، وأدْناهم نُورًا مَن يَكُونُ نُورُهُ عَلى إبْهامِهِ يَنْطَفِئُ مَرَّةً ويَتَّقِدُ أُخْرى، وهَذا القَوْلُ مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَتادَةَ وغَيْرِهِما، وقالَ مُجاهِدٌ: ما مِن عَبْدٍ إلّا ويُنادى يَوْمَ القِيامَةِ: يا فُلانُ ها نُورُكَ، ويا فُلانُ لا نُورَ لَكَ، نُعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ، واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ النُّورِ أنَّ النُّورَ الحَقِيقِيَّ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّ نُورَ العِلْمِ الَّذِي هو نُورُ البَصِيرَةِ أوْلى بِكَوْنِهِ نُورًا مِن نُورِ البَصَرِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ هي النُّورُ في القِيامَةِ، فَمَقادِيرُ الأنْوارِ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى حَسَبِ مَقادِيرِ المَعارِفِ في الدُّنْيا.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنَ النُّورِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِلنَّجاةِ، وإنَّما قالَ: ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ لِأنَّ السُّعَداءَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ، كَما أنَّ الأشْقِياءَ يُؤْتَوْنَها مِن شَمائِلِهِمْ ووَراءِ ظُهُورِهِمْ.
القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ بِهَذا النُّورِ الهِدايَةُ إلى الجَنَّةِ، كَما يُقالُ: لَيْسَ لِهَذا الأمْرِ نُورٌ، إذا لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ حاصِلًا، ويُقالُ: هَذا الأمْرُ لَهُ نُورٌ ورَوْنَقٌ، إذا كانَ المَقْصُودُ حاصِلًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ ”وبِإيمانِهِمْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى: يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِإيمانِهِمْ حَصَلَ ذَلِكَ السَّعْيُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠] أيْ ذَلِكَ كائِنٌ بِذَلِكَ.
* *
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: حَقِيقَةُ البِشارَةِ ذَكَرْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥] ثُمَّ قالُوا: تَقْدِيرُ
صفحة ١٩٥
الآيَةِ: وتَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ: بُشْراكُمُ اليَوْمَ، كَما قالَ: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَنالُهم أهْوالُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذِهِ صِفَتُهم يَوْمَ القِيامَةِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الكَعْبِيُّ عَلى أنَّ الفاسِقَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، فَقالَ: لَوْ كانَ مُؤْمِنًا لَدَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ البِشارَةِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقَطَعَ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ. والجَوابُ: أنَّ الفاسِقَ قاطِعٌ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ لا يَدْخُلَ النّارَ أوْ إنْ دَخَلَها لَكِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنها وسَيَدْخُلُ الجَنَّةَ ويَبْقى فِيها أبَدَ الآبادِ، فَهو إذًا قاطِعٌ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَسَقَطَ هَذا الِاسْتِدْلالُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ عائِدٌ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ وهو النُّورُ والبُشْرى بِالجَنّاتِ المُخَلَّدَةِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قُرِئَ: ”ذَلِكَ الفَوْزُ“، بِإسْقاطِ كَلِمَةِ: هو.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ حالَ المُؤْمِنِينَ في مَوْقِفِ القِيامَةِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِشَرْحِ حالِ المُنافِقِينَ.
فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”يَوْمَ يَقُولُ“ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ تَرى﴾، أوْ هو أيْضًا مَنصُوبٌ بِـ”اذْكُرْ“ تَقْدِيرًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: ”أنْظِرُونا“ مَكْسُورَةَ الظّاءِ، والباقُونَ: ”انْظُرُوا“، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَفْظُ النَّظَرِ يُسْتَعْمَلُ عَلى ضُرُوبٍ:
أحَدُها: أنْ تُرِيدَ بِهِ: نَظَرْتُ إلى الشَّيْءِ، فَيُحْذَفُ الجارُّ ويُوصَلُ الفِعْلُ، كَما أنْشَدَ أبُو الحَسَنِ:
ظاهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْنَ كَما يَنْظُرُ الأراكَ الظِّباءُ
والمَعْنى يَنْظُرْنَ إلى الأراكِ.
وثانِيها: أنْ تُرِيدَ بِهِ تَأمَّلْتُ وتَدَبَّرْتُ، ومِنهُ قَوْلُكَ: اذْهَبْ فانْظُرْ زَيْدًا أيُؤْمِنُ ؟ فَهَذا يُرادُ بِهِ التَّأمُّلُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ [الإسراء: ٤٨]، ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠]، ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١] قالَ: وقَدْ يَتَعَدّى هَذا بِإلى كَقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] وهَذا نَصٌّ عَلى التَّأمُّلِ، وبَيِّنٌ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ، وقَدْ يَتَعَدّى بِفي، كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ .
وثالِثُها: أنْ يُرادَ بِالنَّظَرِ الرُّؤْيَةُ كَما في قَوْلِهِ:
ولَمّا بَدا حَوْرانُ والآلُ دُونَهُ ∗∗∗ نَظَرْتَ فَلَمْ تَنْظُرْ بِعَيْنِكَ مَنظَرًا
والمَعْنى نَظَرْتَ، فَلَمْ تَرَ بِعَيْنِكَ مَنظَرًا تَعْرِفُهُ في الآلِ، قالَ: إلّا أنَّ هَذا عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّهُ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ النَّظَرَ عِبارَةٌ عَنْ تَقَلُّبِ الحَدَقَةِ نَحْوَ المَرْئِيِّ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ، فَلَمّا كانَتِ الرُّؤْيَةُ مِن تَوابِعِ النَّظَرِ ولَوازِمِهِ غالِبًا أجْرى عَلى الرُّؤْيَةِ لَفْظَ النَّظَرِ عَلى سَبِيلِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: نَظَرْتَ فَلَمْ تَنْظُرْ، كَما يُقالُ: تَكَلَّمْتَ وما تَكَلَّمْتَ، أيْ ما تَكَلَّمْتَ بِكَلامٍ مُفِيدٍ، فَكَذا هُنا نَظَرْتَ وما نَظَرْتَ
صفحة ١٩٦
نَظَرًا مُفِيدًا.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ النَّظَرُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أيْ غَيْرَ مُنْتَظِرِينَ إدْراكَهُ وبُلُوغَهُ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ نَظَرْتُ مَعْناهُ انْتَظَرْتُ، ومَجِيءُ فَعَلْتَ وافْتَعَلْتَ بِمَعْنًى واحِدٍ كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِمْ: شَوَيْتُ واشْتَوَيْتُ، وحَقَرْتُ واحْتَقَرْتُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿انْظُرُونا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: انْظُرُونا، أيِ انْتَظِرُونا؛ لِأنَّهُ يُسْرَعُ بِالمُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ كالبُرُوقِ الخاطِفَةِ، والمُنافِقُونَ مُشاةٌ.
والثّانِي: انْظُرُونا أيِ انْظُرُوا إلَيْنا؛ لِأنَّهم إذا نَظَرُوا إلَيْهِمُ اسْتَقْبَلُوهم بِوُجُوهِهِمْ، والنُّورُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَيَسْتَضِيئُونَ بِهِ، وأمّا قِراءَةُ”أنْظِرُونا“ مَكْسُورَةَ الظّاءِ فَهي مِنَ النَّظِرَةِ والإمْهالِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإنْظارِ المُعْسِرِ، والمَعْنى أنَّهُ جَعَلَ اتِّئادَهم في المَشْيِ إلى أنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ إنْظارًا لَهم.
واعْلَمْ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ والأخْفَشَ كانا يَطْعَنانِ في صِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ، وقَدْ ظَهَرَ الآنَ وجْهُ صِحَّتِها.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الِاحْتِمالاتِ في هَذا البابِ ثَلاثَةٌ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ النّاسُ كُلُّهم في الظُّلُماتِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُعْطِي المُؤْمِنِينَ هَذِهِ الأنْوارَ، والمُنافِقُونَ يَطْلُبُونَها مِنهم.
وثانِيها: أنْ تَكُونَ النّاسُ كُلُّهم في الأنْوارِ، ثُمَّ إنَّ المُؤْمِنِينَ يَكُونُونَ في الجَنّاتِ فَيَمُرُّونَ سَرِيعًا، والمُنافِقُونَ يَبْقَوْنَ وراءَهم فَيَطْلُبُونَ مِنهُمُ الِانْتِظارَ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ في النُّورِ والمُنافِقُونَ في الظُّلُماتِ، ثُمَّ المُنافِقُونَ يَطْلُبُونَ النُّورَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ ذَهَبَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ قَوْمٌ، فَإنْ كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ إنَّما تَقَعُ عِنْدَ المَوْقِفِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿انْظُرُونا﴾ انْظُرُوا إلَيْنا؛ لِأنَّهم إذا نَظَرُوا إلَيْهِمْ، فَقَدْ أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ، ومَتى أقْبَلُوا عَلَيْهِمْ وكانَتْ أنْوارُهم مِن قُدّامِهِمُ اسْتَضاءُوا بِتِلْكَ الأنْوارِ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ الحالَةُ إنَّما تَقَعُ عِنْدَ مَسِيرِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿انْظُرُونا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو الِانْتِظارَ وأنْ يَكُونَ النَّظَرَ إلَيْهِمْ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: القَبَسُ: الشُّعْلَةُ مِنَ النّارِ أوِ السِّراجِ، والمُنافِقُونَ طَمِعُوا في شَيْءٍ مِن أنْوارِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَقْتَبِسُوهُ كاقْتِباسِ نِيرانِ الدُّنْيا وهو مِنهم جَهْلٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ الأنْوارَ نَتائِجُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في الدُّنْيا، فَلَمّا لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ الأعْمالُ في الدُّنْيا امْتَنَعَ حُصُولُ تِلْكَ الأنْوارِ في الآخِرَةِ. قالَ الحَسَنُ: يُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ كُلُّ أحَدٍ نُورًا عَلى قَدْرِ عَمَلِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يُؤْخَذُ مِن حَرِّ جَهَنَّمَ ومِمّا فِيهِ مِنَ الكَلالِيبِ والحَسَكِ ويُلْقى عَلى الطَّرِيقِ، فَتَمْضِي زُمْرَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وُجُوهُهم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، ثُمَّ تَمْضِي زُمْرَةٌ أُخْرى كَأضْواءِ الكَواكِبِ في السَّماءِ، ثُمَّ عَلى ذَلِكَ تَغْشاهم ظُلْمَةٌ فَتُطْفِئُ نُورَ المُنافِقِينَ، فَهُنالِكَ يَقُولُ المُنافِقُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ كَقَبَسِ النّارِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ: ارْجِعُوا إلى دارِ الدُّنْيا فالتَمِسُوا هَذِهِ الأنْوارَ هُنالِكَ، فَإنَّ هَذِهِ الأنْوارَ إنَّما تَتَوَلَّدُ مِنَ اكْتِسابِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، والتَّنَزُّهِ عَنِ الجَهْلِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، والمُرادُ مِن ضَرْبِ السُّورِ هو امْتِناعُ العَوْدِ إلى الدُّنْيا.
وثانِيها: قالَ أبُو أُمامَةَ: النّاسُ يَكُونُونَ في ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ، ثُمَّ المُؤْمِنُونَ يُعْطَوْنَ الأنْوارَ، فَإذا أسْرَعَ المُؤْمِنُ في الذَّهابِ قالَ المُنافِقُ: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ فَيُقالُ لَهُمُ: ﴿ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا﴾ قالَ: وهي خُدْعَةٌ خُدِعَ بِها المُنافِقُونَ، كَما قالَ: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] فَيَرْجِعُونَ إلى المَكانِ الَّذِي قُسِّمَ فِيهِ النُّورُ فَلا يَجِدُونَ شَيْئًا، فَيَنْصَرِفُونَ إلَيْهِمْ فَيَجِدُونَ السُّورَ مَضْرُوبًا
صفحة ١٩٧
بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.
وثالِثُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ: ﴿ارْجِعُوا﴾ مَنعُ المُنافِقِينَ عَنِ الِاسْتِضاءَةِ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يُرِيدُ القُرْبَ مِنهُ: وراءَكَ أُوَسِّعُ لَكَ، فَعَلى هَذا القَوْلِ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ارْجِعُوا﴾ أنْ يَقْطَعُوا بِأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهم إلى وِجْدانِ هَذا المَطْلُوبِ البَتَّةَ، لا أنَّهُ أمْرٌ لَهم بِالرُّجُوعِ.
57:13Page 539
يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣
On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في السُّورِ، فَمِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِنهُ الحِجابُ والحَيْلُولَةُ، أيِ المُنافِقُونَ مُنِعُوا عَنْ طَلَبِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ حائِطٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو حِجابُ الأعْرافِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِسُورٍ﴾ صِلَةٌ وهو لِلتَّأْكِيدِ، والتَّقْدِيرُ: ضُرِبَ بَيْنَهم سُورٌ كَذا، قالَهُ الأخْفَشُ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَهُ بابٌ﴾ أيْ لِذَلِكَ السُّورِ بابٌ ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ أيْ في باطِنِ ذَلِكَ السُّورِ الرَّحْمَةُ، والمُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ الجَنَّةُ الَّتِي فِيها المُؤْمِنُونَ ﴿وظاهِرُهُ﴾ يَعْنِي وخارِجَ السُّورِ ﴿مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ أيْ مِن قِبَلِهِ يَأْتِيهِمُ العَذابُ، والمَعْنى أنَّ ما يَلِي المُؤْمِنِينَ فَفِيهِ الرَّحْمَةُ، وما يَلِي الكافِرِينَ يَأْتِيهِمْ مِن قِبَلِهِ العَذابُ، والحاصِلُ أنَّ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ حائِطٌ وهو السُّورُ، ولِذَلِكَ السُّورِ بابٌ، فالمُؤْمِنُونَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ مِن بابِ ذَلِكَ السُّورِ، والكافِرُونَ يَبْقَوْنَ في العَذابِ والنّارِ.
﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾
57:14Page 539
يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤
They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ في الدُّنْيا.
والثّانِي: ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ في العِباداتِ والمَساجِدِ والصَّلَواتِ والغَزَواتِ، وهَذا القَوْلُ هو المُتَعَيِّنُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: البُعْدُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ كَثِيرٌ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ في أعْلى السَّماواتِ، والنّارُ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ البُعْدَ الشَّدِيدَ لا يَمْنَعُ مِنَ الإدْراكِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ عَظَّمَ صَوْتَ الكُفّارِ بِحَيْثُ يَبْلُغُ مِن أسْفَلِ السّافِلِينَ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الصَّوْتِ إنَّما يَلِيقُ بِالأشِدّاءِ الأقْوِياءِ جِدًّا، والكُفّارُ مَوْصُوفُونَ بِالضَّعْفِ وخَفاءِ الصَّوْتِ، فَعَلِمْنا أنَّ البُعْدَ لا يَمْنَعُ مِنَ الإدْراكِ عَلى ما هو مَذْهَبُنا، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا: بَلى كُنْتُمْ مَعَنا إلّا أنَّكم فَعَلْتُمْ أشْياءَ بِسَبَبِها وقَعْتُمْ في هَذا العَذابِ.
أوَّلُها: ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، وكُلُّها فِتْنَةٌ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وتَرَبَّصْتُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قالَ ابْنُ
صفحة ١٩٨
عَبّاسٍ: تَرَبَّصْتُمْ بِالتَّوْبَةِ.
وثانِيها: قالَ مُقاتِلٌ: وتَرَبَّصْتُمْ بِمُحَمَّدٍ المَوْتَ، قُلْتُمْ يُوشِكُ أنْ يَمُوتَ فَنَسْتَرِيحَ مِنهُ.
وثالِثُها: كُنْتُمْ تَتَرَبَّصُونَ دائِرَةَ السَّوْءِ لِتَلْتَحِقُوا بِالكُفّارِ، وتَتَخَلَّصُوا مِنَ النِّفاقِ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وارْتَبْتُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: شَكَكْتُمْ في وعِيدِ اللَّهِ.
وثانِيها: شَكَكْتُمْ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ.
وثالِثُها: شَكَكْتُمْ في البَعْثِ والقِيامَةِ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الباطِلَ وهو ما كانُوا يَتَمَنَّوْنَ مِن نُزُولِ الدَّوائِرِ بِالمُؤْمِنِينَ ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي المَوْتَ، والمَعْنى: ما زالُوا في خُدَعِ الشَّيْطانِ وغُرُورِهِ حَتّى أماتَهُمُ اللَّهُ وألْقاهم في النّارِ.
57:15Page 539
فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥
So today no ransom will be taken from you or from those who disbelieved. Your refuge is the Fire. It is most worthy of you, and wretched is the destination."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ: ”الغُرُورُ“بِضَمِّ الغَيْنِ، والمَعْنى وغَرَّكم بِاللَّهِ الِاغْتِرارُ، وتَقْدِيرُهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ غَرَّكم بِاللَّهِ سَلامَتُكم مِنهُ مَعَ الِاغْتِرارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الغَرُورُ بِفَتْحِ الغَيْنِ هو الشَّيْطانُ؛ لِإلْقائِهِ إلَيْكم أنْ لا خَوْفَ عَلَيْكم مِن مُحاسَبَةٍ ومُجازاةٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
الفِدْيَةُ ما يُفْتَدى بِهِ، وهو قَوْلانِ:
الأوَّلُ: لا يُؤْخَذُ مِنكم إيمانٌ ولا تَوْبَةٌ فَقَدْ زالَ التَّكْلِيفُ وحَصَلَ الإلْجاءُ.
الثّانِي: بَلِ المُرادُ لا يُقْبَلُ مِنكم فِدْيَةٌ تَدْفَعُونَ بِها العَذابَ عَنْ أنْفُسِكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، واعْلَمْ أنَّ الفِدْيَةَ ما يُفْتَدى بِهِ، فَهو يَتَناوَلُ الإيمانَ والتَّوْبَةَ والمالَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا عَلى ما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لا يَقْبَلُ الفِدْيَةَ أصْلًا، والتَّوْبَةُ فِدْيَةٌ، فَتَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ التَّوْبَةَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ أصْلًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنِ التَّوْبَةُ واجِبَةَ القَبُولِ عَقْلًا. أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَفِيهِ (بَحْثٌ) وهو عَطْفُ الكافِرِ عَلى المُنافِقِ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ المُنافِقُ كافِرًا؛ لِوُجُوبِ حُصُولِ المُغايَرَةِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. (والجَوابُ): المُرادُ: الَّذِينَ أظْهَرُوا الكُفْرَ، وإلّا فالمُنافِقُ كافِرٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكم وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .
وفِي لَفْظِ ”المَوْلى“ هَهُنا أقْوالٌ:
أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”مَوْلاكم“ أيْ مَصِيرُكم، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المَوْلى مَوْضِعُ الوَلْيِ، وهو القُرْبُ، فالمَعْنى أنَّ النّارَ هي مَوْضِعُكُمُ الَّذِي تَقْرُبُونَ مِنهُ وتَصِلُونَ إلَيْهِ.
والثّانِي: قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي أوْلى بِكم، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ والفِرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي قالُوهُ مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لِلَّفْظِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْلًى وأوْلى بِمَعْنًى واحِدٍ في اللُّغَةِ لَصَحَّ اسْتِعْمالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في مَكانِ الآخَرِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: هَذا مَوْلى مِن فُلانٍ كَما يُقالُ: هَذا أوْلى مِن فُلانٍ، ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: هَذا أوْلى فُلانٍ كَما
صفحة ١٩٩
يُقالُ: هَذا مَوْلى فُلانٍ، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الَّذِي قالُوهُ مَعْنًى ولَيْسَ بِتَفْسِيرٍ، وإنَّما نَبَّهْنا عَلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ؛ لِأنَّ الشَّرِيفَ المُرْتَضى لَمّا تَمَسَّكَ بِإمامَةِ عَلِيٍّ، بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ» “ قالَ: أحَدُ مَعانِي مَوْلى أنَّهُ أوْلى، واحْتَجَّ في ذَلِكَ بِأقْوالِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ مَوْلى مَعْناهُ أوْلى، وإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ وجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ما عَداهُ إمّا بَيْنَ الثُّبُوتِ كَكَوْنِهِ ابْنَ العَمِّ والنّاصِرَ، أوْ بَيْنَ الِانْتِفاءِ كالمُعْتِقِ والمُعْتَقِ، فَيَكُونُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ عَبَثًا، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي كَذِبًا، وأمّا نَحْنُ فَقَدَ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ قَوْلَ هَؤُلاءِ في هَذا المَوْضِعِ مَعْنًى لا تَفْسِيرٌ، وحِينَئِذٍ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿هِيَ مَوْلاكُمْ﴾ أيْ لا مَوْلى لَكم، وذَلِكَ لِأنَّ مَن كانَتِ النّارُ مَوْلاهُ فَلا مَوْلى لَهُ، كَما يُقالُ: ناصِرُهُ الخِذْلانُ ومُعِينُهُ البُكاءُ، أيْ لا ناصِرَ لَهُ ولا مُعِينَ، وهَذا الوَجْهُ مُتَأكِّدٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] .
57:16Page 539
۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦
Has the time not come for those who have believed that their hearts should become humbly submissive at the remembrance of Allāh and what has come down of the truth? And let them not be like those who were given the Scripture before, and a long period passed over them, so their hearts hardened; and many of them are defiantly disobedient.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾
وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ: ”ألَمّا يَأْنِ“، قالَ ابْنُ جِنِّي: أصْلُ لَمّا لَمْ، ثُمَّ زِيدَ عَلَيْها ما، فَـ ”لَمْ“ نَفْيٌ لِقَوْلِهِ: أفْعَلُ، ولَمّا: نَفْيٌ لِقَوْلِهِ: قَدْ يَفْعَلُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا زِيدَ في الإثْباتِ ”قَدْ“ لا جَرَمَ زِيدَ في نَفْيِهِ ”ما“، إلّا أنَّهم لَمّا رَكَّبُوا ”لَمْ“ مَعَ ”ما“ حَدَثَ لَها مَعْنًى ولَفْظٌ، أمّا المَعْنى فَإنَّها صارَتْ في بَعْضِ المَواضِعِ ظَرْفًا، فَقالُوا: لَمّا قُمْتَ قامَ زَيْدٌ، أيْ وقْتَ قِيامِكَ قامَ زَيْدٌ، وأمّا اللَّفْظُ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقِفَ عَلَيْها دُونَ مَجْزُومِها، فَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: جِئْتُ ولَمّا، أيْ ولَمّا يَجِئْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: جِئْتُ ولَمْ.
وأمّا الَّذِينَ قَرَأُوا: ”ألَمْ يَأْنِ“ فالمَشْهُورُ ألَمْ يَأْنِ مِن أنى الأمْرُ يَأْنِي إذا جاءَ إناهُ أيْ وقْتُهُ. وقُرِئَ: ألَمْ يَئِنْ، مِن أنَّ يَئِينُ بِمَعْنى أنى يَأْنِي.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: نَزَلَ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ وفي قُلُوبِهِمُ النِّفاقُ المُبايِنُ لِلْخُشُوعِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ لَعَلَّهم ذَهَبُوا إلى أنَّ المُؤْمِنَ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا في الحَقِيقَةِ إلّا مَعَ خُشُوعِ القَلْبِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ تَعالى ذَلِكَ إلّا لِمَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ مَن هو مُؤْمِنٌ عَلى الحَقِيقَةِ، لَكِنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَكُونُ لَهُ خُشُوعٌ وخَشْيَةٌ، وقَدْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ تَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا:
أحَدُها: لَعَلَّ طائِفَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ ما كانَ فِيهِمْ مَزِيدُ خُشُوعٍ ولا رِقَّةٍ، فَحُثُّوا عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ.
وثانِيها: لَعَلَّ قَوْمًا كانَ فِيهِمْ خُشُوعٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ زالَ مِنهم شِدَّةُ ذَلِكَ الخُشُوعِ، فَحُثُّوا عَلى المُعاوَدَةِ إلَيْها. عَنِ الأعْمَشِ قالَ: إنَّ الصَّحابَةَ لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ أصابُوا لِينًا في العَيْشِ ورَفاهِيَةً، فَفَتَرُوا عَنْ بَعْضِ ما كانُوا عَلَيْهِ، فَعُوتِبُوا بِهَذِهِ الآيَةِ. وعَنْ أبِي بَكْرٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قُرِئَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وعِنْدَهُ
صفحة ٢٠٠
قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمامَةِ، فَبَكَوْا بُكاءً شَدِيدًا، فَنَظَرَ إلَيْهِمْ فَقالَ: هَكَذا كُنّا حَتّى قَسَتِ القُلُوبُ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: أما حانَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ تَرِقَّ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ، أيْ مَواعِظِ اللَّهِ الَّتِي ذَكَرَها في القُرْآنِ، وعَلى هَذا الذِّكْرُ مُصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الذِّكْرَ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والمَعْنى: لِذِكْرِهِمُ اللَّهَ، أيْ يَجِبُ أنْ يُورِثَهُمُ الذِّكْرُ خُشُوعًا، ولا يَكُونُوا كَمَن ذِكْرُهُ بِالغَفْلَةِ فَلا يَخْشَعُ قَلْبُهُ لِلذِّكْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ما في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالعَطْفِ عَلى الذِّكْرِ وهو مَوْصُولٌ، والعائِدُ إلَيْهِ مَحْذُوفٌ عَلى تَقْدِيرِ: وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ، ثُمَّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: ﴿وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ خَفِيفَةً، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”وما نَزَّلَ“ مُشَدَّدَةً، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: ”وما نُزِّلَ مِنَ الحَقِّ“مُرْتَفِعَةَ النُّونِ مَكْسُورَةَ الزّايِ، والتَّقْدِيرُ في القِراءَةِ الأُولى: أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ ولِما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ، وفي القِراءَةِ الثّانِيَةِ: ولِما نَزَّلَهُ اللَّهُ مِنَ الحَقِّ، وفي القِراءَةِ الثّالِثَةِ: ولِما نُزِّلَ مِنَ الحَقِّ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحَقِّ هو القُرْآنَ؛ لِأنَّهُ جامِعٌ لِلْوَصْفَيْنِ؛ الذِّكْرِ والمَوْعِظَةِ، وأنَّهُ حَقٌّ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الذِّكْرِ هو ذِكْرَ اللَّهِ مُطْلَقًا، والمُرادُ بِما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ هو القُرْآنَ، وإنَّما قُدِّمَ الخُشُوعُ بِالذِّكْرِ عَلى الخُشُوعِ بِما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ؛ لِأنَّ الخُشُوعَ والخَوْفَ والخَشْيَةَ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، فَأمّا حُصُولُها عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ فَذاكَ لِأجْلِ اشْتِمالِ القُرْآنِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَكُونُوا﴾ قالَ الفَرّاءُ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ، مَعْناهُ: ألَمْ يَأْنِ أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم، وأنْ لا يَكُونُوا، قالَ: ولَوْ كانَ جَزْمًا عَلى النَّهْيِ كانَ صَوابًا، ويَدُلُّ عَلى هَذا الوَجْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ بِالتّاءِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ﴾ يُرِيدُ اليَهُودَ والنَّصارى: ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ طُولِ الأمَدِ وُجُوهًا:
أحَدُها: طالَتِ المُدَّةُ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْبِيائِهِمْ فَقَسَتْ قُلُوبُهم.
وثانِيها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مالُوا إلى الدُّنْيا وأعْرَضُوا عَنْ مَواعِظِ اللَّهِ.
وثالِثُها: طالَتْ أعْمارُهم في الغَفْلَةِ، فَحَصَلَتِ القَسْوَةُ في قُلُوبِهِمْ بِذَلِكَ السَّبَبِ.
ورابِعُها: قالَ ابْنُ حِبانٍ: الأمَدُ هَهُنا الأمَلُ البَعِيدُ، والمَعْنى عَلى هَذا: طالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ بِطُولِ الأمَلِ، أيْ لَمّا طالَتْ آمالُهم لا جَرَمَ قَسَتْ قُلُوبُهم.
وخامِسُها: قالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: طالَ عَلَيْهِمْ أمَدُ خُرُوجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وسادِسُها: طالَ عَهْدُهم بِسَماعِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَزالَ وقْعُهُما عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَلا جَرَمَ قَسَتْ قُلُوبُهم، فَكَأنَّهُ تَعالى نَهى المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ، قالَهُ القُرَظِيُّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قُرِئَ: ”الأمَدُّ“ بِالتَّشْدِيدِ، أيِ الوَقْتُ الأطْوَلُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ أيْ خارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ رافِضُونَ لِما في الكِتابَيْنِ، وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ عَدَمَ الخُشُوعِ في أوَّلِ الأمْرِ يُفْضِي إلى الفِسْقِ في آخِرِ الأمْرِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences